المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكتبه الشيخ محمد بن صالح العثيمين


الصفحات : [1] 2

الزاهدة
08-13-2011, 05:03 AM
مكتبه الشيخ محمد بن صالح العثيمين

اخواتى اسمحوا لى ان اقدم بين ايديكم اروع الكتب للشيخ العلامه
محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
واولى هذه الموسوعه

كتاب فقه تارك الصلاه

مقدمه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : فإن كثيراً من المسلمين اليوم تعاونوا بالصلاة وأضاعوها حتى تركها بعضهم تركاً مطلقاً تهاوناً.
ولما كانت هذه المسألة من المسائل العظيمة الكبرى التي ابتلي بها الناس اليوم ، واختلف فيها علماء الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً ، أحببت أن أكتب فيها ما تيسر. ويتلخص الكلام في فصلين:
* الفصل الأول : في حكم تارك الصلاة .
* الفصل الثاني : فيما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيرها .
نسأل الله تعالى أن نكون فيها موفقين للصواب .

الفصل الأول: حكم تارك الصلاة

إن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى، وقد تنازع فيها أهل العلم سلفاً وخلفاً، فقال الإمام أحمد بن حنبل: "تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل".
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: "فاسق ولا يكفَّر".
ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي: "يقتل حداً" وقال أبو حنيفة: "يعزر ولا يقتل".
وإذا كانت هذه المسألة من مسائل النزاع، فالواجب ردها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى:(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه) (الشورى:الآية 10). وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء : الآية 59).
ولأن كل واحد من المختلفين لا يكون قوله حجة على الآخر؛ لأن كل واحد يرى أن الصواب معه ، وليس أحدهما أولى بالقبول من الآخر، فوجب الرجوع في ذلك إلى حكم بينهما وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإذا رددنا هذا النزاع إلى الكتاب والسنة ، وجدنا أن الكتاب والسنة كلاهما يدل على كفر تارك الصلاة ، الكفر الأكبر المخرج عن الملة .
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى في سورة التوبة: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين) (التوبة : الآية 11).
وقال في سورة مريم : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (مريم: 59-60).
فوجه الدلالة من الآية الثانية – آية سورة مريم – أن الله قال في المضيعين للصلاة ، المتبعين للشهوات : (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ) فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات غير مؤمنين .
ووجه الدلالة من الآية الأولى – آية سورة التوبة – أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط :
* أن يتوبوا من الشرك .
* أن يقيموا الصلاة .
* أن يؤتوا الزكاة .
فإن تابوا من الشرك ، ولم يقيموا الصلاة ، ولم يؤتوا الزكاة ، فليسوا بإخوة لنا. وإن أقاموا الصلاة ، ولم يؤتوا الزكاة ، فليسوا بإخوة لنا .
والأخوّة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية ، فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر.
ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القتل : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة : الآية 178). فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول ، مع أن القتل عمداً من أكبر الكبائر، لقول الله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء : 93) .
ثم ألا تنظر إلى قوله تعالى في الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) ، إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم) (الحجرات : 9-10) . فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة والطائفتين المقتتلتين ، مع أن قتال المؤمن من الكفر، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه،أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر"(1). لكنه كفر لا يخرج من الملة ، إذ لو كان مخرجاً من الملة ما بقيت الأخوة الإيمانية معه . والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة الإيمانية مع الاقتتال .
وبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة ، إذ لو كان فسقاً أو كفراً دون كفر، ما انتفت الأخوة الدينية به ، كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله .
فإن قال قائل : هل ترون كفر تارك إيتاء الزكاة كما دل عليه مفهوم آية التوبة ؟
قلنا : كفر تارك إيتاء الزكاة قال به بعض أهل العلم ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى .
ولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة ، ذكرها الله تعالى في كتابه ، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته ، ومنها ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر عقوبة مانع الزكاة ، وفي آخره : "ثم يرى سبيله ، إما إلى الجنة وإما إلى النار". وقد رواه مسلم بطوله في : باب "إثم مانع الزكاة"(2) ، وهو دليل على أنه لا يكفّر، إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة .
فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة ؛ لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه.

ثانياً : من السنة :
1- قال صلى الله عليه وسلم : "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " .
رواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).
2- وعن بريده بن الحصيب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يقول : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه(4).
والمراد بالكفر هنا : الكفر المخرج عن الملة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة فصلاً بين المؤمنين والكافرين ، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام ، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين .
3- وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "ستكون أمراء ، فتعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع . قالوا : "أفلا نقاتلهم ؟ قال : "لا ما صلوا"(5).
4- وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويعلنونكم". قيل : يا رسول الله ، أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال : "لا ما أقاموا فيكم الصلاة"(6).
ففي هذين الحديثين الأخيرين دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة ، ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفراً صريحاً ، عندنا فيه برهان من الله تعالى ، لقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه : "دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه ، فكان فيما أخذ علينا ، أن بايعنا على السمع والطاعة ، في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرةٍ علينا ، وألا ننازع الأمر أهله ". قال : " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان"(7).
وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، منابذتهم وقتالهم بالسيف كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان .
ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر أو أنه مؤمن ، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وثواب ذلك ، وهي إما مقيدة بقيود في النص نفسه يمتنع معها أن يترك الصلاة ، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة ، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة ؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة ، والخاص مقدَّم على العام .
فإن قال قائل : ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحداً لوجوبها ؟
قلنا : لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين :
الأول : إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به .
فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة ، دون الإقرار بوجوبها ، فلم يقل الله تعالى : فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة . أوالعهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة ، فمن جحد وجوبها فقد كفر.
ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن الكريم ، قال الله تعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل الآية 89). وقال تعالى مخاطباً نبيه:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) (النحل:الآية 44).
الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم :
فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك .
فلوا صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط ، وأركان ، وواجبات ، ومستحبات ، لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافراً مع أنه لم يتركها .
فتبين بذلك أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها غير صحيح ، وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، قال : أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تتركوا الصلاة عمداً ، فمن تركها عمداً متعمداً فقد خرج من الملة ".
وأيضاً فإننا لو حملناه على ترك الجحود لم يكن لتخصيص الصلاة في النصوص فائدة، فإن هذا الحكم عام في الزكاة ، والصيام ، والحج ، فمن ترك منها واحداً جاحداً لوجوبه كفر إن كان غير معذور بجهل .
وكما أن كفر تارك الصلاة مقتضى الدليل السمعي الأثري ، فهو مقتضى الدليل العقلي النظري .
فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين ، والتي جاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يقوم بها ويبادر إلى فعلها . وجاء من الوعيد على تركها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها ؟ فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقي إيماناً مع التارك .
فإن قال قائل : ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة ؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم : "اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب ، والنياحة على الميت"(8). وقوله : "سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر(9)" ونحو ذلك .
قلنا : هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه :
الأول : أن النبي صلى الله عليه و سلم جعل الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان ، وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره ، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.
الثانى : أن الصلاة ركن من أركان الإسلام ، فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام ؛ لأنه هَدَم ركناً من أركان الإسلام ، بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلاً من أفعال الكفر.
الثالث : أن هناك نصوصاً أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً من الملة؛ فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق .
الرابع : أن التعبير بالكفر مختلف .
ففي ترك الصلاة قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر(10)" فعبر بـ "أل" الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة "كفر" منكراً أو كلمة "كفر" بلفظ الفعل ، فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص70 طبعة السنة المحمدية) على قوله صلى الله عليه وسلم : "اثنتان في الناس هما بهم كفر"(11) .
قال : "فقوله : "هما بهم كفر" أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس ، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس ، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافراً الكفر المطلق ، حتى تقوم به حقيقة الكفر. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمناً حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته . وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة(12)" وبين كفر منكر في الإثبات انتهى كلامه .
فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفراً مخرجاً من الملة بمقتضى هذه الأدلة ، كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات) (مريم : الآية 59) . وذكر ابن القيم في "كتاب الصلاة" أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي ، وأن الطحاوى نقله عن الشافعي نفسه.
وعلى هذا القول جمهور الصحابة ، بل حكى غير واحد إجماعهم عليه .
قال عبد الله بن شقيق : "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما(13).
وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف : "صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر" .
وذكر ابن حزم أنه قد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ، قال : "ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة". نقله عنه المنذري في (الترغيب والترهيب)(14) وزاد من الصحابة : عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبا الدرداء رضي الله عنهم . قال : "ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه ، وعبد الله بن المبارك ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة ، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم". أ. هـ.
فإن قال قائل:ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا : الجواب : أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفَّر، أو أنه مؤمن ، أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة . ونحو ذلك .
ومن تأملها وجدها لا تخرج عن خمسة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.
القسم الأول : أحاديث ضعيفة غير صريحة حاول موردها أن يتعلق بها ولم يأت بطائل .
القسم الثاني : ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة .
مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء : الآية 48). فإن معنى قوله تعالى : (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما هو أقل من ذلك ، وليس معناه ما سوى ذلك ، بدليل أن من كذَّب بما أخبر الله به ورسوله ، فهو كافر كفراً لا يغفر وليس ذنبه من الشرك .
ولو سلمنا أن معنى (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما سوى ذلك ، لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك ، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركاً .
القسم الثالث : عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة .
مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل : "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار"(15) وهذا أحد ألفاظه ، وورد نحوه من حديث أبي هريرة (16) وعبادة بن الصامت (17) وعتبان بن مالك (18) رضي الله عنهم .
القسم الرابع : عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة .
مثل قوله صلى الله عليه و سلم في حديث عتبان بن مالك : "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" رواه البخاري (19) .
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ : "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" رواه البخاري (20) .
فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنعه من ترك الصلاة ، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولابد ، فإن الصلاة عمود الإسلام ، وهي الصلة بين العبد وربه ، فإذا كان صادقاً في ابتغاء وجه الله ، فلابد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك ، ويتجنب ما يحول بينه وبينه ، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه ، فلابد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصاً بها لله تعالى متبعاً فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة .
القسم الخامس : ما ورد مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة .
كالحديث الذي رواه ابن ماجه(21) عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب" الحديث . وفيه : "وتبقى طوائف من الناس ، الشيخ الكبير والعجوز يقولون : "أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة : "ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون لا صلاة ، ولا صيام ، ولا نسك ، ولا صدقة " فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثاً ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : " يا صلة ، تنجيهم من النار" ثلاثاً .
فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام ؛ لأنهم لا يدرون عنها ، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه ، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع ، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها ، كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع ، أو أسلم في دار الكفر فمات قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع .
والحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم ما استدل به من يرى كفره ، لأن ما استدل به أولئك : إما أن يكون ضعيفاً غير صريح ، وإما ألا يكون فيه دلالة أصلاً ، وإما أن يكون مقيداً بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة ، أو مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة ، أو عاماً مخصوصاً بأدلة تكفيره ! .
فإذا تبين كفره بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم ، وجب أن تترتب أحكام الكفر والردة عليه ، ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجوداً أو عدماً .

-----------------------

(1) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم (48) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه و سلم : "سباب المسلم فسوق" رقم (64) .
(2) رواه مسلم ، كتاب الزكاة ، باب إثم مانع الزكاة ، رقم (987) .
(3) رواه مسلم ، كتاب الأيمان ، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ، رقم (82) .
(4) رواه أحمد (5/346) والترمذي، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ، رقم (2621) وقال : حديث حسن صحيح غريب . والنسائي ، كتاب الصلاة ، باب الحكم في تارك الصلاة رقم (463) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة رقم (1079) .
(5) رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع ، رقم (1854) .
(6) رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب خيار الأئمة وشرارهم رقم (1855) .
(7) رواه البخاري ، كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم : "سترون بعدي أموراً تنكرونها" رقم (7055- 7056) ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ، رقم (1709م) .
(8) رواه مسلم ، كتاب الأيمان ، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب رقم (67) .
(9) سبق تخريجه .
(10) سبق تخريجه .
(11) سبق تخريجه
(12) سبق تخريجه .
(13) رواه الترمذي ، كتاب الأيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ، رقم (2622) والحاكم (1/7) .
(14) الترغيب والترهيب (1/445- 446) .
(15) رواه البخاري ، كتاب العلم ، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم ، رقم (128) ومسلم ، كتاب الأيمان ، باب من لقي الله بالأيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة ، رقم (33) .
(16) أخرجه مسلم رقم (27) .
(17) أخرجه مسلم رقم (29) .
(18) سيأتي تخريجه .
(19) أخرجه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب المساجد في البيوت ، رقم (425) ومسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر رقم (33م) .
(20) سبق تخريجه .
(21) رواه ابن ماجه ، كتاب الفتن ، باب ذهاب القرءان والعلم ، رقم (4049) والحاكم (4/473) وقال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات. وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم .


يتبع بالفصل الثانى

الزاهدة
08-13-2011, 05:15 AM
الفصل الثاني: فيما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيره

يترتب على الردة أحكام دنيوية وأخروية .
أولاً : من الأحكام الدنيويه :
1- سقوط ولايته : فلا يجوز أن يولى شيئاً يشترط في الولاية عليه الإسلام ، وعلى هذا فلا يولّى على القاصرين من أولاده وغيرهم ، ولا يزوِّج أحداً من مولياته من بناته وغيرهن .
وقد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في كتبهم المختصرة والمطولة : أنه يشترط في الولي الإسلام إذا زوَّج مسلمة ، وقالوا : " لا ولاية لكافر على مسلمة ".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : " لا نكاح إلا بولي مرشد " ، وأعظم الرشد وأعلاه دين الإسلام ، وأسفه السفه وأدناه الكفر والردة عن الإسلام . قال الله تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة : الآية 130) .
2- سقوط إرثه من أقاربه : لأن الكافر لا يرث المسلم ، والمسلم لا يرث الكافر، لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما(22) .
3- تحريم دخوله مكة وحرمها : لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) (التوبة : الآية 28) .
4- تحريم ما ذكاه من بهيمة الأنعام : (الإبل والبقر والغنم) وغيرها مما يشترط لحله الذكاة؛ لأن من شروط الذكاة : أن يكون المذكي مسلماً أو كتابياً (يهودياً أو نصرانياً) ، فأما المرتد والوثني والمجوسي ونحوهم فلا يحل ما ذكاه .
قال الخازن في تفسيره : " أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له".
وقال الإمام أحمد : "لا أعلم أحداً قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ".
5- تحريم الصلاة عليه بعد موته ، وتحريم الدعاء له بالمغفرة والرحمة ؛ لقوله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة : 84). وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة : 113- 114) .
ودعاء الإنسان بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر بأي سبب كان كفره اعتداء في الدعاء ، ونوع من الاستهزاء بالله ، وخروج عن سبيل النبي والمؤمنين .
وكيف يمكن لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعو بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر وهو عدو لله تعالى ؟! كما قال عز وجل : (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة : 98) . فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى عدو لكل الكافرين .
والواجب على المؤمن أن يتبرأ من كل كافر؛ لقوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف : 26- 27) .
وقوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءاؤ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: الآية4). وليتحقق له بذلك متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال الله تعالى : (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة : الآية 3) .
ومن أوثق عرى الإيمان : أن تحب في الله ، وتكره في الله ، وتوالي في الله ، وتعادي في الله ، لتكون في محبتك ، وكراهيتك ، وولايتك ، وعداوتك ، تابعاً لمرضاة الله عز وجل .
6- تحريم نكاحة المرأة المسلمة : لأنه كافر، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع . قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة : الآية 10) .
قال في المغني (6/592) : "وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم ". قال : "والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت ، لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه ، ففي حلها أولى" .
وقال في باب المرتد (8/130) : "وإن تزوج لم يصح تزوُّجه ؛ لأنه لا يقر على النكاح ، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة"(23).
فأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة ، وأن نكاح المرتد غير صحيح ، فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد ؟
قال في المغني (6/298):"إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال ، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان : إحداهما : تتعجل الفرقة. والثانى : تقف على انقضاء العدة".
وفي المغني (6/639) :" أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم ، واستدل له . وفيه أيضاً أن انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة ، وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي .
وهذا يقتضى أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين ، لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال ، وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال ، ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين .
وفي ص (640) منه : "وإن ارتد الزوجان معاً ، فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما ، إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة ، وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة على روايتين . وهذا مذهب الشافعي" ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحساناً ، لأنه لم يختلف بهما الدين ، فأشبه ما لو أسلما ، ثم نقض صاحب المغني قياسه طرداً وعكساً .
وإذ تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلاً ، وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة ، وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة وقول عامة الصحابة ؛ تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة ، فإن زواجه غير صحيح ، ولا تحل له المرأة بهذا العقد ، وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد . وكذلك الحكم لو كانت المرأة هي التي لا تصلي .
وهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم ، مثل أن يتزوج كافر بكافرة ، ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ النكاح ، وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح ، ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته ، وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها ، لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت .
وقد كان الكفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون مع زوجاتهم ، ويقرهم النبي صلى الله عليه و سلم على أنكحتهم ، إلا أن يكون سبب التحريم قائماً ، مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم ، فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم .
وهذه المسالة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة ، ثم تزوج مسلمة ، فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصلياً غير مرتد ، ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل ، ويجب التفريق بينهما ، ولو أسلم وأراد أن يرجع إليها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد .
7- حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها :
فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال .
وإما بالنسبة للزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاده يلحقون به بكل حال ؛ لأن نكاحه صحيح . وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في الفصل الأول فإننا ننظر:
* فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل ، أو لا يعتقد ذلك ، فالأولاد أولاده يلحقون به ، لأن وطأه في هذه الحال مباح في اعتقاده ، فيكون وطء شبهة ، ووطء الشبهة يلحق به النسب .
* وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقد ذلك ، فإن أولاده لا يلحقون به ، لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له .
ثانياً : الأحكام الأخروية المترتبة على الردة :
1- أن الملائكة توبخه وتقرعه ، بل تضرب وجوههم وأدبارهم ، قال الله تعالى : (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) (الأنفال : 50-51) .
2-أنه يحشر مع أهل الكفر والشرك لأنه منهم ، قال الله تعالى : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (الصافات:22-23). والأزواج جمع (زوج) وهو (الصنف) أي احشروا الذين ظلموا ومن كان من أصنافهم من أهل الكفر والظلم .
3- الخلود في النار أبد الآبدين ؛ لقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) (الأحزاب : الآيات 64 – 66) .
وإلى هنا انتهى ما أردنا القول فيه في هذه المسألة العظيمة التي ابتلي بها كثير من الناس .
* وباب التوبة مفتوح لمن أراد أن يتوب . فبادر أخي المسلم إلى التوبة إلى الله عز وجل مخلصاً لله تعالى ، نادماً على ما مضى ، عازماً على ألا تعود ، مكثراً من الطاعات ، فـ (مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) (الفرقان : الآيتان 70 – 71) .
أسأل الله تعالى أن يهيئ لنا من أمرنا رشداً ، وأن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم ، صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين ، والصديقين والشهداء ، والصالحين ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين .
تم بقلم الفقير إلى الله تعالى
محمد الصالح العثيمين
في 23/2/1407هـ

------------------

(22) رواه البخاري ، كتاب الفرائض ، باب "لا يرث المسلم الكافر" رقم (6764) ومسلم ، كتاب الفرائض ، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم رقم (1614) .
(23) وفي مجمع الأنهر للحنفية آخر باب نكاح الكافر (1/202) : (ولا يصح تزوج المرتد ولا المرتدة أحداً) لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .

الزاهدة
08-13-2011, 06:32 AM
فقه العبادات

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فقد طبِعَ هذا الكتاب ( فقه العبادات) طبعات كثيرة منذ عام 1416هـ واعتنى بطبعته الأولى - مشكوراً - فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار - فجزاه الله خيراً-.
وإنفاذاً للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قرَّرها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - لإخراج مؤلفاته وإعدادها للنشر تمت - ولله الحمد - في هذه النسخة مراجعة محتوى الكتاب على أصولها المسموعة والمسجلة التي أعدها وقدم أسئلتها الشيخ سليمان بن محمد الشبانة- رحمه الله تعالى .
وبناء عليه فإن هذه الطبعة هي النسخة المعتمدة للكتاب .
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم نافعاً لعباده ، وأن يجزي فضيلة شيخنا المؤلف عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، ويسكنه فسيح جناته إنه سميع قريب ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .



فتاوى العقيدة

التوحيد والاعتقاد

الغاية مِن خلق البشر

السؤال (1) : فضيلة الشيخ، ما هي الغاية مِن خَلق البشر؟
الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد : فإنه قبل أن أجيب على هذا السؤال ، أحب أن أنبه على قاعدة عامة فيما يخلقه الله عز وجل ، وفيما يشرعه ، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تبارك وتعالى : ( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(التحريم: 2) ، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)(الأحزاب: 1) ، وغيرهما من الآيات الكثيرة الدالة على إثبات الحكمة لله عز وجل ، فيما يخلقه ، وفيما يشرعه ، أي في أحكامه الكونية والشرعية ، فإنه ما من شيء يخلقه الله عز وجل إلا وله حكمة ، وسواء كان ذلك في إيجاده أو إعدامه ، وما من شيء يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة ، سواء كان ذلك في إيجابه ، أو تحريمه ، أو إباحته.
لكن هذه الحكم التي يتضمنها حكمه الكوني والشرعي ، قد تكون معلومة لنا ، وقد تكون مجهولة ، وقد تكون معلومة لبعض الناس دون بعض ، حسب ما يأتيهم الله سبحانه وتعالى من العلم والفهم إذا تقرر هذا فإننا نقول : إن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة ، وغاية حميدة، وهي عبادته تبارك وتعالى .
كما قال الله سبحانه وتعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) ، وقال تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله تعالى حكمة بالغة في خلق الجن والإنس ، وهي عبادته.
والعبادة هي التذلل لله عز وجل ، محبة ، وتعظيماً بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه ، على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )(البينة: 5) فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس ، وعلى هذا فمن تمرد على ربه ، واستكبر عن عبادته ، فإنه يكون نابذاً لهذه الحكمة التي خلق العباد من أجلها ، وفعله يشهد بأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق عبثاً وسدى ، وهو وإن لم يصرح بذلك ، لكن هذا مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه.

السؤال(2): فضيلة الشيخ ، لكن هل للعبادة مفهوم يمكن أن نعرفه ، وهل لها مفهوم عام ، ومفهوم خاص ؟
الجواب : نعم مفهومها العام كما أشرت إليه آنفاً ، بأنها التذلل لله عز وجل محبة وتعظيماً ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، هذا المفهوم العام.
والمفهوم الخاص - أعني تفصيلها - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي " اسم جامع لكل ما يجبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، كالخوف ، والخشية ، والتوكل ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، وغير ذلك من شرائع الإسلام".
ثم إن كنت تقصد بمعنى المفهوم الخاص والعام ما ذكره بعض العلماء من أن العبادة إما عبادة كونية ، أو عبادة شرعية ، بمعنى أن الإنسان قد يكون متذللاً لله سبحانه وتعالى تذللا كونيا وتذللاً شرعياً، فالعبادة الكونية عامة ، تشمل المؤمن والكافر ، والبر والفاجر، لقوله تعالى : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم:93) ، فكل ما في السموات والأرض فهو خاضع لله سبحانه وتعالى كوناً ، لا يمكن أبداً أن يضاد الله ، أو يعارضه فيما أراد - سبحانه وتعالى - بالإرادة الكونية.
وأما العبادة الخاصة : وهي العبادة الشرعية ، وهل التذلل لله تعالى شرعاً، فهذه خاصة بالمؤمنين بالله سبحانه وتعالى ، القائمين بأمره ثم إن منها ما هو خاص أخص ، وخاص فوق ذلك .
فالخاص الأخص كعبادة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، مثل قوله تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ )(الفرقان: 1)، وقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)(البقرة: 23) ، وقوله : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) (ص:45)، وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بالعبودية.

السؤال (3): فضيلة الشيخ ، هل يثاب من اختصوا بالعبادة الكونية عن هذه العبادة الشرعية؟
الجواب : هؤلاء لا يثابون عليها ، لأنهم خاضعون لله تعالى شاؤوا أم أبوا فالإنسان يمرض ، ويفقر ، ويفقد محبوبه ، من غير أن يكون مريداً لذلك ، بل هو كاره لذلك ، لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعاً كونياً


أول واجب على العبيد
السؤال (4) : فضيلة الشيخ ، ما هو أول واجب على الخلق؟
الجواب: أول واجب على الخلق ، هو أول ما يدعى الخلق إليه ، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ، فقال "إنك تأتي قوماً أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله"(1)، فهذا أول وجب على العباد ، أن يوحدوا الله عز وجل ، وأن يشهدوا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، وبتوحيد الله سبحانه وتعالى ، والشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، يتحقق الإخلاص والمتابعة اللذان هما شرط لقبول كل عبادة .
فهذا هو أول ما يجب على العباد ، أن يوحدوا الله ، ويشهدوا لرسله صلى الله عليهم وسلم بالرسالة ، فشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن التوحيد كله.


علاقة الشهادة بأنواع التوحيد
السؤال (5) : فضيلة الشيخ ، لكن هل تشمل الشهادة أنواع التوحيد؟
الجواب : هي تشمل أنواع التوحيد كلها ، إما بالتضمن وإما بالالتزام ، وذلك أن قول القائل : أشهد أن لا إله إلا الله ، يتبادر إلى المفهوم ، أن المراد بها توحيد العبادة ، وتوحيد العبادة الذي يسمى توحيد الألوهية مستلزم بل متضمن لتوحيد الربوبية ، لأن كل من عبد لله وحده فإنه لن يعبده حتى يكون مقرا له بالربوبية ، وكذلك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات ، لأن الإنسان لا يعبد إلا من علم أنه مستحق للعبادة ، لما له من الأسماء والصفات ، ولهذا قال إبراهيم لأبيه : ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)(مريم: 42)، فتوحيد العبادة ، وهو توحيد الألوهية ، متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات .


معنى التوحيد
السؤال (6) : فضيلة الشيخ ، ما معنى التوحيد ؟
الجواب : التوحيد مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء وحداً ، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات ، نفي الحكم عما سوى الموحد ، وإثباته له فمثلاً نقول : إنه لا يتم للإنسان التوحيد ، حتى يشهد أن لا إله إلا الله ، فينفي الألوهية عما سوى الله ، ويثبتها لله وحده ، وذلك أن النفي المحض تعطيل محض ، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغير في الحكم ، فلو قلت مثلاً : فلان قائم ، فهنا أثبت له القيام ، لكنك لم توحده به لأنه من الجائز أن يشركه غيره في هذا القيام ، ولو قلت : لا قائم ، فقد نفيت نفياً محضا ، ولم تثبت القيام لأحد فإذا قلت : لا قائم إلا زيد أو : لا قائم إلا فلان ، فحينئذ تكون وحدت فلاناً بالقيام ، حيث نفيت القيام عمن سواه ، وهذا هو تحقيق التوحيد في الواقع ، أي أن التوحيد لا يكون توحيداً حتى يتضمن نفياً وإثباتاً .


السؤال (7) : فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع التوحيد على سبيل الإجمال؟
الجواب : أنواع التوحيد حسب ما ذكره أهل العلم ثلاثة :
توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهيية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وعلموا ذلك بالتتبع والاستقراء ، والنظر في الآيات والأحاديث ، فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة ، فنوعوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع .


أنواع التوحيد
السؤال (8) : فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع التوحيد مع التوضيح والأمثلة لذلك ؟
الجواب : أنواع التوحيد بالنسبة لله عز وجل ، تدخل كلها في تعريف عام ، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يخص به ، وهي ثلاثة أنواع :
توحيد الربوبية : وهو إفراد الله تعالى بالخلق ، والملك ، والتدبير ، فالله تعالى وحده هو الخالق ، لا خالق سواه قال الله تعالى ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَه إلا هو)(فاطر: 3)، وقال تعالى مبيناً بطلان آلهة الكفار (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل:17)، فالله تعالى وحده هو الخالق ، خلق كل شيء فقدره تقديراً ، وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته ، وما يقع من مفعولات خلقه أيضاً ، ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد ، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96) .
ووجه ذلك : أن فعل العبد من صفاته ، والعبد مخلوق لله ، وخالق الشيء خالق لصفاته.
ووجه آخر : أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة ، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل ، وخالق السبب التام خالق للمسبب ، فإذا قلت : كيف نقول إنه تعالى منفرد بالخلق ، مع أن الخلق قد يثبت لغير الله ، كما يدل عليه قول الله تعالى : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون: 14)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين : " يقال لهم أحيوا ما خلقتم (2) ، فالجواب على ذلك : أن غير الله تعالى لا يخلق كخلق الله ، فلا يمكنه إيجاد معدوم ، ولا إحياء ميت ، وإنما خلق غير الله سبحانه وتعالى يكون بالتغيير ، وتحويل الشيء من صفة إلى أخرى ، وهو مخلوق لله عز وجل ، فالمصور مثلاً إذا صور صورة فإنه لم يحدث شيئاً ، غاية ما هنالك أنه حول شيئاً إلى شيء ، كما يحول الطين إلى صورة طير ، أو إلى صورة جمل ، وكما يحول بالتلوين الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة ، والمداد كله من خلق الله عز وجل ، والورقة البيضاء أيضاً من خلق الله عز وجل ، فهذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة لله عز وجل ، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق ، وعلى هذا فيكون الله تعالى منفرداً بالخلق الذي يختص به .
ثانياً : من توحيد الربوبية : إفراد الله تعالى بالملك ، فالله تعالى وحده هو المالك ، كما قال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1) ، وقال تعالى : (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ) (المؤمنون:88) ، فالمالك الملك المطلق العام الشامل هو الله سبحانه وتعالى وحده ، ونسبة الملك إلى غيره نسبة إضافية ، فقد أثبت الله تعالى لغيره الملك ، كما في قوله تعالى ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ)(النور: 61) ، وقوله تعالى : (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )(المؤمنون: 6)، وما أشبه ذلك من النصوص الدالة على أن لغير الله تعالى ملكاً ، لكن هذا الملك ليس كملك الله عز وجل ، فهو ملك قاصر ، وملك مقيد ، ملك قاصر لا يشمل ، فالبيت الذي لزيد لا يملكه عمرو ، والبيت الذي لعمرو لا يملكه زيد ، ثم هذا الملك مقيد ، بحث لا يتصرف الإنسان فيما ملك إلا على الوجه الذي أذن الله فيه ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال(3). وقال الله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً )(النساء:5)، وهذا دليل على أن ملك الإنسان ملك قاصر ، وملك مقيد، بخلاف ملك الله سبحانه وتعالى فهو ملك عام شامل ، وملك مطلق ، يفعل الله سبحانه وتعالى ما يشاء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
الركن الثالث من أركان توحيد الربوبية: أن الله تعالى منفرد بالتدبير ، فهو سبحانه وتعالى الذي يدبر الخلق ، يدبر أمر السموات والأرض كما قال الله تعالى : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف: 54)، وهذا التدبير تدبير شامل ، لا يحول دونه شيء ، ولا يعارضه شيء ، والتدبير الذي يكون لبعض المخلوقات ، كتدبير الإنسان أمواله ، وغلمانه ، وخدمه ، وما أشبه ذلك ، هو تدبير ضيق محدود، ومقيد غير مطلق ، فظهر بذلك صحة قولنا : إن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق ، والملك، والتدبير ، فهذا هو توحيد الربوبية.
أما النوع الثاني : فهو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده ويتقرب إليه ، كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه ، وهذا النوع من التوحيد هو الذي ضل فيه المشركون ، الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم وأرضهم وديارهم ، وهو الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب مع أخويه توحيدي الربوبية والأسماء والصفات ، لكن أكثر ما يعالج الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد ، وهو توحيد الألوهية ، بحيث لا يصرف الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى ، لا لملك مقرب ، ولا لنبي مرسل ، ولا لولي صالح ، ولا لأي أحد من المخلوقين ، لأن العبادة لا تصح إلا لله عز وجل ، ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر ، وإن أقر بتوحيد الربوبية وبتوحيد الأسماء والصفات ، فلو أن رجلاً من الناس يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور ، وأنه سبحانه وتعالى المستحق لما يستحقه من الأسماء والصفات ، لكن يعبد مع الله غيره ، لم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية وبتوحيد الأسماء والصفات ، لو فرض أن رجلاً يقر إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ، لكن يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه ، أو ينذر له قرباناً يتقرب به إليه ، فإن هذا مشرك كافر ، خالد في النار ، قال الله تعالى ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: 72).
ومن المعلوم لكل من قرأ كتاب الله عز وجل ، أن المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم ، وسبى ذريتهم ونساءهم ، وغنم أرضهم ، كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق ، لا يشكون في ذلك ، ولكن لما كانوا يعبدون معه غيره ، صاروا بذلك مشركين مباحي الدم والمال.
أما النوع الثالث من أنواع التوحيد : فهو توحيد الأسماء والصفات ، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بإثبات ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلابد من الإيمان بما سمى الله به نفسه ، ووصف به نفسه ، على وجه الحقيقة لا المجاز ، ولكن من غير تكييف ولا تمثيل.
وهذا النوع من أنواع التوحيد ضلت فيه طوائف من هذه الأمة من أهل القبلة ، الذين ينتسبون إلى الإسلام على أوجه شتى ،منهم من غلا في النفي والتنزيه غلوا يخرج به من الإسلام ، ومنهم متوسط ، ومنهم قريب من أهل السنة ، ولكن طريق السلف في هذا النوع من التوحيد ، هو أن يسمى الله عز وجل ويوصف بما سمى ووصف به نفسه على وجه الحقيقة ، بلا تحريف ، ولا تعطيل ولا تكييف ، ولا تمثيل.
مثال ذلك : أن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بالحي القيوم ، فيجب علينا أن نؤمن بالحي على أنه اسم من أسماء الله ، ويجب علينا أن نؤمن بما تضمنه هذا الاسم من وصف ، وهي الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ، ولا يلحقها فناء ، وسمى الله سبحانه وتعالى نفسه بالسميع العليم ، فيجب علينا أن نؤمن بالسميع اسماً من أسماء الله ، وبالسمع صفة من صفاته ، وبأنه يسمع ، وهو الحكم ، الذي اقتضاه ذلك الاسم وتلك الصفة ، فإن سميعاً بلا سمع ، أو سمعاً بلا إدراك مسموع ، هذا شيء محال ، وعلى هذا فقس.
مثال آخر : قال الله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (المائدة:64)، فهنا قال الله تعالى : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) فأثبت لنفسه يدين موصوفتين بالبسط ، وهو العطاء الواسع ، فيجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين بالعطاء والنعم ، ولكن يجب علينا ألا نحاول ، لا بقلوبنا وتصوراتنا ولا بألسنتنا أن نكيف تلك اليدين ، ولا نمثلهما بأيدي المخلوقين ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11) ويقول الله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، ويقول الله عز وجل : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) .
فمن مثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين فقد كذب قول الله عز وجل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11) ، وقد عصى الله تعالى في قوله : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل:74) ، ومن كيفهما وقال هما على كيفية معينة أيا كانت هذه الكيفية فقد قال على الله ما لا يعلم ، وقفا ما ليس له به علم.

أهمية توحيد الأسماء والصفات
السؤال (9) : فضيلة الشيخ ، نريد زيادة تفصيل في القسم الأخيرة من أقسام التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات؟
الجواب : الحقيقة أن هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات ، ينبغي أن يبسط فيه القول لأنه مهم ، ولأن الأمة الإسلامية تفرقت فيه تفرقاً كثيراً ، وهدى الله الذين آمنوا من السلف وأتباعهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
تقدم لنا قاعدة في هذا النوع ، وهو أنه يجب علينا أن نثبت ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله من الأسماء والصفات ، على وجه الحقيقة ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل ، وذكرنا لهذا أمثلة في أسماء الله عز وجل ، ومثالاً في صفة من صفاته وهي صفة اليدين ، وذكرنا أنه يجب فيما يتعلق بالأسماء، أن نثبت ما سمى الله به نفسه اسماً لله ، وأن نثبت ما تضمنه من صفة وما تضمنه من حكم ، وهو الأثر الذي تقتضيه هذه الصفة ، وذكرنا أنه يجب علينا أن نؤمن بما وصف الله به نفسه من الصفات على وجه الحقيقة أيضاً ، وذكرناً مثالاً وهو اليدان ، حيث أثبت الله لنفسه يدين اثنتين ، وهما ثابتتان لله على وجه الحقيقة ، لكن لا يجوز لنا أن نمثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين ، ولا أن نتصور بقلوبنا أو ننطق بألسنتنا عن كيفية هاتين اليدين ، لأن التمثيل تكذيب لقول الله عز وجل : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى:11) ، وعصيان لله ، لقوله تعالى : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل:74) .
وأما التكييف فهو وقوع فيما حرم الله ونهى عنه ، لأن الله يقول : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) .
نزيد مثالاً ثانياً في الصفات ، وهو استواء الله على تعالى على عرشه ، فإن الله تعالى أثبت لنفسه أنه استوى على عرشه في سبعة مواضع من كتابه ، كلها أتت بلفظ " استوى"، وإذا رجعنا إلى الاستواء في اللغة العربية وجدناه إذا عدي بعلى لا يقتضي إلا الارتفاع والعلو، فيكون معنى قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) ، وأمثالها من الآيات ، معناها علا على عرشه عز وجل علوا خاصا غير العلو العام على جميع الأكوان وهذا العلو ثابت لله تعالى على وجه الحقيقة ، فهو عال على عرشه علوا يليق به عز وجل لا يشبه علو الإنسان على السرير ، ولا علوه على الأنعام ولا علوه على الفلك ، الذي ذكره الله في قوله : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (12) (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ5 الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (13) (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف 12-14)، فاستواء المخلوق على شيء لا يمكن أن يماثله استواء على عرشه ، لأنه الله ، ليس كمثله شيء في جميع نعوته.
وقد أخطأ خطأ عظيماً من قال : إن معنى " استوى على العرش" استولى على العرش ، لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، ومخالف لما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، ومستلزم للوازم باطلة ، لا يمكن للمؤمن أن يتفوه بها بالنسبة إلى الله عز جل ، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية بلا شك، كما قال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف:3)، وقال تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (193) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (194) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193-195) ، ومقتضى هذه الصيغة " استوى على كذا" في اللغة العربية : العلو والاستقرار ، بل هو معناها المطابق للفظ.
فمعنى " استوى على العرش" أي علا عليه علو خاصا يليق بجلاله وعظمته ، فإذا فسرناه باستولى فقد حرفنا الكلم عن مواضعه ، حيث أخرجنا هذا المعنى الذي تدل عليه اللغة - لغة القرآن وهو العلو إلى معنى الاستيلاء ، ثم إن السلف والتابعين لهم بإحسان مجمعون على هذا المعنى ، إذ لم يأت عنهم حرف واحد في تفسيره بخلاف ذلك . وإذا جاء اللفظ في القرآن والسنة ولم يرد عن السلف ما يخالف ظاهره ، أو لم يرد عن السلف تفسيره بما يخالف ظاهره ، فالأصل أنهم أبقوه على ظاهره واعتقدوا ما يدل عليه ، ولهذا لو قال لنا قائل : هل عندكم لفظ صريح بأن السلف فسروا استوى بمنى علا ، قلنا : نعم ورد ذلك عن السلف، وعلى فرض أن لا يكون ورد عنهم صريحاً ، فإن الأصل فيما يدل عليه اللفظ في القرآن الكريم والسنة والنبوية ، أنه باق على ما تقتضيه اللغة العربية من المعنى.
أما اللوازم الباطلة التي تلزم على تفسيرنا الاستواء بمعنى الاستيلاء ، فإننا إذا تدبرنا قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف:54)، وقلنا "استوى" بمعنى "استولى" لزم من ذلك أن يكون العرش قبل خلق السموات والأرض ليس ملكاً لله عز وجل ، لأنه قال : خلق ثم استوى ، فإذا قلت : أي " ثم استولى" لزم من ذلك أن يكون العرش ليس ملكاً لله سبحانه وتعالى قبل خلق السموات والأرض ، ولا حين خلق السموات والأرض ، وأيضاً يلزم منه أن يصح التعبير بقولنا : "إن الله استوى على الأرض، واستوى على أي شيء من مخلوقاته - نقدره أو نقوله - وهذا لا شك أنه معنى باطل لا يليق بالله عز وجل ، فتبين بهذا أن تفسير الاستواء بالاستيلاء فيه محظوران:
أحدهما : تحريف الكلم عن مواضعه .
والثاني : أن يتصف الله عز وجل بما لا يليق به.

الواجب تجاه كل نوع من أنواع التوحيد
السؤال (10): فضيلة الشيخ ، ما هو الواجب علينا نحو كل نوع منها على حدة؟
الجواب: الواجب علينا أن نعتقد ما يتضمنه كل نوع ، وأن نوحد الله عز وجل بما يقتضيه هذا النوع من المعاني .
خطر عبادة غير الله
السؤال (11) : فضيلة الشيخ ، ما حكم صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه؟
الجواب : هذه ربما يفهم الجواب مما سبق آنفاً حيث قلنا :إن توحيد العبادة إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، بأن لا يتعبد أحد لغير الله تعالى بشيء من أنواع العبادة ، ومن المعلوم أن الذبح قربة يتقرب به الإنسان إلى ربه ، لأن الله تعالى أمر به في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، وكل قربة فهي عبادة ، فإذا ذبح الإنسان شيئاً لغير الله تعظيماً له ، وتذللاً ، وتقرباً إليه كما يتقرب بذلك ويعظم ربه عز وجل ، كان مشركاً بالله سبحانه وتعالى ، وإذا كان مشركاً فإن الله تعالى قد بين أن المشرك حرم الله عليه الجنة وأن مأواه النار.
وبناء على ذلك نقول : إن ما يفعله بعض الناس من الذبح للقبور - قبور الذين يزعمونهم أولياء - شرك مخرج عن الملة ، ونصيحتنا لهؤلاء : أن يتوبوا إلى الله عز وعجل مما صنعوا ، وإذا تابوا إلى الله ، وجعلوا الذبح لله وحده ، كما يجعلون الصلاة لله وحده ، والصيام لله وحده ، فإنهم يغفر لهم ما قد سبق ، كما قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال:38)، بل إن الله سبحانه وتعالى يعطيهم فوق ذلك ، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، كما قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:68-70). فنصيحتي لهؤلاء الذين يتقربون إلى أصحاب القبور بالذبح لهم ، أن يتوبوا إلى الله تعالى من ذلك ، وأن يرجعوا إليه ، وأن يبشروا إذا تابوا بالتوبة من الكريم المنان ، فإن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة التائبين .
معنى الشهادتين


السؤال (12) : فضيلة الشيخ ، ما معنى الشهادتين ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟
الجواب : الشهادتان : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، هما مفتاح الإسلام ، ولا يمكن الولوج إلى الإسلام إلا بهما ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يكون أول ما يدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله(4).
فإما الكلمة الأولى : وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، فأن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه ، بأنه لا معبود إلا الله عز وجل ، لأن إله بمعنى مألوه ، والتأله : التعبد والمعنى : أنه لا معبود إلا الله تعالى وحده.
وهذا الجملة تشتمل على نفي وإثبات ، فأما النفي ففي قوله "لا إله"، وأما الإثبات ففي قوله :"لا إله ، و"الله" بدل من الخبر المحذوف خبر "لا" لأن التقدير : "لا إله حق إلا الله". فهو إقرار باللسان بعد أن آمن به القلب بأنه لا معبود حق إلا الله عز وجل ، وهذا يتضمن إخلاص العبادة لله وحده ، ونفي العبادة عما سواه ، وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة "حق"، يتبين الجواب عن الإشكال الذي (يورده) كثير من الناس وهو كيف تقولون : "لا إله إلا الله" مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله . سماها الله آلهة ، وسماها عابدوها آلهة . فقال الله تبارك وتعالى : ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ )(هود:101)، وقال تعالى : ( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ)(الاسراء: 39)، وقال تعالى : (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ)(القصص: 88)، فكيف يمكن أن نقول "لا إله إلا الله"، مع ثبوت الألوهية لغير الله عز وجل ، وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله والرسل يقولون لأقوامهم : ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )(الأعراف: من الآية59).
والجواب على هذا الإشكال : يتبين بتقدير الخبر في " لا إله إلا الله" فنقول : هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة ، لكنها آلهة باطلة ، ليست آلهة حقة ، وليس لها من حق الألوهية شيء ، ويدل لذلك قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (لقمان:30)، ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) (19) (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (20) (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى) (21) (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) (22) (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )(النجم: 19-23)، وقوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام : (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (يوسف:40) ، إذن فمعنى لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله عز وجل ، فأما المعبودات سواه ، من الرسول ، أو الملائكة ، أو الأولياء ، أو الأحجار ، أو الأشجار ، أو الشمس ، أو القمر ، أو غير ذلك فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقة ، أي ألوهية باطلة . بل الألوهية الحق هي ألوهية الله عز وجل .


معنى شهادة أن محمداً رسول الله
السؤال (13): فضيلة الشيخ ، هذا معنى شهادة لا إله إلا الله ، فما معنى شهادة أن محمداً رسول الله ؟
الجواب : أما معنى شهادة أن محمداً رسول الله ، فهو الإقرار باللسان ، والإيمان بالقلب ، بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله عز وجل إلى جميع الخلق ، من الجن والإنس ، كما قال الله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158) وقال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1)، ومقتضى هذه الشهادة: أن تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ، وأن تمتثل أمره فيما أمر ، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر ، وألا تعبد الله إلا بما شرع ، ومقتضى هذه الشهادة أيضاً : ألا تعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقا من الربوبية وتصريف الكون ، أو حقا في العبادة، بل هو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً من النفع والضر إلا ما شاء الله ، كما قال الله تعالى : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام:50).
فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به ، وقال الله تعالى (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (21) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجـن:21،22)، وقال الله تعالى : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:188)، فهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، وبهذا المعنى نعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من دونه من المخلوقين ، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه أن ننزله المنزلة التي أنزله الله تعالى ، وهو أنه عبد الله ورسوله .


الفرق بين الاعتراف باللسان والقلب
السؤال (14) : فضيلة الشيخ ، لكن ما الفرق بين الاعتراف باللسان والقلب ، وهل يلزم الجمع بينهما ؟
الجواب : نعم ، الفرق بين الاعتراف بالقلب واللسان ظاهر ، فإن من الناس من يعترف بلسانه دون قلبه كالمنافقين ، فالمنافقون يقول الله عنهم : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون:1)، لكن قال الله تعالى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(المنافقون: 1)، هؤلاء اعترفوا بألسنتهم دون قلوبهم ، وقد يعترف الإنسان بقلبه، لكن لا ينطق به ، وهذا الاعتراف لا ينفعه بالنسبة لنا ظاهراً ، أما فيما بينه وبين الله فالعلم عند الله ، أو فحكمه إلى الله ، لكنه في الدنيا لا ينفعه ، ولا يحكم بإسلامه مادام لا ينطق بلسانه ، اللهم إلا أن يكون عاجزاً عن ذلك ، عجزاً حسيا أو حكميا ، فقد يعامل بما تقتضيه حاله ، فلابد من الاعتراف بالقلب واللسان .


شبهة وجوابها
السؤال (15): فضيلة الشيخ ، الذي جرنا إلى هذا السؤال أن هناك فريقاً من الناس الآن إذا دعي أحدهم إلى العبادة قال : إن الله رب قلوب ، وهذا أيضاً الذي نريد التعليق عليه؟
الجواب : نعم نحن نقول : إن الله رب القلوب والألسن وليس رب القلوب فقط ، والقلوب لو صلحت لصلحت الجوارح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب"(5)، وهذا الحديث يبطل كل دعوى يدعيها بعض الناس ، إذا نصحته في أمر من الأمور مما عصى الله به قال لك : "التقوى هاهنا"(6)ويشير إلى صدره ، وهي كلمة حق أريد بها باطل ، والكلمة قد تكون حقا في مدلولها العام ، لكن يريد بها القائل أو المتكلم معنى باطلاً ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ )(الأنعام: 148)، فهم قالوا : لو شاء الله ما أشركنا، وصدقوا فيما قالوه ، فلو شاء الله ما أشركوا ولكنهم لا يريدون بهذه الكلمة حقا ، بل يريدون بها تبرير بقائهم على شركهم ، ورفع العقوبة عنهم ، ولهذا قال الله تعالى : ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا )(الأنعام: 148)، فلم ينفعهم الاحتجاج بالقدر حين أردوا به الاستمرار على شركهم ، ورفع اللوم عنهم والعقوبة أما الواقع فإنه كما قالوا : "لو شاء الله ما أشركوا" كما قال الله تعالى لنبيه : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (106) (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: 106-107) لكن هناك فرق بين الحالين ، فالله قال لنبيه: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) ليبين أن شركهم واقع بمشيئته ، وأن له حكمة - سبحانه وتعالى - في وقوع الشرك منهم ، وليسلي نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الأمر الواقع منهم بمشيئته تبارك وتعالى .
فالمهم أن هذا الذي قال حينما نصحته : " التقوى هاهنا"قال كلمة حق لكنه أراد بها باطلاً ، فالذي قال : " التقوى هاهنا" هو النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الذي قال "التقوى هاهنا" هو الذي قال : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" ، فإذا كان في القلب تقوى ، لزم إن يكون في الجوارح تقوى . والعمل الظاهر عنوان على العمل الباطن .

مفهوم الإيمان
السؤال(16): فضيلة الشيخ، ما هو مفهوم الإيمان وأركانه بصورة مختصرة؟
الجواب : الإيمان له مفهومان : مفهوم لغوي ، وهو الإقرار بالشيء والتصديق به ، ومفهوم شرعي ، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، فلا يكفي في الشرع أن يقر الإنسان بما يجب الإيمان به حتى يكون قابلاً ومذعناً ، فمثلاً : لو أقر الإنسان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرف أنه رسول الله ، لكن لم يقبل ما جاء به ، ولم يذعن لأمره ، فإنه ليس بمؤمن . ولهذا يوجد من المشركين من اعترفوا ، وأقروا للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، لكنهم لم ينقادوا له ولم يذعنوا ، بل بقوا على دين قومهم ، فلم ينفعهم هذا الإقرار المجرد عن القبول والإذعان ، فالإيمان في الشرع أخص من الإيمان في اللغة ، وقد يكون الإيمان في الشرع أعم من الإيمان في اللغة ، فالصلاة مثلاً من الإيمان شرعاً ، كما قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)(البقرة: 143) أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، لكنها في اللغة لا تسمى إيماناً ، لأنها عمل ظاهر ، والإيمان في اللغة من الأمور الباطنة.
إذن فإذا أردنا أن نعرف الإيمان الشرعي نقول فيه : هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، فإن لم يكن مستلزماً لذلك فليس بإيمان شرعاً .

علاقة هذا المفهوم بحديث جبريل عليه السلام
السؤال (17): فضيلة الشيخ ، هل هذا المفهوم هو المفهوم الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حينما سأله عن الإيمان؟
الجواب : نعم لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله الحقيقي يستلزم القبول والإذعان، فمن قال : إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ولكن لم يقبل ولم يذعن ، لم ينفعه هذا القول ، ولا الإيمان الذي في قلبه أيضاً ، فلابد أن يقبل ويذعن.


السؤال (18): فضيلة الشيخ ، لكن إذا سئل الإنسان عن الإيمان هل يقول هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، أو يقول : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الجواب : نحن نقول إنها القبول والإذعان ، وإذا قلنا بهذا وأراد السائل أن نفصل نقول : تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ثم إن تفصيل الإيمان الذي أشرنا إليه يشمل الدين كله.


مفهوم الإيمان وأركانه
السؤال (19): فضيلة الشيخ ، نريد أن نتوسع في مفهوم الإيمان ، وكذلك نريد أن نعرف أركان الإيمان ؟
الجواب : كنا تكلمنا عن التعريف الذي أشرنا إليه والتعريف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ، التعريف الذي أشرنا إليه هو تعريف عام يشمل الدين كله ، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، وهو الذي يتكلم عليه العلماء في الأصول ، في كتب العقائد ، أما ما جاء في حديث جبريل ، فإنه مفهوم خاص للإيمان ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام وبينه له ثم سأله عن الإيمان الذي هو العقيدة الباطنة .
والإسلام هو الأعمال الظاهرة ، وإلا فلا يشك أحد أن اعتقاد الإنسان بأنه لا إله إلا الله هو من الإيمان بلا شك ، لكنه لما كان قولاً صار من الأعمال الظاهرة ، التي هي الصلاة والزكاة والصوم والحج. والأركان التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام ستة كما هي معلومة ، قال عليه الصلاة والسلام في جوابه لجبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره"(7)، ونتكلم على هذه الأركان الستة لأهميتها :
أما الإيمان بالله : فإنه يتضمن أربعة أمور : الإيمان بوجوده ، والإيمان بربويته ، والإيمان بألوهيته ، والإيمان بأسمائه وصفاته .
أما الإيمان بوجوده : فهو الإقرار التام بأن الله سبحانه وتعالى موجود ، ولم يفه أحد بإنكار وجود الله عز وجل إلا على سبيل المكابرة ، وإلا فإن كل عاقل لا يمكنه أن يدعي بأن هذا الكون خلق أو جاء صدفة، أو جاء من غير موجد ، لأن هذا ممتنع باتفاق العقلاء ، فالإيمان بوجوده أو بعبارة أصح وجود الله عز وجل دلت عليه جميع الأدلة ، العقلية ، والفطرية ، والحسية ، والشرعية ، هذه الأشياء الأربعة كلها دلت على وجود الله عز وجل .
أما الدليل العقلي : فإننا نشاهد هذا الكون في وجوده ، وفيما يحدث فيه من أمور لا يمكن أن يقدر عليها أحد من المخلوقين ، وجود هذا الكون ، السموات والأرض وما فيهما، من النجوم ، والجبال ، والأنهار ، والأشجار ، والناطق ، والبهيم ، وغير ذلك ، من أين حصل هذا الوجود؟ هل حصل هذا صدفة؟ أو حصل بغير موجد؟ أو أن هذا الوجود أوجد نفسه؟ هذه ثلاثة احتمالات لا يقبل العقل شيئاً رابعاً، وكلها باطلة إلا الاحتمال الرابع ، الذي هو الحق .
فأما كونها وجدت صدفة فهذا أمر ينكره العقل وينكره الواقع ، لأن مثل هذه المخلوقات العظيمة لا يمكنك أنت أن توجدها هكذا صدفة ، كل أثر لابد له من مؤثر وكون هذه المخلوقات العظيمة بهذا النظام البديع المتناسق ، الذي لا يتعارض ، ولا يتصادم ، لا يمكن أن يكون صدفة ، لأن الغالب فيما وقع صدفة ، أن تكون تغيراته غير منتظمة ، لأنه كله صدفة.
وأما كون هذا الوجود أوجد نفسه ، فظاهر الاستحالة أيضاً ، لأن هذا الوجود قبل أن يوجد ليس بشيء ، بل هو عدم ، والعدم لا يمكن أن يوجد معدوماً .
وأما كونه وجد من غير موجد فهو بمعنى قولنا إنه وجد صدفة ، وهذا كما سبق مستحيل.
بقي أن نقول : إنه وجد بموجد وهو الله عز وجل ، كما قال الله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (35) (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور:35-36)، إذا فهذا الكون دل عقلاً على وجود الله عز وجل .
وأما دلالة الفطرة : على وجود الله فأظهر من أن تحتاج إلى دليل ، لأن الإنسان بفطرته يؤمن بربه، قال النبي عليه الصلاة والسلام : "كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"(8)، ولهذا لو وقع على أي إنسان في الدنيا شيء بغتة وهذا الشيء مهلك له ، لكان يقول بلسانه من غير أن يشعر : يا الله ، أو يا رب ، أو ما أشبه ذلك ، مما يدل على أن الغريزة الفطرية جبلت على الإيمان بوجود الله عز وجل .
وأما دلالة الحس على وجود الله ، فما أكثر ما نسمع من إجابة الله تعالى للدعاء ، ومن إجابة الدعاء للإنسان نفسه ، كم من إنسان دعا الله وقال : يا رب ، فرأى الإجابة نصب عينه ، ففي القرآن أمثلة كثيرة من هذا مثل قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (:83) (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ )(الأنبياء: 83-84)، وفي السنة أمثلة كثيرة أيضاً ، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : "اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، الله أغثنا"، وكانت السماء صحوا ليس فيها شيء من السحاب ، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام ، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً حتى دخل رجل من الجمعة الثانية ،فقال : يا رسول الله تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله أن يمسكها عنا . فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ، وجعل يقول : "اللهم حوالينا ولا علينا"(9) ويشير بيده فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت بإذن الله ، فخرج الناس يمشون في الشمس . وكم من دعاء دعا به الإنسان ربه فوجد الإجابة ، وهذا دليل حسي على وجود الله عز وجل.
أما الدليل الشرعي : فأكثر من أن يحصر ، كل القرآن ، وكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الحكمية والخبرية ، فإنه دال على وجود الله عز وجل ، كما قال الله تعالى في القرآن العظيم : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) ، هذا أحد ما يتضمنه الإيمان بالله وهو الإيمان بوجوده .
أما الإيمان بربويته ، وألوهيته ، وأسمائه وصفاته ، فقد سبق القول المفصل فيها ، حين تكلمنا على أنواع التوحيد الثلاثة .

كيف نرد على الدهريين
السؤال (20): لكن نجد الدهريين مثلاً وهم كثير الآن وهم من العقلاء ، لأنهم يفكرون وينتجون ، لكنهم يجمعون على عدم وجود الله عز وجل ، فكيف يرد على مثل هؤلاء؟
الجواب : أولاً : أريد أن أعلق على قولك أنهم عقلاء ، فإن أردت بالعقل عقل إدراك فنعم هم عقلاء يدركون ويفهمون ، وإن أردت بذلك عقل الرشد ، فليسوا بعقلاء ، ولهذا وصف الله الكفار بأهم صم بكم عمي فهم لا يعلقون ، لكنهم عقلاء عقل إدراك ، تقوم به الحجة عليهم ، وهم إذا قالوا ذلك ، فإنما يقولون هذا مكابرة في الواقع ، وإلا فهم يعلمون أن الباب المنصوب لا يمكن أن يصنع نفسه، ولا يمكن أن ينصب نفسه ، يعرفون أن هذا الباب لابد له من نجار، أو حداد أقامه ، ولابد له من بناء ركبه ، بل يعلمون أن الطعام الذي يأكلونه ، والماء الذي يشربونه ، لابد له من مستخرج ، ولابد له من زارع ، وهم يعلمون أيضاً أنه ليس بإمكان أي أحد من الناس أن يكون هذا الزرع ، أو ينبت هذه الحبة ، حتى تكون زرعاً له ساق وثمر .
فهم يعلمون ذلك ، ويعلمون أن هذا ليس مما يقدر عليه البشر ، ولكنهم يكابرون ، والمكابر لا فائدة من محاجته ، ولا يمكن أن يقبل أبداً مهما كان ، لو تقول له : هذه الشمس وهي أمامه ما قبل ، فمثل هؤلاء تكون المجادلة معهم مضيعة وقت ، وتكون دعوتهم كما قال بعض أهل العلم بالمجالدة لا بالمجادلة.


الإيمان وأركانه
السؤال (21): فضيلة الشيخ ، بقي معنا أن نحدد أركان الإيمان ؟
الجواب : الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤمن بالله ، وملائكته ،…" تكلمنا عن الإيمان بالله ، أما الإيمان بالملائكة وهم عالم الغيب خلقهم الله عز وجل من نور ، وجعلهم طوع أمره (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء:20) ، ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم:6)، وهم على أصناف متعددة ، في أعمالهم ، ووظائفهم ، ومراتبهم ، فجبريل عليه الصلاة والسلام موكل بالوحي ، ينزل بوحي الله تعالى على رسل الله ، كما قال الله تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (193) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (194) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193-195)، وقال تعالى : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ )(النحل: من الآية102)، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين ، رآه مرة على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق(10). وميكائيل أحد الملائكة العظام ، وقد وكله الله عز وجل بالقطر والنبات ، القطر : المطر ، والنبات : نبات الأرض من المطر . وإسرافيل من الملائكة العظام ، وقد وكله الله عز وجل بالنفخ في الصور ، وهو أيضاً أحد حملة العرش العظيم ، وهؤلاء الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم في استفتاح صلاة الليل ، يقول صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم(11).
وذكر هؤلاء الثلاثة لأن كل واحد منهم موكل بما يتضمن الحياة ، والبعث من النوم يعتبر حياة ، فهؤلاء الثلاثة هم أفضل الملائكة فيما نعلم ، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض أرواح الأحياء ، ومنهم ملكان موكلان بالإنسان يحفظان أعماله ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ومنهم ملائكة موكلون بتتبع حلق الذكر ، ومن أراد المزيد من ذلك فليراجع ما كتبه أهل العلم في هذا.


الإيمان بالملائكة
السؤال (22): فضيلة الشيخ ، هل بقي شيء يتعلق بالإيمان بالملائكة تريدون أن تتحدثوا عنه أم ننتقل إلى بقية الأركان؟
الجواب : بقي من الركن الثاني وهو الإيمان بالملائكة أن الإيمان بالملائكة عليهم الصلاة والسلام يكون إجمالاً ويكون تفصيلاً ، فما علمناه بعينه وجب علينا أن نؤمن به بعينه ونفصل ، نقول : نؤمن بالله ، نؤمن بجبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، ومالك خازن النار ، وما أشبه ذلك. وما لم نعلمه بعينه فإننا نؤمن به إجمالاً ، فنؤمن بالملائكة على سبيل العموم ، والملائكة عدد كبير لا يحصيهم إلا الله عز وجل ، قال النبي عليه الصلاة والسلام "البيت المعمور الذي في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم"(12) ، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه : " ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد"(13) ، ولكننا لا نعلم أعيانهم ووظائفهم وأعمالهم إلا ما جاء به الشرع ، فما جاء به الشرع على وجه التفصيل ، من أحوالهم وأعمالهم ووظائفهم ، وجب علينا أن نؤمن به على سبيل التفصيل ، وما لم يأت على سبيل التفصيل ، فإننا نؤمن به إجمالاً .
وهؤلاء الملائكة الذين لهم من القدرة والقوة ما ليس للبشر من آيات الله عز وجل ، فيكون في الإيمان بهم إيمان بالله سبحانه وتعالى وبقدرته العظيمة ، وعلينا أن نحب هؤلاء الملائكة ، لأنهم مؤمنون ، ولأنهم قائمون بأمر الله عز وجل ، ومن كان عدوا لأحد منهم ، فإنه كافر ، كما قال الله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:98) ، وقال تعالى : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) (البقرة:97)، فالمهم أن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام علينا أن نحبهم ، لأنهم عباد لله تعالى ، قائمون بأمره ، وأن لا نعادي أحداً منهم .


الإيمان بالكتب
السؤال (23): فضيلة الشيخ ، بقي الركن الثالث من أركان الإيمان ؟
الجواب : الركن الثالث هو الإيمان بكتب الله عز وجل ، كتب الله التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام ، فإن ظاهر القرآن يدل على أنه ما من رسول إلا وأنزل الله معه كتاباً ، كما قال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد:25)، وقال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ )(البقرة: 213) .
وهذه الكتب طريق الإيمان بها أن نؤمن بها إجمالاً ، وما علمناه بعينه نؤمن به بعينه ، فالتوارة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن الكريم ، هذه معلومة لنا بعينها، فنؤمن بها بعينها وما عدا ذلك نؤمن به إجمالاً ، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولكن كيف نؤمن بهذه الكتب ؟ نقول : ما صح نقله منها إلينا من الأخبار وجب علينا تصديقه بكل حال ، لأنه من عند الله ، وأما أحكامه ، أي ما تضمنته هذه الكتب من الأحكام ، فلا يلزمنا العمل إلا بما جاء في القرآن الكريم ، وأما ما نقل إلينا منها ولم نعلم صحته ، فإننا نتوقف فيه حتى يتبين لنا صحته ، لأن هذه الكتب دخلها التحريف ، والتبديل ، والتغير والزيادة والنقص .


الإيمان بالرسل
السؤال (24) : فضيلة الشيخ ، هذا بالنسبة للركن الثالث ، فما قولكم في الركن الرابع الذي هو الإيمان بالرسل ؟
الجواب : الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام يكون بأن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى البشر رسلاً منهم ، يتلون عليهم آيات الله ويزكونهم ، وأن هؤلاء الرسل أولهم نوح عليه الصلاة والسلام ، وأخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما قبل نوح فلم يبعث رسول ، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا : إن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)(النساء: 163)، وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة : أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض(14)، فلا رسول قبل نوح ، ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، لقول الله تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(الأحزاب: 40).
فأما نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد ، بل ينزل على أنه حاكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81). وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم ، كما صح ذلك عن ابن عباس وغيره ، فالمهم أن نؤمن بالرسل على هذا الوجه ، بأن أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وكيفية الإيمان بهم :أن ما جاء من أخبارهم وصح عنهم نؤمن به ونصدق ، لأنه من عند الله عز وجل ، وأما الأحكام فلا يلزمنا أتباع شيء منها ، إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما اقتضته شريعته.
أما بالنسبة لأعيان هؤلاء الرسل ، فمن سماه الله لنا ، أو سماه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجب علينا الإيمان به بعينه ، وما لم يسم فإننا نؤمن به على سبيل الإجمال ، كما قلنا ذلك في الكتب وفي الملائكة.


الإيمان باليوم الآخر
السؤال (25): فضيلة الشيخ ، كيف يكون الإيمان بالركن الخامس وهو اليوم الآخر؟
الجواب : الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بقيام الساعة ، وسمي يوماً آخر ، لأنه ليس بعده يوم ، فإن الإنسان كان عدماً ، ثم وجد في بطن أمه ، ثم وجد في الدنيا ، ثم ينتقل إلى البرزخ، ثم يوم القيامة ، فهذه أحوال خمس للإنسان ، (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (الإنسان:1)، هذه الحال الأولى أنه ليس شيئاً مذكوراً ، ثم وجد في بطن أمه ،ثم خرج(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا)(النحل: 78)، ثم يكدح في هذه الدنيا ويعمل ، ثم ينتقل إلى الآخرة في برزخ بين الدنيا وقيام الساعة ، فالإيمان باليوم الآخر يدخل فيه- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية - الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، فيؤمن الإنسان بفتنة القبر ، ونعيم القبر وعذابه، ويؤمن بقيام الساعة ، بالنفخ في الصور ، بالحساب ، بالميزان ، بالحوض المورود ، بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إما في كتاب الله ، أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، مما يكون بعد الموت.
ويحسن أن نتكلم عن فتنة القبر ، وهي أن الميت إذا دفن أتاه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه ، فأما المؤمن فيثبته الله تعالى بالقول الثابت ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبي محمد ، وأما غير المؤمن فإنه يقول : هاه هاه، لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى يوم القيامة ، فمن كان من غير المسلمين ، فهو في عذاب إلى يوم القيامة ، ومن كان من عصاة المؤمنين ، فإنه قد يعذب في قبره لمدة يعلمها الله عز وجل ، ثم يرفع عنه العذاب ، وهذا العذاب أو النعيم يكون في الأصل على الروح ، ولكن قد يتألم البدن به ، كما أن العذاب في الدنيا يكون على البدن ، وقد تتألم النفس فيه ففي الدنيا مثلاً الضرب يقع على البدن ، والألم يقع على البدن ، والنفس قد تتأثر بذلك ، فتحزن وتغتم ، أما في القبر فالأمر بالعكس ، العذاب أو النعيم يكون على الروح ، لكن البدن لا شك أنه يحصل له شيء من هذا العذاب أو النعيم ، إما بالفرح بالنعيم ، وإما بالألم بالحزن بسبب العذاب.
أما إذا قامت الساعة ، وهي القيامة الكبرى فإن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً ، حفاة : ليس عليهم ما يقي أقدامهم من نعال أو خفاف أو غيرها . عراة : ليس على أبدانهم ما يكسوها . غرلاً : أي غير مختونين ، فتعود الجلدة التي قطعت في الختان في الدنيا ، ليخرج الإنسان من قبره تاماً لا نقص فيه ، كما قال الله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )(الأنبياء: 104)، ثم يكون الحساب على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم النهاية إما إلى جنة وإما إلى نار ، فمن دخل الجنة فهو مخلد فيها أبد الآبدين، ومن دخل النار فإن كان من العصاة ، فإنه يخرج منها بعد أن يعذب بما يستحق، إن لم تنله الشفاعة أو رحمة الله عز وجل ، ولكنه لا يخلد فيها ، وأما الكافر فإنه يخلد فيها أبد الآبدين.


الإيمان بالقدر
السؤال (26): فضيلة الشيخ ، بقي الإيمان بالقدر نريد أن تحدثنا عنه أثابكم الله؟
الجواب : الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان ، والإيمان بالقدر أمر هام جداً ، وقد تنازع الناس في القدر من زمن بعيد ، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كان الناس يتنازعون فيه ويتمارون فيه ، وإلى يومنا هذا والناس كذلك يتنازعون فيه ، ولكن الحق فيه ولله الحمد واضح بين ، لا يحتاج إلى نزاع ومراء، فالإيمان بالقدر : أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قد قدر كل شيء ، كما قال الله تعالى : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: 2)، وهذا التقدير الذي قدره الله عز وجل تابع لحكمته ، وما تقتضيه هذه الحكمة من غايات حميدة ، وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.
ويدور الإيمان بالقدر على الإيمان بأمور أربعة:
أحدها : العلم ، وذلك أن تؤمن إيماناً كاملاً بأن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً ، أحاط بكل شيء مما مضى ، ومما هو حاضر ، ومما هو مستقبل ، سواء كان لك مما يتعلق بأفعاله عز وجل ، أو بأفعال عباده ، فهو محيط بها جملة وتفصيلا ، بعلمه الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً ، وأدلة هذه المرتبة كثيرة في القرآن والسنة ، قال الله تبارك وتعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5) ، وقال الله تعالى :(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59)، وقال تعالى :(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) (ق:16)، وقال تعالى : ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(البقرة: 283) ،إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء جملة وتفصيلاً.
وهذه المرتبة من الإيمان بالقدر ، من أنكرها فهو كافر ، لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين ، وطاعن في كمال الله عز وجل ، لأن ضد العلم إما الجهل وإما النسيان ، وكلاهما عيب ، وقد قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون : (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (51) (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طـه:51-52)،فهو لا يضل ، أي لا يجهل شيئاً مستقبلاً ، ولا ينسى شيئاً ماضياً سبحانه وتعالى.
أما المرتبة الثانية : فهي الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة ، فإن الله عز وجل لما خلق القلم قال له : اكتب ، قال : ربي ، وماذا أكتب؟ قال : أكتب ما هو كائن. فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة ، جملة وتفصيلا، فكتب الله عز وجل في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء.
وقد دل على هذه المرتبة والتي قبلها قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج:70)، فقال:( إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ )، أي : معلومة عند الله عز وجل (فِي كِتَابٍ) وهو اللوح المحفوظ (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ثم هذه الكتابة تكون أيضاً مفصلة أحياناً فإن الجنين في بكن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر ، يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات ، بكتب رزقه ، وأجله، وعمله ، وشقي أم سعيد ، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويكتب أيضاً في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة ، كما قال الله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (3) (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (4) (أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:3-5) .
أما المرتبة الثالثة : فالإيمان بأن كل ما في الكون ، فإنه بمشيئة الله ، فكل ما في الكون فهو حادث بمشيئة الله عز وجل ، سواء كان ذلك مما يفعله هو عز وجل ، أو مما يفعله الناس ، أو بعبارة أعم مما يفعله المخلوق ، قال الله تبارك وتعالى : ( وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)(إبراهيم: 27) وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)(النحل: 9) ، وقال تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَة)(هود:118)، وقال تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (فاطر:16) ، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن فعله عز وجل واقع بمشيئته وكذلك أفعال الخلق واقعة بمشيئته ، كما قال الله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة:253) ، وهذا النص صريح بأن أفعال العبد قد شاءها الله عز وجل، ولو شاء الله أن لا يفعل لم يفعل .
أما المرتبة الرابعة في الإيمان بالقدر، فهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء ، فالله عز وجل هو الخالق ، وما سواه مخلوق ، فكل شيء الله تعالى خالقه ، فالمخلوقات مخلوقة لله عز وجل ، وما يصدر منها من أفعال وأقوال ، مخلوق لله عز وجل أيضاً ، لأن أفعال الإنسان وأقواله من صفاته ، فإذا كان الإنسان مخلوقاً، كانت الصفات أيضاً مخلوقة لله عز وجل ، ويدل لذلك قوله تعالى : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96)، فنص الله تعالى على خلق الإنسان ، وعلى خلق عمله ، قال (وَمَا تَعْمَلُونَ) وقد اختلف الناس في "ما" هنا : هل هي مصدرية أو موصولة؟ وعلى كل تقدير فإنها تدل على أن عمل الإنسان مخلوق لله عز وجل.
هذه أربع مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها ، ونعيدها فنقول : أن تؤمن بأن الله تعالى عليم بكل شيء جملة وتفصيلاً. ثانياً: أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء . ثالثاً : أن تؤمن بأن كل حادث ، فهو بمشيئة الله عز وجل . رابعاً: أن تؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء.
ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب ، بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع ، وهو حاصل بالقدر ، لأن الأسباب تنتج عنها مسبباتها ، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، ذكر له في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون ، فاستشار الصحابة رضي الله عنهم ، هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة ؟ فاختلف الناس عليه ، ثم استقر رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة ، ولما عزم على ذلك ، جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وكان عمر رضي الله عنه يجله ويقدره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف ترجع إلى المدينة ، أفراراً من قدر الله؟ قال رضي الله عنه : نفر من قدر الله إلى قدر الله .
وبعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان غائباً في حاجة له ، فحدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الطاعون : " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه" .
الحاصل قول عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله ، فهذا يدل على أن اتخاذ الأسباب من قدر الله عز وجل ، ونحن نعلم أن الرجل لو قال : أنا سأؤمن بقدر الله ، وسيرزقني الله ولداً بدون زوجة ، ولو قال هذا لعد من المجانين ، كما لو قال : أنا أؤمن بقدر الله ولن أسعى في طلب الرزق ، ولم يتخذ أي سبب للرزق ، لعد ذلك من السفه.
فالإيمان بالقدر إذن لا ينافي الأسباب الشرعية أو الحسية الصحيحة ، أما الأسباب الوهمية التي يدعي أصحابها أنها أسباب وليست كذلك ، فهذه لا عبرة بها ، ولا يلتفت إليها.
ثم اعلم أنه يرد على الإيمان بالقدر إشكال وليس بإشكال في الواقع ، وهو أن يقول قائل: إذا كان فعلي من قدر الله عز وجل فكيف أعاقب على المعصية وهي من تقدير الله عز وجل ؟
والجواب على ذلك أن يقال : لا حجة لك على المعصية بقدر الله ، لأن الله عز وجل لم يجبرك على هذه المعصية ، وأنت حين تقدم عليها لم يكن لديك العلم بأنها مقدرة عليك ، لأن الإنسان لا يعلم بالمقدور إلا بعد وقوع الشيء ، فلماذا لم تقدر قبل أن تفعل المعصية، أن الله قدر لك الطاعة ، فتقوم بطاعته ، وكما أنك في أمورك الدنيوية تسعى لما ترى أنه خير ، وتهرب مما ترى أنه شر، فلماذا لا تعامل نفسك هذه المعاملة في عمل الآخرة ، أنا لا أعتقد أن أحداً يقال له : إن لمكة طريقين : أحدهما : طريق مأمون ميسر ، والثاني : طريق مخوف صعب ، لا أعتقد أن أحداً يسلك الطريق المخوف الصعب ، ويقول : إن هذا قد قدر لي ، بل سوف يسلك الطريق المأمون الميسر ، ولا فرق بين هذا وبين أن يقال لك : إن للجنة طريقاً وللنار طريقاً ، فإنك إذا سلكت طريق النار ، فأنت كالذي سلك طريق مكة المخوف الوعر ، وأنت بنفسك تنتقد هذا الرجل الذي سلك الطريق المخوف الوعر ، فلماذا ترضى لنفسك أن تسلك طريق الجحيم ، وتدع طريق النعيم ، ولو كان للإنسان حجة بالقدر على فعل المعصية ، لم تنتف هذه الحجة بإرسال الرسل وقد قال الله تعالى : (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) (النساء:165).


زيادة الإيمان ونقصانه
السؤال (27): فضيلة الشيخ ، هل الإيمان يزيد وينقص ؟ ونود أن نعرف بأي شيء تحصل الزيادة ، وبأي شيء يحصل النقصان؟
الجواب : هناك كلمة بقيت في الإيمان بالقدر يسيرة، وهي أن الإيمان بالقدر له ثمرات جليلة على سير الإنسان وعلى قلبه ، لأنك إذا آمنت بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، فإنك عند السراء تشكر الله عز وجل ، ولا تعجب بنفسك ولا ترى أن هذا الأمر حصل منك بحولك وقوتك ، ولكنك تؤمن بأن هذا سبب إذا كنت قد فعلت السبب الذي نلت به ما يسرك ، وأن الفضل كله بيد الله عز وجل ، فتزداد بذلك شكراً لنعمة الله سبحانه وتعالى ، ويحملك هذا على أن تقوم بطاعة الله على حسب ما أمرك به ، وألا ترى لنفسك فضلاً على ربك ، بل ترى المنة لله سبحانه وتعلى عليك ، قال الله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17)، كما أنك إذا أصابتك الضراء فإنك تؤمن بالله عز وجل وتستسلم ، ولا تندم على ذلك ، ولا يلحقك الحسرة ، ألم تر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان"
فالإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب ، وعدم الحزن على ما فات ، وعدم الغم والهم لما يستقبل ، قال الله تعالى : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (22) (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد22-23) ، والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح له الشيطان كل باب ، وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر فيما إذا أصابته السراء، ولكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله.
أما بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصانه ، فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب ، والنطق باللسان ، والعمل بالجوارح ، فهو يتضمن هذه الأمور الثلاثة، إقرار بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالجوارح ، وإذا كان كذلك ، فإنه سوف يزيد وينقص ، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل ، فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة ، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين ، وهكذا.
ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(البقرة: 260)، فالإيمان يزيد من حيث الإقرار إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه ، فعندما يحضر مجلس ذكر ، فيه موعظة وذكر للجنة والنار ، يزداد إيماناً حتى كأنه يشاهد ذلك رأي عين ، وعندما تكون الغفلة ، ويقوم من هذا المجلس ، يخف هذا اليقين في قلبه.
كذلك يزداد الإيمان من حيث القول ، فإن من ذكر الله عز وجل عشر مرات ، ليس كمن ذكر الله مائة مرة ، فالثاني أزيد بكثير.
وكذلك أيضاً من أتى بالعبادة على وجه كامل ، يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص ، وكذلك العمل ، فإن الإنسان إذا عمل عملاً بجوارحه أكثر من الآخر، صار الثاني أزيد إيماناً من الناقص ، وقد جاء ذلك في الكتاب والسنة ، أعني إثبات الزيادة والنقصان جاء في الكتاب والسنة ، قال الله تبارك وتعالى : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً) (المدثر:31)، وقال الله تعالى : (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (124) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:124-125)، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"(19)، فالإيمان إذن يزيد وينقص ، لكن ما سبب زيادة الإيمان ونقصانه؟


أما أسباب زيادة الإيمان فمنها :
السبب الأول : معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وبأسمائه وصفاته أزداد إيماناً بلا شك ، ولهذا تجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيماناً من الآخرين من هذا الوجه.
السبب الثاني : النظر في آيات الله الكونية والشرعية ، فإن الإنسان كلما نظر إلى الآيات الكونية التي هي المخلوقات- السموات والأرض والإنسان والبهيمة وغير ذلك - ازداد إيماناً ، قال الله تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (:20) (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات20-21) ، والآيات الدالة على هذا كثيرة ، أعني الآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيماناً .
السبب الثالث : كثرة الطاعات ، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيماناً ، سواء كانت هذه الطاعات من الطاعات القولية أو الفعلية ، فالذكر يزيد الإيمان كمية وكيفية ، والصلاة والصوم والحج تزيد الإيمان أيضاً كمية وكيفية.
أما أسباب النقصان فإنها على العكس من ذلك : فالجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان ، لأن الإنسان إذا لم يعرف أسماء الله وصفاته ينقصه العلم بهذه الأسماء والصفات التي تزيد في الإيمان.
السبب الثاني : الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية ، فإن هذا يسبب نقص الإيمان ، أو على الأقل ركوده وعدم نموه.
الثالث : فعل المعصية ، فإن للمعصية آثاراً عظيمة على القلب ، وعلى الإيمان ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"
الرابع : ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان ، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر ، فهو نقص يلام عليه ويعاقب ، وإن كانت الطاعة غير واجبة ، أو واجبة لكن تركها لعذر ، فإنه نقص لا يلام عليه ، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات عقل ودين ، وعلل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم ، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض ، بل هي مأمورة بذلك ، لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل ، صارت ناقصة عن الرجل من هذا الوجه.

السؤال (28): فضيلة الشيخ ، بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصانه هناك من يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وأن المعصية تذهب الإيمان كله ويكفر الإنسان ، كيف يرد على هؤلاء؟
الجواب : نرد على هؤلاء بما أشرنا إليه من قبل بالنصوص من الكتاب والسنة ، وكذلك بالواقع ، فإننا نقول لهم : أنتم الآن لو أتاكم مخبر وقال : إن فلاناً قدم البلد اليوم ، وهذا المخبر عندكم ثقة ، يكون لديكم الإيمان بأنه قدم ، فإذا جاء رجل آخر وأخبركم بذلك ، أفلا يزداد إيمانكم به؟ سيقولون : بلى يزداد إيماننا بذلك ، فإذا رأيتم هذا الرجل القادم رأي العين ، ازددتم يقيناً أكثر ، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد ، ثم نقول : مادمنا أدخلنا الأقوال والأعمال في مسمى الإيمان ، فإن اختلاف الأقوال والأعمال بالزيادة والنقص أمر معلوم لا ينكر ، فيكون في هذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص.

إنكار أن الإيمان يزيد وينقص
السؤال (29) : فضيلة الشيخ ، لكن ما حكم عدم الإقرار بزيادة الإيمان ونقصانه؟
الجواب : هذا يرجع إلى حال المنكر ، إن كان أنكر ذلك تكذيباً وجحداً، فهو كافر لتكذيبه وجحده لما جاء به القرآن ، وإن كان تأويلاً فإن التأويل له درجات ، قد يصل إلى الكفر وقد لا يصل، فالإنسان الذي يقول : أنا لا أقول : إن الإيمان يزيد وينقص متأولاً ، فإنه على حسب تأويله.


صفة الحكم بغير ما أنزل الله
السؤال (30) : فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الحكم بغير ما أنزل الله؟
الجواب : الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي ، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس ، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر، كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس ، ويحلون محلها القوانين الوضعية ، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها ، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق ، حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله ، بل ما خالف حكم الله عز وجل ، وجعله هو الحكم الفاصل بين الخلق ، وقد سمى الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )(الشورى: 21) .
القسم الثاني : أن تبقى أحكام الله عز جل على ما هي عليه ، وتكون السلطة لها ، ويكون الحكم منوطاً بها ، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام ، يحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا له ثلاث حالات:
الحال الأولى : أن يحكم بما يخالف شريعة الله معتقداً أن ذلك أفضل من حكم الله وأنفع لعباد الله ، أو معتقداً أنه مماثل لحكم الله عز وجل ، أو يعتقد أنه يجوز له الحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا كفر ، يخرج به الحاكم من الملة، لأنه لم يرض بحكم الله عز وجل ، ولم يجعل الله حكماً بين عباده.
الحال الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباده ، لكنه خرج عنه ، وهو يشعر بأنه عاص لله عز وجل إنما يريد الجور والظلم للمحكوم عليه ، لما بينه وبينه من عداوة ، فهو يحكم بغير ما أنزل الله لا كراهة لحكم الله ولا استبدلاً به ، ولا اعتقاداً بأنه - أي الحكم الذي حكم به - أفضل من حكم الله أو مساو له ، أو أنه يجوز الحكم به ، لكن من أجل الإضرار بالمحكوم عليه حكم بغير ما أنزل الله ، ففي هذه الحال لا نقول : إن هذا الحاكم كافر ، بل نقول : إنه ظالم معتد جائر.
الحال الثالثة : أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباد الله ، وأنه بحكمه هذا عاص لله عز وجل ، لكنه حكم لهوى في نفسه ، لمصلحة تعود له أو للمحكوم له ، فهذا فسق وخروج عن طاعة الله عز وجل ، وعلى هذه الأحوال الثلاث يتنزل قول الله تعالى في ثلاث آيات ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة:44) وهذا ينزل على الحال الأولى ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(المائدة: 45) ينزل على الحال الثانية، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(المائدة: 47) ينزل على الحال الثالثة.
وهذه المسألة من أخطر ما يكون في عصرنا هذا ، فإن من الناس من أولع وأعجب بأنظمة غير المسلمين ، حتى شغف بها ، وربما قدمها على حكم الله ورسوله ، ولم يعلم أن حكم الله ورسوله ماض إلى يوم القيامة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق عامة إلى يوم القيامة، والذي بعثه سبحانه وتعالى عالم بأحوال العباد إلى يوم القيامة ، فلا يمكن أن يشرع لعباده إلا ما هو نافع لهم في أمور دينهم ودنياهم إلى يوم القيامة ، فمن زعم أو توهم أن غير حكم الله تعالى في عصرنا أنفع لعباد الله من الأحكام التي ظهر شرعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ضل ضلالاً مبيناً ، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يرجع إلى رشده ، وأن يفكر في أمره .


الفرق بين الظالم والفاسق
السؤال (31) : فضيلة الشيخ ، ذكرتم في الظالم والفاسق أشياء متقاربة أو يمكن أن تكون متداخلة ، وهي أن الظالم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أن حكم الله أفضل لكنه يريد أن يتشفى من أحد فيطبق حكماً على شخص ما جاء عن الله ، والفاسق يحكم وهو يعلم بحكم الله ، ويعلم أنه هو الحكم السديد ، لكنه لمصلحته أو هوى في نفسه، أو ليوافق هوى لغيره يحكم بغير ما أنزل الله ، فما الفرق بينهما؟
الجواب : الفرق بينهما أن الذي نصفه بأنه ظالم حكم لطلب العدوان على المحكوم عليه ، وإن لم يكن له فيه مصلحة ، ولم ينظر إطلاقاً إلى مصلحة المحكوم له ، لكن أهم شيء عنده هو الجور والظلم بالنسبة لهذا المحكوم عليه ،أما الآخر فهو نظر لمصلحة المحكوم له ، ولم يكن يشعر في نفسه أن يظلم ذلك الرجل المحكوم عليه ، ولهذا لا يفرق في المحكوم عليه بأن يكون فلاناً أو فلاناً ، لأنه إنما يريد مصلحة المحكوم له، أو يريد أن يجر إلى نفسه هو منفعة أو ما أشبه ذلك ، فهذا هو الفرق بينهما.


حقيقة الكهانة
السؤال (32): فضيلة الشيخ ، ما هي الكهانة؟
الجواب : الكهانة فعالة مأخوذة من الكهن ، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها ، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء ، وتحدثهم به . ثم يأخذون الكلمة التي سمعوها بل الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ، ويضيفون إليها ما يضيفون من القول ، ثم يحدثون بها الناس ، فإذا وقع الشيء مطابقاً لما قالوا ، اغتر بهم الناس ، واتخذوهم مرجعاً في الحكم بينهم ، وفي استنتاج ما يكون في المستقبل.
ولهذا نقول : الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل ، والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه ، فهذا محرم ، وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاة أربعين يوماً ، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً أو أربعين ليلة" .
القسم : الثاني : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به ، فهذا كفر بالله عز وجل ، لأنه صدقة في دعوى علم الغيب ، وتصديق البشر في دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح : " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".
القسم الثالث : أن يأتي للكاهن فيسأله ، ليبين حاله للناس وأن ما يفعله كهانة وتمويه وتضليل ، فهذا لا بأس به ، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بابن صياد أو أتاه ابن صياد فأضمر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في نفسه ، فسأله - أي النبي صلى الله عليه وسلم - ماذا خبأ له ، فقال : الدخ ، يريد الدخان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اخسا ، فلن تعدو قدرك" .
هذه أحوال من يأتي إلى الكهان ، وهي ثلاثة ، أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه ، وبدون أن، يقصد امتحانه وبيان حاله ، فهذا محرم ، وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاة أربعين ليلة. الثانية : أن يسأله فيصدقه ، وهذا كفر بالله عز وجل ، يجب على الإنسان أن يتوب منه ، ويرجع إلى الله عز وجل ، وإلا مات على الكفر ، والحالة الثالثة : أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ، ويبين حاله للناس ، فهذا لا بأس به.


حكم مرتادي الكهان
السؤال (33) : فضيلة الشيخ ، حبذا أيضاً لو عرفنا أحوال الناس الذين يرتادون الكهنة والكهان ؟
الجواب : أحوالهم ثلاثة :
الحال الأولى : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله بدون أن يصدقه ، ولا يقصد بذلك بيان حاله فهذا آثم ، وعقوبته ألا تقبل له صلاة أربعين يوماً.
الحال الثانية : أن يأتيه فيسأله ويصدقه وهذا كافر ، لأن مكذب لقول الله تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)(النمل:65).
الحال الثالثة : أن يأتي إليه فيسأله ليمتحنه ، ويبين حاله للناس ودجله وافتراءه ، وقلنا : إن هذا لا بأس به ، ومن المعلوم أن الشيء الذي يكون مباحاً إذا أفضى إلى محظور فإنه يكون محظوراً ، فلو قدر أنه في هذه الحال الثالثة التي أتى إليه فيها ليمتحنه ويبين حاله أن يغتر به من يغتر من الناس ، فإنه في هذه الحال لا يفعل ولا يأتي إليه ولو لهذا القصد الصحيح ، لأن القاعدة أن ما أفضى إلى محظور فهو محظور.


التنجيم وحكمه
السؤال (34) : فضيلة الشيخ ، نريد أن نعرف التنجيم وحكمه؟
الجواب : التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية ، بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض أو ما سيقع في الأرض بالنجوم ، بحركتها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها وما أشبه ذلك ، والتنجيم نوع من السحر وهو محرم ، لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها ، فلا علاقة لما يحدث بالأرض بما يحدث في السماء ، ولهذا لما كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت أحد ، أي لموت عظيم ، فكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه ، فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس حين صلى للكسوف ، وقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" ، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، وهو كذلك ، وكما أنه - أي التنجيم - بهذا المعنى نوع من السحر ، فهو أيضاً سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل ، فيوقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها.
هناك نوع آخر من التنجيم : وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات والأزمنة والفصول ، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه ، مثل أن يقول : إنه إذا دخل النجم الفلاني فإنه يكون قد دخل موسوم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار ، أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.


السؤال (35) : فضيلة الشيخ يعني أن هذا يكون من باب استقراء السنن الكونية؟
الجواب : نعم هذا كما نقول إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر ، وإذا غربت دخل وقت المغرب ، وما أشبه ذلك .


علاقة التنجيم بالكهانة
السؤال (36): فضيلة الشيخ ، لكن هل هناك علاقة بين التنجيم والكهانة؟
الجواب : نعم ، العلاقة بينهما هي أن الكل مبني على الوهم والدجل ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وإدخال الهموم والغموم عليهم، وما أشبه ذلك.


أيهما أخطر؟
السؤال (37): فضيلة الشيخ ، لكن أيهما أخطر على المسلمين؟
الجواب : هذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس، فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقاً ، ولا يهتمون به ، ولا يصدقون به ، ولكن الكهانة منتشرة عندهم فتكون أخطر.
وقد يكون الأمر بالعكس ، لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطر وأعظم.

الزاهدة
08-13-2011, 06:34 AM
حقيقة السحر
السؤال (38): فضيلة الشيخ ، ذكرتم في حديثكم عن التنجيم أنه نوع من السحر فما هو السحر؟
الجواب : السحر كما قال العلماء : هو عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه ، بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس ، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم والكهانة ، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : "إن من البيان لسحرا"، فكل شيء يكون له أثر لكنه ليس شيئاً معلوماً - أي ذلك المؤثر فإنه نوع من السحر.
حر
السؤال (39): فضيلة الشيخ ، لكن ما المقصود باللطافة في قولكم: السحر كل ما لطف وخفي سببه؟
الجواب : اللطافة معناها الشيء الخفي اللطيف ، وضده الشيء الجليل الكبير البين فمثلاً هذا الساحر يعمل عملاً يستجلب ود المسحور ، حتى يتعلق بع تعلقاً عظيماً، أو يستجلب نفرته منه ، حتى يبغضه بغضاً عظيماً . مع أن هذا الذي سحر وحصلت له المحبة العظيمة أو النفرة العظمة لا يعرف هذا الشيء ويخفي عليه سببه.


حكم السحر وتعلمه
السؤال (40): فضيلة الشيخ ، ما حكم السحر وما حكم تعلمه؟
الجواب : تعلم السحر محرم ، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الاستعانة بالشياطين، قال الله تبارك وتعالى : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (البقرة:102)، فتعلم هذا النوع من السحر، وهو الذي يكون بواسطة الاستعانة بالشياطين كفر ، واستعماله أيضاً كفر وظلم وعدوان على الخلق ، ولهذا يقتل الساحر ، إما ردة، وإما حداً ، فإن كان سحره على وجه يكفر به ، فإنه يقتل قتل ردة وكفر، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حداً ، دفعاً لشره وأذاه عن المسلمين.


هل السحر حقيقة؟
السؤال (41): فضيلة الشيخ ، هل السحر حقيقة أم أنه تخيل أو تخيلات على الناس؟
الجواب : السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس حقيقة. وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في قصة السحرة في آل فرعون ، يقول الله عز وجل: ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)(الأعراف: 116)، كيف سحروا أعين الناس ؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)(طـه: 66)، فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء ، وتحريك الساكن ، أو تسكين متحرك ، هذا ليس له أثر ، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور ، حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً ، هذا أثره ظاهر جداً ، إذا فله حقيقة ، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه ، وربما يهلكه.


علاقة الكهانة بالسحر
السؤال (42): فضيلة الشيخ، تحدثتم عن الكهانة وعرفتم الكاهن ، وعرفتم أيضاً السحر، لكن هل هناك علاقة بين الكهانة والسحر؟
الجواب : كما قلنا من قبل : إن الكاهن يؤثر في الناس بما يدجل به عليهم من الإخبارات عن الأشياء المستقبلية ، وكذلك الساحر يؤثر في عقول الناس وتفكيرهم وأبدانهم ، حتى يتوهم المسحور أشياء ليس لها حقيقة.


هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال (43): فضيلة الشيخ ، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سحر، فنريد أن تتحدثوا لنا عما سحر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأيضاً هل حصول السحر للنبي صلى الله عليه وسلم ينافي مقام النبوة؟
الجواب : ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، لكن هذا السحر لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله في أهله ، وهذا السحر الذي وضع له كان من يهودي يقال له لبيد بن الأعصم ، وضعه له ولكن الله سبحانه وتعالى أنجاه منه ، حتى جاءه الوحي بذلك . وعوذ بالمعوذتين عليه الصلاة والسلام (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) .
ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة ، لأنه لم يؤثر في تصرف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالوحي والعبادات كما أسلفنا ، وقد أنكر بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، بحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الكافرين ، بل تصديق الظالمين الذين قالوا : ( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)(الإسراء: 47)، ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن أولئك يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسحور فيما يتكلم به من الوحي ، وأن ما جاء به هذيان كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول عليه الصلاة والسلام فلم يؤثر عليه في شيء من الوحي، ولا في شيء من العبادات ، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بسوء فهمنا للنصوص.


حقيقة الإلحاد
السؤال (44): فضيلة الشيخ ، ما هو الإلحاد في أسماء الله وصفاته؟
الجواب : الإلحاد في الأصل أي في اللغة العربية : هو الميل ، ومنه قوله تعالى : ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)(النحل: 103)، ومنه اللحد في القبر ، فإنه سمي لحداً لميله إلى جانب منه . ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل : بضدها تتبين الأشياء، فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته: أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله عز وجل ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما مر علينا في القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعاً يجمعها أن نقول : هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها.
فالنوع الأول : أن ينكر شيء منها أو مما دلت عليه من الصفات ، مثل أن ينكر اسم الرحمن من أسماء الله كما فعل أهل الجاهلية ، أو تثبت الأسماء ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات ، كما يقول بعض المبتدعة: " إن الله تعالى رحيم بلا رحمة ، وسميع بلا سمع ، وبصير بلا بصر" وهكذا.
النوع الثاني : أن يسمي الله تعالى بما لم يسم به نفسه ، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه ، لأن هذا من القول على الله بلا علم ، ومن العدوان على الله عز وجل أيضاً ، ومن العدوان في حق الله عز وجل ، وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة ، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك .
النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف تماثل أوصاف المخلوقين ، فيجعلها دالة على التمثيل. ووجه كونه إلحاداً : أن من اعتقد بأن أسماء الله سبحانه وتعالى دالة على تمثيل الله بخلقه فقد جعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم دالاً على الكفر ، لأن تمثيل الله بخلقه كفر، لكونه تكذيباً لقوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11)، ولقوله : ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم: 65) ، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري - رحمهم الله " من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما سمى الله ووصف به نفسه تشبيه".
النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء للأصنام ، كاشتقاق اللات من الإله، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان ، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله عز وجل خاصة به ، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد المخلوقين ، ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله عز وجل ، هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله سبحانه وتعالى .


أنواع الشرك
السؤال (45): فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع الشرك؟
الجواب : سبق لنا فيما تقدم أن التوحيد يتضمن إثباتاً ونفياً ، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل ، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة ، فلهذا لابد من التوحيد من نفي وإثبات ، فمن لم يثبت الحق لله عز وجل على هذا الوجه، فقد أشرك به.
والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة ، وشرك دون ذلك ، فالشرك الأكبر: كل شرك أطلقه الشارع ، وهو متضمن لخروج الإنسان من دينه، مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، كأن يصلي لغير الله ، أو يصوم لغير الله ، أو يذبح لغير الله ، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله عز وجل ، مثل أن يدعو صاحب القبر ، أو يدعو غائباً ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم.
وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر ، وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق الشارع عليه وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة مثل الحلف بغير الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من حلف بغير الله كفر أو أشرك"، فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله ، نقول : إنه مشرك شركاً أصغر ، سواء كان هذا المحلوف به معظماً من البشر أم غير معظم فلا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا برئيس أو وزير ولا يجوز الحلف بالكعبة ، ولا يجوز الحلف بجبريل وميكائيل وما أشبه ذلك ، لأن هذا شرك ، لكنه شرك أصغر ، لا يخرج من الملة .
ومن أنواع الشرك الأصغر : الرياء اليسير ، مثل أن يقوم الإنسان يصلي لله عز وجل ، ولكنه يزين صلاته لأنه يعلم أن أحداً من الناس يراه فيزين صلاته من أجل مراءاة الناس ، فهذا مشرك شركاً أصغر ، لأنه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق. وكذلك لو أنفق ماله في شيء يتقرب به إلى الله، لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك ، فإن هذا مشرك شركاً أصغر. وأنواع الشرك الأصغر أيضاً كثيرة معلومة في كتب أهل العلم.
تعريف أنواع الشرك


السؤال (46): فضيلة الشيخ ، عرفنا أنواع الشرك لكن هل هناك تعريف محدد لكل نوع منها؟
الجواب : نعم، ذكرنا أن الشرك الأصغر كل ما أطلق عليه الشارع اسم الشرك، أو وصف الشرك ، ولكنه لا يخرج من الملة ، وأن الشرك الأكبر كل ما أطلق الشارع عليه اسم الشرك أو وصف الشرك وهو مخرج من الملة.


هل يسمى ترك العبادة شركاً؟
السؤال (47): فضيلة الشيخ ، ورد فيما رواه مسلم قوله صلى الله عليه وسلم "إن بين الرجل وبين الشرك الكفر ترك الصلاة" هل ترك العبادة يكون شركاً؟
الجواب : نعم هو شرك من حيث المعنى العام، لأن تارك الصلاة تهاوناً إنما تركها لهواه، فقدم هواه على طاعة الله عز وجل ، فكان مشركاً بهذا الاعتبار ، كما قال الله عز وجل : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ )(الجاثـية: 23)، فكل من اتبع هواه مقدماً له على طاعة الله عز وجل ، فإن فعله هذا نوع من الشرك ، وإن كان الشرك بالمعنى الأخص لا يشمل الترك.


حقيقة دين الإسلام
السؤال (48): فضيلة الشيخ ، ما هو دين الإسلام؟
الجواب : الإسلام بالمعنى العام : هو التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادات التي جاءت بها رسله ، منذ أن تعبد الله تعالى عباده بشرعه إلى أن تقوم الساعة، فيشمل ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام من الهدى والحق ، ويشمل ما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء ، وما جاء به موسى وعيسى ، كما قال الله تبارك وتعالى ، أو كما ذكر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة ، تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله عز وجل .
ولكنه بالمعنى الخاص : يختص بما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم نسخ جميع الأديان السابقة ، فصار من اتبعه مسلماً ، ومن خالفه ليس بمسلم ، لأنه لم يستسلم لله ، بل استسلم لهواه . فاليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم فكفروا به فليسوا بمسلمين ، ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند الله ، مساو لدين الإسلام ، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإسلام ، لأن الله عز وجل يقول :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام)(آل عمران: 19)، ويقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران:85).
وهذا الإسلام الذي أشار الله إليه هو الإسلام الذي امتن الله به على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، لقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً )(المائدة: 3) ، وهذا نص صريح في أن من سوى هذه الأمة بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا على الإسلام ، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم ، ولا ينفعهم يوم القيامة ، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً ، ولهذا يخطئ خطأ كبيرا من يصف اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا أو يقول : إن أديانهم اليوم قائمة ، لما أسلفناه آنفاً.
وإذا قلنا : إن الإسلام هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع ، شمل ذلك الاستسلام له ظاهراً وباطناً، فيشمل الدين كله عقيدة وعملاً وقولاً ، أما إذا قرن الإسلام بالإيمان ، فإن الإسلام يكون بمعنى الأعمال الظاهرة ، من نطق اللسان وعمل الجوارح ، والإيمان الأعمال الباطنة ، من العقيدة وأعمال القلوب ، ويدل على هذا التفريق قوله تبارك وتعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ )(الحجرات: 14)، وقوله تعالى في قصة لوط : (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (35) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات:35-36).
فإنه فرق هنا بين المؤمنين والمسلمين ، لأن البيت الذي كان في القرية بيت إسلامي في ظاهره ، إذ إنه يشمل امرأة لوط التي خانته وهي كافرة. وأما من أخرج منها ونجا فإنهم المؤمنون حقا، الذين دخل الإيمان في قلوبهم ، ويدل لذلك أي للفرق بين الإيمان والإسلام عند اجتماعهما ، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفيه أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت"، وقال في الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"، فالحاصل أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله ، ويدخل فيه الإيمان ، وأنه إذا قرن مع الإيمان فسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح ، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها.
السؤال (49): فضيلة الشيخ ، إذن هل نفهم من ذلك أن لدينا تعريفاً للإسلام بالمعنى العام وتعريفاً له بالمعنى الخاص ؟
الجواب : نعم لدينا تعريف للإسلام بالمعنى العام ، وتعريف له بالمعنى الخاص إذا اقترن بالإيمان وهو ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الآتين اللتين ذكرتا آنفاً.


الطاغوت وأنواعه
السؤال (50) : فضيلة الشيخ ، ما هو الطاغوت،وما هي اشتقاقاته؟
الجواب : الطاغوت مشتق من الطغيان ، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (الحاقة:11) ، يعني لما زاد عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية ، يعني في السفينة ، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم رحمه الله "أنه- أي الطاغوت- كل ما تجاوز به العبد حده ، من معبود أو متبوع أو مطاع".
فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، والعلماء - علماء السوء- الذين يدعون إلى الضلال من الطواغيت أيضاً ، الذي يدعون إلى البدع ، وإلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله ، أو يزينون لولاة الأمور الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن العلماء حقيقة هم ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علماً وعملاً وأخلاقاً ودعوة وتعليماً ، فإذا تجاوزوا هذا الحد ، وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت ، لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة.
وأما المطاع في قوله رحمه الله" أو مطاع"، فيريد بهم الأمراء الذين يطاعون شرعاً أو قدراً، فالأمراء يطاعون شرعاً إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله، فهم يطاعون هنا شرعاً ، كما يطاعون قدراً، فإن الواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمر لا يخالف أمر الله الواجب عليهم السمع والطاعة ، وطاعتهم لولاة الأمور في هذه الحال ، وبهذا القيد طاعة لله عز وجل ، ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمرت به الدولة مما تجب طاعتها فيه ، أن نلاحظ أننا بذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله عز وجل ، وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك ، لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59).
وأما طاعة الأمراء قدراً فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم، إن الناس يطيعونهم بقوة السلطان، وإن لم يكن بوازع الإيمان لأن طاعة ولي الأمر قد تكون بوازع الإيمان، وهذه هي الطاعة النافعة لهم أي لولاة الأمور ، والنافعة للناس أيضاً، وقد تكون طاعة ولاة الأمور برادع السلطان، بحيث يكون السلطان قويا يخشى الناس منه ويهابونه، لأنه ينكل بمن خالف أمره، ولهذا نقول : إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أقسام :
فتارة : يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، وهذه أكمل المراتب وأعلاها ، وتارة يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، وهذه أدنى المراتب وأخطرها على المجتمع ، على حكامه وعلى محكوميه، لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، صارت الفوضى الفكرية والخلقية والعملية. المرتبة الثالثة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني، وهذه مرتبة وسطى ، ينظر فيها أيها أكمل مما إذا قوي الرادع السلطاني وضعف الوازع الإيماني، فإنه في المظهر إذا قوي الرادع السلطاني يكون أصلح للأمة، لكن الأمة إذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حالها ، وسوء عملها ، لأن الوازع الإيماني ضعيف، أما إذا قوي الوازع الإيماني وضعف السلطاني فقد يكون المظهر أدنى من المظهر في المرتبة الأخرى، لكنه فيما بين الإنسان وبين ربه إذا اختفى الرادع السلطاني يكون أصلح.
على كل حال هذه مراتب أربع : قوة الإيمان والسلطان وضعف الإيمان والسلطان ، وقوة الإيمان وضعف السلطان وضعف الإيمان وقوة السلطان.
فالمهم أننا نقول : أنه ينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا بذلك نقترب به إلى الله عز وجل ، وإنما قال ابن القيم : " إن الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، لأن الأمير أو ولي الأمر الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله، فإذا أمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه لا سمع له ولا طاعة ، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله سبحانه وتعالى ، لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعة أو جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله كما يفهم من سياق الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59)، ولم يقل : وأطيعوا أولى الأمر، فدل هذا على أن طاعتهم غير مستقلة، بل هي تابعة لطاعة الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة بالمعروف أو في المعروف ، أي فيما أقره الشرع ، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق ، حتى لو كان الوالد أو الوالدة يأمرانك بمعصية الله ، فإنه لا يحل لك أن تطيعهما ، لأن طاعة الله مقدمة على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده.


عقيدة المسلمين في عيسى
السؤال (51): فضيلة الشيخ، ما هي عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم عليه السلام؟ وما حكم القول بقتله وصلبه.
الجواب : عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، أنه أحد الرسل الكرام، بل أحد الخمسة الذين هم أولو العزم ، وهم : محمد ، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى ، ونوح عليهم الصلاة والسلام ، ذكرهم الله تعالى في موضعين من كتابه فقال في سورة الأحزاب : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب:7)، وقال في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13).
وأن عيسى عليه الصلاة والسلام بشر من بني آدم مخلوق من أم بلا أب ، وأنه عبد الله ورسوله ، فهو عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب ، وأنه ليس له من خصائص الربوبية شيء، بل هو كما قال الله تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ) (الزخرف:59).
وأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر قومه بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله ، وإنما قال لهم ما أمره الله به ( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(المائدة: 117)، وأنه أي عيسى عليه الصلاة والسلام خلق بكلمة الله عز وجل ، كما قال الله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59) ، وأنه ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم رسول ، كما قال الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).
ولا يتم إيمان أحد حتى يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله وأنه مبرأ ومنزه عما وصفه به اليهود ، الذين قالوا: إنه ابن بغي ، وأنه نشأ من زنا والعياذ بالله، وقد برأه الله تعالى من ذلك ، كما أنهم أي المسلمين يتبرؤون من طريق النصارى، الذين ضلوا في فهم الحقيقة بالنسبة إلى عيسى ابن مريم، حيث اتخذوه وأمه إلهين من دون الله ، وقال بعضهم: "إنه ابن الله"، وقال بعضهم : "إن الله ثالث ثلاثة".
أما فيما يتعلق بقتله وصلبه فإن الله سبحانه وتعالى قد نفى أن يكون قتل أو صلب نفياً صريحاً قاطعاً، فقال عز وجل : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) (157) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (158) (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) (النساء:157-159).
فمن اعتقد أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قتل وصلب فقد كذب القرآن، ومن كذب القرآن فقد كفر ، فنحن نؤمن بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتل ولم يصلب، ولكننا نقول : إن اليهود باؤوا بإثم القتل والصلب ، حيث زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهم لم يقتلوه حقيقة، بل قتلوا من شبه لهم ، حيث ألقى الله شبهه على واحد منهم فقتلوه وصلبوه، وقالوا: إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله ، فاليهود باؤوا بإثم القتل بإقرارهم على أنفسهم، وإثم الصلب، والمسيح عيسى ابن مريم برأه الله تعالى من ذلك وحفظه ورفعه سبحانه وتعالى عنده إلى السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، فيحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يموت في الأرض ، ويدفن فيها ، ويخرج منها كما يخرج منها سائر بني آدم ، لقول الله تعالى : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طـه:55) وقوله: (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف:25) .


افتراق الأمة
السؤال (52): فضيلة الشيخ ، إلى كم افترقت الأمة الإسلامية بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم؟
الجواب : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة، وهي من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذه الفرقة هي الفرقة الناجية ، التي نجت في الدنيا من البدع ، وتنجو في الآخرة من النار ، وهي الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة ، التي لا تزال ظاهرة قائمة بأمر الله عز وجل .
وهذه الفرق الثلاث والسبعون ، التي واحدة منها على الحق ، والباقي على الباطل، حاول بعض الناس أن يعددها ، وشعب أهل البدع إلى خمس شعب، وجعل من كل شعبة فروعاً، ليصلوا إلى هذا الحد، وإلى هذا العدد الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى بعض الناس أن الأولى الكف عن التعداد، لأن هذه الفرق ليست وحدها هي التي ضلت ، بل قد ضل أناس ضلالاً أكثر مما كانت عليه من قبل، وحدثت بعد أن حصرت هذه الفرق باثنتين وسبعين فرقة ، وقالوا : إن هذا العدد لا ينتهي ولا يمكن العلم بانتهائه إلا في آخر الوقت ، في آخر الزمان عند قيام الساعة.
فالأولى أن نجمل ما أجمله النبي صلى الله عليه وسلم ونقول إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ، ثم نقول : كل من خالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو داخل في هذه الفرق ، وقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد أشار إلى أصول لم نعلم منها الآن إلا ما يبلغ العشرة ، وقد يكون أشار إلى أصول تتضمن فروعاً، كما ذهب إليه بعض الناس، فالعلم عند الله عز وجل .


خصائص الفرقة الناجية
السؤال (53): فضيلة الشيخ، ما هي أبرز خصائص الفرقة الناجية؟
الجواب : أبرز خصائص الفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام في العقيدة ، والعبادة ، والأخلاق، والمعاملة ، هذه الأمور الأربعة تجد الفرقة الناجية بارزة فيها .
ففي العقيدة: تجدها متمسكة بما دل عليه الكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من التوحيد الخالص في ربوبية الله وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
وفي العبادات : تجد هذه الفرقة متميزة في تمسكها التام وتطبيقها لما كان النبي عليه الصلاة السلام عليه في العبادات ، في أجناسها ، وصفاتها ، وأقدارها ، وأزمنتها ، وأمكنتها ، وأسبابها ، فلا تجد عندهم ابتداعاً في دين الله ، بل هم متأدبون غاية التأدب مع الله ورسوله ، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله ، في إدخال شيء من العبادات لم يأذن به الله عز وجل.
تجدهم أيضاً في الأخلاق متميزين عن غيرهم بحسن الأخلاق ، بمحبة الخير للمسلمين، بانشراح الصدر ، بطلاقة الوجه، بحسن المنطق، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها.
وفي المعاملات تجدهم يعاملو الناس بالصدق والبيان اللذين أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما ، وإذا كذبا وكتما ، محقت بركة بيعهما"، فهذه الميزة والعلامة لأهل السنة والجماعة ، للفرقة الناجية التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.


تأثير نقص بعض الخصائص
السؤال (54) : فضيلة الشيخ، لكن هل يلزم توافر أو تكامل هذه الخصائص في الأمور الأربعة وهي : العقيدة ، والعبادة ، والأخلاق، والمعاملات ، دون نقص؟ وهل إذا نقص منها شيء يخرج الإنسان بذلك من الفرقة الناجية أم أن النقص لا يخرجه من ذلك؟
الجواب : النقص من هذه لا يخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية، لكن كما قال تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا )(الأنعام: 132) ، ربما الإخلال في جانب التوحيد، أو جانب البدع، يخرج الإنسان عن هذه الفرقة الناجية ، مثل أن يدخل في عباداته أو يكون الإخلال بالإخلاص، وكذلك في البدع، لكن في مسألة الأخلاق والمعاملات، فالإخلال بها لا يخرج الإنسان من هذه الفرقة الناجية وإن كان آثماً على إخلاله بذلك.
السؤال (55): فضيلة الشيخ ، هل هناك إضافة حول خصائص هذه الفرقة الناجية؟
الجواب : الحقيقة أنه ليس هناك من إضافة ، لأن الأصول الأربعة التي ذكرناها واضحة وكافية ، لكن قد نحتاج إلى تفصيل في مسألة الأخلاق ، فإن من أهم ما يكون من الأخلاق : اجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق الذي أوصانا الله به سبحانه وتعالى في قوله : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )(الشورى: 13).
وأخبر أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم بريء منهم ، فقال الله عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ )(الأنعام: 159) ،فاتفاق الكلمة وائتلاف القلوب من أبرز خصائص الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، فهم أعني الفرقة الناجية إذا حصل بينهم خلاف ناشئ عن اجتهاد في الأمور الاجتهادية ، لا يحمل بعضهم على بعض حقداً ولا عداوة ولا بغضاء ، بل يعتقدون أنهم إخوة ، حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف ، حتى إن يصلى الواحد منهم خلف الشخص، يعتقد المأموم أنه ليس على وضوء، ويعتقد الإمام أنه على وضوء ، مثل أن يصلي الواحد منهم خلف شخص أكل لحم إبل، وهذا الإمام يعتقد أنه لا ينقض الوضوء ، والمأموم يعتقد أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة، وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة،كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كلا من المختلفين قد تبع ما يجب عليهما إتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما إتباعاً للدليل ، هو في الحقيقة قد وافقهم ، لأنهم هم يدعون إلى إتباع الدليل أينما كان ، فإذا خالفهم موافقة للدليل عنده، فهو في الحقيقة قد وافقهم،لأنه تمشى على ما يدعون إليه ، ويهدفون إليه، من تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا يخفى على كثير من أهل العلم ، ما حصل من الخلاف بين الصحابة في مثل هذه الأمور ، حتى في عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من غزوة الأحزاب، وجاءه جبريل ، وأشار إليه أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة". فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة، وأرهقتهم صلاة العصر ، فمنهم من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ولم يصل إلا بعد غروب الشمس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"ومنهم من صلى الصلاة لوقتها ، وقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد منا المبادرة للخروج ، ولم يرد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها ، وهؤلاء هم المصيبون، لكن مع ذلك لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين ، ولم يحمل كل واحد على الآخر عداوة أو بغضاء بسبب اختلافهم في فهم هذا النص.
لذلك أرى أن الواجب على المسلمين الذين ينتسبون إلى السنة أن يكونوا أمة واحدة، وألا يحصل بينهم تحزب ، هذا ينتمي إلى طائفة ما ، والآخر ينتمي إلى طائفة أخرى ، والثالث إلى طائفة ثالثة وهكذا، بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن، ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد ، ولا حاجة إلى أن أنص على طائفة بعينها، ولكن العاقل يفهم ويتبين له الأمر ، فأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا حتى وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه مما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم، فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب ، واتحاد الكلمة ، ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا ، سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين أو للإسلام ، وهم ليسوا كذلك ، فالواجب أن نتميز بهذه الميزة التي هي ميزة الطائفة الناجية وهي الاتفاق على كلمة واحدة.


التوسل الصحيح والتوسل الباطل
السؤال (56): فضيلة الشيخ ، ما هو التوسل الصحيح والتوسل الباطل؟
الجواب : التوسل : مصدر توسل يتوسل ، إذا اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده ، فأصله: طلب الوصول إلى الغاية المقصودة، وينقسم إلى قسمين:
قسم صحيح : وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب.
وقسم غير صحيح : وهو التوسل بوسيلة لا توصل إلى المقصود.
فأما الأول : وهو التوسل بالوسيلة الموصلة إلى المقصود:
فإنه أنواع: منها : التوسل بأسماء الله وصفاته ، سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص ، مثاله على سبيل العموم : ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم : قال " اللهم إني عبدك، ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي.." ، إلى آخره، فهنا توسل بأسماء الله على سبيل العموم ، وذلك في قوله : " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك".
أما الخصوص : فأن يتوسل باسم خاص ، لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم ، مثل ما جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه ، حيث طلب من النبي صلى الله عليه وسلم دعاء يدعو به في صلاته ، فقال : " قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم"(34)، فطلب المغفرة والرحمة ، وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب ، فقال "إنك أنت الغفور الرحيم" وهذا النوع من التوسل داخل في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(الأعراف: 180)، فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ، ودعاء العبادة.
أما التوسل إلى الله تعالى بصفاته ، فهو أيضاً كالتوسل بأسمائه ، يكون عاماً وخاصا ، أما العام فأن تقول : اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا ، ثم تذكر مطلوبك ، وإما الخاص فأن تتوسل إلى الله تعالى بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص ، مثل ما جاء في الحديث: " اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي"، فهنا توسل إلى الله تعالى بصفة العلم والقدرة " بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق".. هذا نوع.
النوع الثاني: أن يتوسل الإنسان إلى الله عز وجل ، بالإيمان به وبرسوله فيقول :اللهم إني آمنت بك وبرسولك ، فاغفر لي أو فوقفني أو يقول " اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (:190) (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ )(آل عمران191) إلى قوله : (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (آل عمران:190-193) ، فتوسلوا إلى الله تعالى بالإيمان به ، أن يغفر لهم الذنوب ، ويكفر عنهم السيئات ويتوفاهم مع الأبرار.
النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح ، ومنه قصة النفر الثلاثة الذين آووا إلى غار ليبيتوا فيه ، فانطبق عليهم الغار، انطبق عليهم بصخرة لا يستطيعون زحزحتها ، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله، أحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني بعفته التامة، والثالث بوفائه لأجيره، قال :كل منهم اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله عز وجل بالعمل الصالح .
النوع الرابع : أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله ، يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة ، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)(القصص: 24) ، فهو بذلك يتوسل إلى الله بذكر حاله أن ينزل إليه الخير ، ويقرب من ذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام : (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً) (مريم:4)، فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة ، لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها.


نوع خامس من التوسل
السؤال (57): فضيلة الشيخ، هل هناك أنواع أخرى من التوسل غير أنواع التوسل الأربعة التي ذكرتموها؟
الجواب : نعم ، هناك توسل زائد عن الأربعة السابقة ، وهو التوسل إلى الله عز وجل بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم بدعاء عام وبدعاء خاص ، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : " اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل صلى الله عليه وسلم من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً ، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا رسول الله ، غرق المال ، وتهدم البناء ، فادع الله تعالى أن يمسكها عنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال " اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت ، حتى خرج الناس يمشون في الشمس(37)، وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على وجه الخصوص .
فمن ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن في أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وهم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ، قام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال : "أنت منهم"(38).
فهذا أيضاً من التوسل الجائز ، أن يطلب الإنسان من شخص أن يدعو الله تعالى له ، إذا كان هذا الشخص مرجو الإجابة ، إلا أن الذي ينبغي على هذا السائل الذي سأل الشخص أن يدعو له أن يريد بذلك منفعة نفسه ومنفعة أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة ، لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك ، صار في هذا إحسان له ، فإن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك : آمين ولك بمثله ، وكذلك إذا دعا له أخوه ، فإنه يكون من المحسنين بهذا الدعاء ، والله يحب المحسنين.


التوسل الباطل وأقسامه
السؤال (58): فضيلة الشيخ ، بعد أن عرفنا التوسل الصحيح وأقسامه ، لابد لنا من معرفة التوسل الباطل ، وهل له أقسام أيضاً؟
الجواب : التوسل الباطل أن يتوسل الإنسان إلى الله تعالى بما لم يكن وسيلة ، أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة ، لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو والباطل والمخالف للمعقول والمنقول ، ومن ذلك أن يتوسل الإنسان إلى الله عز وجل بدعاء ميت ، يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له ، فإن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة ، بل هو سفه من الإنسان أن يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له ، لأن الميت إذا مات انقطع عمله ، ولا يمكن أن يدعو لأحد ، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته عليه الصلاة والسلام ، ولهذا لم يتوسل الصحابة رضي الله عنهم إلى الله بطلب الدعاء من رسوله صلى الله عليه وسلم بعد موته ، فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : اللهم إن كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فقام العباس رضي الله عنه فدعا الله عز وجل ، ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغاً ووسيلة صحيحة ، لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن إجابة دعائه أقرب من إجابة دعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
فالمهم أن التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الميت توسل باطل لا يحل ولا يجوز.
ومن التوسل الذي ليس بصحيح : أن يتوسل الإنسان إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : اللهم إني أسألك بجاه نبيك كذا وكذا ، وذلك أن جاه الرسول عليه الصلاة والسلام ليس مفيداً بالنسبة إليك ، لأنه لا يفيد إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ، أما بالنسبة لك فليس بمفيد حتى تتوسل إلى الله تعالى به ، والتوسل كما قلنا اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر ، فما فائدتك أنت من كون الرسول عليه الصلاة والسلام له جاه عند الله؟ وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح ، فقل : اللهم إني أسألك بإيماني برسولك ، أو بالمحبة لرسولك أو ما أشبه ذلك ، فإن هذا من الوسيلة الصحيحة النافعة.


الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية
السؤال (59): فضيلة الشيخ ، ما هي الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية؟
الجواب : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو ضد الوتر ، وهو جعل الوتر شفعاً، مثل أن نجعل الواحد اثنين ، والثلاثة أربعة وما أشبهها ، هذا من حيث اشتقاقها في اللغة.
أما معناها فهي : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة ، يعني أن يقوم الشافع بين المشفوع إليه والمشفوع له واسطة ، ليجلب منفعة إلى المشفوع له ، أو يدفع عنه مضرة.
والشفاعة نوعان : شفاعة ثابتة وصحيحة ، وشفاعة باطلة لا تنفع أصحابها .
أما الشفاعة الثابتة الصحيحة : فهي التي أثبتها الله تعالى في كتابه ، وأثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ، لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال :" من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"
وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة : الشرط الأول : رضا الله عن الشافع . والشرط الثاني : رضا الله عن المشفوع له . والشرط الثالث : إذن الله تعالى للشافع أن يشفع . وهذه الشروط مجموعة في قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم:26)، ومفصلة في قوله تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)(البقرة: من الآية255)، وفي قوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109) ، وقوله : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(الأنبياء: 28)، فلابد من هذه الشروط حتى تتحقق الشفاعة.
وبناء على ذلك نعرف النوع الثاني، وهي الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله عز وجل ، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم كما قال الله تعالى : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر:48)، وذلك لأن الله تعالى لا يرضي لهؤلاء المشركين شركهم ، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم ، لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله عز وجل ، والله عز وجل لا يرضى لعباده الكفر ، ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم التي يعبدونها ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، تعلق باطل غير نافع ، بل هذا لا يزيدهم من الله تعالى إلا بعداً.
ثم إن الشفاعة الثابتة النافعة، ذكر العلماء رحمهم الله أنها تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة ، ومعنى العموم : أن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم . والخاصة : التي تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأعظمها : الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة ، حين يلحق الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم إلى موسى ، ثم إلى عيسى، وكلهم لا يشفع ، حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقوم ويشفع عند الله عز وجل أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم ، فيجيب الله دعاءه ويقبل شفاعته ، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به في قوله : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79) .
ومن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم : شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فتمحص قلوبهم بعضهم من بعض ، حتى يهذبوا وينقوا ، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة ، ولكن لا يدخلونها إلا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل أن يدخلوا الجنة ، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الشفاعة العامة له ولغيره من عباد الله الصالحين ، فهي أن يشفع في أهل النار من المؤمنين - أي من عصاة المؤمنين - الذين لا يستحقون الخلود في النار يشفع فيهم أن يخرجوا من النار ، وهذه الشفاعة ثابتة له ولغيره من النبيين والشهداء والصالحين . والله أعلم.


عقيدة السلف في القرآن الكريم
السؤال (60): فضيلة الشيخ ، ما هي عقيد السلف في القرآن الكريم؟
الجواب : عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر صفات الله تعالى وأسمائه ، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن الكريم بأنه كلامه ، وأنه منزل من عنده ، فقال جل وعلا: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6)، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا : القرآن الكريم، وقال تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل:76)، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى ، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين ، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، ويعتقد السلف أن القرآن منزل نزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة ، حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل .
ثم إن نزوله يكون ابتدائياً ويكون سببياً، بمعنى أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله ، وبعضه ينزل بغير سبب ، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية، على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب ، ثم إن السلف يقولون : إن القرآن من عند الله عز وجل ابتداءً، وإليه يعود في آخر الزمان ، هذا هو قول السلف في القرآن الكريم.
ولا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة ، وصفه بأنه حكيم ، وبأنه كريم ، وبأنه عظيم ، وبأنه مجيد ، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه ، تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً ، فإن الله تعالى يجعل له من المجد ، والعظمة، والحكمة ، والعزة ، والسلطان ، ما لا يكون لم يتمسك بكتاب الله عز وجل، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين، حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، أدعوهم إلى التمسك بكتاب الله عز وجل ظاهراً وباطناً ، حتى ينالوا رضا الله، وتكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها.


أبرز أحكام التلاوة
السؤال (61): فضيلة الشيخ، ما هي أبرز أحكام التلاوة؟
الجواب : الذي ينبغي لتالي القرآن أن يكون على طهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا يجوز له أن يقرأن القرآن وعليه حدث أكبر، فالجنب مثلاُ لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، لأن السنة وردت بالمنع منه في حال الجنابة ، أما الحائض فقد اختلف أهل العلم هل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟
اختلفوا في ذلك على قولين : فمنهم من قال : إنه يجوز أن تقرأ القرآن ، لأنه ليس في منعها من القرآن سنة صريحة ، والأصل براءة الذمة وعدم الإلزام ، كما أن الأصل أيضاً عدم المنع ، ويرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز لها أن تقرأ القرآن وهي حائض ، لأنها ممن يلزمها الغسل، فهي كالجنب ، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث تدل على المنع، والذي أرى في هذه المسألة أنها لا تقرأ القرآن إذا كان غرضها بذلك مجرد التلاوة ، أما إذا كانت تريد أن تقرأ القرآن لحاجة ، تخشى نسيانه مثلاُ ، أو تقرئه أبناءها أو بناتها أو الطالبات إن كانت مدرسة ، أو تكون طالبة تريد أن تقرأه لإسماع المدرسة ، فإن هذا لا بأس به للحاجة ، وكذلك لا بأس أن تقرأ الآيات التي تكون ورداً كآية الكرسي، لأن هذا حاجة ، فيكون هذا القول الذي أراه أقرب إلى الصواب مبنيا على حاجة المرأة الحائض، إن احتاجت للتلاوة فلها أن تقرأ القرآن ، وإن لم تحتج فلا تقرأ القرآن.
كذلك ينبغي لقارئ القرآن أن يكون مستحضراً في قلبه ما تدل عليه كلمات القرآن العظيم من المعاني الجليلة ، سواء كانت هذه الآيات تتضمن الأخبار والقصص أو الأحكام، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن لهذه الحكمة(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) .
والإنسان يجد الفرق العظيم إذا تلا القرآن وقلبه غافل، وإذا تلا القرآن وقلبه حاضر يتدبر ما يقول ، يجد الفرق العظيم بين هذه الحال والحال الأخرى، ويجد أنه ينتفع أكثر إذا قرأ القرآن بتدبر وتفكر، فإن ذلك يؤثر في قلبه قوة الإيمان والتصديق، وقوة الانقياد والإذعان للأحكام التي يتضمنها كتاب الله عز وجل .
وأما ما ينبغي أن تكون التلاوة عليه : فينبغي أن تكون التلاوة تلاوة هادئة ، ليس فيها سرعة تسقط بعض الحروف، أو تخفى بها الكلمات ، بل يقرأ القرآن بتمهل وترسل، ولا بأس بالعجلة أحياناً ، بشرط ألا يسقط الحروف أو شيئاً منها، أو يدغم مالا يجوز إدغامه أو ما أشبه ذلك.


السؤال (62): فضيلة الشيخ ، ما حكم التلاوة لروح الميت؟
الجواب : التلاوة لروح الميت ، يعني أن يقرأ القارئ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من يرى أن ذلك غير مشروع، وأن الميت لا ينتفع به، أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال، ومنهم من يرى أنه ينتفع بذلك ، وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو لفلانة من المسلمين، سواء كان قريباً له أم غير قريب له ، وهذا هو الأرجح، لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت ، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه ، حين تصدق بمخرافه - أي ببستانه -لأمه، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام : إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال : "نعم".
وهذه قضايا أعيان، تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز ، وهو كذلك ، ولكن أفضل من هذا أن يدعو للميت، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل : أو ولد صالح يتلو له ، أو يصلي له ، أو يصوم له ، أو يتصدق عنه ، بل قال : أو ولد صالح يدعو له ، والسياق في سياق العمل فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت. لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة ، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح ، أن يجد ثوابه مدخراً له عند الله عز وجل.
أما ما يفعل بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة ، مثل أن يحضر قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت، فإن هذا بدعة، ولا يصل إلى الميت ثوابه، لأن هذا القارئ إنما قرأ من أجل الدنيا ، ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا ، فإنه لا حظ له منها في الآخرة ، كما قال الله تبارك وتعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15-16) وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى إخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل ، أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت ، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه، لأن القارئ الذي ليس له نية في قراءته إلا أخذ الأجرة، ليس له ثواب عند الله عز وجل ، وحينئذ يكون أخذ الأموال ولم ينتفع الميت بذلك.


قراءة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال (63): فضيلة الشيخ، بالنسبة للذين يوصون أن تقرأ الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم أو له عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب : هذه الوصية لا يلزم تنفيذها ، لأنها وصية بأمر غير مشروع ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع لأحد أن يعبد الله ، ثم يجعل ثواب العبادة للرسول صلى الله عليه وسلم، لأن هذا لو كان مشروعاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج لمثل هذا ، فإنه ما من إنسان يعمل عملاً صالحاً إلا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مثل أجره، لأنه هو الذي دل عليه ، " والدال على الخير كفاعله"، فهذا يكون من العبث ، ومن البدعة التي لم ترد عن السلف الصالح رضي الله عنهم، وكذلك لو قال : تقرأ الفاتحة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لي، فإنه لا يلزم الوفاء بهذه الوصية، لأن تخصيص مكان بعبادة معينة لم يرد بها الشرع من البدع ، كما هو معلوم في البحث عن ذكر المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنه لا تحقق المتابعة حتى توافق العبادة الشريعة في أمور ستة : في سببها ، وجنسها ، وقدرها ، وكيفيتها، وزمانها ، ومكانها.

الزاهدة
08-13-2011, 06:38 AM
فتـاوى الطهارة


حقيقة الطهارة
السؤال(64): فضيلة الشيخ ، ما هي الطهارة؟
الجواب : الطهارة معناها: النظافة والنزاهة ، وهي في الشرع على نوعين : طهارة معنوية، وطهارة حسية، أما الطهارة المعنوية: فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله ، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء ، والكراهة ، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا .
أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن ، وهي أيضاً نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإزالة الخبث.
نتكلم أولاً عن الطهارة المعنوية : وهي طهارة القلب من الشرك والبدع فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل ، وهذا هو أعظم الطهارتين ، ولهذا تنبني عليه جميع العبادات ، فلا تصح أي عبادة من شخص ملوث قلبه بالشرك ، ولا تصح أي بدعة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، وهي مما لم يشرعه الله عز وجل ، قال الله تعالى : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ )(التوبة: 54)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
وعلى هذا ، فالمشرك بالله شركاً أكبر لا تقبل عبادته وإن صلى وإن صام وزكى وحج ، فمن كان يدعو غير الله عز وجل، أو يعبد غير الله فإن عبادته لله عز وجل غير مقبولة ، حتى وإن كان يتعبد لله تعالى عبادة يخلص فيها لله ، ما دام قد أشرك بالله شركاً أكبر من جهة أخرى.
ولهذا وصف الله عز وجل المشركين بأنهم نجس ، فقال تعالى : ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا )(التوبة: 28)، ونفى النبي صلى الله عليه وسلم النجاسة عن المؤمن ، فقال صلى الله عليه وسلم "إن لمؤمن لا ينجس"، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن أن يعتني به عناية كبيرة ليطهر قلبه منه.
كذلك أيضاً يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهة للمؤمنين، لأن هذه كلها صفات ذميمة ليست من خلق المؤمن، فالمؤمن أخو المؤمن ، لا يكرهه ولا يعتدي عليه ، ولا يحسده، بل يتمنى الخير لأخيه كما يتمنى الخير لنفسه ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ونرى كثيراً من الناس أهل خير وعبادة وتقوى وزهد ، ويكثرون التردد إلى المساجد ، ليعمروها بالقراءة والذكر والصلاة ، لكن يكون لديهم حقد على بعض إخوانهم المسلمين ، أو حسد لمن أنعم الله عليه بنعمة، وهذا يخل كثيراً فيما يسلكونه من عبادة الله سبحانه وتعالى ، فعلى كل منا أن يطهر قلبه من هذه الأدناس بالنسبة لإخوانه المسلمين.
أما الطهارة الحسية: فهي كما قلت نوعان : إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وإزالة خبث.
فأما إزالة الوصف : فهي رفع الحدث الأصغر والأكبر، بغسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر ، وغسل جميع البدن في الحدث الأكبر، إما بالماء لمن قدر عليه ، وإما بالتيمم لمن لم يقدر على الماء ، وفي هذا أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6).
أما النوع الثاني : فهو الطهارة من الخبث ، أي من النجاسة ، وهي كل عين أوجب الشرع على العباد أن يتنزهوا منها ويتطهروا منها، كالبول والغائط ونحوهما مما دلت السنة بل مما دلت الشريعة على نجاسته ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله : الطهارة إما عن حدث وإما عن خبث، ويدل لهذا النوع أعني الطهارة من الخبث ما رواه أهل السنن أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه ، فخلع الناس نعالهم ، فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم سألهم أي سأل الصحابة-: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى"، يعني قذراً ، فهذا هو الكلام على لفظ الطهارة .

الأصل في التطهير
السؤال (65): فضيلة الشيخ ، ما هو الأصل في التطهير؟
الجواب : أما الطهارة من الحدث فالأصل فيها الماء ، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقياً أم متغيراً بشيء طاهر ، لأن القول الراجح أن الماء إذا تغير بشيء طاهر وهو باق على أسم الماء، أنه لا تزول طهوريته ، بل هو طهور ، طاهر في نفسه ، مطهر لغيره.
فإن لم يوجد الماء، أو خيف الضرر باستعماله ، فإنه يعدل عنه إلى التيمم بضرب الأرض بالكفين ، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض ، هذا بالنسبة للطهارة من الحدث ، أما الطهارة من الخبث فإن أي مزيل يزيل ذلك الخبث من ماء أو غيره، تحصل به الطهارة ، وذلك لأن الطهارة من الخبث يقصد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل ، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تمام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث ، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث.

البدل عن الأصل في التطهير
السؤال (66): فضيلة الشيخ ، ما هو البدل عن هذا الأصل الذي هو الماء؟
الجواب : البدل عن هذا الأصل هو التراب ، إذا تعذر استعمال الماء لعدمه أو التضرر باستعماله ، فإنه يعدل عن ذلك إلى التراب ، أي إلى التيمم، بأن يضرب الإنسان يديه على الأرض ، ثم يمسح بهما وجهه ، ويمسح بعضهما ببعض ، لكن هذا خاص في الطهارة من الحدث ، أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم ، سواء كان على البدن، أو على الثوب ، أو على البقعة، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة ، وليس التعبد فيها شرطاً ، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل. فلو نزل المطر على مكان نجس، أو على ثوب نجس ، وزالت النجاسة بما نزل من المطر ، فإن المحل يطهر بذلك ، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا ، بخلاف طهارة الحدث، فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، فلابد فيها من النية والقصد.


السؤال (67): فضيلة الشيخ ، إذن لو كان على الإنسان نجاسة ، ولا يستطيع إزالتها ، فإنه لا يتيمم عنها؟
الجواب : نعم ، إذا كان على الإنسان نجاسة وهو لا يستطيع إزالتها فإنه يصلي بحسب حاله لكن يخففها ما أمكن بالحك وما أشبه ذلك ، وإذا كانت مثلاُ في ثوب يمكنه خلعه ويستتر بغيره ، وجب عليه أن يخلعه ويستتر بغيره.


صفة الوضوء
السؤال (68): فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الوضوء ؟
الجواب : صفة الوضوء الشرعي على وجهين:
الوجه الأول: صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها ، وهي المذكورة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )(المائدة: 6)، فهي غسل الوجه مرة واحدة ، ومنه أي غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ومسح الرأس مرة واحدة ، ومنه أي من الرأس الأذنان وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة ، هذه هي الصفة الواجبة التي لابد منها.
أما الوجه الثاني من صفة الوضوء: فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله ، فهي أن يسمي الإنسان عند وضوئه ، ويغسل كفيه ثلاث مرات ، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات ، ثم يغسل وجهه ثلاثاً ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً ، يبدأ باليمنى ثم باليسرى ، ثم يمسح رأسه مرة واحدة ، يبدأ بمقدمه حتى يصل إلى مؤخره ، ثم يرجع حتى يصل إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه، فيدخل سبابته في صماخيهما، ويمسح بإبهامه ظاهرهما ، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً ، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء . هكذا صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عمر رضي الله عنه.


السؤال (69): فضيلة الشيخ ، لكن بالنسبة للأذنين ، هل يلزم أخذ ماء خاص لهما أم مع الرأس ؟
الجواب : لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب ، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديداً لأذنيه ، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه.


نواقض الوضوء
السؤالان (70-71 ): فضيلة الشيخ ، ما هي نواقض الوضوء ؟
الجواب : قبل أن نذكر نواقض الوضوء ، أحب أن أنبه إلى مسألة تخفى على كثير من الناس ، وهي أن بعض الناس يظنون أن الاستنجاء أو الاستجمار من فروض الوضوء، فتجدهم يسألون كثيراً عن الرجل ينقض الوضوء في أول النهار ، ثم يؤذن أذان الظهر وهو لم ينقض وضوءه بعد ، وهو لم يتوضأ حين نقض وضوءه أولاً ، فيقول : إذا أذن الظهر هل أغسل فرجي مرة ثانية أو لا فنقول : لا تغسل فرجك، لأن غسل الفرج إنما هو لتطهيره من النجاسة عند البول أو الغائط، فإذا لم يحصل ذلك بعد التطهير الأول ، فإنه لا يطهر ، وحينئذ نعرف أنه لا علاقة بين الاستنجاء الذي هو غسل الفرج مما تلوث به من النجاسة ، وبين الوضوء، وهذه مسألة أحب أن يتنبه لها .
أما ما يتعلق بنواقض الوضوء : وهي مفسداته ومبطلاته، فنذكر منها : الغائط ، والبول ، والريح ، والنوم ، وأكل لحم الجزور .
فأما الغائط والبول والنوم فقد دل عليها حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ، ولكن من غائط وبول ونوم"، وهذا تؤيده الآية الكريمة في الغائط حيث قال الله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (النساء:43).
وأما الريح : فلما جاء في حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة رضي الله عنهما ، فيمن أشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينصرف أولا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"، وهذا دليل على أن الريح ناقض للوضوء فهذه أربعة أشياء : البول، والغائط ، والريح ، والنوم.
ولكن النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان عميقاً ، بحيث يستغرق النائم فيه، فلا يعلم عن نفسه لو خرج منه شيء ، لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثاً في نفسه، فإذا نعس الإنسان في صلاته أو خارج صلاته ، ولكنه يعي نفسه لو أحدث لأحس بذلك ، فإنه لا ينتقض وضوءه ولو طال نعاسه ، ولو كان متكئاً أو مستنداً أو مضطجعاً، لأن المدار ليس على الهيئة، ولكن المدار على الإحساس واليقظة ، فإذا كان هذا الناعس يحس بنفسه لو أحدث ، فإن وضوءه باق ولو كان متكئا أو مستنداً أو مضطجعاً ، وما أشبه ذلك.
وأما الخامس من نواقض الوضوء : فهو أكل لحم الإبل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه سئل : نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال : نعم ، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم ؟ قال " إن شئت" ، فإجابته بنعم في لحم الإبل ، وبأن شئت في لحم الغنم ، دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعاً إلى مشيئته، بل هو أمر مفروض عليه ، ولو لم يكن مفروضاً لكان راجعاً إلى المشيئة ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم "إنه أمره بالوضوء من لحم الإبل، وعلى هذا فإذا أكل الإنسان لحم إبل انتقض وضوءه ، سواء كان الأكل كثيراً أم قليلاً ، وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً ، وسواء كان اللحم من اللحم الأحمر الهبر أو من الأمعاء ، أو من الكرش ، أو من الكبد ، أو من القلب ، أو من أي شيء كان من أجزاء البدن، لأن الحديث عام لم يفرق بين لحم وآخر، والعموم في لحم الإبل كالعموم في لحم الخنزير، حين قال الله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ )(المائدة: 3)، فإن لحم الخنزير هنا يشمل كل أجزاء بدنه ، وهكذا لحم الإبل الذي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء منه ، يشمل جميع أجزاء البدن ، وليس في الشريعة الإسلامية جسد واحد تختلف أحكامه، فيكون جزء منه له حكم وجزء منه له حكم آخر ، بل الجسم كله تتفق أجزاؤه في الحكم ، ولا سيما على القول بأن نقض الوضوء بلحم الإبل علته معلومة لنا ، وليس تعبداً محضاً.
وعلى هذا فمن أكل لحم إبل من أي جزء من أجزاء البدن وهو على وضوء ، وجب عليه أن يجدد وضوءه ، ثم اعلم أن الإنسان إذا كان على وضوء ، ثم شك في وجود الناقض ، بأن شك هل خرج منه بول أو ريح ، أو شك في اللحم الذي أكله ، هل هو لحم إبل أو لحم غنم ، فإنه لا وضوء عليه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"، يعني حتى يتيقن ذلك ، ويدركه بحواسه إدراكاً معلوماً لا شبهة فيه ، ولأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه حتى نعلم زواله ، فالأصل أن الوضوء باق حتى نعلم زواله وانتقاضه.


السؤال (72): فضيلة الشيخ ، ولكن بالنسبة للنوم هل هناك فرق بين نوم الليل ونوم النهار؟
الجواب : ليس هناك فرق بين نوم الليل والنهار ، لأن العلة واحدة وهي زوال الإحساس ، وكون الإنسان لا يحس بنفسه لو خرج منه شيء .


موجبات الغسل
السؤال (73): فضيلة الشيخ ، ما هي موجبات الغسل ؟ وما صفته ؟
الجواب : أما صفة الغسل فعلى وجهين : صفة واجبة وهي أن يعم بدنه كله بالماء ، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه بالماء على أي وجه كان ، فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر ، والوجه الثاني : صفة كاملة ، وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا اغتسل من الجنابة ، فإنه يغسل كفيه ، ثم يغسل فرجه، وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، على صفة ما ذكرنا في الوضوء ، ثم يغسل رأسه بالماء ثلاثاً تروية، ثم يغسل بقية بدنه، هذه صفة الغسل.
أما موجبات الغسل فمنها : إنزال المني بشهوة يقظة أو مناماً لكنه في المنام يجب عليه الغسل وإن لم يحس بالشهوة ، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه ، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال.
الثاني : الجماع ، فإذا جامع الرجل زوجته وجب عليه الغسل، والجماع يكون بأن يولج الحشفة في فرجها ، فإذا أولج الحشفة في فرجها فعليه الغسل، لقول النبي صلى عليه وسلم عن الأول : " الماء من الماء" ، يعني أن الغسل يجب من الإنزال ، وقوله عن الثاني : " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها ، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل".
وهذه المسألة أعني الجماع بدون إنزال يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع أو الشهور ، وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلاً منه، وهذا أمر له خطورته ، فالواجب على الإنسان أن يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل ، وجب الغسل عليه وعليها ، للحديث الذي أشرنا إليه آنفاً.
ومن موجبات الغسل: خروج دم الحيض والنفاس ، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت ، وجب عليها الغسل ، لقول الله تعالى : ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ )(البقرة: 222).
ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل والنفساء مثلها ، فيجب عليها أن تغتسل.
وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض ، أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في نظافتها وتطهيرها.
وذكر بعض العلماء أيضاً من موجبات الغسل : الموت، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته: " اغسلنها ثلاثاً ، أو خمساً ، أو سبعاً ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك"، وقوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين"، فقالوا : إن الموت موجب للغسل ، ولكن الوجوب هنا يتعلق بالحي ، لأن الميت انقطع تكليفه بموته.
ومعنى يتعلق بالحي ، أن الحي هو الذي يوجه إليه الأمر بأن يغسل الميت، فالميت هو الذي يغسل، والحي هو الذي يغسله، فعلى الأحياء أن يقوموا بما وجب عليهم من تغسيل موتاهم ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.


حكم المسح على الخفين وشروطه
السؤال (74): فضيلة الشيخ ، ما هو حكم المسح على الخفين وشروط ذلك؟
الجواب : المسح على الخفين مما تواترت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قيل :
مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحـوض ومسح خفين وهذي بعض
بل دل عليه القرآن في قوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )(المائدة: 6)، على قراءة الجر، وهي قراءة صحيحة سبعية ، ووجه ذلك أن قوله : (وَأَرْجُلَكُمْ) ، بالجر ، معطوف على قوله( بِرُؤُوسِكُمْ) والعامل في قوله ( بِرُؤُوسِكُمْ) قوله (امْسَحُوا) وعلى هذا فيكون المعنى: " امسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم"، ومن المعلوم أن المسح مناقض للغسل، فلا يمكن أن نقول : إن الآية دالة على وجوب الغسل الدال عليه قراءة النصب (وَأَرْجُلَكُمْ) ، ووجوب المسح في حال واحدة، بل تتنزل الآية على حالين ، والسنة بينت هاتين الحالين ، فبينت أن الغسل يكون للرجلين إذا كانتا مكشوفتين ، وأن المسح يكون لهما إذا كانتا مستورتين بالجوارب والخفين ، وهذا الاستدلال ظاهر لمن تأمله.
على كل حال ، المسح على الخفين وعلى الجوارب وهي ما يسمى بالشراب ثابت ثبوتاً لا مجال للشك فيه ، ولهذا قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء ، يعني ليس عندي فيه شك بوجه من الوجوه ، ولكن لابد من شروط لهذا المسح:
الشرط الأول : أن يلبسهما على طهارة ، ودليله : حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتوضأ ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال : "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" ومسح عليها، فإن لبسهما على غير طهارة وجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ليغسل قدميه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل عدم خلعهما عند الوضوء ومسح عليهما ، علله بأنه لبسهما على طهارة : "أدخلتهما طاهرتين".
الشرط الثاني : أن يكون ذلك في المدة المحددة شرعاً ، وهي يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ، وتبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث إلى آخر المدة فكل مدة مضت قبل المسح فهي غير محسوبة على الإنسان ، حتى لو بقي يومين أو ثلاثة على الطهارة التي لبس فيها الخفين أو الجوارب، فإن هذه المدة لا تحسب، لا يحسب له إلا من ابتداء المسح أول مرة إلى أن تنتهي المدة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر ، كما ذكرناها آنفاً.
مثال ذلك : رجل لبس الخفين أو الجوارب حين توضأ لصلاة الفجر من يوم الأحد ، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ، ثم نام، ولما استيقظ لصلاة الفجر يوم الاثنين مسح عليهما ، فتبتدئ المدة من مسحه لصلاة الفجر يوم الاثنين ، لأن هذا أول مرة مسح بعد حدثه ، وتنتهي بانتهاء المدة التي ذكرناها آنفاً.
الشرط الثالث : أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة ، فإن كان في الجنابة فإنه لا مسح ، بل يجب عليه أن يخلع الخفين ويغسل جميع بدنه، لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ، ولكن من غائط وبول ونوم"، وثبت في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المسح " يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر".
فهذه الشروط الثلاثة لابد منها لجواز المسح على الخفين ، وهناك شروط أخرى اختلف فيها أهل العلم ، ولكن القاعدة التي تبنى عليها الأحكام : أن الأصل براءة الذمة من كل ما يقال من شرط أو موجب أو مانع، حتى يقوم عليه الدليل.


شروط الممسوح عليه
السؤال (75): فضيلة الشيخ ، لكن هل هناك شروط تتعلق بالممسوح عليه من خف وجورب؟
الجواب : ليس فيه شروط ، اللهم إلا أن يكون طاهراً ، فإنه إذا كان نجساً لا يمسح عليه ، فلو اتخذ الإنسان خفا من جلد نجس ، كجلد الكلاب والسباع ، فإنه لا يجوز المسح عليه ، لأنه نجس ، والنجاسة لا يجوز حملها في الصلاة ، ولأن النجس لا يزد مسحه إلا تلويثاً.


حكم المسح على الجوارب
السؤال (76): فضيلة الشيخ ، ما حكم المسح على الجورب أو الخف المخروق أو الجورب الخفيف؟
الجواب : القول الراجح أنه يجوز المسح على ذلك ، أي على الجورب المخرق ، والجورب الخفيف الذي ترى من ورائه البشرة ، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساتراً ، فإن الرجل ليست عورة يجب سترها ، وإنما المقصود الرخصة على المكلف ، والتسهيل عليه ، بحيث لا نلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء ، بل نقول : يكفيك أن تمسح عليه ، هذه هي العلة التي من أجلها شرع المسح على الخفين ، وهذه العلة كما ترى يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق ، والسليم، والخفيف ، والثقيل.


هل موجبات الغسل من نواقض الوضوء؟
السؤال (77): فضيلة الشيخ ، هل موجبات الغسل تعد من نواقض الوضوء أم لا؟
الجواب : المشهور عند فقهائنا رحمهم الله : أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت ، وبناء على ذلك فإنه لابد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء، فإما أن يتوضأ وإما أن يكفي الغسل بالنيتين، وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن نية الاغتسال من الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء لأن الله عز وجل قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى…..) إلى آخره (المائدة:6) ، فلم يذكر الله تعالى في حال الجنابة إلا الإطهار يعني التطهر ، ولم يذكر الوضوء ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل قال : " أذهب فافرغه عليك"، ولم يذكر له الوضوء أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين في حديث طويل.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب ، وهي أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الأكبر ، فإنه يجزئ عن الأصغر.
وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقض الوضوء .


الأحكام المتعلقة بالجنابة
السؤال (78): فضيلة الشيخ ، ذكرتم من موجبات الغسل الجنابة ، فما هي الأحكام المتعلقة بالجنابة؟
الجواب : الأحكام المتعلقة بالجنابة هي :
أولاً : أن الجنب تحرم عليه الصلاة ، فرضها ، ونفلها ، حتى صلاة الجنازة .
ثانياً : يحرم عليه الطواف بالبيت
ثالثاً : يحرم عليه مس المصحف
رابعاً : يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء
خامساً: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل
هذه هي أحكام خمسة تتعلق بمن عليه جنابة .


تأثير الشك في الطهارة
السؤال (79): فضيلة الشيخ ، أيضاً مما يتعلق بالطهارة الشك فيها ، فما هو الشك في الطهارة ، ومتى يكون مؤثراً؟
الجواب : الشك في الطهارة نوعان :
أحدهما : شك في وجودها بعد تحقق الحدث.
والثاني : شك في زوالها بعد تحقق الطهارة
أما الأول : وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث، فأن يشك الإنسان هل توضأ أم لم يتوضأ، وهو يعتقد أنه أحدث لكن يشك هل توضأ أم لا ، ففي هذه الحال نقول : ابن على الأصل ، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك الوضوء .
مثال ذلك : رجل شك عند أذان الظهر هل توضأ بعد نقض وضوئه في الضحى أم لم يتوضأ، يعني أنه نقض الوضوء في الساعة العاشرة مثلاً ، ثم عند أذان الظهر شك ، هل توضأ حين نقض وضوءه أم لا ، فنقول له : ابن على الأصل ، وهو أنك لم تتوضأ ، ويجب عليك أن تتوضأ.
أما النوع الثاني : وهو الشك في انتقاض الطهارة بعد وجودها ، فإننا نقول أيضاً: ابن على الأصل ، ولا تعتبر نفسك ناقضاً للوضوء.
مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة ، فلما حان وقت الظهر شك ، هل انقض وضوءه أم لا ، فنقول له : إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ، وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه ، ويشهد لهذا الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه : أخرج منه شيء أم لا ؟ " لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
وأما الشك في فعل أو الشك في أجزاء الطهارة ، مثل أن يشك الإنسان هل غسل وجهه في وضوئه أم لا ، وهل غسل يديه أم لا ، وما أشبه ذلك ، فهذا لا يخلو من أحوال أربعة :
الحال الأولى : أن يكون مجرد وهم طرأ على قلبه أنه : هل غسل يديه أم لم يغسلهما ، وهماً ليس له مرجح ، ولا تساوى عنده الأمران ، بل هو مجرد شيء خطر في قلبه ، لهذا لا يهتم به ، ولا يلتفت إليه.
الحال الثانية : أن يكون كثير الشكوك ، كلما توضأ شك ، إذا كان الآن يغسل قدميه شك هل مسح رأسه أم لا؟ هل مسح أذنيه أم لا؟ هل غسل يديه أم لا؟ فهو كثير الشكوك ، هذا أيضاً لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به.
أما الحال الثالثة : أن يقع الشك بعد فراغه من الوضوء فإذا فرغ من وضوئه شك ، هل غسل يديه أم لا ؟ أو هل مسح رأسه، أو هل مسح أذنيه ، فهذا أيضاً لا يلتفت إليه ، إلا إذا تيقن أنه لم يغسل ذلك العضو المشكوك فيه ، فيبني على يقينه.
هذه ثلاث حالات لا يلتفت إليها في الشك. الحال الأولى : الوهم . الحال الثانية : أن يكون كثير الشكوك، الحال الثالثة: أن يكون الشك بعد الفراغ من العبادة، أي بعد فراغ الوضوء.
أما الحال الرابعة : فهي أن يكون الشك شكا حقيقياً، وليس كثير الشكوك ، وحصل قبل أن يفرغ من العبادة ، ففي هذه الحال يجب عليه أن يبني على اليقين وهو العدم ، أي أنه لم يغسل ذلك العضو الذي شك فيه ، فيرجع إليه ويغسله وما بعده، مثاله : لو شك وهو يمسح رأسه ، هل تمضمض واستنشق أم لا ، وهو ليس كثير الشكوك ، وهو شك حقيقي ليس وهماً ، نقول له الآن : ارجع فتمضمض واستنشق، ثم اغسل يديك، ثم امسح رأسك وإنما أوجبنا عليه غسل اليدين مع أنه غسلهما من أجل الترتيب لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب ، كما ذكر الله تعالى ذلك مرتباً ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حين أقبل على الصفا : " ابدأ بما بدأ الله به"، هذا هو حال الشك في الطهارة .


أنواع النجاسات الحكمية ومفهومها
السؤال (80): فضيلة الشيخ ، ما هي النجاسات الحكمية من حيث المفهوم والأنواع؟
الجواب : النجاسات الحكمية هي النجاسة الواردة على محل طاهر ، فهذه يجب علينا أن نغسلها ، وأن ننظف المحل الطاهر منها ، فيما إذا كان الأمر يقتضي الطهارة ، وكيفية تطهيرها، أو تطهير ما أصابته النجاسة تختلف بحسب الموضع، فإذا كانت النجاسة على الأرض ، فإنه يكتفي بصب الماء عليها بعد إزالة عينها إن كانت ذات جرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة حين بال الرجل في طائفة المسجد- أي في جانب منه قال لهم "دعوه ، وهريقوا على بوله سجلاً من ماء"، فإذا كانت النجاسة على الأرض، فإن كانت ذات جرم أزلنا جرمها أولاً، ثم صببنا الماء عليها مرة واحدة ويكفي.
ثانياً: إذا كانت النجاسة على غير الأرض ، وهي نجاسة كلب ، فإنه لابد لتطهيرها من سبع غسلات، إحداها بالتراب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب".
ثالثاً : إذا كانت النجاسة على غير الأرض ، وليست نجاسة كلب، فإن القول الراجح أنها تطهر بزوالها على أي حال كان سواء زالت بأول غسلة ، أو بالغسلة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة ، أو الخامسة ، المهم متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر ، لكن إذا كانت النجاسة بول غلام صغير لم يأكل الطعام، فإنه يكفي أن تغمر بالماء الذي يستوعب المحل النجس، وهو ما يعرف عند العلماء بالنضح، ولا يحتاج إلى غسل ودلك ، لأن نجاسة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام نجاسة مخففة.


الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس
السؤال (81): فضيلة الشيخ ، ما هي الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس؟
الجواب : الحيض قال أهل العلم : إنه دم طبيعة وجبلة يعتاد الأنثى إذا صلحت للحمل في أيام معلومة. وقالوا : إن الله عز وجل خلقه لغذاء الولد في بطن الأم، ولهذا إذا حملت المرأة انقطع عنها الحيض غالباً، ثم إن هذا الحيض الطبيعي إذا أصاب المرأة تعلق به أحكام كثيرة، منها: تحريم الصلاة والصيام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" ، فلا يحل للمرأة أن تصوم ولا أن تصلي وهي حائض ، فإن فعلت فهي آثمة، وصومها وصلاتها مردودان عليها.
ثانياً : يحرم عليها الطواف بالبيت ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت" ، ولما ذكر له أن صفية بنت حيي قد حاضت، قال : " أحابستنا هي؟" لأنه ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: إنها قد أفاضت ، فقال : "اخرجوا"، ومن هذا الحديث نستفيد أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة وهو طواف الحج ، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، فإن نسكها يتم ، حتى لو حاضت بعد طواف الإفاضة وقبل السعي ، فإن نسكها يتم، لأن السعي يصح من المرأة الحائض.
ونستفيد أيضاً من هذا الحديث أن طواف الوداع يسقط عن المرأة الحائض ، كما جاء ذلك صريحاً في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض".
يحرم على الحائض أيضاً الجماع، فلا يحل للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض، لقول الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة:222)، والآية الكريمة تفيد أنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته وهي حائض ، وأنها إذا طهرت لا يطأها أيضاً حتى تغتسل لقوله : (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني اغتسلن ، فإن الإطهار بمعنى الاغتسال ، لقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(المائدة: 6) .
ولكن يجوز للإنسان أن يباشر زوجته وهي حائض ، وأن يستمتع منها بما دون الفرج ، وهذا يخفف من حدة الشهوة بالنسبة للإنسان الذي لا يستطيع الصبر عن أهله مدة أيام الحيض ، فإنه يتمكن من الاستمتاع بها فيما عدا الوطء في الفرج، أما الوطء في الدبر فهو حرام بكل حال، سواء كانت امرأته حائضاً أم غير حائض.
ومن الأحكام التي تترب على الحيض : أن المرأة إذا طهرت في وقت الصلاة فإنه يجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتصلي الصلاة قبل خروج وقتها، فإذا طهرت مثلاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وجب عليها أن تغتسل ، حتى تصلي صلاة الفجر في وقتها، وبعض الناس يتهاون في هذا الأمر ، فتجدها تطهر في الوقت ، ولكن تسوف ولا سيما في أيام الشتاء ، تسوف وتتهاون حتى يخرج الوقت ، وهذا حرام عليها و يحل لها ، بل الواجب : أن تغتسل لتصلي الصلاة في وقتها.
وأوقات الصلوات معلومة لعامة الناس : وهي في الفجر من طلوع الفجر حتى تطلع الشمس ، وفي وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله يعني طوله وفي العصر من هذا الوقت إلى أن تصفر الشمس ، وهذا وقت الاختيار، وإلى أن تغرب وهذا وقت الضرورة، وفي المغرب من غروب الشمس إلى مغرب الشمس الأحمر ، وفي العشاء من مغرب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وما بعد منتصف الليل فهو وقت لا تصلى فيه العشاء لأن وقتها قد خرج، إلا إذا كان الإنسان قد نام أو نسي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
وليعلم أن الأصل في الدم الذي يصيب المرأة إذا كانت في سن الحيض أن يكون حيضاً ، حتى يأتي ما يخرجه عن هذا الأصل ، والذي يخرجه عن هذا الأصل، أن نعلم أن هذا الدم خرج من عرق وليس دم الطبيعة، مثل أن يكون ذلك إثر عملية أجرتها المرأة، أو يكون هذا الشيء لروعة أصابتها، أو نحو هذا من الأسباب التي توجب خروج الدم غير الطبيعي ، فإنها في هذه الحال لا تعتبر هذا الدم دم حيض ، وكذلك إذا أطبق عليها الدم وكثر حتى استغرق أكثر المدة من الشهر، فإنها في هذه الحال تكون مستحاضة ، وترجع إلى عادتها التي كانت عليها قبل حصول هذه الاستحاضة ، فتجلس مدة عادتها ثم تغتسل وتصلي ، ولو كان الدم يجري.
ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس : أنه لا يجوز للرجل أن يطلق المرأة وهي حائض ، فإن فعل فهو آثم وعليه أن يردها إلى عصمته ، حتى يطلقها وهي طاهر طهراً لم يجامعها فيه ، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً".
وكثير من الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يتسرعون في هذا الأمر، فيطلق زوجته وهي حائض ، أو يطلقها في طهر جامعها فيه ، قبل أن يتبين حملها ، وكل هذا حرام يجب على المرء أن يتوب إلى الله منه ، وأن يعيد امرأته التي طلقها على هذه الحال.
ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس: أن المرأة النفساء إذا طهرت قبل أربعين يوماً، فإنه يجب عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم إذا كان ذلك في رمضان ، لأنها إذا طهرت ولو في أثناء الأربعين صار لها حكم الطاهرات ، حتى بالنسبة للجماع، فإنه يجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تتم أربعين ، لأنه إذا جازت لها الصلاة جاز الوطء من باب أولى .
ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس : كما أشرنا إليه سابقاً وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا طهرتا من الحيض والنفاس ، وأحكام الحيض والنفاس كثيرة جداً ، ونقتصر منها على هذا القدر ولعل فيه كفاية إن شاء الله تعالى.


المرأة إذا لم ينزل منها دم
السؤال (82): فضيلة الشيخ، بالنسبة للمرأة إذا طهرت من النفاس أو إذا لم ينزل منها الدم فهل تعتبر نفساء؟
الجواب : إذا لم ينزل منها دم في حال النفاس ، فإنها ليست نفساء ، ولا يلزمها شيء، لا يلزمها غسل ، ولا يحرم عليها صلاة ولا صيام.


حكم أخذ حبوب منع الحيض أثناء الحج
السؤال (83): فضيلة الشيخ ، هل يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع عنها الحيض أثناء حجها حتى تتمكن من أداء الحج ، كالحبوب المانعة للحمل أو أي نوع من أنواع ما يتطبب به؟
الجواب : الأصل في هذا الجواز ، وأنه يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع الحيض إذا كان ذلك بإذن زوجها ، ولكن بلغني عن بعض الأطباء أن هذه الحبوب المانعة من نزل الحيض ضارة جداً على المرأة ،ضارة للرحم والأعصاب والدم وغير ذلك، حتى قال لي بعضهم : إنه إذا استعملتها امرأة بكر فإنه يكون موجباً للعقم ، فتكون هذه المرأة عقيمة، وهذا خطر عظيم ، وما قاله بعض الأطباء ليس ببعيد ، لأن الدم أعني دم الحيض دم طبيعة ، فإذا حاول الإنسان أن يمنعه بهذه العقاقير ، فقد حاول مخالفة الطبيعة ، ولا شك أن مخالفة الطبيعة مضر على البدن ، لأنه يقتضي أن ينحبس هذا الدم عن وقت خروجه الذي كان من طبيعة المرأة، لهذا أنصح جميع نسائنا في هذه المسألة بأن يدعن هذه الحبوب في رمضان وفي غير رمضان.
لكن في مسألة الحج والعمرة، ربما تدعو الحاجة أو الضرورة إلى استعمال هذه الحبوب وهو استعمال مؤقت ، وربما لا تعود المرأة إليه مدى عمرها، فمثل هذا أرجو ألا يكون فيه بأس ولا ضرر.


إذا ثبت ضرر الحبوب فما حكمها؟
السؤال (84): فضيلة الشيخ ، لكن إذا ثبت ضررها فما حكمها؟
الجواب : إذا ثبت ضررها فمعلوم أن كل ما تحقق ضرره فإنه لا يجوز للإنسان أن يتناوله، لأن الله عز وجل يقول ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(النساء:29) ، وقد استدل عمرو بن العاص بهذه الآية ، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "أصليت بأصحابك وأنت جنب" وكان رضي الله عنه قد أجنب في ليلة باردة ، فتيمم وصلى بأصحابه ، فلما قال له النبي عليه الصلاة والسلام : "أصليت بأصحابك وأنت جنب" قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم أو ضحك ، وأقره على هذا . وهذا يدل على أن كل ما يكون فيه ضرر على بدن الإنسان ، فإنه لا يجوز له أن يتناوله.

الزاهدة
08-13-2011, 07:06 AM
فتاوى الصلاة


حكم الصلاة وأهميتها
السؤال (85): فضيلة الشيخ ، ما حكم الصلاة؟ وما أهميتها؟
الجواب : الصلاة من آكد أركان الإسلام بل هي الركن الثاني بعد الشهادتين ، وهي آكد أعمال الجوارح ، وهي عمود الإسلام ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "عموده الصلاة" ، يعني الإسلام ، وقد فرضها الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أفضل ليلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبدون واسطة أحد، وفرضها الله عز وجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خمسين مرة في اليوم والليلة، ولكن الله سبحانه وتعالى خفف على عباده، حتى صارت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على أهميتها، ومحبة الله لها ، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان شيئاً كثيراً من وقته فيها، ولهذا دل على فرضيتها: الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
ففي الكتاب: يقول الله عز وجل (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103)، معنى كتاباً: أي مكتوباً ، أي مفروضاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" ، وأجمع المسلمون على فرضيتها ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن الإنسان إذا جحد فرض الصلوات الخمس ، أو فرض واحدة منها فهو كافر مرتد عن الإسلام ، يباح دمه وماله ،إلا أن يتوب إلى الله عز وجل، ما لم يكن حديث عهد بإسلام ، لا يعرف عن شعائر الإسلام شيئاً ، فإنه يعذر بجهله في هذه الحال ، ثم يعرف فإن أصر بعد علمه بوجوبها على إنكار فرضيتها فهو كافر.
إذا فالصلاة من أفرض الفرائض في دين الإسلام.


على من تجب الصلاة
السؤال (86): فضيلة الشيخ ، على من تجب الصلاة؟
الجواب : تجب على كل مسلم بالغ عاقل ، من ذكر أو أنثى .
فالمسلم : ضده الكافر، فإن الكافر لا تجب عليه الصلاة ، بمعنى أنه لا يلزم بأدائها حال كفره، ولا بقضائها إذا أسلم ، لكنه يعاقب عليها يوم القيامة ، كما قال الله تعالى : (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (39) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (40) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (41) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر:39-46) ،فقولهم : (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يدل على أنهم عوقبوا على ترك الصلاة.
وأما البالغ: فهو الذي حصل له واحدة من علامات البلوغ ، وهي ثلاث بالنسبة للرجل، وأربع بالنسبة للمرأة. إحداها : تمام خمس عشرة سنة . والثانية : إنزال المني بلذة يقظة كان أم مناماً. والثالثة : إنبات العانة ، وهي الشعر الخشن حول القبل. هذه الثلاث العلامات تكون للرجال والنساء، وتزيد المرأة علامة رابعة : وهي الحيض، فإن الحيض من علامات البلوغ.
وأما العاقل: فضده المجنون الذي لا عقل له ، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه.
وأما الحيض والنفاس : فهو مانع من وجوب الصلاة ، فإذا وجد الحيض والنفاس فإن الصلاة لا تجب.


حكم تارك الصلاة
السؤال (87): فضيلة الشيخ ، عرفنا حكم الصلاة وعلى من تجب ، فما حكم ترك الصلاة ؟
الجواب : حكم ترك الصلاة ، أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، وذلك بدلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ، والنظر الصحيح.
أما الكتاب: ففي قوله تعالى عن المشركين : (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11) ، وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة ، أن الله اشترط لثبوت الأخوة بين هؤلاء المشركين ، وبين المؤمنين ثلاثة شروط : التوبة من الشرك ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإذا تخلف أحد هذه الثلاثة لم يكونوا إخوة لنا في الدين ، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر المخرج عن الملة، فإن المعاصي مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد الكفر لا تخرج عن الأخوة في الدين ، ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القصاص، فيمن قتل أخاه عمداً ، قال عز وجل : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ )(البقرة: 178)، فجعل الله تعالى القاتل أخاً للمقتول ، مع أن قتل المؤمن عمداً من أعظم الكبائر، ثم ألا ترى إلى قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (9) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )(الحجرات: 9-10)، فجعل الله الطائفة الثالثة المصلحة اخوة للطائفتين المقتتلتين ، مع أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب ، وهذا يدل على أن الأخوة في الدين لا تنتفي بالمعاصي أبداً إلا ما كان كفراً.
وشرح الآية المذكورة : أنهم إن بقوا على الشرك فكفرهم ظاهر ، وإن آمنوا ولم يصلوا فكفرهم أيضاً ظاهر معلوم من الجملة الشرطية( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ )أي تابوا من الشرك ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة، إلا أن مسألة الزكاة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يكفر الإنسان إذا تركها أو لا يكفر ، وفيه عن أحمد روايتان.
لكن الذي تقتضيه وتدل عليه السنة : أن تارك الزكاة لا يكفر، ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة ، صفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، فإن هذا الحديث يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة إذ لو كفر لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فتكون الزكاة خارجة من هذا الحكم بمقتضى دلالة السنة.
أما الدليل من السنة على كفر تارك الصلاة ، فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، ووجه الدلالة من الحديث : أنه جعل هناك فاصلاً بين الإيمان والكفر وهو الصلاة ، وهو واضح في أنه لا إيمان لمن لم يصل، لأن هذا هو مقتضى الحد، إذ إن الحد يفصل بين المحدودين. وقوله "بين الرجل وبين الشرك والكفر"ولم يقل بين الرجل وبين كفر منكراً ، والكفر إذا دخلت عليه"أل" كان المراد به الكفر الحقيقي، بخلاف ما إذا كان منكراً ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب ، والنياحة على الميت"، فإن هذا لا يقتضي الخروج من الإسلام ، لأنه قال : "هما بهم كفر" يعني هاتين الخصلتين.
أما أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، فقد قال عبد الله بن شقيق رحمه الله " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"، وقد نقل إجماعهم إسحاق بن راهويه رحمه الله على أن تارك الصلاة كافر.
وأما المعنى فنقول : كل إنسان عرف الصلاة وقدرها وعناية الشريعة بها ، ثم يدعها بدون عذر، وليس له حجة أمام الله عز جل ، فإن ذلك دليل واضح على أنه ليس في قلبه من الإيمان شيء ، إذ لو كان في قلبه من الإيمان شيء ما ترك هذه الصلاة العظيمة ، التي دلت النصوص على العناية بها وأهميتها، والأشياء تعرف بآثارها ، فلو كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان لم يحافظ على ترك هذه الصلاة مع أهميتها وعظمها.
وبهذا تكون الأدلة السمعية والنظرية دالة على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، وتكون مقتضية للحذر من هذا العمل الشنيع ، الذي تهاون به اليوم كثير من الناس . ولكن باب التوبة مفتوح ولله الحمد كما قال تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (59) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (60)(جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً) (61) (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:59-62) .
فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين للقيام بطاعته على الوجه الذي يرضيه عنا.


الأحكام المترتبة على ترك الصلاة
السؤال (88) : فضيلة الشيخ ، ما الذي يترتب على الحكم بالكفر على تارك الصلاة؟
الجواب : يترتب على ترك الصلاة المؤدي إلى الكفر ، يترتب عليه ما يترتب على أي مرتد آخر بسبب يقتضي الردة ، والذي يترتب على ذلك أحكام دنيوية وأحكام أخروية .
فمن الأحكام الدنيوية: أنه لا يحل أن يزوج لأن الكافر لا يحل أن يزوج بمسلمة، لقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة:10) ، ولقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )(البقرة: 221) ، ومن عقد لشخص على ابنته المسلمة ، وهذا الشخص لا يصلي فإن النكاح باطل، ولا تحل به المرأة لهذا الرجل ، ولا يستبيح منها ما يستبيح الرجل من امرأته ، لأنها محرمة عليه ، فإن هداه الله ومنَّ عليه بالتوبة فلابد من إعادة العقد.
الحكم الثاني : سقوط ولايته ، فلا يكون وليا على بناته ، وعلى قريباته ، فلا يزوج أحداً منهن لأنه لا ولاية لكافر على مسلم .
الحكم الثالث : سقوط حقه من الحضانة ، فلا يكون له حق في حضانة أولاده، لأنه لا حضانة لكافر على مسلم ، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
الحكم الرابع : تحريم ما ذكّاه من الحيوان ، فذبيحته التي يذبحها حرام، لأن من شرط حل الذبيحة، أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً وهو اليهودي والنصراني، والمرتد ليس من هؤلاء، فذبيحته حرام .
الحكم الخامس : أنه لا يحل له دخول مكة وحرمها، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة:28)، وعليه فلا يحل لأحد أن يمكِّن من لا يصلي من دخول مكة وحرمها لهذه الآية التي ذكرناها.
وأما الأحكام الأخروية فمنها: أنه إذا مات لا يغَّسل، ولا يكفَّن ، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، لأنه ليس منهم ، وإنما يخرج به إلى مكان منفرد فيدفن لئلا يتأذى الناس برائحته، أو يتأذى أهله بمشاهدته، ولا يحل لأحد أن يدعو بالرحمة لمن مات من أقاربه وهو يعلم أنه لا يصلي ، لقوله تعالى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة:113) ، ولا يقولن قائل: إن الله عز جل يقول : "أن يستغفروا للمشركين" وتارك الصلاة ليس بمشرك، لأننا نقول : إن ظاهر حديث جابر : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" أن ترك الصلاة نوع من الشرك، ثم ،نقول : إن الله تعالى علل ذلك بقوله : (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) ، وتارك الصلاة قد تبين بمقتضى الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والمعنى الصحيح، قد تبين لنا أنه من أصحاب الجحيم.
فالعلة هي هي ، والحكم إذا ثبت بعلة شمل كل ما تؤثر فيه هذه العلة.
ومن الأحكام الأخروية التي تترب على ترك الصلاة : أنه إذا كان يوم القيامة حُشر مع فرعون ، وهامان ، وقارون ، وأبيّ بن خلف - أئمة الكفر - والمحشور مع هؤلاء مآله مآلهم وهو النار والعياذ بالله.
فليحذر الإنسان من ترك الصلاة ، وليخف ربّه ، وليؤد الأمانة التي حمّله الله إياها في نفسه ، فإن لنفسه عليه حقا.
قد يقول قائل : إن قولكم بأنه يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، معارض بقول من قال من أهل العلم: إنه كفر دون كفر ، وإنه لا يخرج به من الإسلام ، ويحمل الأحاديث الواردة في ذلك على من تركها جحوداً ، لا من تركها تهاوناً.
وجوابنا عن ذلك أن نقول : إن المسألة لا شك مسألة خلافية ، ولكن الله عز وجل يقول: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(الشورى: 10)، ويقول عز وجل : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء: 59).
وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله ورسوله ، تبين لنا أن الحكم مرتب على الترك لا على الجحود، وقد ذكرنا ذلك في سؤال سابق.
ثم إننا نقول : هل أحد من الناس يزعم أنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الله عز وجل؟ وهل أحد يدعي أنه أنصح من رسول الله صلى الله عليه وسلم للخلق؟ وهل أحد يزعم أنه أفصح من الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ينطق به؟ وهل أحد يزعم أنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم فيما يريده؟ كل هذه الأوصاف أو كل هذه الأمور الأربعة لا يمكن لأحد أن يدعيها، فإذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بشريعة الله ، وأنصح الخلق لعباد الله ، وأفصح الخلق فيما ينطق به ، وأعلم الخلق بما يقول ، يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، ويقول : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، فأي بيان أوضح من هذا في أن الحكم معلّق بالترك ، ثم نقول لمن زعم أن المراد من تركها جاحداً لها : إنك حرفت النص من وجهين :
الوجه الأول : أنك ألغيت الوصف الذي رتب عليه الحكم وهو الترك.
الوجه الثاني : أنك جعلت وصفاً يتعلق به الحكم لا يدل عليه اللفظ وهو الجحد، فأين الجحد في قول الرسول عليه الصلاة والسلام : " فمن تركها فقد كفر"؟
ثم إننا نقول : إذا جحد الإنسان فرض الصلاة فهو كافر وإن صلى ، فهل تقول أنت : إنه إذا جحدها وصلى لم يكن كافراً؟ سيقول : لا ، إذا جحدها - أي جحد وجوبها فهو كافر وإن صلى ، فنقول: إذاً خالفت الحديث ، فالحديث يقول : "فمن تركها"، وأنت قلت : إن الحديث المراد به من تركها جاحداً لها ، والكفر مرتب على زعمك على من تركها جاحداً ، لا من جحدها بدون ترك ، وأنت لا تقول بهذا ، فعلى قولك يكون من جحدها بدون ترك يكون مسلماً!! فتبين بهذا واتّضح، أن القول الصواب أن من تركها متهاوناً متكاسلاً فهو كافر، أما من جحدها فهو كافر سواء صلى أم لم يصل.
وما أشبه هذه الدعوى - أعني دعوى أن المراد من تركها جحداً لوجوبها ما أشبهها بما نقل عن الإمام أحمد في قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)، روي عن الإمام أحمد أن بعض الناس يقول : إن المراد من قتل مؤمناً مستحلاً لقتله، فتعجب الإمام أحمد من هذا ، وقال :إنه إذا استحل قتله فإنه كافر سواء قتله أم لم يقتله ، والآية علقت الحكم بالقتل ، وهذا نظير مسألتنا فيمن ترك الصلاة ، ونحن إذا قلنا بكفر تارك الصلاة ، فإننا نبرأ إلى الله عز وجل ، أن نقول عليه ما لا يدل عليه كلامه ، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونرى أن القول بالتكفير كالقول بالإيجاب والتحريم، لا يتلقى إلا من جهة الشرع ، وإن الجرأة على القول بالتكفير كالجرأة على القول بالإيجاب فيما لم يجب، وبالتحريم فيما لم يحرم ، لأن الكل أمره إلى الله عز وجل ، التحليل والتحريم والإيجاب والبراءة والتكفير وعدم التكفير ، كلها أمرها إلى الله عز وجل ، فعلى المرء أن يقول بما يقتضيه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يلاحظ أي اعتبار يخالف ذلك.


شروط الصلاة
السؤال (89): فضيلة الشيخ ، ما هي شروط الصلاة ؟ وماذا يترتب عليها؟
الجواب : شروط الصلاة : ما يتوقف عليه صحة الصلاة ، لأن الشرط في اللغة: العلامة، كما قال الله تعالى : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد:18)، أي علاماتها ، والشرط في الشرع ، في اصطلاح أهل الأصول: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وشروط الصلاة عدة، أهمها : الوقت ، كما قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: 103)، ولهذا يسقط كثير من الواجبات مراعاة للوقت ، وينبغي بل يجب على الإنسان أن يحافظ على أن تكون الصلاة في وقتها ، وأوقات الصلاة ذكرها الله تعالى مجملة في كتابه ، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة في سنته.
أما في الكتاب العزيز ، فقال الله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء:78) فقوله تعالى (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها. وقوله (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي انتصاف الليل ، لأن أقوى غسق في الليل نصفه، وهذا الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل يشتمل على أوقات أربع صلوات: الظهر، والعصر ، والمغرب، والعشاء.
وهذه الأوقات كلها متتالية، ليس بينها فاصل ، فوقت الظهر : من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء كطوله، ووقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس: الوقت الاختياري، وإلى غروب الشمس : الوقت الاضطراري ، ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغرب الشفق، وهو الحمرة التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس ، ووقت العشاء : من هذا الوقت إلى منتصف الليل.هذه هي الأوقات الأربعة المتصلة بعضها ببعض . وأما من نصف الليل إلى طلوع الفجر، فليس وقتاً لصلاة فريضة . ووقت صلاة الفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ولهذا فصله الله تعالى عما قبله فقال(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ثم قال : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) ، والسنة جاءت مبينة لهذا على ما وصفته آنفاً.
هذه الأوقات التي فرضها الله على عباده ، لا يجوز للإنسان أن يقدم الصلاة عن وقتها، ولا يجوز أن يؤخرها عن وقتها، فإن قدمها عن وقتها ، ولو بقدر تكبيرة الإحرام لم تصح، لأنه يجب أن تكون الصلاة في نفس الوقت ، لأن الوقت ظرف ، فلابد أن يكون المظروف داخله.
ومن أخر الصلاة عن وقتها ، فإن كان لعذر من نوم أو نسيان أو نحوه ، فإنه يصليها إذا زال ذلك العذر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" ، ثم تلى قول الله تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)(طـه: 14) ، وإن لم يكن له عذر فإن صلاته لا تصح ، ولو صلى ألف مرة، فإذا ترك الإنسان الصلاة فلم يصلها في وقتها ، فإنها لا تنفعه ، ولا تبرأ بها ذمته إذا كان تركه إياها لغير عذر، ولو صلاها آلاف المرات، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
ومن ترك الصلاة حتى خرج وقتها لغير عذر ، فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله ، فتكون مردودة عليه.
لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ، أن وسع لهم فيما إذا كان لهم عذر يشق عليهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، رخص لهم في الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإذا شق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها من الصلاتين المجموعتين ، فإنه يجوز أن يجمع بينهما، إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير، على حسب ما يتيسر له ، لقول الله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(البقرة: 185)، وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك ، يعني لم صنع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا؟ قال : أراد ألا يحرج أمته، ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا لحقته مشقة في ترك الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإنه يجوز له أن يجمع بينها.
والوقت أهم الشروط ، ولهذا كان الوقت شرطاً وسبباً.
من الشروط أيضاً : ستر العورة ، لقوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف:31) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله في الثوب : " فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة : " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يكون مستتراً في حال الصلاة ، وقد نقل ابن عبد البر رحمه الله إجماع العلماء على ذلك ، وأن من صلى عرياناً مع قدرته على السترة ، فإن صلاته لا تصح.
وفي هذا المجال قسم العلماء رحمهم الله العورة إلى ثلاثة أقسام : مخففة، ومغلظة، ومتوسطة، فالمغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة، قالوا : إن جميع بدنها عورة في الصلاة ، إلا وجهها، واختلفوا في الكفين والقدمين . والمخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين فإن عورته الفرجان القبل والدبر فلا يجب عليه أن يستر فخذه، لأنه صغير. والمتوسطة: ما عدا ذلك ، قالوا : فالواجب فيها : ستر ما بين السرة والركبة ، فيدخل في ذلك : الرجل البالغ عشراً فما فوق ، ويدخل في ذلك المرأة التي لم تبلغ ، ويدخل في ذلك الأم المملوكة، ومع هذا فإننا نقول : المشروع في حق كل إنسان ، أن يأخذ زينته عند كل صلاة، وأن يلبس اللباس الكامل، لكن لو فرض أنه كان هناك خرق في ثوبه على ما يكون داخلاً ضمن العورة، فإنه حينئذ يناقش فيه: هل تصح صلاته أو لا تصح؟ ، ثم إن المرأة إذا كان حولها رجال غير محارم، فإنه يجب عليها أن تستر وجهها ولو في الصلاة ، لأن المرأة لا يجوز لها كشف وجهها عند غير محارمها.


توضيح
السؤال (90) :فضيلة الشيخ ، قبل أن نخرج من الشرط الثاني ، قلتم إذا كان فيه خرق يناقش فيه ، كيف يناقش فيه؟
الجواب : إذا كان فيه خرق فإنه يناقش فيه، إذ إنه يفرق بين اليسير والكثير ، ويفرق بين ما كان على حذاء العورة المغلظة كالفرجين ، وما كان متطرفاً ، كالذي يكون في طرف الفخذ وما أشبه ذلك ، أو يكون في الظهر من فوق الإليتين أو في البطن من دون السرة وفوق السوأة، المهم أن كل مكان له حظّه من تغليظ العورة.
ولعل هذا السؤال أيضاً يجرنا إلى التنبيه على مسألة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف، حيث يلبس سراويل قصيرة، ثم يلبس فوقها ثوباً شفافاً يصف البشرة ويصلي، فهذا لا تصح صلاته لأن السراويل القصيرة التي لا تصل إلى الركبة أو بعبارة أصح التي لا تستر ما بين السرة والركبة ، إذا لبس فوقها ثوباً خفيفاً يصف البشرة، فإنه لم يكن ساتراً لعورته التي يجب عليه أن يسترها في الصلاة . ومعنى قولنا " يصف البشرة": أي يبين من ورائه لون الجلد، هل هو أحمر أو أسود أو بين ذلك ، وليس المعنى أن يبين حجم الجلد، فإن هذا لا يضر ، وإن كان كلما كان أثخن فهو أفضل ، لكنه لا يضر ، لأنه ليس بشفاف ترى من ورائه البشرة.
فمثلاً يوجد ثياب إذا كان تحتها سراويل تعرف الفرق بين حد السروال من بقية الجلد لكن لا يتبين لك لون الجلد، فهذا تصح الصلاة معه، لكن كما قلنا كلما كان أثخن فهو أفضل.
ومن شروط الصلاة أيضاً : الطهارة ، وهي نوعان : طهارة من الحدث ، وطهارة من النجس.
أولاً: الطهارة من الحدث:
والحدث نوعان : حدث أكبر ، وهو ما يوجب الغسل ، وحدث أصغر ، وهو ما يوجب الوضوء .وقد سبق لنا ذكر الغسل والوضوء وأسبابهما، وهي نواقض الوضوء، وموجبات الغسل، فلا حاجة إلى إعادة ذلك مرة أخرى .
لكن الذي يهمنا هنا، أن نبين أن الطهارة من الحدث شرط ، وهو من باب الأوامر التي يطلب فعلها لا التي يطلب اجتنابها ، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم : أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، وبناء على ذلك : فلو أن أحداً من الناس صلى بغير وضوء ناسياً ، فإنه يجب عليه أن يعيد صلاته بعد أن يتوضأ، لأنه أخل بشرط إيجابي مأمور بفعله، وصلاته بغير وضوء ناسياً ليس فيها إثم لقوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286)، لكنها صلاة غير صحيحة، فلا تبرأ بها الذمة، فيكون مطالباً بها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الإنسان منفرداً ، أو مأموماً ، أو إماماً ، فكل من صلى بغير وضوء ، أو بغير غسل من حدث أكبر ناسياً ، فإنه يجب عليه إعادة الصلاة متى ذكر، حتى وإن كان إماماً ، إلا أنه إذا كان إماماً ، وذكر في أثناء الصلاة فإنه ينصرف ، ويأمر من خلفه أن يتم الصلاة ، فيقول لأحدهم : تقدم أتم الصلاة بهم ، فإن لم يفعل أي لم يعين من يتم الصلاة بهم قدموا واحداً منهم فأتم، فإن لم يفعلوا أتم كل واحد على نفسه، ولا يلزمهم أن يستأنفوا الصلاة من جديد، ولا أن يعيدوا الصلاة لو لم يعلموا إلا بعد ذلك ، لأنه معذورون حيث إنهم لا يعلمون حال إمامهم ، وكذلك لو صلى بغير وضوء جاهلاً ، فلو قدم إليه طعام وفيه لحم إبل، وأكل من لحم الإبل ، وهو لا يدري أنه لحم إبل ، ثم قام فصلى ، ثم علم بعد ذلك ، فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد صلاته ولا إثم عليه حين صلى ، وقد انتقض وضوءه وهو لا يدري بانتقاضه، لقوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286).


حكم صلاة الإمام بغير وضوء ناسياً
السؤال (91): فضيلة الشيخ ، نحب أن نسأل إذا لم يعلم الإمام أن وضوءه منتقض إلا بعد انتهاء الصلاة ، فهل يلزمه الإعادة هو والمأمومون أم لا؟
الجواب : حكم ذلك أن الإمام يجب عليه إعادة الصلاة ، وأما المأمومون فلا تجب عليهم إعادة الصلاة ، وهم في الأجر قد نالوا أجر الجماعة، لأنهم صلوا جماعة ، فيكبت لهم الأجر، ولا يخفى أيضاً أننا إذا قلنا : إنه إذا صلى بغير وضوء أو بغير غسل من الجنابة ، أنه إذا كان معذوراً لا يتمكن من استعمال الماء ، فإنه يتيمم بدلاً عنه ، فالتيمم عند تعذر استعمال الماء يقوم مقام الماء ، فإذا قدر أن هذا الرجل لم يجد الماء ، وتيمم وصلى ، فصلاته صحيحة، ولو بقي أشهراً ليس عنده ماء أو لو بقي أشهراً مريضاً لا يستطيع أن يستعمل الماء، فإن صلاته بالتيمم صحيحة، فالتيمم يقوم مقام الماء عند تعذر استعماله ، وإذا قلنا : إنه يقوم مقامه عند تعذر استعماله ، فإنه إذا تطهر بالتيمم ، بقي على طهارته حتى تنتقض الطهارة ، حتى لو خرج الوقت ، وهو على تيممه، فإنه لا يلزمه إعادة التيمم للصلاة الثانية، لأن التيمم مطهر ، كما قال الله تعالى في آية المائدة لما ذكر التيمم قال : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)(المائدة: 6) ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام :" جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" .


حكم ائتمام المتوضئ بالمتيمم
السؤال (92): فضيلة الشيخ ، أيضاً ربما يستفسر: هل يجوز أن يؤم متيمم متوضئاً؟
الجواب : نقول : نعم ، يجوز أن يكون المتيمم إماماً للمتوضئ ، لأن كلا منهما قد صلى بطهارة مأذون فيها .
ثانياً الطهارة من النجاسة:
أما الشق الثاني: الطهارة من النجاسة ومواضعها ثلاثة : البدن ، والثوب، والبقعة ، فلابد أن يتنزه الإنسان عن النجاسة في بدنه ، وثوبه، وبقعته، ودليل ذلك في البدن: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول".
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة الحائض إذا أصاب الحيض ثوبها ، أن تغسله ثم تصلي فيه". ففيه دليل على وجوب تطهير الثوب من النجاسة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتي بصبي لم يأكل الطعام ، فوضعه في حجره فبال عليه ، فدعا بإناء من ماء فأتبعه إياه.
وأما البقعة : ففي حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً أعرابياً جاء فبال في طائفة المسجد أي في جانب منه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يراق على بوله ذنوب من ماء.
إذن : فلابد أن يتجنب الإنسان النجاسة ، في بدنه وثوبه وبقعته التي يصلي عليها.
فإن صلى وبدنه نجس أي قد أصابته نجاسة لم يغسلها أو ثوبه نجس ، أو بقعته نجسة ، ولكنه لم يعلم بهذه النجاسة ، أو علم بها ثم نسي أن يغسلها، حتى تمت صلاته ، فإن صلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يعيد ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يوم ، فخلع نعليه ، فخلع الناس نعالهم ، فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن سبب خلع نعالهم فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: " إن جبريل أتاني ، فأخبرني أن فيهما قذراً.
ولو كانت الصلاة تبطل لاستصحاب النجاسة حال الجهل لأستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ، فإن الإنسان لو ذكر أنه لم يتوضأ في أثناء صلاته ، وجب عليه أن ينصرف ويتوضأ ، إذن اجتناب النجاسة في البدن ، والثوب ، والبقعة شرط لصحة الصلاة ، لكن إذا لم يتجنب الإنسان النجاسة جاهلاً أو ناسياً وصلى ، فإن صلاته صحيحة، سواء علم بها قبل الصلاة ثم نسي أن يغسلها ، أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة .
فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين ما إذا صلى بغير وضوء ناسياً أو جاهلاً ، حيث أمرنا من صلى بغير وضوء جاهلاً أو ناسياً بالإعادة ، ولم نأمر هذا الذي صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً بالإعادة؟
قلنا : الفرق بينهما أن الوضوء أو الغسل من باب فعل المأمور ، وأما اجتناب النجاسة فهو من باب ترك المحظور ، وفعل المأمور لا يعذر فيه بالجهل والنسيان ، بخلاف ترك المحظور.
ومن شروط الصلاة : استقبال القبلة ، لقول الله تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة:144)، فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ، فمن صلى إلى غير القبلة ، فصلاته باطلة غير صحيحة ، لا مبرئة لذمته إلا في أحوال أربعة:
الحال الأولى : إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً ، وجهه إلى غير القبلة ، ولا يتمكن من الانصراف إلى القبلة، فإن صلاته تصح على أي جهة كان ، لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: 16) ،وهذا الرجل لا يستطيع أن يتحول إلي القبلة ، لا بنفسه ولا بغيره.
الحال الثانية:- إذا كان خائفاً من عدو أو كان هارباً واتجاهه إلى غير القبلة، ففي هذه الحال يسقط عنه استقبال القبلة، لقول الله تعالي: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً )(البقرة: 239) ومعلوم أن الخائف قد يكون اتجاهه إلى القبلة ، وقد يكون اتجاهه إلى غير القبلة، فإذا رخص الله له في الصلاة راجلاً أو راكباً، فمقتضى ذلك أن يرخص له في الاتجاه إلى غير القبلة، إذا كان يخاف على نفسه إذا اتجه إلى القبلة.
الحال الثالثة : إذا كان في سفر وأراد أن يصلي النافلة ، فإنه يصلي حيث كان اتجاه سيره ، ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في السفر حيث كان وجهه، إلا أنه لا يصلي المكتوبة ، ففي النافلة يصلي المسافر حيث كان وجهه ، بخلاف الفريضة ، فإن الفريضة يجب عليه أن يستقبل القبلة فيها في السفر.
الحال الرابعة : إذا كان قد اشتبهت عليه القبلة ، فلا يدري أي الجهات تكون القبلة، ففي هذه الحال يتحرى بقدر ما يستطيع ويتجه حيث غلب على ظنه أن تلك الجهة هي القبلة ، ولا إعادة عليه لو تبين له فيما بعد أنه صلى إلى غير القبلة.
وقد يقول قائل : إن هذه الحالة لا وجه لاستثنائها، لأننا نلزمه أن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة ، ولا يضره إذا لم يوافق القبلة، لأن هذا منتهى قدرته واستطاعته، وقد قال الله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )(البقرة: 286) ، وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: 16) .

الزاهدة
08-13-2011, 07:18 AM
بقية شروط الصلاة



السؤال (93): فضيلة الشيخ ، نريد أن نستكمل معكم بقية شروط الصلاة ، وقد ذكرتم منها : الوقت، وستر العورة ، والطهارة ، واستقبال القبلة؟
الجواب : سبق أن تكلمنا على شرط استقبال القبلة لصحة الصلاة ، وذكرنا أنه يستثنى من ذلك أحوال أربع ، وأن الحالة الرابعة وهي ما إذا اشتبهت القبلة على الإنسان قد يناقش فيها . وعلى كل حال فإننا نقول : سواء جعلناها مما يستثنى ، أو مما لا يستثنى ، فإن الإنسان فيها يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ، وأن يتحرى الصواب فيعمل به ولكن هاهنا مسألة وهي أنه يجب أن نعرف ، أن استقبال القبلة يكون إما إلى عين القبلة وهي الكعبة ، وإما إلى جهتها ، فإن كان الإنسان قريباً من الكعبة يمكنه مشاهدتها ، ففرض أن يستقبل عين الكعبة ، لأنها هي الأصل ، وأما إذا كان بعيداً لا يمكنه مشاهدة الكعبة، فإن الواجب عليه أن يستقبل الجهة ، وكلما بعد الإنسان عن مكة ، كانت الجهة في حقه أوسع لأن الدائرة كلما تباعدت اتسعت ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بين المشرق والمغرب قبلة"، هذا بالنسبة لأهل المدينة ، وذكر أهل العلم رحمهم الله أن الانحراف اليسير في الجهة لا يضر ، والجهات معروف أنها أربع : الشمال ، والجنوب ، والشرق ، والغرب ، فإذا كان الإنسان عن الكعبة شرقاً أو غرباً ، كانت القبلة في حقه ما بين الشمال والجنوب ، وإذا كان عن الكعبة شمالاً أو جنوباً ، صارت القبلة في حقه ما بين الشرق والغرب ، لأن الواجب استقبال الجهة.
نعم لو فرض أن الإنسان كان شرقاً عن مكة واستقبل الشمال، فإن ذلك لا يصح ، لأنه جعل الجهة على يساره ، وكذلك لو استقبل الجنوب ، فإن ذلك لا يصح لأنه جعل القبلة عن يمينه، وكذلك لو كان من أهل الشمال واستقبل الغرب، فإن صلاته لا تصح ، لأنه جعل القبلة عن يساره ، ولو استقبل الشرق ، فإن ذلك لا يصح أيضاً، لأنه جعل القبلة عن يمينه.
وقد يسر الله سبحانه وتعالى لعباده في هذا الوقت وسائل تبين القبلة بدقة وهي مجربة ، فينبغي للإنسان أن يصطحب هذه الوسائل معه في السفر، لأنها تدله على القبلة إذا كان في حال لا يتمكن معها من معرفة القبلة . وكذلك ينبغي لمن أراد إنشاء مسجد ، أن يتبع ما تقتضيه هذه الوسائل المجربة والتي عرف صوابها.
من شروط الصلاة أيضاً : " النية" ، والنية محلها القلب ، واشتراط النية إنما يذكر من أجل التعيين أو التخصيص ، أما من حيث الإطلاق، فإنه لا يمكن لأحد عاقل مختار، أن يقوم فيتوضأ ، ثم يذهب ويصلي، لا يمكن أن يفعل ذلك وقد نوى للصلاة ، لكن الكلام على التعين فالتعيين لابد منه في النية، فينوي الظهر ظهراً، والعصر عصراً ، والمغرب مغرباً ، والعشاء عشاء، والفجر فجراً ، لابد من ذلك ، ولا يكفي نية الصلاة المطلقة ، لأن نية الصلاة المطلقة أعم من نية الصلاة المعينة ، والأعم لا يقضي على الأخص ، فمن نوى الأعم لم يكن ناوياً للأخص ومن نوى الأخص كان ناوياً للأعم لدخوله به.
ولهذا نقول : إذا انتقل الإنسان من مطلق إلى معين ، أو من معين إلى معين لم يصح ما انتقل إليه ، وأما ما انتقل منه فإن كان من مطلق إلى معين تبطل نية الإطلاق، وإن كان من معين إلى معين بطل الأول والثاني ، وهذا القول المجمل أبينه في الأمثلة :
رجل أخذ يصلي ناوياً نفلاً مطلقاً، ثم أراد أن يقلب النية في أثناء الصلاة إلى نفل معين ، أراد أن يجعل هذا النفل المطلق راتبة، فهنا نقول : لا ينفع ذلك ، لأن الراتبة لابد أن تكون منوية من قبل تكبيرة الإحرام ، وإلا لم تكن راتبة ، لأن الجزء الأول الذي خلا من نية الراتبة ، صار بغير نية الراتبة، لكن لو كان يصلي راتبة ، ثم نواها نفلاً مطلقاً ، وألغى نية التعيين صح ذلك ، وذلك لأن الصلاة المعينة تضمين نية التعيين ونية الإطلاق، فإذا ألغى نية التعيين بقيت نية الإطلاق.
مثال آخر : رجل دخل يصلي بنية العصر ، ثم ذكر في أثناء الصلاة ، أنه لم يصل الظهر، فحول نية العصر إلى الظهر، فهنا لا تصح ، لا صلاة الظهر ، ولا صلاة العصر ، أما صلاة العصر فلا تصح ، لأنه قطعها ، وأما صلاة الظهر فلا تصح ، لأنه لم ينوها من أولها، لكن إذا كان جاهلاً ، صارت هذه الصلاة في حقه نفلاً ، لأنه لما ألغى التعيين ، بقي الإطلاق.
والخلاصة: أني أقول : إن النية المطلقة في العبادات لا أظن أحداً لا ينويها أبداً ، إذ ما من شخص يقول فيفعل إلا وقد نوى ، لكن الذي لابد منه هو نية التعيين والتخصيص.
كذلك أيضاً مما يدخل في النية: نية الإمامة بعد أن كان منفرداً ، أو الائتمام بعد أن كان منفرداً ، وهذا فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا بأس به ، فنية الإمامة بعد أن كان منفرداً ، مثل أن يشرع الإنسان في الصلاة وهو منفرد ، ثم يأتي رجل آخر يدخل معه، ليصيرا جماعة فلا بأس بذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي من الليل، وكان ابن عباس رضي الله عنهما نائماً ، ثم قام ابن عباس فتوضأ ودخل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم ، والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
فلو شرع الإنسان يصلي وحده ، ثم جاء آخر فدخل معه فجعله إماماً له فلا بأس، ويكون الأول إماماً والثاني مأموماً، وكذلك بالعكس، لو أن أحداً شرع في الصلاة منفرداً ، ثم جاء جماعة ، فصلوا جماعة ، فانضم إليهم ، فقد انتقل من انفراد إلى ائتمام ، وهذا أيضاً لا بأس به، لأن الانتقال هنا ليس إبطالاً للنية الأولى، ولكنه انتقال من وصف إلى وصف فلا حرج فيه.
هذه من أهم الشروط التي ينبغي الكلام عليها ، وهناك شروط أخر كالإسلام ، والتمييز ، والعقل ، لكن هذه شروط في كل عبادة .


صفة الصلاة
السؤال (94): فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الصلاة المفروضة؟
الجواب : إن معرفة صفة الصلاة كمعرفة صفة غيرها من العبادات من أهم ما يكون ، وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بمعرفة طريقة عبادة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يتبعه الإنسان فيها، فمعرفة صفة الصلاة مهمة جداً ، وإني أحث نفسي وإخواني المسلمين على أن يتلقوا صفة النبي من الكتب الصحيحة، من كتب الحديث المعتبرة ، حتى يقيموها على حسب ما أقامها النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوتنا وإمامنا وأسوتنا صلوات الله وسلامه عليه، وجعلنا من أتباعه بإخلاص ، وها نحن نذكرها ، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للصواب، فنقول :
فصفة الصلاة أن يقوم الإنسان بشروطها السابقة التي تسبق عليها كالطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط، لأن شروط الصلاة تتقدم عليها ، ثم يكبر ، فقول : الله أكبر ، رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يديه اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح، يستفتح بأي نوع ورد ، إما بقول " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد أو بقول " سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك"، أو بغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم يقول :أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة ، ويقف على كل آية منها فيقول :(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2) (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (3) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (:4) (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (5) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (6) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (7) ثم يقرأ ما تيسر من القرآن ، والأفضل أن يقرأ سورة تامة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره غالباً، وفي الباقي من أوساطه.
ثم يرفع يديه مكبراً في الركوع فيقول : الله أكبر ، ويضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه ، ويمد ظهره متسوياً مع رأسه، لا يرفع رأسه ولا يصوبه ويقول : سبحان ربي العظيم ، يكررها ثلاثاً وهو أدنى الكمال ، وإن زاد فلا بأس .
ثم يرفع رأسه قائلاً : سمع الله لمن حمده ، ويرفع يديه كذلك كما رفعهما عند تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع، ثم يقول بعد قيامه : ربنا ولك الحمد ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، ثم يسجد مكبراً ، ولا يرفع يديه حال السجود ، ولا يرفع يديه إذا هوى إلى السجود. قال ابن عمر رضي الله عنهما : وكان لا يفعل ذلك - يعني الرفع - في السجود ويسجد على ركبتيه ، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، يسجد على أعضاء سبعة : الجبهة والأنف ، وهما عضو واحد، والكفين ، والركبتين، وأطراف القدمين ، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع ظهره ولا يمده ، ويجعل يديه حذاء وجهه ، أو حذاء منكبيه، مضمومتي الأصابع ، مبسوطة ، ورؤوس الأصابع نحو القبلة ، فيقول : سبحان ربي الأعلى ، أدنى الكمال ثلاث ، ويزيد ما شاء ، ولكن يغلب في السجود جانب الدعاء ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا من الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم.
ثم يرفع من السجود مكبراً ، ولا يرفع يديه، ويجلس مفترشاً رجله اليسرى ، ناصباً رجله اليمنى ، ويضع يديه على فخذيه أو على أعلى ركبتيه ، وتكون اليمنى مضمومة الأصابع الثلاثة : الخنصر ، والبنصر، والإبهام ، وإن شاء حلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فتبقى مفتوحة، ويحركها عند الدعاء ، ويقول : رب اغفر لي ، وارحمني ، وأجبرني ، وعافني وارزقني. وكلما دعا حرك أصبعه نحو السماء، إشارة إلى علو المدعو، أما اليد اليسرى ، فإنها تبقى على الرجل اليسرى ، على الفخذ ، أو على طرف الركبة ، مبسوطة ، مضمومة أصابعها ، متجهاً بها إلى القبلة ، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يقال وما يفعل.
ثم يرفع من السجود إلى القيام مكبراً، ولا يرفع يديه عند هذا القيام ، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر لكن تكون قراءته دون القراءة في الركعة الأولى ، ويصلي الركعة الثانية كما صلاها في الركعة الأولى .
ثم يجلس للتشهد ، وجلوسه للتشهد كجلوسه للدعاء بين السجدتين ، أي يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى ، ويضع يده اليمنى على رجله اليمنى ، ويده اليسرى على رجله اليسرى ، على صفة ما سبق في الجلوس بين السجدتين ، ويقرأ التشهد: " التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"
ثم إن كان ي ثنائية كالفجر والنوافل ، فإنه يكمل التشهد ، فيستمر فيه "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال"، ثم إن أحب أطال في الدعاء ، ما شاء ، ثم يسلم عن يمينه : " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره : "السلام عليكم ورحمة الله".
أما إذا كان في ثلاثة أو رباعية ، فإنه بعد أن يقول في التشهد:"أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" يقوم ، فيصلي ما بقي من صلاته مقتصراً على قراءة الفاتحة ، أما عن الركوع والسجود ، فكما سبق في الركعتين الأوليين ، ثم يجلس للتشهد الثاني ، وهو التشهد الأخير ، لكن يكون جلوسه توركاً.
والتورك له ثلاث صفات : إما أن ينصب رجله اليمنى ، ويخرج اليسرى من تحت ساقها ، وإما أن يفرش الرجل اليمنى والرجل اليسرى من تحت ساقها ، أي من تحت ساق اليمنى ، وإما أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين ساق اليمنى وفخذها، كل ذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا أكمل التشهد سلم عن يمينه وعن يساره كما سبق.
هذه هي صفة الصلاة والواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليجتهد الإنسان باتباعها ما استطاع ، لأن ذلك أكمل في عبادته ، وأقوى في إيمانه وأشد في اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم .


وضع الرجلين أثناء القيام في الصلاة
السؤال : (95): فضيلة الشيخ ، ذكرتم- جزاكم الله خيراً - بالتفصيل وضع الأيدي في القيام وفي الركوع ، وكذلك في السجود، وكذلك في الجلسة بين السجدتين، لكننا لم نسمع شيئاً عن وضع الرجلين ، ونحن نشاهد الآن كثيراً من الناس يفرج ما بين رجليه، فيتسع ما بين مناكب المصلين. فما الصحيح في ذلك؟
الجواب : وضع الرجلين في حال القيام طبيعي ، بمعنى أنه لا يدني بعضهما من بعض ، ولا يباعد ما بينهما ، كما روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ذكره في شرح السنة أنه كان رضي الله عنهما لا يباعد بين رجليه ولا يقارب بينهما، هذا في حال القيام وفي حال الركوع .
أما في حال الجلوس فقد عرفناه فيما سبق ، وأما في حال السجود فالأفضل أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى ، وألا يفرق بينهما ، كما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها ، حين وقعت يدها على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم منصوبتين وهو ساجد، ومعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضها قد ضم إلى بعض ، وكذلك جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة رحمه الله أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود.
وقبل أن ننتهي من صفة الصلاة نود أن نبين أنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ )(النساء: 103) ، ومن ذلك : أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات : أستغفر الله ، أستغفر الله ، أستغفر الله ، ويقول : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ، ويكبر ثلاثاً وثلاثين ، ويحمد ثلاثاً وثلاثين ، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعاً ، أي أنه إن شاء قال : سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين ، وإن شاء قال : سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله ، ثلاثاً وثلاثين ، ثم : الحمد لله ، ثلاثاً وثلاثين، ثم : الله أكبر ثلاثاً وثلاثاً ، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضاً صفة أخرى : أن يسبح عشراً ، ويكبر عشراً ، ويحمد عشراً ، وتجوز صفة رابعة: أن يقول : سبحان الله ،والحمد لله ، ولا إله إلا الله ،والله أكبر خمساً وعشرين مرة ، فتتم مائة .
والمهم أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل ، أو على سبيل الجمع ، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض ، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة ، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله : ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ )(البقرة: 198) ، وأتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس : ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير، وقول بعض أهل العلم : أنه يسن الإسرار بهذا الذكر ، وأن جهر النبي صلى الله عليه وسلم كان للتعليم ، فيه نظر ، فإن الأصل فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه ، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعاً ، لكان يكفي ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله ، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت ، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين ، ولا يحافظ عليه الرسول عليه الصلاة والسلام ، كلما سلم رفع صوته بالذكر.


أركان الصلاة
السؤال (96): فضيلة الشيخ ، ما هي أركان الصلاة ؟
الجواب : صفة الصلاة التي ذكرناها آنفاً تشتمل على أركان الصلاة وواجباتها وسننها ، وأهل العلم رحمهم الله ذكروا أن ما يقع في هذه الصلاة ، أو أن ما يكون من هذه الصفة ينقسم إلى أركان وواجبات وسنن ، على اتفاق فيما بينهم في بعض الأركان والواجبات ، وخلاف فيما بينهم في بعضها ، فنذكر مثلاً من الأركان:
الأول : القيام مع القدرة : وهذا ركن في الفرض خاصة ، لقوله تعالى : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة:238) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين : " صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب".
الثاني من الأركان : تكبيرة الإحرام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر". ولابد أن يقول : الله أكبر ، فلا يجزئ أن يقول : الله أجل ، أو الله أعظم ، وما أشبه ذلك. وينبغي أن يعلم أنه لا يصح أن يقول : الله أكبر بمد الهمزة، لأنها تنقلب حينئذ استفهاماً، ولا أن يقول : الله أكبار بمد الباء ، لأنها حينئذ تكون جمعاً للكبر، والكَبَر هو الطبل، فأكبار كأسباب جمع سبب، وأكبار جمع كبر ، هكذا قال أهل العلم فلا يجوز أن يمد الإنسان الباء ، لأنها تنقلب بلفظها إلى جمع كبر ، وأما ما يقوله بعض الناس : الله وكبر فيجعل الهمزة واواً، فهذا له مساغ في اللغة العربية ، فلا تبطل به الصلاة .
الركن الثالث : قراءة الفاتحة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، ولكن إذا كان لا يعرفها فإنه يلزمه أن يتعلمها ، فإن لم يتمكن من تعلمها ، قرأ ما يقوم مقامها من القرآن إن كان يعلمه ، وإلا سبح وحمد الله وهلّل.
الركن الرابع : الركوع : لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )(الحج: 77)، ولقول البني صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أساء في صلاته ولم يصلها على وجه التمام: " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" *.
الركن الخامس : الرفع من الركوع ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" .
الركن السادس : السجود ، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )(الحج: من الآية77) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً .
الركن السابع: الجلوس بين السجدتين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً.
الركن الثامن : السجود الثاني ، لأنه لابد في كل ركعة من سجودين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : " ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" بعد أن ذكر قوله : " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً".
أما الركن التاسع : فهو التشهد الأخير ، لقول ابن مسعود رضي الله عنه : كنا نقوم قبل أن يفرض علينا التشهد ،فدل هذا على أن التشهد فرض.
الركن العاشر : وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد.
الركن الحادي عشر : الترتيب بين الأركان : القيام ، ثم الركوع ، ثم الرفع منه، ثم السجود ، ثم الجلوس بين السجدتين ، ثم السجود ، فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته، لأنه أخل بالترتيب.
الثالث عشر : الطمأنينة في الأركان ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم اركع حتى تطمئن"، ثم ارفع حتى تطمئن "، "ثم اسجد حتى تطمئن".
والطمأنينة: أن يسكن الإنسان في الركن حتى يرجع كل فقال إلى موضعه ، قال العلماء : وهي السكون وإن قل ، فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له ولو صلى ألف مرة.
وبهذا نعرف خطأ ما نشاهده من كثير من المصلين من كونهم لا يطمئنون ولا سيما في القيام بعد الركوع ، والجلوس بين السجدتين ، فإنك تراهم قبل أن يعتدل الإنسان قائماً إذا هو ساجد وقبل أن يعتدل جالساً إذا هو ساجد ، وهذا خطأ عظيم ، فلو صلى الإنسان على هذا الوصف ألف صلاة لم تقبل منه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي كان يخل بالطمأنينة، فجاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ارجع فصل فإن لم تصل" ، وهذا يدل على أن من صلى صلاة أخل فيها بشيء من أركانها أو واجباتها على وجه أعم ، فإنه لا صلاة له ، بل ولو كان جاهلاً في مسألة الأركان ، فإنه لا صلاة له .
والركن الأخير وهو الرابع عشر: التسليم ، بأن يقول في منتهى صلاته : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، والصحيح أن التسليمتين كلتاهما ركن ، وأنه لا يجوز أن يخل بواحدة منهما ، لا في الفرض ولا في النفل ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة ، وذهب آخرون إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في النافلة دون الفريضة ، فلابد فيها من التسليمتين ، لكن الأحوط أن يسلم الإنسان التسليمتين كلتيهما ، هذه هي الأركان.


حكم من ترك ركنا من أركان الصلاة
السؤال (97): فضيلة الشيخ ، ما حكم من ترك ركناً من هذه الأركان؟
الجواب : إذا ترك ركناً من هذه الأركان متعمداً فصلاته باطلة ، تبطل بمجرد تركه ، أما إذا كان ناسياً فإنه يعود إليه ، فلو نسي أن يركع ، ثم سجد حين أكمل قراءته ، ثم ذكر وهو ساجد أنه لم يركع ، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع ثم يكمل صلاته ، ويجب عليه أن يرجع للركن الذي تركه ما لم يصل إلى مكانه من الركعة الثانية، فإن وصل إلى مكانه من الركعة الثانية قامت الركعة الثانية مقام الركعة التي تركه منها.
فلو أنه لم يركع ، ثم سجد ، جلس بين السجدتين ، وسجد الثانية ، ثم ذكر ، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع ، ثم يستمر فيكمل صلاته ، أما لو لم يذكر أنه ركع إلا بعد أن وصل إلى موضع الركوع من الركعة التالية، فإن هذه الركعة الثانية تقوم مقام الركعة التي ترك ركوعها.
وهكذا لو نسي الإنسان السجدة الثانية ، ثم قام من السجدة الأولى ، ولما قرأ ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية ، ولم يجلس أيضاً بين السجدتين فيجب عليه حينئذ أن يرجع ويجلس بين السجدتين ، ثم يسجد السجدة الثانية ، ثم يكمل صلاته ، بل لو لم يذكر أنه ترك السجدة الثانية والجلوس بين السجدتين إلا بعد أن ركع ، فإنه يجب عليه أن ينزل ، ويجلس ، ويسجد ، ثم يستمر في صلاته ، أما لو لم يذكر أنه ترك السجود الثاني من الركعة الأولى إلا بعد أن جلس بين السجدتين في الركعة الثانية ، فإن الركعة الثانية تقوم مقام الأولى ، وتكون هي ركعته الأولى.
وفي كل هذه الأحوال ، أو في كل هذه الصور التي ذكرناها ، يجب عليه أن يسجد سجود السهو ، لما حصل من الزيادة في الصلاة بهذه الأفعال ، ويكون سجوده بعد السلام ، لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإن محله بعد السلام ، كما تدل على ذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .


إذا شك المصلي في أنه ترك ركناً
السؤال (98): فضيلة الشيخ ، هذا بالنسبة لمن تأكد لديه أنه ترك ركناً من الأركان، لكن لو شك في تركه ماذا يفعل؟
الجواب : إذا شك في تركه ، فهو لا يخلو من ثلاث حالات :
إما أن يكون هذا الشك وهماً لا حقيقة له ، فهذا لا يؤثر عليه ، يستمر في صلاته ولا كأنه حصل له هذا الشك ، وإما أن يكون هذا الشك كثيراً معه، كما يوجد في كثير من الموسوسين ، نسأل الله لنا ولهم العافية ، فلا يلتفت إليه أيضاً ، بل يستمر في صلاته حتى لو خرج من صلاته وهو يرى أنه مقصر فيها فليفعل ولا يهمنه ذلك ، وإما أن يكون شكه بعد الفراغ من الصلاة ، فكذلك أيضاً لا يتلفت إليه ولا يهتم به ، ما لم يتيقن أنه ترك.
أما إذا كان الشك في أثناء الصلاة ، فإن العلماء يقولون : من شك في ترك ركن فكتركه، فإذا كان الشك في أثناء الصلاة ، وكان شكاً حقيقياً، ليس وهماً ولا وسواساً فلو أنه سجد وفي أثناء سجوده شك هل ركع أو لم يركع ، فإنا نقول له : قم فاركع ، لأن الأصل عدم الركوع ، إلا إذا غلب على ظنه أنه ركع ، فإن الصحيح أنه إذا غلب على ظنه أنه ركع ، فإنه يعتد بهذا الظن الغالب ، ولكن يسجد للسهو بعد السلام.
وسجود السهو في الحقيقة أم مهم ، ينبغي للإنسان أن يعرفه، ولا سيما الأئمة ، وقد كان كثير منهم يجهل ذلك ، وهو أمر لا ينبغي من مثلهم ، بل الواجب على المؤمن أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.


مأموم يدخل مع الإمام وينسى كم صلى
السؤال (99): فضيلة الشيخ، بعض الناس يأتي بعد إقامة الصلاة ، ويدخل مع الإمام ، وينسى عدد الركعات التي فاتته ، ثم يقتدي بمن في جانبه ممن دخل الصلاة معه فما حكم ذلك؟
الجواب : هذا يقع كثيراً كما قلت ، يدخل اثنان مع الإمام ، ثم ينسى أحدهما كم صلى ، أو كم أدرك مع إمامه ، فيقتدي بالشخص الذي إلى جنبه ، فنقول: لا بأس أن يقتدي بالشخص الذي إلى جنبه ، إذا لم يكن عنده ظن يخالفه أو يقين يخالفه، لأن هذا رجوع إلى ما يغلب على ظنه ، والرجوع إلى ما يغلب على ظنه في باب العبادات لا بأس به على القول الراجح.


واجبات الصلاة
السؤال (100): فضيلة الشيخ ، عرفنا صفة الصلاة وأركانها، ونود أن نعرف ما هي واجبات الصلاة؟
الجواب : واجبات الصلاة : هي الأقوال أو الأفعال التي إذا تركها الإنسان عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً فإنه يجبرها بسجود السهو ، فمنها التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، فإنها من واجبات الصلاة ، أما تكبيرة الإحرام فإنها ركن من أركان الصلاة ، لا تنعقد الصلاة إلا بها ، ويستثنى من هذه التكبيرات : تكبيرة الركوع ، إذا أتى المأموم والإمام راكع، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائماً منتصباً ، فإذا أهوى إلى الركوع ، فإن التكبير في حقه سنة ، هكذا قرره الفقهاء رحمهم الله.
ومن الواجبات : التسبيح في الركوع والسجود، ففي الركوع : سبحان الله ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى .
ومن الواجبات : التشهد الأول وجلسته.
ومن الواجبات أيضاً: التسميع والتحميد ، أي قول : سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع ، وقول : ربنا ولك الحمد بعد القيام من الركوع للإمام والمنفرد.
أما المأموم فإنه يقول : ربنا ولك الحمد ، حين رفعه من الركوع .
هذه الواجبات إذا تركها الإنسان متعمداً بطلت صلاته ، وإن تركها سهواً فصلاته صحيحة ، ويجبرها سجود السهو، لحديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين فلم يجلس في صلاة الظهر ، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس التسليمة ، سجد سجدتين ثم سلم .


سنن الصلاة
لسؤال (101): فضيلة الشيخ ، مادمنا عرفنا واجبات الصلاة ، نود أن نعرف أيضاً شيئاً من سنن الصلاة؟
الجواب : إذا عرف الإنسان أركان الصلاة وواجباتها ، فكل ما عداها فهو سنن ، فمن ذلك : الزيادة على الواحدة في تسبيح الركوع والسجود.
ومن ذلك : صفة الجلوس في الصلاة ، فإنه يجلس مفترشاً في جميع جلسات الصلاة ، والافتراش: أن يجلس على رجله اليسرى ، وينصب رجله اليمنى - أي القدم - إلا في الجلسة الثانية في الصلاة ذات التشهدين ، فإنه يجلس متوركاً ، والتورك : أن ينصب قدمه اليمنى ، ويخرج رجله اليسرى من تحت الساق من يمينه.
ومن السنن في الصلاة : أن يرفع الإنسان يديه إلى حذو منكبيه، أول إلى فروع أذنيه عند تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع ، وعند الرفع منه ، وعند القيام من التشهد الأول ، والسنن كثيرة يعرفها من تتبع كتب الفقهاء في هذا.


سجود السهو موجباته ومواضعه
السؤال (102): فضيلة الشيخ ، نود أن نعرف أيضاً سجود السهو في الصلاة من حيث موجباته ومواضعه؟
الجواب : سجود السهو في الصلاة أسبابه في الجملة ثلاثة : الزيادة ، والنقص ، والشك.
فالزيادة : مثل أن يزيد الإنسان ركوعاً ، أو سجوداً ، أو قياماً ، أو قعوداً .
والنقص : مثل أن ينقص الإنسان ركناً ، أو ينقص واجباً من وجبات الصلاة.
والشك : أن يتردد كم صلى ثلاثاً أم أربعاً مثلاً .
أما الزيادة : فإن الإنسان إذا زاد في الصلاة ركوعاً ، أو سجوداً ، أو قياماً ، أو قعوداً متعمداً بطلت صلاته ، لأنه إذا زاد متعمداً فقد أتى بالصلاة على غير الوجه الذي أمر به الله ورسوله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" .
أما إذا زاد ذلك ناسياً ، فإن صلاته لا تبطل ، ولكنه يسجد للسهو بعد السلام ، ودليل ذلك : حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلاته ، إما الظهر وإما العصر، فلما ذكروه ، أتى صلى الله عليه وسلم بما بقي من صلاته وسلم ، ثم سجد سجدتين بعدما سلم، ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بهم الظهر خمساً، فلما انصرف قيل له : أزيد في الصلاة؟ قال : "وما ذاك؟" قالوا : صليت خمساً ، فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، وسجد سجدتين.
أما النقص : فإن نقص الإنسان ركناً من أركان الصلاة ، فلا يخلو، إما أن يذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة الثانية ، فحينئذ يلزمه أن يرجع فيأتي بالركن وبما بعده ، وإما ألا يذكره حتى يصل إلى موضعه من الركعة الثانية ، وحينئذ تكون الركعة الثانية بدلاً عن الذي تركه منها، فيأتي بدلها ، أي بدل الذي تركها منها بركعة ، وفي هاتين الحالين يسجد بعد السلام.
مثال ذلك : رجل قام حين سجد السجدة الأولى من الركعة الأولى، ولم يجلس ، ولم يسجد للسجدة الثانية، ولما شرع في القراءة، ذكر أنه لم يسجد ولم يجلس بين السجدتين ، فحينئذ يرجع ويجلس بين السجدتين، ثم يسجد ، ثم يقوم فيأتي بما بقي من صلاته ، ويسجد للسهو بعد السلام.
ومثال من لم يذكره إلا بعد وصوله إلى محله من الركعة الثانية ، أنه قام من السجدة الأولى في الركعة الأولى ، ولم يسجد السجدة الثانية ، ولم يجلس بينها وبين الأولى ولكنه لم يذكر إلا حين جلس بين السجدتين من الركعة الثانية ، ففي هذه الحال تكون الركعة الثانية هي الركعة الأولى ، ويزيد ركعة في صلاته ، ويسلم ثم يسجد للسهو.
أما نقص الواجب : فإذا أنقص واجباً وانتقل من موضعه إلى الموضع الذي يليه، مثل أن لو نسي قول " سبحان ربي الأعلى" ولم يذكر إلا بعد أن رفع من السجود ، فهذا قد ترك واجباً من واجبات الصلاة سهواً، فيمضي في صلاته ويسجد للسهو قبل السلام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك التشهد الأول ، مضى في صلاته ، ولم يرجع ، وسجد للسهو قبل السلام .
أما الشك : فإن الشك هو التردد بين الزيادة والنقص، بأن يتردد المصلي هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهذا لا يخلو من حالين : إما أن يترجح عنده أحد الطرفين الزيادة أو النقص ، فيبني على ما ترجح عنده ، ويتم عليه ، ويسجد للسهو بعد السلام ، وإما ألا يترجح عنده أحد الأمرين ، فيبني على اليقين وهو الأقل ، فيتم عليه ، ويسجد للسهو قبل السلام.
مثال ذلك: رجل صلى الظهر، ثم شك هل هو الآن في الركعة الثالثة أو الرابعة، وترجح عنده أنها الثالثة، فيأتي بركعة ، ثم يسلم ، ثم يسجد للسهو ، ومثال ما يستوي فيه الأمران : رجل يصلي الظهر ، فشك هل هذه الركعة الثالثة أو الرابعة ، ولم يترجح عنده أنها الثالثة أو الرابعة، فيبني على اليقين وهو الأقل ، فيجعلها الثالثة، ثم يأتي بركعة ، ويسجد للسهو قبل أن يسلم .
وبهذا تبين أن سجود السهو يكون قبل السلام ، فيما إذا ترك واجباً من الواجبات، أو إذا شك في عدد الركعات ولم يترجح عنده أحد الطرفين ، وأنه يكون بعد السلام ، فيما إذا زاد في صلاته أو شك وترجح عنده أحد الطرفين.


حكم السلام بعد سجود السهو
السؤال (103): فضيلة الشيخ ، لكن إذا كان سجود السهو بعد الصلاة هل يلزم أيضاً سلام؟
الجواب : إذا كان السجود بعد السلام ، فإنه يجب له السلام فيسجد سجدتين ثم يسلم.


السؤال (104): فضيلة الشيخ ، وهل يجب له التشهد.
الجواب : في هذا خلاف بين العلماء ، والراجح أنه لا يجب له التشهد.


مبطلات الصلاة
السؤال (105): فضيلة الشيخ ، ما هي مبطلات الصلاة ولو على سبيل الإجمال؟
الجواب : مبطلات الصلاة تدور على شيئين : إما ترك ما يجب فيها ، أو فعل ما يحرم فيها.
فأما ترك ما يجب : فمثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً ، أو شرطاً من شروطها متعمداً ، أو واجباً من واجباتها متعمداً .
مثال ترك الركن : أن يترك الركوع متعمداً .
ومثال ترك الشرط : أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً.
ومثال ترك الواجب : أن يترك التشهد الأول متعمداً ، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته بطالة، سواء سمي ذلك الواجب شرطاً أم ركناً أم واجباً.
الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة : فعل المحرم فيها ، كأن يحدث في صلاته ، أو يتكلم بكلام الآدميين ، أو يضحك ، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة ، يفعلها متعمداً ، فإن صلاته تبطل في هذه الحال.


حكم صلاة الجماعة
السؤال (106): فضيلة الشيخ ، تحدثنا عن الصلاة ، وحكمها ، وشروطها ، وكذلك الأركان ، والواجبات ، وأيضاً عن السجود للسهو لها ، ونود أن نسأل ونركز على حكم صلاة الجماعة؟
الجواب : صلاة الجماعة اتفق العلماء على أنها من أجل الطاعات وأوكدها وأفضلها ، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه وأمر بها حتى في صلاة الخوف ، فقال الله تعالى : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء:102) .
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث العدد الكثير الدال على وجوب الصلاة مع الجماعة ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار"، وكقوله صلى الله عليه وسلم : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" ، وكقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له في الصلاة في بيته : "أتسمع النداء ؟" فقال : نعم قال : " فأجب" وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - أي عن صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق ، أو مريض ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. والنظر الصحيح يقتضي وجوبها ، فإن الأمة الإسلامية أمة واحدة ، ولا يتحقق كمال الوحدة إلا بكونها تجتمع على عباداتها ، وأجل العبادات وأفضلها وأوكدها : الصلاة ، فكان من الواجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على هذه الصلاة.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله بعد اتفاقهم على أنها من أوكد العبادات وأجل الطاعات ، اختلفوا : هل هي شرط لصحة الصلاة ، أو أن الصلاة تصح بدونها مع الإثم ، مع خلافات أخرى ، والصحيح أنها واجب للصلاة ، وليست شرطاً في صحتها، لكن من تركها فهو آثم ، إلا أن يكون له عذر شرعي ، ودليل كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً ، وذلك لا يكون إلا إذا كانت صحيحة.
وعلى كل حال فيجب على كل مسلم ذكر بالغ أن يشهد صلاة الجماعة ، سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر.


علاقة المأموم بإمامه
السؤال (107): فضيلة الشيخ ، مادمنا عرفنا حكم صلاة الجماعة، فما هي علاقة المأموم بإمامه
الجواب : أما علاقة المأموم بإمامه، فإنها علاقة متابعة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، ولا تكبروا حتى يكبر ، وإذا ركع فاركعوا ، ولا تركعوا حتى يركع ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، ولا تسجدوا حتى يسجد ، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا صلى قاعداً ، فصلوا قعوداً أجمعون".
ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات : متابعة ، وموافقة، مسابقة ، وتأخر.
فأما المتابعة: فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة، إذا ركع ركع بدون تأخر ، وإذا سجد سجد بدون تأخر، وهكذا في بقية أفعال الصلاة.
وأما الموافقة : فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه، يركع مع ركوعه، ويسجد مع سجوده ، ويقوم مع قيامه ، ويقعد مع قعوده.
وأما المسابقة : فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال ، فيركع قبله، ويسجد قبله، ويقوم قبله ، ويقعد قبله.
وأما التأخر : فأن يتوانى في متابعة الإمام، فإذا ركع الإمام ، بقي واقفاً يقرأ الفاتحة، وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا ، وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة.
فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " لا تكبروا حتى يكبر الإمام ، ولا تركعوا حتى يركع".
والسابق له واقع في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله : " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار".
والمتخلف : لم يحقق المتابعة ، لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام : " إذا كبر الإمام فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا" جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط ، وألا يتأخر عنه ، فهو منهي عنه.
فالمسابقة : حرام. والموافقة : قيل : إنها مكروهة، وقيل : إنها حرام . والتأخر : أقل أحواله الكراهة. أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.


أشد حالات مخالفة الإمام
السؤال (108): فضيلة الشيخ ، لكن أي الحالات الثلاث أشد: المسابقة ، أم الموافقة أم التخلف عنه؟
الجواب : المسابقة أشدها ، لأنه ورد فيها الوعيد الذي سمعت، ولأن القول الراجح أن الإنسان إذا سبق إمامه، بطلت صلاته ، سواء سبقه إلى الركن أو بالركن، لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة.
والقاعدة الشرعية : أن من فعل فعلاً محرماً في العبادة، فإن العبادة تبطل به.


صلاة التطوع ( فضلها - أنواعها)
السؤال (109): فضيلة الشيخ ، نود أن تحدثونا عن صلاة التطوع من حيث الفضل والأنواع؟
الجواب : من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه ، فالصلاة لها تطوع يشبهها من الصلوات ، والزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات ، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام ، وكذلك الحج، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ليزدادوا ثواباً وقرباً من الله تعالى ، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض ، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة. فمن التطوع في الصلاة : الرواتب التابعة للصلوات المفروضة ، وهي أربع ركعات قبل الظهر بسلامين ، وتكون بعد دخول وقت صلاة الظهر ، ولا تكون قبل دخول وقت الصلاة ، وركعتان بعدها ، فهذه ست ركعات ، كلها راتبة للظهر، أما العصر فليس لها راتبة ، أما المغرب فلها راتبة ركعتان بعدها، وركعتان بعد العشاء ، وركعتان قبل الفجر ، وتختص الركعتان قبل الفجر ، بأن الأفضل أن يصليهما الإنسان خفيفتين، وأن يقرأ فيهما بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون:1) في الركعة الأولى ، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1) في الركعة الثانية ، أو بقوله تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآية ، في سورة البقرة في الركعة الأولى ، و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ )(آل عمران: 64) الآية في سورة آل عمران في الركعة الثانية ، وبأنها - أي راتبة الفجر -تصلى في الحضر والسفر ، وبأن فيها فضلاً عظيماً ، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
ومن النوافل في الصلوات : الوتر ، وهو من آكد النوافل ، حتى قال بعض العلماء بوجوبه ، وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله : من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة . وتختم به صلاة الليل ، فمن خاف ألا يقوم من آخر الليل أوتر قبل أن ينام ، ومن طمع أن يقوم آخر الليل ، فليوتر آخر الليل بعد إنهاء تطوعه، قال النبي عليه الصلاة والسلام : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" ، وأقله ركعة واحدة ، وأكثره إحدى عشر ركعة ، وأدنى الكمال : ثلاث ركعات ، فإن أوتر بثلاث فهو بالخيار ، إن شاء سردها سرداً بتشهد واحد ، وإن شاء سلم من ركعتين ، ثم أوتر بواحدة ثم صلى واحدة، وإن أوتر بخمس سردها جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد ، وإن أوتر بسبع فكذلك، يسردها جميعاً بتشهد وحد وسلام واحد ، وإن أوتر بتسع فإنه يسردها ، ويجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم ، فيكون فيها تشهدان وسلام واحد، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة ، فإنه يسلم من ركعتين ويأتي بالحادية عشرة وحدها.
وإذا نسى الوتر ، أو نام عنه ، فإنه يقضيه من النهار، لكن مشفوعاً ، لا وتراً ، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ، صلى أربعاً ، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس ، صلى ستاً وهكذا ، لأنه ثبت في الصحيح ، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة".


الفرق في الأحكام بين الفرض والنافلة
السؤال (110): فضيلة الشيخ ، هل هناك فرق بين صلاة الفرض والنافلة؟
الجواب : نعم هناك فوارق بين صلاتي الفرض والنافلة ، من أوضحها : أن النافلة تصح في السفر على الراحلة، ولو بدون ضرورة ، فإذا كان الإنسان في سفر ، وأحب أن يتنفل وهو على راحلته ، سواء كانت الراحلة السيارة، أم طيارة ، أم بعيراً، أم غير ذلك ، فإنه يصلي النافلة على راحلته متجهاً حيث يكون وجهه، يومئ بالركوع والسجود، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك.
ومن الفروق بين الفريضة والنافلة : أن الإنسان إذا شرع في الفريضة حرم أن يخرج منها إلا لضرورة قصوى، وأما النافلة فيجوز أن يخرج منها لغرض صحيح، وإن كان بغير غرض فإنه لا يأثم إذا خرج منها ولكنه يكره كما ذكر ذلك أهل العلم.
ومن الفروق : أن الفريضة يأثم الإنسان بتركها ، وأما النافلة فلا.
ومن الفروق : أن الفريضة تشرع لها صلاة الجماعة ، وأما النافلة فلا تشرع ، إلا في صلوات معينة ، كالاستسقاء، وصلاة الكسوف على القول بأنها سنة، ولا بأس أن يصليها الإنسان - أي النافلة - أحياناً جماعة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ببعض أصحابه جماعة في بعض الليالي، فقد صلى معه مرة ابن عباس ، ومرة حذيفة ، ومرة ابن مسعود.
وأما في رمضان ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام بهم ثلاث ليال ثم تأخر خوفاً من أن تفرض على الناس ، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة في قيام رمضان سنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ، ولكن تركها خوفاً من أن تفرض، وهذا مأمون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

الزاهدة
08-13-2011, 07:26 AM
فتاوى الزكاة



المقصود بالزكاة لغة وشرعاً
السؤال (111): فضيلة الشيخ ، ما المقصود بالزكاة في اللغة، وفي الشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين؟
الجواب : الزكاة في اللغة : الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عدداً ، أو نما حجماً فإنه يقال : زكا. فيقال : زكا الزرع ، إذا نما وطال.
وأما في الشرع : فهي التعبد لله تعالى بإخراج قدر واجب شرعاً في أموال مخصومة لطائفة أو جهة مخصوصة.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، أن الزكاة وإن كان ظاهرها النقص، نقص كمية المال ، لكن آثارها زيادة المال، زيادة المال بركة ، وزيادة المال كمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر على باله إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله ، قال الله تعالى : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم:39)، وقال تعالى : ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(سـبأ: 39) ، يخلفه : أي يأتي بخلفه وبدله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما نقصت صدقة من مال". وهذا أمر مشاهد ، فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة فيما يبقى عندهم ، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين ، بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله .
ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة.
ثم إن في الزكاة أيضاً زيادة أخرى ، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد في إيمان الرجل ، لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان ، وأن الإيمان يزداد بزيادتها ، وينقص بنقصها، وهي أيضاً تزيد الإنسان في خلقه ، فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم ، بل إن له آثاراً بالغة في انشراح الصدر، ونور القلب ، وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق ، يجد الآثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولا سيما فيما إذا كان الإنفاق واجباً مؤكداً كالزكاة، فإن الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيراً مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام ، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبا لما عند الله عز وجل ، لأن المال محبوب إلى النفوس ، وبذل المحبوب لا يمكن أن يكون إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضاً أحب مما بذله.
ومصالح الزكاة، وزيادة الإيمان بها ، وزيادة الأعمال ، وغير ذلك أمر معلوم ، يحصل بالتأمل فيه أكثر مما ذكرنا الآن.


آثار الزكاة على المجتمع والاقتصاد
السؤال (112): فضيلة الشيخ، ذكرتم تعريف الزكاة أو مفهوم الزكاة اللغوي والشرعي، والعلاقة بينهما ، ثم تحدثتم أيضاً عن الآثار التي تنعكس على الفرد، لكن أيضاً مادمنا عرفنا الآثار التي تنعكس على الفرد، فما هي الآثار التي تنعكس على المجتمع، وعلى الاقتصاد الإسلامي أيضاً؟
الجواب: آثار الزكاة على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرة أيضاً، فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهر من مصارف هذه الزكاة ، فإن الله سبحانه وتعالى قال في مصارف هذه الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة:60) .
وهؤلاء الأصناف الثمانية منهم من يأخذها لدفع حاجته ، ومنهم من يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراء والمساكين والغارمون لأنفسهم، هؤلاء يأخذون لحاجتهم، وكذلك ابن السبيل والرقاب، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه، كالغارم لإصلاح ذات البين ، والعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله.
فإذا عرفنا أن توزيع الزكاة على هذه الأصناف يحصل بها دفع الحاجة الخاصة لمن يعطاها ، ويحصل بها دفع الحاجة العامة للمسلمين، عرفنا مدى نفعها للمجتمع.
وفي الاقتصاد تتوزع الثروات بين الأغنياء والفقراء ، بحيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدر ليصرف إلى الفقراء، ففيه توزيع للثروة حتى لا يحدث التضخم من جانب والبؤس والفقر من جانب آخر.
وفيها أيضاً من صلاح المجتمع : ائتلاف القلوب ، فإن الفقراء إذا رأوا من الأغنياء أنهم يمدونهم بالمال، ويتصدقون عليهم بهذه الزكاة التي لا يجدون فيها منة عليهم ، لأنها مفروضة عليهم من قبل الله ، فإنهم بلا شك يحبون الأغنياء ويألفونهم ويرجون ما أمرهم الله به من الإنفاق والبذل، بخلاف ما إذا شح الأغنياء بالزكاة وبخلوا بها واستأثروا بالمال ، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء ، ويشير إلى هذا ختم الآيات الكريمة التي فيها بيان مصارف الزكاة بقوله تعالى : ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة: 60).


شروط وجوب الزكاة
السؤال (113): فضيلة الشيخ ، حبذا لو عرفنا شروط وجوب الزكاة ؟
الجواب : شروط وجوب الزكاة : الإسلام، والحرية ، وملك النصاب ، واستقراره، ومضي الحول ، إلا في المعشرات .
فأما الإسلام : فإن الكافر لا تجب عليه الزكاة ، ولا تقبل منه لو دفعها باسم الزكاة، لقول الله تعالى : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة:54)الآية .
ولكن ليس معنى قولنا إنها لا تجب على الكافر ولا تصح منه ولا تقبل منه، أنه معفى عنها في الآخرة ، بل إنه يعاقب عليها ، لقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (38) (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (39) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (40) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (41) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (46) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر38-47) ، وهذا يدل على أن الكفار يعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام ، وهو كذلك.
وأما الحرية : فلأن المملوك لا مال له ، إذ إن ماله لسيده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من باع عبداً له مال ، فماله لبائعه إلا أن يشترط المبتاع". فهو إذن غير مالك للمال حتى تجب عليه الزكاة، وإذا قدر أنه أي العبد ملك بالتمليك، فإن ملكه في النهاية يعود إلى سيده، لأن سيده له أن يأخذ ما بيده، وعلى هذا ففي ملكه نقص ، ليس مستقراً استقرار أملاك الأحرار.
وأما ملك النصاب: فمعناه أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع ، وهو يختلف باختلاف الأموال ، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة عليه ، لأن ماله قليل لا يحتمل المواساة ، والنصاب يختلف باختلاف الأموال، ففي المواشي الأنصبة فيها مقدرة ابتداء وانتهاء ، وفي غيرها الأنصبة مقدرة فيها ابتداء وما زاد فبحسابه.
وأما مضي الحول : فلأن إيجاب الزكاة في أقل من الحول يستلزم الإجحاف بالأغنياء ، وإيجابها فيما فوق الحول يستلزم الضرر في حق الفقراء، فكان من حكمة الشرع أن يقدر لها زمناً معيناً تجب فيه وهو الحول ، وفي ربط ذلك بالحول توازن بين حق الأغنياء وحق أهل الزكاة ، وعلى هذا فلو مات الإنسان مثلاً أو تلف المال قبل تمام الحول سقطت الزكاة، إلا أنه يستثنى من تمام الحول ثلاثة أشياء : ربح التجارة ، ونتاج السائمة ، والمعشرات.
أما ربح التجارة : فإن حوله حول أصله ، وأما نتاج السائمة : فحول النتاج حول الأمهات، وأما المعشرات فحولها تحصيلها أي وقت تحصيلها مثال ذلك في الربح : أن يشتري الإنسان سلعة بعشرة آلاف ريال، ثم قبل تمام حول الزكاة بشهر تزيد هذه السلعة أو تربح نصف الثمن الذي اشتراها به ، فيجب عليه زكاة رأس مال وزكاة ربح وإن لم يتم للربح حول ، لأنه فرع ، والفرع يتبع الأصل .
وأما النتاج : فمثل أن يكون عند الإنسان من البهائم نصاب ، ثم في أثناء الحول يتوالد هذا النصاب حتى يبلغ نصابين ، فيجب عليه الزكاة للنصاب الذي حصل بالنتاج وإن لم يتم عليه الحول ، لأن النتاج فرع فيتبع الأصل.
وأما المعشرات : فحولها حين أخذها مثل الحبوب والثمار، فإن الثمار في النخل مثلاً لا يتم عليه الحول حتى يجذّ ، فتجب الزكاة عند جذه، وكذلك الزرع يزرع ويحصد قبل أن يتم عليه الحول ، فتجب عليه الزكاة عند حصاده، لقول الله تعالى : ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )(الأنعام: 141).
فهذه الأشياء الثلاثة تستثنى من قولنا إنه يشترط لوجوب الزكاة تمام الحول.


مال المملوك هل يعفى من الزكاة
السؤال (114): فضيلة الشيخ، ذكرتم من شروط وجوب الزكاة وعددتم منها أن يكون مالك المال حراً ، وتحدثتم عن مال المملوك وأن المملوك لا يؤدي أو لا يجب عليه زكاة ، لأن المال مال مالكه ، لكن : هل يعفى المال من التزكية أم يدفع المالك من المال؟
الجواب : زكاة المال الذي عند المملوك على مالكه، لأنه هو مالك المال كما أسلفنا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام : "من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" ، وعلى هذا فتكون الزكاة على مالك المال، وليس على المملوك منها شيء ، ولا يمكن أن تسقط الزكاة عن هذا المال.


الأصناف التي تجب فيها الزكاة ومقدار كل نوع
السؤال (115): فضيلة الشيخ ، ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة ، ومقدار الزكاة في كل نوع منها؟
الجواب : الأموال التي تجب فيها الزكاة هي :
أولاً : الذهب والفضة ، والزكاة فيهما واجبة بالإجماع من حيث الجملة ، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (34) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35) .
وكنز الذهب والفضة هو ألا يخرج الإنسان ما أوجب الله عليه فيه من زكاة أو غيرها، وإن كان ظاهراً على سطح الأرض، وإذا أخذ الإنسان ما يجب لله فيه من الزكاة وغيرها فهو غير كنز وإن دفن في الأرض ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
والزكاة في الذهب والفضة واجبة على أي حال كان ، سواء كانت دراهم من الفضة ودنانير من الذهب ، أو كانت تبراً أي قطعاً من الذهب أو كانت قطعاً من الفضة، أو كانت حلياً يستعمل أو لا يستعمل، لعموم الأدلة الواردة في ذلك ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في خصوص الحلي حين أتته امرأة معها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتؤدين زكاة هذا ؟" قالت : لا . قال : " أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار". فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت : هما لله ورسوله. وهذا نص صريح في وجوب الزكاة في الحلي ولو كان ملبوساً . وإنما وجه النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب إلى أم البنت لأنها هي ولية أمرها.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء أعني مسألة الحلي ولكن الراجح ما قلناه، لأن الأحاديث عامة ، والأحاديث الخاصة فيها جيدة ، بل صححها بعضهم ، ولا شك أنها تقوم بها الحجة، لأنه يشهد بعضها لبعض، والأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة حتى يقوم دليل على التخصيص.
والواجب في الذهب والفضة ربع العشر، أي واحد من أربعين، وطريقة استخراج ذلك أن تقسم ما عندك على أربعين ، فما خرج من القسمة فهو الزكاة ، فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفاً من الفضة ، أي أربعون ألف درهم ، فليقسم الأربعين على أربعين ، يخرج واحد فهو الزكاة.
وكذلك لو كان عنده أربعون ديناراً ، أن يقسم الأربعين على أربعين يخرج واحد أي دينار واحد فهو الواجب ، وعلى هذا فقس، قل المال أو كثر ، بشرط أن يبلغ النصاب.
نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً (85) وتساوي عشرة جنيهات سعودية ونصف وزيادة قليلة ، يعني خمسة من ثمانية ، فإذا كان الذهب تبلغ زنته هذا وجبت فيه الزكاة ، وإن كان دون ذلك لم تجب فيه الزكاة .
أما الفضة فنصابها مائة وأربعون مثقالاً ، وهي أيضاً خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً (595)، وتساوي بالدراهم دراهم الفضة السعودية ستة وخمسين ريالاً ، أي ما يزن ستة وخمسين ريالاً من ريال الفضة السعودية ، فإذا بلغ عند الإنسان من الفضة ما يزن ذلك، فقد وجبت فيه الزكاة ، ومادون هذا لا زكاة فيه.
وليعلم أن القول الراجح من أقوال أهل العلم ، أن الذهب لا يضم إلى الفضة في تكميل النصاب، لأنهما جنسان مختلفان ، وهما وإن اتفقا في المنفعة والغرض ، فإن ذلك لا يقتضي ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، لأن الشارع قدر لكل واحد منهما نصاباً معيناً يقتضي ألا تجب الزكاة فيما دونه ، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص بضم أحدهما إلى الآخر ، وكما أن البر لا يضم إلى الشعير في تكميل النصاب مع أن مقصودهما واحد، فكذلك الذهب والفضة.
وبناء على ذلك : لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب ، ونصف نصاب من الفضة ، لم تجب عليه الزكاة في واحد منهما، لما ذكرنا من أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب .
ويلحق بالذهب والفضة ما جعل بدلاً عنهما في كونه نقداً يتعامل به ، كالأوراق النقدية المعروفة بين الناس اليوم ، فإذا كان عند الإنسان من هذه الأوراق ما تساوي قيمتيه نصاباً من الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب عليه فيها، لأنها نقود وليست عروض تجارة، إذ إنها هي قيم الأشياء التي تقدر بها ، وهي وسيلة التبادل بين الناس ، فكانت كالدنانير والدراهم وليست كعروض التجارة كما زعمه بعضهم.
وليعلم أن الزكاة في الذهب والفضة واجبة وإن كان الإنسان قد ادخرهما لنفقاته وحاجاته ، فإذا كان عند الإنسان عشرة آلاف درهم ، أعدها لشراء بيت يسكنه، فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنوات ، وكذلك لو كان قد أعدها ليتزوج بها فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنة أو أكثر.
المهم أن الزكاة واجبة في عين الذهب والفضة ، فتجب فيهما بكل حال ، وما يظنه بعض الناس من أن الدراهم إذا أعدت للنفقة ، أو لحاجة الزواج ونحوه لا زكاة فيها ، فإنه ظن خاطئ لا أصل له ، لا في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا في أقوال أهل العلم ، وهذا بخلاف العروض ، فإن العروض هي التي يشترط فيها نية التجارة ، أما الذهب والفضة فالزكاة في أعيانهما فتجب فيهما بكل حال.
هذا أحد الأموال التي تجب فيها الزكاة ، وهو الذهب والفضة .
الثاني : الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ )(البقرة:267) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ، فتجب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ، من الحبوب : كالبر والذرة ، والأرز وغيرها.
ومن الثمار : كالنخيل والأعناب التي تزبب ويحصل منها الزبيب ، وأما الأعناب التي لا تزبب ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال : إنه لا زكاة فيها ، لأنها ملحقة بالفواكه، في كالبرتقال والتفاح ، ومنهم من قال : إنها تجب فيها الزكاة اعتباراً بأصل العنب، لأن أصل العنب أن يزبب ، فهو شبيه بثمار النخيل، أي شبيه بالتمر، والاحتياط أن يخرج الإنسان الزكاة منه ، وأما ما ليس بحبوب ولا ثمار ، يكال ويدخر ، مثل الفواكه على اختلاف أنواعها ، والخضروات على اختلاف أنواعها، فإنه لا زكاة فيها ولو كثرت.
ومقدار الزكاة في الحبوب والثمار العشر، أي : عشرة في المائة إذا كانت تسقى بلا مؤونة، كالذي يشرب بعروقه، لكون الأرض رطبة ، أو الذي يشرب بالطل ، أو الذي يشرب بالأنهار ، أو الذي يشرب بالقنوات التي تضرب في الأرض ثم ينبع منها الماء، هذا كله يجب فيه العشر، لأنه لا مؤونة في استخراج الماء الذي يسقى به، وأما إذا كان يسقى بمؤونة ، كالذي يسقى بالسواني أو بالمكائن أو بالغرافات ، أو ما أشبهها ، فإن الواجب فيه نصف العشر ، فأسقط الشارع عنه نصف العشر مراعاة لحاله، ونصف العشر خمسة في المائة ، فإذا قدرنا أن هذه المزرعة أنتجت خمسة آلاف صاع ، كان الواجب فيها إذا كان الزرع يسقى بلا مؤونة خمسمائة صاع ، وإذا كان يسقى بمؤونة كان الواجب مائتين وخمسين صاعاً ، وعلى هذا فقس.
ولكن لا تجب الزكاة في الحبوب والثمار حتى تبلغ نصاباً، والنصاب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون مجموع الآصع ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فما دون ذلك فلا زكاة فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
هذان مالان مما تجب فيهما الزكاة.


زكاة الفواكه والخضروات إذا بيعت
السؤال (116): فضيلة الشيخ، بالنسبة للفواكه التي لا زكاة فيها ، هل إذا باعها الإنسان وجب عليه الزكاة في قيمتها"؟.
الجواب : هذه الفواكه والخضروات لا زكاة فيها ، ولكن الإنسان إذا باعها ، فإن في ثمنها الزكاة إن بقي حتى تم عليه الحول وكان من النقدين، الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما، أما لو باعها بعروض ، مثل أن باعها بسيارات أو بأقمشة أو بأواني ، فإنه لا زكاة فيها أيضاً ما لم ينو التجارة بما جعله بدلاً ، فإن نوى التجارة كانت الزكاة واجبة وجوب زكاة العروض التي سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى فيما بعد.

تابع الأصناف التي تجب فيها الزكاة
ومن الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة : بهيمة الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم، ولكن يشترط لوجوب الزكاة فيها شرطان : الشرط الأول : أن تكون معدة للدر والنسل والتسمين، لا للبيع والشراء .
والشرط الثاني : أن تكون سائمة الحول أو أكثره، يعني أن تتغذى على السوم- وهو الرعي - الحول أو أكثره.
فإن كانت غير معدة للدر والتسمين ، وإنما هي معدة للاتجار والتكسب، فهي عروض التجارة ، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى ، وإن كانت معدة للدر والتسمين، ولكنها تعلف فإنها لا زكاة فيها ، فلو كان عند الفلاح عشرون بعيراً أبقاها للتناسل وللدر والتسمين وللقنية، فإنها لا زكاة عليها في ذلك مادام يعلفها أكثر الحول لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، فيما كتبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم قال : "في الغنم في سائمتها". وفي حديث بهز بن حيكم عن أبيه عن جده : " في الإبل في سائمتها". وهذا يدل على أن غير السائمة ليس فيها زكاة وهو كذلك .
وأما مقدار الزكاة في البهائم - أي بهيمة الأنعام - فإنه يختلف ، وذلك لأن الأنصبة في بهيمة الأنعام مقدرة ابتداء وانتهاء ، ولكل قدر منها واجب خاص به ، فمثلاً في الغنم في كل أربعين شاة شاة واحدة ، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان ، فما بين الأربعين إلى مائة وعشرين ليس فيها إلا شاة واحدة ، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، فما بين مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ليس فيه إلا شاتان ، ثم في كل مائة شاة ، ففي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، وهلم جرا ، ولهذا لا يمكن أن نحدد الواجب في بهيمة الأنعام ، وذلك لاختلاف الأنصبة ابتداء وانتهاء ، ومرجع ذلك إلى كتب الحديث وأهل الفقه.
أما غير السائمة ، كالخيل والحمير والبغال ، فهذه لا زكاة فيها ولو كثرت ، ولو سامت، إذا لم تكن للتجارة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
فلو كان عند الإنسان مائة فرس يعدها للركوب والجهاد وغير ذلك من المصالح ، فإنه لا زكاة عليه فيها ولو كانت تساوي دراهم كثيرة. إلا إن كان يتّجر في الخيل، يبيع ويشتري، ويتكسب ، فعليه فيها زكاة العروض. هذه ثلاثة أموال تجب فيها الزكاة ، النقدان وهما الذهب والفضة ، والخارج من الأرض ، والثالث بهيمة الأنعام.
الرابع : عروض التجارة ، وعروض التجارة هي الأموال التي عند الإنسان يريد بها التكسب، ولا تختص بنوع معين من المال، بل كل ما أراد به الإنسان التكسب من أي نوع كان من المال ففيه الزكاة ، سواء كان المال عقاراً ، أو حيواناً ، أو مملوكاً من الآدميين ، أو سيارات أو أقمشة ، أو أواني ، أو أطياب ، أو غير ذلك ، المهم كل ما أعده الإنسان للتجارة والتكسب ففيه الزكاة ، ودليل ذلك عموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) (24) (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:24-25) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فالأصل في الأموال وجوب الزكاة إلا ما دل عليه الدليل، والقول ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وصاحب العروض إنما نوى قيمة العروض ، ليس له حاجة أو غرض في نفس العروض بدليل أنه يشتري السلعة في أول النهار ، فإذا ربحت في آخر النهار باعها ، وليس كالإنسان المقتني للسلع الذي يبقيها عنده سواء زادت أم نقصت، فإذن يكون مراد هذا المالك هو القيمة ، وهي الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
ولأننا لو قلنا بعدم وجوب الزكاة في العروض لسقطت الزكاة عن كثير من أموال التجار، لأن غالب أموال التجار التي يتجرون بها إنما هي عروض التجارة.
هذه أربعة أنواع من المال تجب فيها الزكاة ، واختلف العلماء في العسل، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب ؟ فمنهم من قال لا تجب الزكاة فيه ، ومنهم من قال : إنها تجب ، واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والمسألة عندي محل توقف ، والعلم عند الله.
وبناء على ذلك : فإنه لا زكاة على الإنسان فيما يقتنيه من الأواني والفرش ، والمعدات ، والسيارات ، والعقارات ، وغيرها ، حتى وإن أعده للإجارة ، فلو كان عند الإنسان عقارات كثيرة تساوي قيمتها الملايين ، ولكنه لا يتجر بها ، أي لا يبيعها ويشتري بدلها للتجارة مثلاُ ، وإنما أعدها للاستغلال ، فإنه لا زكاة في هذه العقارات ولو كثرت، وإنما الزكاة فيما يحصل منها من أجرة أو نماء ، فتجب الزكاة في أجرتها إذا تم عليها الحول من العقد، فإن لم يتم عليها الحول فلا زكاة فيها ، لأن هذه الأشياء - ما عدا الأصناف الأربعة السابقة - الأصل فيها براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب ، بل قد دل الدليل على أن الزكاة لا تجب فيها ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة". فإنه يدل على أن ما اختصه الإنسان لنفسه من الأموال غير الزكوية ليس فيه صدقة ، أي ليس فيه زكاة ، والأموال التي أعدها الإنسان للاستغلال من العقارات وغيرها لا شك أن الإنسان قد أرادها لنفسه ولم يردها لغيره ، لأنه لا يبيعها بل يستبقيها للاستغلال والنماء.

الزاهدة
08-13-2011, 07:36 AM
تقدير قيمة الأراضي لإخراج زكاتها
السؤال (117): فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للأراضي التي اشتراها أصحابها، وكسدت في أيديهم نظراً لقلة قيمتها ، فهم يقدرونها بتقديرات عالية ، مع أنها لا تساوي إلا القليل في السوق ، فكيف تزكى هذه الأراضي؟
الجواب : الأراضي التي اشتراها أهلها للتجارة كما هو الغالب ينتظرون بها الزيادة هذه عروض تجارة ، وعروض التجارة تقوّم عند حول الزكاة بما تساوي ، ثم يخرج ربع الشعر منها ، لأن العبرة بقيمتها ، وقيمتها من الذهب والفضة، والذهب والفضة زكاتهما ربع العشر، ولا فرق بين أن تكون قيمة هذه الأراضي تساوي قيمة ما اشتريت به أو لا ، فإذا قدرنا أن رجلاً اشترى أرضاً بمائة ألف وكانت عند الحول تساوي مائتي ألف، فإنه يجب عليه أن يزكي عن المائتين جميعاً ، وإذا كان الأمر بالعكس ، اشترها بمائة ألف وكانت عند تمام الحول تساوي خمسين ألفاً فقط ، فإنه لا يجب عليه أن يزكي إلا عن خمسين ألفاً ، لأن العبرة بقيمتها عند وجوب الزكاة.
فإن شك الإنسان لا يدري: هل تزيد قيمتها عما اشتراها به أو تنقص ، أو هي هي ، فالأصل عدم الزيادة وعدم النقص ، فيقومها بثمنها الذي اشتراها به ، فإذا قدرنا أن هذه الأرض التي اشتراها بمائة ألف تساوي عند تمام الحول إن طلبت مائة وعشرين ، وتساوي إن جلبت ثمانين ألفاً ، وهو متردد ، نقول : قومها بما اشتريتها به ، لأن الأصل عدم الزيادة والنقص، ولكن يشكل على كثير من الناس اليوم أن عندهم أراضي كسدت في أيديهم ، ولا تساوي شيئاً ، بل إنهم يعرضونها للبيع ولا يجدون من يشتريها ، فكيف تزكى هذه الأراضي؟ نقول : إن كان عند الإنسان أموال يمكن أن يزكى منها - من الأموال التي عنده - أدى زكاتها من أمواله التي عنده ، وإن لم يكن عنده إلا هذه الأراضي الكاسدة، فإن له أن يأخذ ربع عشرها ويوزعها على الفقراء إن كانت في مكان يمكن أن ينتفع بها الفقير ويعمرها، وإلا فليقيد قيمتها وقت وجوب الزكاة ليخرج زكاتها فيما بعد إذا باعها.
وتكون هذه الأراضي مثل الدين الذي عند شخص فقير لا يستطيع الوفاء ، فالزكاة لا تجب عليه إلا إذا قبضها ، أي إلا إذا قبض الدين ، والصحيح أنه إذا قبض الدين من مدين معسر، فإنه يزكيه سنة واحدة فقط ولو كان قد بقي سنين كثيرة عند الفقير. ويمكن أن يقال في هذه الأراضي التي كسدت ولم يجد من يشتريها ، يمكن أن يقال : إنه لا يزكيها إلا سنة واحدة ، سنة البيع ، ولكن الأحوط إذا باعها أن يزكيها لكل ما مضى من السنوات، لأن الفرق بينها وبين الدين أن هذه ملكه بيده ، والدين في ذمة فقير خربت لكونه أعسر.

تزكية الديون التي في ذمم الناس
السؤال (118): فضيلة الشيخ ، كيف تزكى الديون التي في ذمم الناس؟
الجواب : الديون التي في ذمم الناس ، سواء كانت ثمن مبيع ، أو أجرة ، أو قرضاً ، أو قيمة متلف ، أو أرش جناية، أو غير ذلك مما يثبت في الذمة ، تنقسم إلى قسمين :
الأول : أن تكون مما لا تجب الزكاة في عينه ، كالعروض ، بأن يكون عند الإنسان لشخص ما مائة صاع من البر أو أكثر ، فهذا الدين لا زكاة فيه ، وذلك لأن الزروع أو -الحبوب -لا تجب الزكاة في عينها إلا لمن زرعها.
وأما الثاني: فهي الديون التي تجب الزكاة في عينها كالذهب والفضة ، وهذا فيه الزكاة على الدائن ، لأنه صاحبه ويملك أخذه والإبراء منه ، فيزكيه كل سنة ، إن شاء زكاه مع ماله ، وإن شاء قيد زكاته وأخرجها إذا قبضه ، فإذا كان عند شخص لآخر مائة ألف فإن من له المائة يزكيها كل عام ، أو فإن الزكاة تجب على من هي له كل عام . لكن هو بالخيار، إما أن يخرج زكاتها مع ماله ، وإما أن ينتظر حتى يقبضها ثم يزكيها لما مضى ، هذا إذا كان الدين على موسر باذل ، فإن كان الدين على معسر ، فإن الصحيح أن الزكاة لا تجب فيه ، لأن صاحبه لا يملك المطالبة به شرعاً ، فإن الله تعالى يقول : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ )(البقرة: 280) ، فهو في الحقيقة عاجز شرعاً عن ماله ، فلا تجب عليه الزكاة فيه ، لكن إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط وإن بقي في ذمة المدين عشر سنوات، لأن قبضه إياه يشبه تحصيل ما خرج من الأرض ، يزكى عند الحصول عليه .
وقال بعض أهل العلم: لا يزكيه لما مضى ، وإنما يبتدئ به حولاً من جديد. وما ذكرناه أحوط وأبرأ للذمة ، أنه يزكيه سنة واحدة لما مضى ثم يستأنف به حولاً ، والأمر في هذا سهل ، وليس من الصعب على الإنسان أن يؤدي ربع العشر من دينه الذي قبضه بعد أن أيس منه ، فإن هذا من شكر نعمة الله عليه بتحصيله .
هذا هو القول في زكاة الديون وخلاصته : أنها ثلاثة أقسام : قسم لا زكاة فيه ، وهو ما إذا كان الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، مثل أن يكون في ذمة شخص لآخر أصواع من البر، أو كيلوات من السكر أو الشاي أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا زكاة فيه ، فما دام الدين مما لا تجب الزكاة في عينه ، فلا زكاة فيه ولو كان عنده مئات الأصواع.
والقسم الثاني : الدين الذي تجب الزكاة في عينه ، كالذهب والفضة ولكنه على معسر، فهذا لا زكاة فيه إلا إذا قبضه ، فإنه يزكيه لسنة واحدة ثم يستأنف فيه حولاً ، وقيل : إنه يستأنف فيه حولاً على كل حال ، ولكن ما قلناه أولى لما ذكرنا من التعليل.
القسم الثالث : ما تجب فيه الزكاة كل عام ، وهو الدين الذي تجب فيه الزكاة في عينه ، وهو على موسر باذل ، فهذا فيه الزكاة كل عام ، لكن إن شاء صاحب الدين أن يخرج زكاته مع ماله ، وإن شاء أخرها حتى يقبضه من المدين .


خرص عروض التجارة
السؤال (119) : فضيلة الشيخ ، هل يجوز خرص التجارة أو عروض التجارة إذا تعذر إحصاؤها أو شق على التجار؟
الجواب : لا يجوز خرصها ، لأن الخرص إنما ورد في الثمار، وألحق به بعض العلماء الزروع ، وأما الأموال فلا يمن خرصها ، لأنها أنواع متعددة، لكن على الإنسان أن يتحرى ما استطاع ، وأن يحتاط لنفسه ، فإذا قدر أن هذه البضاعة تبلغ قيمتها مائة ويحتمل أن تكون مائة وعشرين ، فليخرج عن مائة وعشرين إبراء لذمته.


الزكاة في مال الصغير والمجنون
السؤال (120): فضيلة الشيخ ، هل تجب الزكاة في مال غير المكلف ، كالصغير والمجنون؟
الجواب : هذا فيه خلاف بين العلماء ، فمنهم من قال : إن الزكاة في مال الصغير والمجنون غير واجبة نظراً إلى تغليب التكليف بها ، ومعلوم أن الصغير والمجنون ليسا من أهل التكليف فلا تجب الزكاة في مالهما.
ومنهم من قال : بل الزكاة واجبة في مالهما، وهو الصحيح نظراً لأن الزكاة من حقوق المال، لا ينظر فيها إلى المالك ، لقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ )(التوبة: 103) ، فقال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) - فجعل مناط الحكم أو موضع الوجوب : المال.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم". وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ، ويتولى إخراجها وليهما.


مصارف الزكاة
السؤال (121): فضيلة الشيخ ، ما هي المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة؟
الجواب : المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة ثمانية بينها الله تعالى بياناً شافياً كافياً ، وأخبر عز وجل أن ذلك فريضة ، وأنه مبنى على العلم والحكمة، فقال جل ذكره: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة:60) ، قال الله تعالى بعد ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة:60) .
فهؤلاء أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم ، وهم ثمانية كالتالي:
الفقراء والمساكين: وهؤلاء يعطون من الزكاة لدفع ضرورتهم وحاجتهم.
والفرق بين الفقراء والمساكين : أن الفقراء أشد حاجة ، لا يحد الواحد منهم ما يكفيه وعائلته لنصف سنة ، والمساكين أعلى حالاً من الفقراء ، لأنهم يجدون نصف الكفاية فأكثر دون كمال الكفاية . هؤلاء يعطون لحاجتهم ، ولكن كيف نقدر الحاجة؟ قال العلماء : يعطون لحاجتهم ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة ، ويحتمل أن يعطون ما يكونون به أغنياء، لكن الذين قدروا ذلك بسنة قالوا: لأن السنة إذا دارت وجبت الزكاة في الأموال ، فكما أن الحول هو تقدير الزمن الذي تجب فيه الزكاة ، فكذلك ينبغي أن يكون الحول هو تقدير الزمن الذي تدفع فيه حاجة الفقراء والمساكين الذين هم أهل الزكاة . وهذا قول حسن جيد ، أي أننا نعطي الفقير والمسكين ما يكفيه وعائلته لمدة عام كامل ، سواء أعطيناه أعياناً من أطعمة وألبسة ، أو أعطيناه نقوداً يشتري بها هو ما يناسبه ، أو أعطيناه صنعة إذا كان يحسن الصنعة ، يعني آلة يصنع بها إذا كان يحسن الصنعة ، كخياط ونجار ، وحداد ونحوه ، المهم أن نعطيه ما يكفيه وعائلته لمدة سنة.
الثالث : العاملون عليها : أي الذين لهم ولاية عليها من قبل ولي الأمر ، ولهذا قال : " والعاملين عليها" ولم يقل : العاملون فيها ، إشارة إلى أن لهم نوع ولاية ، وهم جباتها الذين يجبونها من أهلها ، وقسامها الذين يقسمونها في أهلها ، وكتابها ونحوهم، فهؤلاء عاملون عليها يعطون من الزكاة، ولكن : كم يعطون؟ ننظر : هم عاملون عليها ، فهم مستحقون بوصف العمالة ، ومن استحق بوصف أعطي بقدر ذلك الوصف ، وعليه فيعطون من الزكاة بقدر عمالتهم فيها ، سواء كانوا أغنياء أم فقراء ، لأنهم يأخذون الزكاة لعملهم لا لحاجتهم ، وعلى هذا فيعطون ما يقتضيه العمل من الزكاة ، فإن قدر أن العاملين عليها فقراء، فإنهم يعطون بالعمالة ويعطون بالفقر كذلك ، فيعطون ما يكفيهم لمدة سنة لفقرهم .
فهؤلاء يأخذون لعمالتهم أيضاً ، لأنهم استحقوا الصدقة أو الزكاة بوصفين : العمالة عليها ، والفقر ، فيعطون بكلا الوصفين ، ولكن إذا أعطيناهم للعمالة فيبقون أغنياء بقدر ما أخذوا من العمالة، فنكمل لهم المؤونة لمدة سنة ، مثال ذلك : إذا قدرنا أنه يكفيهم لمدة سنة عشرة آلاف ريال ، وأننا إذا أعطيناهم لفقرهم أخذوا عشرة آلاف ريال ، وأن نصيبهم من العمالة ألفا ريال، فعلى هذا نعطيهم ألفي ريال للعمالة ، ونعطيهم ثمانية آلاف ريال للفقر، هذا وجه قولنا : يعطون كفايتهم لمدة سنة ، لأنهم إذا أخذوا بالعمالة صاروا لا يحتاجون إلا ما زاد على استحقاقهم العمالة لمدة سنة .
الرابع : المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام ، إما كافر يرجى إسلامه ، وإما مسلم نعطيه لتقوية الإيمان في قلبه، وإما شرير نعطيه لدفع شره عن المسلمين ، أو نحو ذلك ممن يكون في تأليفه مصلحة للمسلمين، ولكن هل يشترط في ذلك أن يكون سيداً مطاعاً في قومه حتى يكون في تأليفه مصلحة عامة؟ أو يجوز أن يعطى لتأليفه ولو لمصلحة شخصية كرجل دخل في الإسلام حديثاً يحتاج إلى تأليفه وتقوية إيمانه بإعطائه؟
هذا محل خلاف بين العلماء ، والراجح عندي أنه لا بأس أن يعطى لتأليفه على الإسلام بتقوية إيمانه ، وإن كان يعطى بصفة شخصية وليس سيداً في قومه لعموم قوله تعالى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) ولأنه إذا جاز أن نعطي الفقير لحاجته البدنية الجسمية ، فإعطاؤنا هذا الضعيف الإيمان لتقويه إيمانه من باب أولى ، لأن تقوية الإيمان بالنسبة لشخص أهم من غذاء الجسد.
هؤلاء الأربعة يعطون الزكاة على سبيل التمليك ، ويملكونها ملكاً تاماً ، حتى لو زال الوصف منهم في أثناء الحول لم يلزمهم رد الزكاة بل تبقى حلالاً لهم ، لأن الله عبر عن استحقاقهم باللام، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (التوبة:60) ، فأتى باللام ، وفائدة ذلك أن الفقير لو استغنى في أثناء الحول فإنه لا يلزمه رد الزكاة ، مثل : لو أعطيناه عشرة آلاف لفقره وهي تكفيه لمدة سنة ، ثم إن الله تعالى أغناه في أثناء الحول باكتساب مال أو موت قريب له يرثه ، أو ما أشبه ذلك ، فإنه لا يلزمه رد ما بقي من المال الذي أخذه من الزكاة لأنه ملكه.
أما الخامس من أهل الزكاة : فهم الرقاب ، لقوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ) . والرقاب فسرها العلماء بثلاثة أشياء : الأول : مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته ، فيعطى ما يوفي به سيده ، والثاني : رقيق مملوك اشتري من الزكاة ليعتق ، والثالث : أسير مسلم أسره الكفار، فيعطى الكفار من الزكاة لفكهم هذا الأسير ، ومثله أيضاً الاختطاف ، فلو اختطف المسلمَ أحد من المسلمين أو الكفار فلا بأس أن يفدى هذا المختطِف بشيء من الزكاة، لأن العلة واحدة وهي فكاك المسلم من الأسر ، وهذا إذا لم يمكننا أن نرغم المختطف على فكاكه بدون بذل المال، إذا كان المختطِف من المسلمين.
والصنف السادس من أهل الزكاة : الغارمين : الغارم هو المدين ، وقسم العلماء -رحمهم الله - الغرم إلى قسمين : الأول : غرم لإصلاح ذات البين ، وغرم لسداد الحاجة، أما الغرم لإصلاح ذات البين فمثلوا له بأن يقع بين قبيلتين تشاحن وتشاجر أو حروب ، فيأتي رجل من أهل الخير والجاه واشرف والسؤدد ويصلح بين هاتين القبيلتين بدراهم يتحملها في ذمته، فإننا نعطي هذا الرجل المصلح الدراهم التي تحملها من الزكاة ، جزاء له على هذا العمل الجليل الذي قام به ، والذي فيه إزالة الشحناء والعداوة بين المؤمنين وحقن دماء الناس ، وهذا يعطى سواء كان غنياً أم فقيراً ، لأننا لسنا نعطيه لسد حاجته ، ولكننا نعطيه لما قام به من المصلحة العامة.
أما الثاني فهو الغارم لنفسه ، الذي استدان لنفسه باستقراض شيء ليدفعه في حاجته ، أو بشراء شيء يحتاجه ، يشتريه في ذمته وليس عنه مال ، فهذا نوفي دينه من الزكاة بشرط أن يكون فقيراً ولو لم يعلم بذلك ، وعليه فهل الأفضل أن نعطي هذا المدين من الزكاة ليوفي دينه ؟ أو أن نذهب نحن إلى دائنه ونوفي عنه؟ هذا يختلف، فإن كان هذا الرجل المدين حريصاً على وفاء دينه وإبراء ذمته ، وهو أمين فيما يعطى لوفاء الدين ، فإننا نعطيه هو بنفسه يقضي دينه ، لأن هذا استر له وأبعد عن تخجيله أمام الناس الذين يطلبونه.
أما إذا كان المدين رجلاً مبذراً يفسد الأموال ، ولو أعطيناه مالاً ليقضي دينه ذهب يشتري به أشياء لا ضرورة لها ، فإننا لا نعطيه وإنما نذهب نحن إلى دائنه ونقول له : ما دين فلان لك ؟ ثم نعطيه هذا الدين أو بعضه ، حسب ما يتيسر .
وهل يقضى منها -أي من الزكاة -دين على ميت لم يخلف تركة؟ ذكر ابن عبد البر وأبو عبيدة أنه لا يقضى منها دين على الميت بالإجماع ، ولكن الواقع أن المسألة فيها خلاف ولكن أكثر العلماء يقولون : إنه لا يقضى منها دين على ميت، وأن الميت انتقل إلى الآخرة ولا يلحقه من الذل والهوان بالدين الذي عليه ما يلحق الأحياء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يقضيها عليه الصلاة والسلام من أموال الفيء حين فتح الله عليه ، وهذا يدل على أنه لا يصح قضاء دين الميت من الزكاة ، ويقال : الميت إن كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه بفضله وكرمه ، وإن كان قد أخذها يريد إتلافها فهو الذي جنى على نفسه ، ويبقى الدين في ذمته يستوفى يوم القيامة ، وعندي أن هذا أقرب من القول بأنه يقضى منها الدين على الميت.
وقد يقال : يفرق بين ما إذا كان الأحياء يحتاجون إلى الزكاة، لفقر أو غرم أو جهاد أو غير ذلك ، وما إذا كان الأحياء لا يحتاجون إليها، ففي الحال لا التي يحتاج إليها الأحياء يقدم الأحياء على الأموات ، وفي الحال التي لا يحتاج إليها الأحياء لا حرج أن نقضي ديون الأموات الذين ماتوا ولم يخلفوا مالاً ، ولعل هذا قول يكون وسطاً بين القولين.
ثم الصنف السابع: في سبيل الله ، وسبيل الله هنا المراد بها الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد بها جميع سبل الخير، لأنه لو كان المراد بها جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية. إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد بسبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المقاتلون في سبيل الله الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا ، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك . ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها ، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله.
والقتال في سبيل الله بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بميزان عدل من قسط حين سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة ، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، فالرجل المقاتل حمية لوطنه أو قوميته أو غير ذلك من أنواع الحميات ليس يقاتل في سبيل الله ، فلا يستحق ما يستحقه المقاتل في سبيل الله ، لا من الأمور المادية الدنيوية ولا من أمور الآخرة، والرجل الذي يقاتل شجاعة أي أنه يحب القتال لكونه شجاعاً ، والمتصف بصفة غالباً يحب أن يقوم بها على أي حال كانت ، هو أيضاً ليس يقاتل في سبيل الله ، والمقاتل ليرى مكانه، يقاتل رياء وسمعة، ليس من المقاتلين في سبيل الله ، وكل من لا يقاتل في سبيل الله فإنه لا يستحق من الزكاة، لأن الله تعالى يقول: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، قال أهل العلم: ومن سبيل الله : الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي ، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة ، من كسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها، لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله ، بل قال الإمام أحمد رحمه الله: " العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته". فالعلم هو أصل الشرع كله، ولا شرع إلا بعلم، والله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط ويتعلموا أحكام شريعته وما يلزم من عقيدة وقول وفعل ، أما الجهاد في سبيل الله فنعم ، هو من أشرف الأعمال، بل هو ذروة سنام الإسلام ، ولا شك في فضله، لكن العلم له شأن كبير في الإسلام، فدخوله في الجهاد في سبيل الله دخول واضح لا إشكال فيه، فإذا جاءنا رجل أهل للعلم، وقال : أنا إن ذهبت اكتسب لنفسي وأهلي لم أتمكن من طلب العلم، وإن تفرغت لطلب العلم فإنني أحصل فيه ، ولكن لا أجد ما يدفع حاجتي ، فإننا نقول له : تفرغ لطلب العلم ونعطيه ما يدفع به حاجته من الزكاة.
الثامن : بقي من أصناف أهل الزكاة صنف واحد وهو ابن السبيل ، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته ، فإنه يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بدله وإن كان في بلده غنياً ، لأنه محتاج ، ولا نقول له في هذه الحال: يلزمك أن تستقرض وتوفي ، لأننا في هذه الحال نلزم ذمته ديناً ، ولكن لو اختار هو أن يستقرض ولا يأخذ من الزكاة فالأمر إليه ، فإذا وجدنا شخصاً مسافراً من مكة إلى المدينة ، وفي أثناء السفر ضاعت نفقته ولم يبق معه شيء ، وهو غني في المدينة، فإننا نعطيه ما يوصله إلى المدينة فقط، لأن هذه هي حاجته ، ولا نعطيه أكثر.
وإذا كنا قد عرفنا أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم، فإن ما سوى ذلك من المصالح العامة أو الخاصة لا تدفع فيه الزكاة ، وعلى هذا فلا تدفع الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المكاتب وشبه ذلك ، لأن الله عز وجل لما ذكر أصناف أهل الزكاة قال : ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) . يعني أن هذا التقسيم جاء فريضة من الله عز وجل : (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
نقول : هل هؤلاء المستحقون يجب أن يعطى كل واحد منها، أي كل صنف، لأن الواو تقتضي الجمع؟
فالجواب : أن ذلك لا يجب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" . فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا صنفاً واحداً ، وهذا يدل على أن الآية يبين الله تعالى فيها جهة الاستحقاق ، وليس المراد أنه يجب أن تعمم هذه الأصناف.
ولكن إذا قيل : أيها أولى أن يصرف فيه الزكاة ؟
قلنا : إن الأولى ما كانت الحاجة إليه أشد، لأن كل هؤلاء استحقوا بوصف، فمن كان أشد إلحاحاً وحاجة فهو أولى ، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين ، ولهذا بدأ الله تعالى بهم فقال : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .


حكم صرف الزكاة للأقارب الفقراء
السؤال (122): فضيلة الشيخ ، ما حكم جعل الزكاة في الأقارب المحتاجين؟
الجواب : الزكاة في الأقارب الذين لهم من أهلها أولى من أن تكون في غير الأقارب ، لأن الصدقة على الأقارب صدقة وصلة، فإذا كان أخوك ، أو عمك ، أو أبوك، أو أمك من أهل الزكاة، فهم أولى بها من غيرهم، لكن إذا كانوا يأخذون الزكاة لحاجتهم، وأنت تجب عليك نفقتهم، فإنه لا يجوز أن تعطيهم من الزكاة في هذه الحال، لأنك إذا أعطيتهم من الزكاة رفدت مالك ووقيته بما تعطيه من الزكاة ، فإذا قدرنا أن لك أخاً فقيراً وأنت عندك زكاة ونفقته تجب عليك ، فإنه لا يجوز أن تعطيه لفقره، لأنك إذا أعطيته لفقره رفدت مالك ووقيته بما تعطيه ، إذ لو لم تعطه من الزكاة لوجب عليك الإنفاق عليه، أما لو كان على أخيك هذا دين لا يستطيع وفاءه، مثل أن يحصل منه إتلاف شيء أو جناية على أحد ، ويلزمه مال، ففي هذه الحال يجوز أن تقضي دينه من زكاتك ، لأنه لا يجب عليك قضاء دينه، وإنما الواجب عليك نفقته.
وقاعدة ذلك : أن الأقارب إذا أعطاهم الإنسان زكاة ماله لدفع حاجتهم وهم ممن تجب عليه نفقتهم ، فإن ذلك لا يصح ، وإن أعطاهم لدفع أمر لا يلزمه القيام به ، فإن ذلك جائز ، بل هم أحق بذلك من غيرهم.
فإن قال قائل : ما دليلك على هذا ؟ قلنا : الدليل عموم الأدلة ، بل عموم آية الصدقة التي أشرنا إليها فيما سبق: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .
وإنما منعنا إعطائهم فيما إذا كان إعطاؤهم لدفع حاجتهم التي يجب عليك دفعها، لأن هذا من باب إسقاط الواجب عن الإنسان بالحيلة، والواجب لا يمكن إسقاطه بالحيل.


توضيح
السؤال (123): فضيلة الشيخ ، نريد التمثيل أيضاً لدفع المال للوالد أو الوالدة، فيما لا يجب على الإنسان ؟
الجواب : مثال ذلك : اشترى أبوك سيارة بخمسة آلاف ريال مثلاً ، واحترقت السيارة فلزمه خمسة آلاف ريال ، وأنت لا يلزمك أن تدفعها له، لأن هذا ليس من النفقة ، فيجوز لك أن تقضي دينه هذا من زكاتك ، وكذلك لو لزم أحداً من أقاربك الآخرين شيء من أجل جناية أو إتلاف. فإنه يجوز لك أن تدفع زكاتك في قضاء هذا الشيء.


حكم إسقاط الدين عن المدين واعتبار ذلك من الزكاة
السؤال (124): فضيلة الشيخ ، هل يجوز إسقاط الدين عن المدين ويكون ذلك من الزكاة؟
الجواب : لا يجوز ذلك ، لأن الله تعالى يقول : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ )(التوبة: 103) ، فقال تعالى (خُذْ) ، والأخذ لابد أن يكون ببذل من المأخوذ منه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد" ، فقال "تؤخذ من أغنيائهم فترد"،فلابد من أخذ ورد ، والإسقاط لا يوجد فيه ذلك ، ولأن الإنسان إذا أسقط الدين عن زكاة العين التي في يده، فكأنما أخرج الرديء عن الطيب، لأن قيمة الدين في النفس ليست كقيمة العين، لأن العين ملكه وفي يده، والدين في ذمة الآخرين قد يأتي وقد لا يأتي ، فصار الدين دون العين ، وإذا كان دونها فلا يصح أن يخرج أي الدين زكاة عنها لنقصه ، وقد قال الله تعالى : ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ )(البقرة: 267) .
ومثال ما سألت عنه : لو كان على الإنسان عشرة آلاف ريال زكاة ، وهو يطلب رجلاً فقيراً عشرة آلاف ريال ، فذهب إلى الرجل الفقير، وقال : قد أسقطت عنك عشرة آلاف ريال وهي زكاتي لهذا العام ، قلنا : هذا لا يصح ، لأنه لا يصح إسقاط الدين وجعله عن زكاة عين ، لما أشرنا إليه آنفاً . وهذه مسألة يخطئ فيها بعض الناس ويتجاوزها جهلاً منهم، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله : إنه لا يجزئ إسقاط الدين عن زكاة العين بلا نزاع.


دفع الزكاة للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع
السؤال (125): فضيلة الشيخ ، هل يجوز دفعها للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع؟
الجواب : لا ، لا يجوز ، يعني لو كان عندك مدين فقير ، ودفعت إليه زكاتك فلا بأس ، ولا حرج ، حتى لو ردها عليك من بعد فلا حرج ، لكن إذا اشترطت عليه ذلك ، فلا يجوز ، لأنك إذا فعلت هذا فقد علمنا أنك إنما تريد بهذا العمل أن تسترد مالك الذي في ذمة الفقير، والزكاة لا يجوز أن يحابي الإنسان فيها أحداً لا نفسه ولا غيره.


حكم الزكاة في الإسلام
السؤال (126): فضيلة الشيخ ، ما حكم الزكاة في الإسلام؟
الجواب : الزكاة في الإسلام أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام"، وهي فرض بإجماع المسلمين ، فمن أنكر وجوبها فقد كفر ، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ناشئاً في بادية بعيدة عن العلم وأهله، فيعذر ولكنه يعلم، فإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتداً.
وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال : إنه يكفر ، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومنهم من قال: إنه لا يكفر ، وهذا هو الصحيح ، لكنه قد أتى كبيرة، عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة ثم قال : " حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار". وإذا كان يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة فإنه ليس بكفار ، لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة.
ولكن على مانعها بخلاً وتهاوناً من الإثم العظيم ما ذكره الله في قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180) ، وفي قوله : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(34) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35) . فعلى المرء المسلم أن يشكر الله على نعمته عليه بالمال، وأن يؤدي زكاته ، حتى يزيد الله له في ماله بركة ونماء ، والله الموفق.

الزاهدة
08-13-2011, 07:51 AM
فتاوى الصيام


المقصود بالصيام لغة وشرعاً
السؤال (127): فضيلة الشيخ ، ما المقصود بالصيام لغة وشرعاً؟
الجواب : الصيام في اللغة: معناه الإمساك ، ومنه قوله تعالى : ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً)(مريم: 26) أي نذرت إمساكاً للكلام فلن أكلم اليوم إنسياً .
ومنه قول الشاعر :
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أما في الشرع : فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس .


أقسام الصيام
السؤال (128): فضيلة الشيخ ، ما هي أقسام الصيام ؟
الجواب : ينقسم الصيام إلى قسمين:
قسم مفروض: والمفروض قد يكون بسبب كصيام الكفارات ، والنذور ، وقد يكون بغير سبب كصيام رمضان، فإنه واجب بأصل الشرع، أي : بغير سبب من المكلف.
وأما غير المفروض : فقد يكون معيناً ، وقد يكون مطلقاً .
فمثال المعين : صوم يوم الاثنين والخميس .
ومثال المطلق : صيام أي يوم من أيام السنة، إلا أنه قد ورد النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم، فلا يصام يوم الجمعة إلا أن يصام يوم قبله أو يوم بعده. كما ورد في النهي عن صيام يومي العيدين الفطر والنحر، وكذلك عن صيام أيام التشريق ، إلا لمن لم يجد الهدي للقارن والمتمتع ، فإنه يصوم أيام التشريق عن الأيام الثلاثة التي في الحج.


حكم صيام رمضان
السؤال (129): فضيلة الشيخ ، ما حكم صيام شهر رمضان؟
الجواب : صيام شهر رمضان فرض بنص الكتاب والسنة ، وإجماع المسلمين ، قال الله تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183) إلى قوله : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة:183-185) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام". وقال عليه الصلاة والسلام : " إذا رأيتموه فصوموا".
وأجمع المسلمون على أن صيام رمضان فرض ، وأنه أحد أركان الإسلام ، فمن أنكر فرضيته كفر ، إلا أن يكون ناشئاً في بلاد بعيدة لا تعرف فيها أحكام الإسلام ، فيعذر بذلك ، ثم إن أصر بعد إقامة الحجة عليه كفر.
ومن تركه تهاوناً مع الإقرار بفرضيته فهو على خطر ، فإن بعض أهل العلم يرى أنه كافر مرتد ، ولكن الراجح أنه ليس بكفار مرتد ، بل هو فاسق من الفساق لكنه على خطر عظيم.


مكانة الصيام وفضله
السؤال (130): فضيلة الشيخ ، ما هي مكانة الصيام في الدين ، وفضله في العبادة وخاصة في شهر رمضان ؟
الجواب : مكانة الصيام في الإسلام أنه أحد أركانه العظيمة التي لا يقوم إلا بها ، ولا يتم إلا بها ، وأما فضله في الإسلام فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".


حكم الفطر في رمضان بدون عذر
السؤال (131): فضيلة الشيخ ، ما حكم الفطر في نهار رمضان بدون عذر؟
الجواب : الفطر في نهار رمضان دون عذر من أكبر الكبائر ، ويكون به الإنسان فاسقاً ، ويجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره ، يعني لو أنه صام وفي أثناء اليوم أفطر بدون عذر، فعليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره، لأنه لما شرع فيه التزم به ودخل فيه على أنه فرض ، فيلزمه قضاؤه كاملاً ، أما لو ترك الصوم من الأصل متعمداً بلا عذر الراجح أنه لا يلزمه القضاء، لأنه لن يستفيد منه شيئاً ، لأنه لن يقبل منه ، فإن القاعدة: أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين، فإنها إذا أخرت عن ذلك اليوم المعين بلا عذر لن تقبل من صاحبها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ، ولأنه من تعدي حدود الله عز وجل ، وتعدي حدود الله تعالى ظلم ، والظالم لا يقبل منه ، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: 229) ، ولأنه لو قدم هذه العبادة على وقتها أي : فعلها قبل دخول الوقت لم تقبل منه، فكذلك إذا فعلها بعده لن تقبل منه إلا أن يكون معذوراً .


بم يثبت شهر رمضان
السؤال (132): فضيلة الشيخ، بماذا يثبت شهر رمضان؟
الجواب : يثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هلاله ، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " .


حكم رؤية من رأى الهلال وحده
السؤال (133): فضيلة الشيخ ، ما حكم من رأى الهلال وحده ولم يصم معه الناس؟
الجواب : من رأى الهلال وحده يجب عليه أن يبلغ به المحكمة الشرعية ويشهد به ، ويثبت دخول شهر رمضان بشهادة الواحد إذا ارتضاه القاضي وحكم بشهادته، فإن ردت شهادته فقد قال بعض العلماء : إنه يلزمه أن يصوم ، لأنه تيقن أنه رأى الهلال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤيته" وهذا قد رآه.
وقال بعض أهل العلم: لا يلزم أن يصوم ، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس ، وموافقته للجماعة خير من انفراده وشذوذه ، وفصل آخرون فقالوا : يلزمه الصوم سرا ، فيلزمه الصوم ، لأنه رأى الهلال ، ويكون سراً لئلا يظهر مخالفة الجماعة.


أركان الصيام
السؤال (134): فضيلة الشيخ ، ما هي أركان الصيام؟
الجواب : الصيام له ركن واحد ، فهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، والمراد بالفجر هنا الفجر الثاني دون الفجر الأول ، فيتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاث ميزات:
الأولى : أن الفجر الثاني يكون معترضاً في الأفق ، والفجر الأول يكون مستطيلاً ، أي ممتداً من المشرق إلى المغرب ، أما الفجر الثاني فهو من الشمال إلى الجنوب.
الميزة الثانية : أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده ، بل يستمر النور في ازدياد حتى تطلع الشمس ، وأما الفجر الأول فيظلم بعد أن يكون له شعاع.
الميزة الثالثة: أن الفجر الثاني متصل غيابه بالأفق ، وأما الفجر الأول فبينه وبين الأفق ظلمة، والفجر الأول ليس له حكم في الشرع ، فلا تحل به صلاة الفجر ولا يحل به الطعام على الصائم بخلاف الفجر الثاني.


على من يجب الصيام؟
السؤال (135): فضيلة الشيخ ، على من يجب الصيام؟
الجواب : الصيام يجب أداءً على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع ، فهذه ستة أوصاف ، مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع ، فأما الكافر فلا يجب عليه الصوم ولا غيره من العبادات ، ومعنى قولنا : لا يجب عليه الصوم أنه لا يلزم به حال كفره، ولا يلزمه قضاؤه بعد إسلامه ، لأن الكافر لا تقبل منه العبادة حال كفره ، لقوله تعالى : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ )(التوبة: 54) .
ولا يلزمه قضاء العبادة إذا أسلم، لقوله تعالى : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )(الأنفال: 38) ، لكنه يعاقب على ما تركه من واجبات حال كفره ، لقوله تعالى عن أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (46) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر:42-47) .
فذكره ترك الصلاة وإطعام المسكين من أسباب دخولهم النار، يدل على أن لذلك تأثيراً في دخولهم النار ، بل إن الكافر يعاقب على كل ما يتمتع به من نعم الله من طعام وشراب ولباس ، لقول الله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:39) ، فنفي الجناح عن المؤمنين فيما طعموا يدل على ثبوت الجناح على غير المؤمنين فيما طعموا ، ولقوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف:32) .
فقوله : (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يدل على أن الحكم في غير المؤمنين يختلف عن الحكم في المؤمنين ، ولكن إذا أسلم الكافر في أثناء رمضان لم يلزمه القضاء فيما سبق إسلامه، فإذا أسلم ليلة الخامس عشر مثلاً ، فالأيام الأربعة عشر لا يلزمه قضاؤها ، وإذا أسلم في أثناء اليوم لزمه الإمساك دون القضاء ، فإذا أسلم عند زوال الشمس مثلاً قلنا له : أمسك بقية يومك ولا يلزمك القضاء، فنأمره بالإمساك ، لأنه صار من أهل الوجوب ، ولا نأمره بالقضاء ، لأنه قام بما وجب عليه وهو الإمساك من حين أسلم ، ومن قام بما يجب عليه لم يكلف بإعادة العبادة مرة ثانية .
أما العقل فهو الوصف الثاني للوجوب ، العقل هو ما يحصل به الميز أي : التمييز بين الأشياء ، فإذا لم يكن الإنسان عاقلاً فإنه لا صوم عليه ، كما أنه لا يجب عليه شيء من العبادات سوى الزكاة ، ومن هذا النوع - أي ممن ليس له عقل - أن يبلغ الإنسان سناً يسقط معه التمييز ، وهو ما يعرف عند العامة بالهذرات ، فلا يلزم المهذري صوم ، ولا يلزم عنه إطعام ، لأنه ليس من أهل الوجوب.
أما الوصف الثالث فهو البلوغ، ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة : إما أن يتم للإنسان خمس عشرة سنة، أو أن ينبت العانة ، وهي الشعر الخشن الذي يكون عند القبل، أو ينزل المني بلذة سواء كان ذلك باحتلام أو بيقظة ، وتزيد المرأة أمراً رابعاً وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة بلغت ، وعلى هذا فمن تم له خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن نبتت عانته ولو قبل خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ ، ومن أنزل منياً بلذة من ذكر أو أنثى ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغ، ومن حاضت ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغت ، وربما تحيض المرأة وهي بنت عشر سنين ، وهنا يجب التنبه لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس ، فإن بعض النساء تحيض مبكراً ولا تدري أنه يلزمها الصوم وغيره ومن العبادات التي تتوقف أو التي يتوقف وجوبها على البلوغ، لأن كثيراً من الناس يظنون أن البلوغ إنما يكون بتمام خمس عشرة سنة ، وهذا ظن لا أصل له ، فإذا لم يكن الإنسان بالغاً فإن الصوم لا يجب عليه.
ولكن ذكر أهل العلم أن الولي مأمور بأن يأمر موليه الصغير من ذكر أو أنثى بالصوم ليعتاده حتى يتمرن عليه ويسهل عليه إذا بلغ، وهذا ما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه ، فإنهم كانوا يصومون أولادهم الصغار حتى إن الواحد منهم ليبكي فيعطى لعبة من العهن يتلهى بها حتى تغرب الشمس .
وأما الوصف الرابع فهو أن يكون الإنسان قادراً على الصوم ، أي يستطيع أن يصوم بلا مشقة ، فإن كان غير قادر فلا صوم عليه.
ولكن غير القادر ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول : أن يكون عجزه عن الصوم مستمراً دائماً كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه ، فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً ، فإذا كان الشهر ثلاثين يوماً أطعم ثلاثين مسكيناً ، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً أطعم تسعة وعشرين مسكيناً ، وللإطعام كيفيتان:

الكيفية الأولى : أن يخرج حباً من أرز أو بر ، وقدره ربع صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ، أي خمس صاع بالصاع المعروف هنا، ويساوي كيلوين وأربعين جراماً من بر جيد رزين ، يعني أنك إذا وزنت من البر الرزين الدجن ما يبلغ كيلوين وأربعين جراماً فإن هذا صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ، والصاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد ،فيكفي لأربعة مساكين ، ويحسن في هذه الحال أن تجعل معه إذا دفعته للفقير شيئاً يؤدمه من لحم أو غيره حسب ما تقتضي به الحال والعرف.

وأما الكيفية الثانية للإطعام : فأن يصنع طعاماً يكفي لثلاثين فقيراً أو تسعة وعشرين فقيراً حسب الشهر ويدعوهم إليه كما ذكر ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه حين كبر ، ولا يجوز أن يطعم شخصاً واحداً مقدار ما يكفي الثلاثين أو التسعة وعشرين ، يعني لابد أن يكون عن كل يوم مسكين.

أما القسم الثاني من الوصف الرابع فهو العجز الذي يرجى زواله ، فهو العجز الطارئ كمرض حدث على الإنسان في أيام الصوم ، وكان يشق عليه أن يصوم ، فنقول له : أفطر وأقض يوماً مكانه، لقول الله تعالى : ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )(البقرة: 185) .

أما الوصف الخامس : أن يكون مقيماً ، وضده المسافر، فالمسافر وهو الذي فارق وطنه لا يلزمه الصوم ، لقول الله تعالى : ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ولكن الأفضل أن يصوم إلا أن يشق عليه ، فالأفضل الفطر، لقول أبي الدرداء رضي الله عنه : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في يوم شديد الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن رواحه . أما إذا شق عليه الصوم فإنه يفطر ولابد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام فأفطر ، ثم قيل له : إن بعض الناس قد صام فقال " أولئك العصاة ، أولئك العصاة".

أما الوصف السادس: أن يكون خالياً من الموانع أي من موانع الوجوب، وهذا يختص بالمرأة ، فيشترط في وجوب الصوم عليها أداء ألا تكون حائضاً ولا نفساء ، فإن كانت حائضاً أو نفساء فإنه لا يجب الصوم ، وإنما تقتضي بدل الأيام التي أفطرت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم مقرراً ذلك " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم فإذا حاضت المرأة فلا صوم عليها ، بل تقضي في أيام أخر ، وهنا مسألتنا ينبغي التفطن لهما:

المسألة الأولى : أن بعض النساء تطهر في آخر الليل وتعلم أنها طهرت ، ولكنها لا تصوم ذلك اليوم ظناً منها أنها إذا لم تغتسل فإنه لا يصح صومها ، وليس الأمر كذلك ، بل صومها يصح وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

وأما المسألة الثانية: فهي أن بعض النساء تكون صائمة فإذا غربت الشمس وأفطرت جاءها الحيض قبل أن تصلي المغرب ، فبعض النساء يقول : إنه إذا أتاها الحيض بعد الفطر وقبل صلاة المغرب فإن صومها ذاك النهار يفسد، وكذلك بعض النساء يبالغ أيضاً ويقول : إذا جاءها الحيض قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يفسد، وكل هذا ليس بصحيح . المرأة إذا غابت الشمس وهي لم تر الحيض خارجاً فصومها صحيح ، حتى لو خرج بعد غروب الشمس بلحظة واحدة، فصومها صحيح.
هذه ست أوصاف إذا اجتمعت في الإنسان وجب عليه صوم رمضان أداء، ولا يحل له أن يفطر ، فإن تخلف واحد منها فعلى ما سمعت.


حكم صيام تارك الصلاة
السؤال (136): فضيلة الشيخ، ما حكم صيام تارك الصلاة ؟
الجواب : تارك الصلاة صومه ليس بصحيح ولا يقبل منه، لأن تارك الصلاة كافر مرتد، لقوله تعالى : (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (التوبة:11) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر؟، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ، ولأن هذا قول عامة الصحابة إن لم يكن إجماعاً منهم.
قال عبد الله بن شقيق رحمه الله - وهو من التابعين المشهورين كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة . وعلى هذا فإذا صام الإنسان وهو لا يصلي فصومه مردود غير مقبول ولا نافع له عند الله يوم القيامة ، ونحن نقول له : صل ثم صم ، أما أن تصوم ولا تصلي فصومك مردود عليك ، لأن الكافر لا تقبل منه العبادة.


حكم من يصلي ويصوم في رمضان فقط؟
السؤال (137): فضيلة الشيخ، ما حكم من يصوم ويصلي إذا جاء رمضان لكن إذا انسلخ رمضان انسلخ من الصلاة الصيام؟
الجواب : الذي يتبين لي من الأدلة أن ترك الصلاة لا يكون كفراً إلا إذا كان تركاً مطلقاً ، وأما من يصلي ويخلي ، فيصلي بعض الأحيان ويترك بعض الأحيان ، الذي يبدو لي من الأدلة أنه لا يكفر بذلك ، لقوله : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها - أي الصلاة - فقد كفر"، ولقوله: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ولكن هذا الرجل الذي لا يصلي ولا يصوم إلا في رمضان أنا في شك من إيمانه لأنه لو كان مؤمناً حقا لكان يصلي في رمضان وفي غيره أما كونه لا يعرف ربه إلا في رمضان فأنا أشك في إيمانه لكني لا أحكم بكفره بل أتوقف فيه وأمره إلى الله عز وجل.


حكم من يصوم أياماً ويفطر أياماً
السؤال (138): فضيلة الشيخ ، ما حكم من يصوم أياماً ويفطر أخرى؟
الجواب : جواب هذا السؤال يمكن أن يفهم مما سبق ، وهو أن هذا الذي يصوم يوماً ويدع يوماً لا يخرج من الإسلام ، بل يكون فاسقاً لتركه هذه الفريضة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ولا يقضي الأيام التي أفطرها ، لأن قضاءه إياها لا يفيد شيئاً، فإنه لا يصلي بناء على ما أشرنا إليه سابقاً من أن العبادة الموقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد بلا عذر فإنها لا تقبل منه.


قضاء الأشهر الفائتة
السؤال (139): فضيلة الشيخ ، إذا كان الإنسان قد ترك أشهراً من رمضان بعد بلوغه ثم التزم الآن ، فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر؟
الجواب : القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر التي تكرها بلا عذر ، بناء على ما سبق أن العبادة الموقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد لها شرعاً فإنها لا تقبل منه، فقضاؤه إياها لا يفيده شيئاً ، وقد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسنة والقياس، وعلى هذا فإذا كان الإنسان في أول شبابه لا يصلي ولا يصوم ثم من الله عليه بالهداية وصلى وصام ، فإنه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاة وصيام ، وكذلك لو كان يصلي ويزكي ولكنه لا يصوم فمن الله عليه بالهداية وصار يصوم ، فإنه لا يلزمه قضاء ذلك الصوم بناء على ما سبق تقريره ، وهو أن العبادة الموقتة بوقت إذا أخرها الإنسان عن وقتها بلا عذر لم تقبل منه، وإذا لم تقبل منه لم يفده قضاؤه إياها شيئاً.


الأعذار المبيحة للفطر
السؤال (140): فضيلة الشيخ ، ما هي الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان المبارك ؟
الجواب : الأعذار المبيحة للفطر سبق الإشارة إلى بعضها وهو : المرض، والسفر ، ومن الأعذار أن تكون المرأة حاملاً تخاف على نفسها أو على جنينها، ومن الأعذار أيضاً أن تكون المرأة مرضعاً تخاف إذا صامت على نفسها أو على رضيعها، ومن الأعذار أيضاً أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكلة مثل أن يجد غريقاً في البحر أو شخصاً بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر ، فله حينئذ أن يفطر ويمتدح ، ومن ذلك أيضاً إذا احتاج الإنسان إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله ، فإن ذلك من أسباب إباحة الفطر له ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في غزوة الفتح : " إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا" ، فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به ، فإنه لا يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم.
فإذا قدر أن شخصاً أفطر لإنقاذ معصوم من هلكة فإنه يستمر مفطراً ، لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر ، فلا يلزمه الإمساك حينئذ ، لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر.
ولهذا نقول : القول الراجح في هذه المسألة أن المريض لو برئ في أثناء النهار وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر أثناء النهار إلى بلده وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك ، ولو طهرت الحائض في أثناء النهار فإنه لا يلزمها الإمساك ، لأن هؤلاء كلهم أفطروا بسبب مبيح للفطر ، فكان ذلك اليوم في حقهم لا حرمة له بإباحة الشرع الإفطار فيه ، فلا يلزمه الإمساك إذا زال السبب المبيح للفطر.


السؤال (141): فضيلة الشيخ ، لكن ما الفرق بين هذه الحالة لو جاء العلم بدخول رمضان في أثناء النهار؟
الجواب : الفرق بينهما ظاهر ، لأنه إذا قامت البينة في أثناء النهار فإنه يلزمه الإمساك، لأنه في أول النهار ، إنما أفطروا بالعذر، عذر الجهل ، ولهذا لو كان عالمين بأن هذا اليوم من رمضان لزمهم الإمساك، أما أولئك القوم الآخرون الذين أشرنا إليهم فهم يعلمون أنه من رمضان ، لكن الفطر مباح لهم ، بينهما فرق ظاهر.


مفسدات الصوم
السؤال (142): فضيلة الشيخ ، ما هي مفسدات الصوم؟ وهل لها شروط؟
الجواب : نعم مفسدات الصوم هي المفطرات ، وهي : الجماع ، والأكل والشرب، وإنزال المني بشهوة ، وما بمعنى الأكل والشرب، والقيء عمداً ، والحجامة ، وخروج دم الحيض والنفاس ، هذه ثمانية مفطرات.
أما الأكل والشرب والجماع: فدليلها قوله تعالى ( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(البقرة: 187) .
وأما إنزال المني بشهوة : فدليله قوله تعالى في الحديث القدسي: " يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".وإنزال المني شهوة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : " أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر" والذي يوضع إنما هو المني الدافق ، ولهذا كان القول الراجح أن المذي لا يفسد الصوم حتى وإن كان بشهوة.
الخامس : ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهي الإبر المغذية التي يستغني بها عن الأكل والشرب ، لأن هذه وإن كانت ليست أكلاً ولا شرباً لكنها بمعنى الأكل والشرب حيث يستغنى بها عنه، وما كان بمعنى الشيء فله حكمه، ولذلك يتوقف بقاء الجسم على تناول هذه الإبر، بمعنى أن الجسم يبقى على هذه الإبر وإن كان لا يتغذى بغيرها ، أما الإبر التي لا تغذي ولا تقوم مقام الأكل والشرب ، فهذه لا تفطر سواء تناولها الإنسان في الوريد أو في العضلات أو في أي مكان في بدنه.
والسادس: القيء عمداً ، أي : أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى يخرج من فمه ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن الني صلى الله عليه وسلم قال : " من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه". والحكمة في ذلك أنه إذا تقيأ فرغ بطنه من الطعام ، واحتاج البدن إلى ما يرد عليه هذا الخلو ، ولهذا نقول : إذا كان الصوم فرضاً فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقيأ، لأنه إذا تقيأ ضر نفسه وأفسد صومه الواجب.
وأما السابع : وهو خروج دم الحجامة ، فلقول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم"
وأما خروج دم الحيض والنفاس ، فلقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"، وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض ومثلها النفساء.
وهذه المفطرات وهي مفسدات الصوم لا تفسده إلا بشروط ثلاثة وهي : العلم ، والذكر ، والقصد، أي أن الصائم لا يفسد صومه بهذه المفسدات إلا بشروط ثلاثة:
أن يكون عالماً بالحكم الشرعي ، وعالماً بالوقت أي بالحال ، فإن كان جاهلاً بالحكم الشرعي أو بالوقت فصيامه صحيح ، لقول الله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286)، فقال الله تعالى : " لقد فعلت"، ولقوله تعالى : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)(الأحزاب: 5)، ولثبوت السنة في ذلك ، ففي الصحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه صام فجعل تحت وسادته عقالين وهما الحبلان اللذان تشد بهما يد الجمل ، أحدهما أسود والثاني أبيض ، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود ثم أمسك ، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فبين له النبي صلى الله عليه أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين ، وإنما المراد بالخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود الليل أي : سواده ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم ، لأنه كان جاهلاً بالحكم يظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة.
وأما الجهل بالوقت فلحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ، وهو في البخاري ، قالت : أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء ، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به ، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة ، لقول الله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، فلما لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله ، علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم به ، ولما لم يأمرهم به - أي بالقضاء - علم أنه ليس بواجب ، وعلى هذا فلو قام الإنسان يظن أنه في الليل فأكل أو شرب ، ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر ، فإنه ليس عليه قضاء ، لأنه كان جاهلاً .
وأما الشرط الثاني : فهو أن يكون ذاكراً ، وضد الذكر النسيان ، فلو أكل أو شرب ناسياً فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه لقول الله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة:286) ، فقال الله تعالى : "قد فعلت" ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
وأما الشرط الثالث وهو القصد ، فهو أن يكون الإنسان مختاراً لفعل هذا المفطر ، فإن كان غير مختار فإن صومه صحيح ، سواء كان مكرهاً أم غير مكره، لقول الله تعالى في المكره على الكفر: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106) ، فإذا كان الحكم - حكم الكفر - يرتفع بالإكراه فما دونه من باب أولى ، وللحديث الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وعلى هذا فلو طار إلى أنف الصائم غبار ووجد طعمه في حلقه ونزل إلى معدته فإنه لا يفطر بذلك ، لأنه لم يتقصده، وكذلك لو أكره على الفطر فأفطر دفعاً للإكراه فإن صومه صحيح، لأنه غير مختار ، كذلك لو احتلم وهو نائم ، فإن صومه صحيح ، لأن النائم لا قصد له ، وكذلك لو أكره الرجل زوجته وهي صائمة فجامعها فإن صومها صحيح ، لأنها غير مختارة، وهاهنا مسألة يجب التفطن لها ، وهي أن الرجل إذا أفطر بالجماع في نهار رمضان ، والصوم واجب عليه ، فإنه يلزم حقه أو يترتب على جماعة أمور:
الأول : إثم .
والثاني : القضاء.
والثالث : الكفارة.
ويلزمه الإمساك بقية يومه، ولا فرق بين أن يكون عالماً بما يجب عليه في هذا الجماع أو جاهلاً ، يعني أن الرجل إذا جامع في صيام رمضان والصوم واجب عليه ولكنه لا يدري أن الكفارة تجب عليه فإن الكفارة واجبة، لأنه تعمد المفسد ، وتعمده مفسد تستلزم ترتب الأحكام عليه ، بل في حديث أبي هريرة(173) أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت ، قال : " ما أهلكك؟" قال : وقعت على امرأتي في رمضان وأنام صائم ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة مع أن الرجل لا يعلم عنها.
وفي قولنا : فالصوم واجب عليه ، احتراز مما إذا جامع الصائم في رمضان وهو مسافر مثلاً ، فإنه لا تلزمه الكفارة ، مثل أن يكون الرجل مسافراً بأهله في رمضان وهما صائمان ، ثم يجامع أهله ، فإنه ليس عليه كفارة ، وذلك لأن المسافر إذا شرع في الصيام لا يلزمه إتمامه ، إن شاء أفطر وقضى ، وإن شاء استمر.


صيام الصبي
السؤال (143): فضيلة الشيخ ، ما هو حكم صيام الصبي الذي لم يبلغ ؟
الجواب : صيام الصبي كما أسلفنا ليس بواجب عليه ، ولكن على ولي أمره أن يأمره به ليعتاده ، وهو - أي الصيام - في حق الصبي الذي لم يبلغ سُنة ، له أجر بالصوم، وليس عليه وزر إذا تركه.


صيام المجنون
السؤال (144): فضيلة الشيخ ، ما حكم صيام من يعقل زمناً ويجن زمناً آخر ، أو يعقل زمناً ويخرف ويهذري زمناً آخر؟
الجواب :الحكم يدور مع علته، ففي الأوقات التي يكون فيها صاحياً عاقلاً يجب عليه الصوم ، وفي الأوقات التي يكون فيها مجنوناً مهذرياً لا صوم عليه ، فلو فرض أنه يجن يوماً ويفيق يوماً ، أو يهذري يوماً ويصحو يوماً ، ففي اليوم الذي يصحو فيه يلزمه الصوم ، وفي الذي لا يصحو فيه لا يلزمه الصوم.


السؤال (145): فضيلة الشيخ ، لكن لو حدث له أثناء النهار أن كان عاقلاً ثم ذهب عقله؟
الجواب: إذا جن في أثناء النهار بطل صومه، لأنه صار من غير أهل العبادة، وكذلك إذا هذرى في أثناء اليوم فإنه لا يلزمه إمساكه، ولكنه يلزمه القضاء، وكذلك الذي جن في أثناء النهار يلزمه القضاء، لأنه في أول النهار كان من أهل الوجوب.


صيام يوم الشك
السؤال (146): فضيلة الشيخ ، ما حكم صيام يوم الشك خشية أنه من رمضان؟
الجواب : صيام يوم الشك أقرب الأقوال فيه أنه حرام ، لقول عمار بن ياسر : " من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"، ولأن الصائم في يوم الشك متعد لحدود الله عز وجل ، لأن حدود الله أن لا يصام رمضان إلا برؤيته أي برؤية هلاله ، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه".
ثم إن الإنسان الذي تحت ولاية مسلمة يتبع ولايته ، فإذا ثبت عند ولي الأمر دخول الشهر فليصم تبعاً للمسلمين ، وإذا لم يثبت فلا يصم ، وقد سبق لنا في أول كتاب الصيام ما إذا رأى الإنسان وحده هلال رمضان هل يصوم أو لا يصوم؟


صام في بلد ثم انتقل إلى بلد آخر
السؤال (147): فضيلة الشيخ ، ما حكم من صام في بلد مسلم ثم انتقل إلى بلد آخر تأخر أهله عن البلد الأول ولزم من متابعتهم صيام أكثر من ثلاثين يوم أو العكس؟
الجواب : إذا انتقل الإنسان من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي وتأخر إفطار البلد الذي انتقل إليه ، فإنه يبقى معهم حتى يفطروا ، لأن الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس ، والأضحى يوم يضحي الناس ، فهو كما لو سافر إلى بلد تأخر فيه غروب الشمس ، فإنه قد يزيد عن اليوم المعتاد ساعتين أو ثلاثاً أو أكثر ، ولأنه إذا انتقل إلى البلد الثاني فإن الهلال لم ير فيه ، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن لا نصوم إلا لرؤيته، وكذلك قال : "أفطروا لرؤيته"، وأما العكس مثل أن ينتقل من بلد تأخر ثبوت الشهر عنده، إلى بلد تقدم فيه ثبوت الشهر فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان ، إن فاته يوم قضي يوماً ، وإن فاته يومان قضي يومين.


السؤال (148): فضيلة الشيخ ، لكن قد يقول قائل : لماذا يؤمر بصيام أكثر من ثلاثين يوماً في الأولى ويقضي في الثانية ؟
الجواب : يقضي في الثانية لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يوماً ، ويزيد على الثلاثين يوماً ، لأنه لم ير الهلال ، وفي الأول قلنا له أفطر وإن تم تتم تسعة وعشرين يوماً ، لأن الهلال رؤي فإذا رؤي لابد من الفطر، يعني يمكن أن تصوم يوماً من شوال ، ولما كنت ناقصاً عن تسعة وعشرين لزمك أن تتم تسعة وعشرين، بخلاف الثاني فإنه لا يزال في رمضان ، إذا قدمت إلى بلد لم يروا الهلال فأنت في رمضان فكيف تفطر فيلزمك البقاء وإذا زاد عليك الشهر فهو كزيادة الساعات في اليوم.

الزاهدة
08-13-2011, 08:08 AM
آداب الصيام
السؤال (149): فضيلة الشيخ ، ما هي آداب الصيام؟
الجواب : من آداب الصيام لزوم تقوى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم :"من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
ومن آداب الصيام : أن يكثر من الصدقة والبر والإحسان إلى الناس ، لا سيما في رمضان ، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن .
ومنها : أن يتجنب ما حرم الله عليه من الكذب والسب والشتم والغش والخيانة، والنظر المحرم ، والاستماع للشيء المحرم، إلى غير ذلك من المحرمات التي يجب على الصائم وغيره أن يتجنبها، ولكنها للصائم أوكد.
ومن آداب الصيام : أن يتسحر ، وأن يؤخر السحور ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" تسحروا فإن في السحور بركة" .
ومن آدابه أيضاً : أن يفطر على رطب ، فإن لم يجد فتمر ، فإن لم يجد فعلى ماء ، وأن يبادر بالفطر من حين أن يتحقق غروب الشمس أو يغلب على ظنه أنها غربت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر.


حكم أكل وشرب من شك في طلوع الفجر
السؤال (150): فضيلة الشيخ ، ما حكم أكل وشرب من شك في طلوع الفجر؟
الجواب : يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الفجر، لقول الله تعالى : ( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(البقرة: 187) ، فما دام لم يتيقن أن الفجر قد طلع فله الأكل ولو كان شاكاً حتى يتقين ، بخلاف من شكل في غروب الشمس ، فإنه لا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس أو يغلب على ظنه غروب الشمس.


حكم من يأكل أثناء الأذان
السؤال (151): فضيلة الشيخ ، أيضاً كثير من الناس يأكل أثناء أذان الفجر حتى يكتمل الأذان ، فما حكم هذا الأكل الذي يكون في أثناء الأذان؟
الجواب : حكم هذا الأكل الذي يكون في أثناء الأذان حسب أذان المؤذن ، فإن كان لا يؤذن إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر ، فإن الواجب الإمساك من حين أن يؤذن ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ، وإن كان لا يتيقن طلوع الفجر ، فالأولى أن يمسك إذا أذن ، وله أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن ، لأن الأصل بقاء الليل ، لكن الأفضل الاحتياط ، وأن لا يأكل بعد أذان الفجر.


العموم والغوص في الماء للصائم
السؤال (152): فضيلة الشيخ، ما حكم العوم للصائم أو الغوص في الماء؟
الجواب : لا بأس أن يغوص الصائم في الماء أو يعوم فيه يسبح، لأن ذلك ليس بالمفطرات ، والأصل الحل حتى يقوم دليل على الكراهة أو على التحريم ، وليس هناك دليل على التحريم ولا على الكراهة ، وإنما كرهه بعض أهل العلم خوفاً من أن يدخل إلى حلقه شيء وهو لا يشعر به.


القطرة والمرهم للصائم
السؤال (153): فضيلة الشيخ ، ما حكم القطرة والمرهم في العين؟
الجواب: لا باس للصائم أن يكتحل وأن يقطر في عينه، وأن يقطر كذلك في أذنه، حتى وإن وجد طعمه في حلقه، فإنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعني الأكل والشرب، والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب، فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما.
وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهو الصواب.


استعمال فرشة الأسنان أثناء الأذان أو بعده
السؤال (154) : فضيلة الشيخ، ما حكم ضرب الأسنان بالفرشاة والمعجون بعد أذان الفجر أو أثناء الأذان؟
الجواب : أثناء الأذان سبق في الأكل والشرب، وهو أعظم من ضرب الفرشاة، أما بعد الأذان، والأصلح أن تقول بعد طلوع الفجر سواء مباشرة أو في أثناء النهار، فلا باس أن ينظف الإنسان أسنانه بالفرشاة والمعجون، لكن نظراً لقوة نفوذ المعجون ينبغي ألا يستعمله الإنسان في حال الصيام، لأنه ينفذ إلى الحلق والمعدة من غير أن يشعر به الإنسان، وليس هناك ضرورة تدعو إليه، فليمسك حتى يفطر، ويكون عمله بهذا في الليل لا في النهار، لكنه في الأصل جائز ولا بأس به.


حكم التحليل والتبرع بالدم للصائم
السؤال (155): فضيلة الشيخ ، ما حكم التحليل والتبرع بالدم للصائم؟
الجواب: التحليل للصائم لا بأس به يعني أخذ عينة من دمه لأجل الكشف عنها والاختبار لها جائز ولا بأس به، وأما التبرع بالدم فالذي يظهر أن التبرع بالدم يكون كثيراً فيعطي حكم الحجامة، ويقال للصائم : لا تتبرع بدمك إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلا بأس بهذا، مثل لو قال الأطباء: إن هذا الرجل الذي أصابه النزيف إن لم نحقنه بالدم الآن مات، ووجدوا صائماً يتبرع بدمه، وقال الأطباء : لابد من التبرع الآن فحينئذ لا بأس للصائم أن يتبرع بدمه ويفطر بعد هذا، ويأكل ويشرب بقية يومه؛ لأنه أفطر للضرورة كإنقاذ الحريق والغريق.


استعمال المراهم والمرطبات أثناء الصيام
السؤال ( 156): فضيلة الشيخ، هناك بعض الناس من الصوام يجد نشوفة في أنفه أو في شفاهه ، فيستعمل بعض المراهم أو المرطبات لذلك فما حكمه؟
الجواب : يجد بعض الصوام نشوفه في أنفه ونشوفه في شفتيه، فلا بأس أن يستعمل الإنسان ما يندي الشفتين والأنف من مرهم، أو يبله بالماء بخرقة أو شبه ذلك، ولكن يحترز من أن يصل شيء إلى جوفه من هذا الشيء الذي أزال به النشوفة.


السؤال (157): فضيلة الشيخ، لكن لو وصل شيء من غير قصد؟
الجواب: إذا وصل شيء من غير قصد فلا شيء عليه كما لو تمضمض ووصل شيء إلى جوفه؛ فإنه لا يفطر بها.
حقن الإبر في العضل والوريد للصائم


السؤال (158) : فضيلة الشيخ، ما حكم حقن الإبر في العضل وفي الوريد؟
الجواب: حقن الإبر في الوريد والعضل والورك ليس فيه بأس، ولا يفطر به الصائم؛ لأن هذا ليس من المفطرات ولا بمعني المفطرات، فهو ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعني الأكل والشرب، وقد سبق أن قلنا أن ذلك لا يؤثر، وإنما المؤثر حقن المريض بما يغني عن الأكل والشرب.


المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم
السؤال (159) : فضيلة الشيخ، ما حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق في نهار رمضان للصائم؟
الجواب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: (( أسبغ الوضوء ، وخلل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً(187)، وهذا يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق ، وكذلك لا يبالغ في المضمضة ؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نزول الماء إلى جوفه، فيفسد به صومه، لكن لو فرض أنه بالغ ودخل جوفه دون قصد، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن من شروط الفطر كما سبق أن يكون الصائم قاصداً لفعل ما يحصل به الفطر.


شم الطيب للصائم
السؤال (160) : فضيلة الشيخ، ما حكم شم الطيب سواء كان من الرذاذ ( البخاخ) أو شم الطيب الذي هو البخور؟
الجواب: شم الطيب لا بأس به سواء كان دهناً أم بخوراً، لكن إذا كان بخوراً فإنه لا يستنشق دخانه؛ لأن الدخان له جرم ينفذ إلى الجوف، فهو جسم يدخل إلى الجوف فيكون مفطراً كالماء وشبهه، وأما مجرد شمه بدون أن يستنشقه حتى يصل إلى جوفه فلا بأس به.


الفرق بين البخور والقطرة
السؤال (161) : فضيلة الشيخ، ربما يقال: ما الفرق بين البخور والقطرة التي تنزل إلى الحلق ويطعم بها؟
الجواب: الفرق بينهما أن الذي يستنشقه قد تعمد أن يدخله إلي جوفه، وأما القطرة فلم يقصد أن تصل إلى جوفه، وإنما قصد أن يقطر في أنفه فقط.


الأكل والشرب ناسياً
السؤال (162): فضيلة الشيخ، ما حكم من أكل أو شرب ناسياً؟ وكيف يصنع إذا ذكر أثناء ذلك؟
الجواب: سبق الكلام أن الناسي لا يفسد صومه ولو أكل كثيراً وشرب كثيراً ما دام على نسيانه، فصومه صحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) ولكن يجب من حين أن يذكر أن يمتنع عن الأكل والشرب حتى لو فرضنا أن الأكلة أو الشربة في فمه وجب عليه لفظها، لأن العذر الذي جعله الشارع مانعاً من التفطير قد زال.


ماذا يفعل من رأى صائماً يأكل؟
السؤال( 163): فصيلة الشيخ، ينتشر عند كثير من الناس أن الإنسان إذا رأى صائماً يأكل ألا يذكره، فما مدى صحة هذا الكلام، وكيف يصنع من يرى صائماً يأكل؟
الجواب: من رأى صائماً يأكل فليذكره؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، كما لو رأى الإنسان شخصاً مصلياً إلى غير القبلة، أو رأى شخصاً يريد أن يتوضأ بماء نجس وما أشبه ذلك، فإنه يجب عليه تبيين الأمر له، والصائم وإن كان معذوراً لنسيانه لكن أخوه الذي يعلم بالحال يجب عليه أن يذكره، ولعل هذا يؤخذ أيضاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني)) فإنه إذا كان يذكر الناسي في الصلاة، فكذلك الناسي في الصوم يذكر.


خروج الدم من الصائم
السؤال (164): فضيلة الشيخ، ما حكم خروج الدم من الصائم من فمه أو أنفه أو بقية جسمه؟
الجواب: لا يضره خروج ذلك، يعني بغير قصد منه، فلو أرعف أنفه وخرج منه دم كثير، فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه.


السؤال (165): فضيلة الشيخ، فإن تسبب في خروج الدم كأن يخلع ضرسه مثلاً؟
الجواب: لا حرج عليه أيضاً، لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لألم فيه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس، والغالب أن الدم الذي يخرج من خلع الضرس دم يسير لا يكون له معنى الحجامة .


السؤال (166): فضيلة الشيخ، إذا أفطر في الأرض مثلاً ثم أقعلت الطائرة وبانت له الشمس فما الحكم؟
الجواب: الحكم أنه لا يلزمه الإمساك يعني أنه لما غربت الشمس تم يومه وأفطر بمقتضى الدليل الشرعي، وما عمله الإنسان بمقتضى الدليل الشرعي فإنه لا يؤمر بإعادته.


الجماع في نهار رمضان.
السؤال (167): فضيلة الشيخ، ما حكم الجماع في نهار رمضان ذاكراً أو ناسياً؟ وما الذي يلزمه؟
الجواب: الجماع في نهار رمضان كغيره من المفطرات ، إن كان الإنسان في سفر ليس عليه في ذلك بأس سواء كان صائماً أم مفطراً، لكن إذا كان صائماً وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأما إن كان ممن يلزمه الصوم، فإنه إن كان ناسياً فلا شيء عليه أيضاً، لأن جميع المفطرات إذا نسي الإنسان فأصابها فصومه صحيح، وإن كان ذاكراً ترتب على ذلك خمسة أمور: الإثم ، وفساد صوم ذلك اليوم،ولزوم الإمساك، ولزوم القضاء والكفارة، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، هلكت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة عتق رقبة،فقال إنه لا يجد ، فقال: صيام شهرين متتابعين، فقال: إنه لا يستطيع، فقال: إطعام ستين مسكيناً، فقال: إنه لا يجد، ثم جلس الرجل وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( خذ هذا فتصدق به)) فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه أو نواجذه ثم قال: (( أطعمه أهلك)).


السؤال (168): فضيلة الشيخ، إذا تعدد الجماع في اليوم أو في شهر رمضان، فهل تتعدد هذه الكفارة؟
الجواب: المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه إذا تعدد في يوم ولم يكفر عن الجماع الأول لزمه كفارة واحدة، وإن تعدد في يومين لزمه لكل يوم كفارة، لأن كل يوم عبادة مستقلة.


صيام المسافر
السؤال( 169): فضيلة الشيخ، ما حكم صيام المسافر إذا شق عليه؟
الجواب: إذا شق عليه الصوم مشقة محتملة فهو مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد غلب عليه، والناس حوله زحام فقال: (( ما هذا؟)) قالوا: صائم، قال: (( ليس من البر الصيام في السفر))(191) ، وأما إذا شق عليه مشقة شديدة فإن الواجب عليه الفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصيام أفطر ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال: (( أولئك العصاة، أولئك العصاة)).
وأما من لا يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كان كما قال أبوالدراء رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة


السؤال (170): فضيلة الشيخ، هل للفطر في السفر أيام معدودة؟
الجواب: ليس له أيام معدودة.


السؤال (171): فضيلة الشيخ، يعني لو كان الإنسان يريد أن يسافر مثلاً أو يبقى في مدينة غير مدينته أكثر من خمسة أيام أو ستة أيام؟
الجواب: نعم له أن يفطر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة دخلها في رمضان في العشرين منه، ولم يصم بقية الشهر كما صح ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري عنه، وبقي بعد ذلك تسعة أيام أو عشرة فبقي عليه الصلاة والسلام في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ويفطر في رمضان.

حكم صيام المعتمر
السؤال(172): فضيلة الشيخ، كثير من المسلمين يعتمر في شهر رمضان المبارك، لكنه يتحرج عن الإفطار؛ لأنه ذهب لعبادة، فما حكم صيام المعتمر في رمضان أثناء بقائه في مكة؟
الجواب: حكم صيامه أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قبل قليل أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إن بقيت صائماً شق عليّ أداء نسك العمرة، فأنا بين أمرين:
إما أن أؤخر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس وأبقى صائماً، وإما أن أفطر وأؤدي أعمال العمرة حين وصولي إلى مكة، فنقول له: الأفضل أن تفطر وأن تؤدي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة؛ لأن هذا - أعني أداء العمرة من حين الوصول إلى مكة - هذا هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .


السفر في رمضان من أجل الإفطار
السؤال (173): فضيلة الشيخ، ما حكم السفر في شهر رمضان من أجل الإفطار؟ وكيف يكون ذلك؟
الجواب: الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرض وركن من أركان الإسلام كما هو معروف، والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلة ليسقطه عن نفسه، فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حراماً عليه، وكان الفطر كذلك حراماً عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ، وأن يرجع عن سفره ويصوم، فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافراً.
وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيل على الإفطار في رمضان بالسفر، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقط به، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً.


قضاء الفائت من رمضان
السؤال(174): فضيلة الشيخ، ما حكم قضاء الفائت من رمضان، ومتى يكون ذلك؟
الجواب: المبادرة بقضاء رمضان أفضل من التأخير؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، كونه يبادر ويقضي ما عليه من دين الصوم أحزم وأحرص على الخير،ولولا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان . لولا هذا الحديث لقلنا بوجوب المبادرة، وهذا الحديث يدل على أن من عليه شيء من رمضان لا يؤخره إلى رمضان التالي وهو كذلك ، فلا يجوز لشخص عليه قضاء من رمضان أن يؤخره إلى رمضان آخر إلا من عذر، كما لو بقي مريضاً لا يستطيع، أو كانت امرأة ترضع ولم تستطع أن تصوم، فلا حرج عليها أن تؤخر قضاء رمضان الفائت إلى ما بعد رمضان التالي.


السؤال (175): فضيلة الشيخ، هناك بعض المسلمين يعتبرون العبادة إذا فاتت أنها تسقط، فإذا فاتت الصلاة عن مكانها لا تؤدى، وإذا فات رمضان أو فات شيء من رمضان لا يصومونه ، فما حكم صيام الفائت من رمضان؟
الجواب: سبق أن ذكرنا قاعدة وهي: أن العبادات الموقتة إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بغير عذر فإنها لا تصح منه أبداً، لو كررها ألف مرة، وعليه أن يتوب، والتوبة كافية، أما إذا كان ترك صيام رمضان لعذر من مرض أو سفر أو غيرهما فعليه القضاء كما قال الله تعالى: ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر)(البقرة: 185).


السؤال (176): فضيلة الشيخ، إذا أفطر الإنسان في شهر رمضان ثم أتى رمضان الثاني دون عذر في قضاء هذا الفائت فهل يلزمه شيء مع الأداء؟
الجواب: القول الراجح أنه لا يلزمه إلا القضاء فقط، وأنه لا يلزمه الإطعام؛ لعموم قوله تعالى: ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) فذكر الله تعالى عدة من أيام أخر ولم يذكر إطعاماً، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل يدل على الوجوب.


الفرق بين الأداء والقضاء في شهر رمضان
السؤال(177): فضيلة الشيخ، هل هناك فوارق بين الأداء والقضاء في شهر رمضان؟
الجواب: نعم، بينهما فوارق عظيمة القضاء كما قلت آنفاً موسع إلى رمضان الثاني، والأداء مضيق لابد أن يكون في شهر رمضان. ثانياً: الأداء تجب الكفارة في الجماع فيه، والقضاء لا تجب الكفارة في الجماع فيه، ثالثاً: الأداء إذا أفطر الإنسان في أثناء النهار بلا عذر فسد صومه، ولكن يلزمه الإمساك بقية اليوم احتراماً للزمن، وأما القضاء فإذا أفطر الإنسان في أثناء اليوم فسد صومه ولكن لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لا حرمة للزمن في القضاء، إذ إن القضاء واسع في كل الأيام.


حكم من مات وعليه قضاء من رمضان
السؤال (178): فضيلة الشيخ، ما حكم من مات وعليه قضاء من شهر رمضان؟
الجواب: إن مات وعليه قضاء من رمضان فإنه يصوم عنه وليه وهو قريبه أو وارثه، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) فإن لم يصم وليه أطعم عنه عن كل يوم مسكيناً.


السؤال (179): فضيلة الشيخ، إذا صام المسلم بعض رمضان ثم توفي عن بقيته، فهل يلزم وليه أن يكمل عنه؟
الجواب: لا يلزم وليه أن يكمل عنه، ولا أن يطعم عنه؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))
فعلى هذا إذا مات فإنه لا تقضى عنه ولا يطعم عنه، بل حتى لو مات في أثناء اليوم فإنه لا يصام عنه ولا يطعم عنه.


صلاة التراويح
السؤال (180): فضيلة الشيخ، مما يتعبد أو يتقرب به إلى الله عز وجل في شهر رمضان التراويح، فما المقصود بالتراويح والتهجد؟
الجواب: التراويح: القيام، قيام رمضان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ، وسميت تراويح؛ لأن الناس فيما سبق كانوا يطيلونها، وكلما صلوا أربع ركعات- يعني بتسليمتين - استراحوا قليلاً ثم استأنفوا ، وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعاً، فلا تسألن عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)) فإنها تريد بذلك أنه يصلي أربعاً بتسليمتين ، لكن يفصل بينهما وبين الأربع الأخريات.
وهذه التراويح سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه صلى بأصحابه ثلاث ليال ثم تأخر، وقال: (( إني خشيت أن تفرض عليكم)) ، وينبغي للإنسان أن لا يفرط فيها؛ لينال أجر من قام رمضان، وهو مغفرة ما تقدم من الذنب، وينبغي أن يحافظ عليها مع الإمام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) ولا يخفى أن التراويح التي تفعل الآن فيها أخطاء من الأئمة ومن غيرهم.


أخطاء تقع في صلاة التراويح
السؤال (181): فضيلة الشيخ، نود الإشارة إلى بعض الأخطاء التي تقع في صلاة التراويح؟
الجواب: ذكرنا فيما سبق أن هناك أخطاء يقع فيها بعض الأئمة، وكذلك أخطاء يقع فيها بعض الناس من غير الأئمة.
أما أخطاء الأئمة: فكثير من الأئمة يسرع في التراويح إسراعاً عظيماً بحيث لا يتمكن الناس من الطمأنينة وراءه، ويشق على كبار السن والضعفاء والمرضى ونحوهم، وهذا خلاف الأمانة التي حملوا إياها، فإن الأمام مؤتمن يجب عليه أن يفعل ما هو الأفضل للمأمومين، هو لو كان يصلي وحده لكان حراً، إن شاء أسرع على وجه لا يخل بالطمأنينة ، وإن شاء أبطأ، لكن إذا كان إماماً يجب عليه أن يتبع ما هو الأفضل للمأموم، وقد نص أهل العلم على أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين أو بعضهم من فعل ما يسن، فكيف بمن يسرع سرعة تمنعهم أو تمنع بعضهم من فعل ما يجب من الطمأنينة والمتابعة.
كذلك بعض الأئمة يصلي التراويح على صفة الوتر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها أحياناً، يوتر بخمس يسردها سرداً لا يجلس إلا في آخرها، أو سبعاً، لا يجلس إلا في آخرها، أو تسعاً يجلس في الثامنة، ثم يتشهد ،ثم يقوم ويصلي التاسعة.
فبعض الأئمة يفعل ذلك، وهذا لا أعلمه وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قام في الناس إماماً، وإنما كان يفعله في بيته، وهذا الفعل وإن كان له أصل من السنة أن يوتر الإنسان بخمس أو سبع لا يجلس إلا في آخرها، أو بتسع يجلس في الثامنة ، ثم يتشهد ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ويتشهد ويسلم، لكن كون الإمام يفعله في رمضان يشوش على الناس، فيدخل الإنسان على أنه نوى ركعتين، ثم إن بعض الناس قد يحتاج إلى الخروج إذا صلى ركعتين أو صلى أربع ركعات وسلم الإمام، فيخرج بعض الناس يكون عليه حصر من البول أو غيره، فيشق عليه أن يسرد به الإمام خمس ركعات أو سبع ركعات أو تسع ركعات.
وإذا كان هذا الإمام يريد أن يبين السنة فإننا نقول له: بين السنة بقولك، وقل: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يوتر بخمس أو بسبع لا يجلس إلا في آخرها، أو بتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ، ويتشهد ويسلم، ولا تفعل هذا مع جماعة يجهلون هذا الأمر، أو يأتي أناس قد سبقهم بعض الصلاة فيشكل عليهم أو يشق عليهم، ثم إني إلي الآن لا أعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه الوتر على هذا الوجه، وإنما كان يصليه في بيته.
وأما الأخطاء التي تقع من غير الأئمة ممن يصلون القيام: فهو أن بعض الناس تجده يقطع هذه التراويح ، بل يصلي في مسجد تسليمة أو تسليمتين، وفي مسجد آخر كذلك، ويضيع عليه وقت، فيفوته الأجر العظيم الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:(من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وهذا حرمان عظيم.
كذلك أيضاً بعض المأمومين تجده يخطئ في متابعة الإمام فيسابقه، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ، أو يجعل الله صورته صورة حمار)


هل يلزم المحافظة على صلاة التراويح في جميع الشهر
السؤال (182): فضيلة الشيخ: هل يلزم المحافظة على صلاة التراويح في جميع رمضان؟
الجواب: لا يلزمه أن يحافظ عليها؛ لأنها سنة، فإن فعلها فقد أثيب، وإن تركها فلن يعاقب ، ولكن يفوته خير كثير كما قلنا.


البكاء في صلاة التراويح
السؤال (183): فضيلة الشيخ، بعض الأئمة يبكي بكاء شديداً وينحب أيضاً، وهناك من يؤاخذه على ذلك ويرى أنه تكلف، فما حكم هذا العمل ، وما حكم أيضاً من يؤاخذ الإمام على هذا العمل؟
الجواب: أما الشيء الذي يأتي بغير تكلف، ويكون بكاء برفق لا بشهاق كبير، فهذا لا بأس به، وهو من الأمور التي تدل على لين قلب صاحبها وكمال خشوعه وحضور قلبه، وأما المتكلف فأخشى أن يكون هذا البكاء من الرياء الذي يعاقب عليه فاعله ولا يثاب عليه كما أن بعض الناس تجده في قنوت الوتر يأتي بأدعية طويلة بأساليب غريبة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون فيها مشقة على المصلين أو بعضهم، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يختار من الدعاء أجمعه ويدع ما سوى ذلك ، والذي أنصح به إخواننا الأئمة أن لا يطيلوا هذا القنوت على هذا الطول الذي يشق على الناس، ويأتون فيه بأدعية غريبة مسجوعة، وخير الكلام ما قل ودل، وكون الإنسان يأتي بالشيء على الوجه المشروع الذي لا يمل الناس أفضل من كونه يأتي به على وجه يمل به الناس.


حمل المصحف أثناء قراءة الإمام
السؤال (184): فضيلة الشيخ، بعض المأمومين يحضر مصحفاً في رمضان لمتابعة الإمام في صلاة الليل، وقد يكون الإمام لا يحتاج إلى من يفتح عليه لأنه يقرأ من مصحف أيضاً، فما حكم ذلك؟
الجواب: الذي نرى أن المأموم لا يحمل المصحف إلا للضرورة إلى ذلك، مثل أن يقول الإمام لأحد من الناس:أنا لا أضبط القراءة فأريد أن تكون خلفي تتابعني في المصحف، فإذا أخطأت ترد على، أما فيما عدا ذلك فإنه أمر لا ينبغي؛ لما فيها من انشغال الذهن والعمل الذي لا داعي له، وفوات السنة بوضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، فالأولى أن لا يفعله الإنسان إلا للحاجة كما أشرت إليه.


إحياء بعض ليالي العشر دون غيرها
السؤال (185): فضيلة الشيخ، بعض الناس يحيون ليلة القدر بالصلاة والعبادة ولا يحيون غيرها في رمضان، فهل هذا موافق للصواب؟
الجواب: لا، ليس موافقاً للصواب، فإن ليلة القدر تنتقل، فقد تكون ليلة سبعة وعشرين، وقد تكون في غير تلك الليلة، كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة في ذلك، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذات عام أري ليلة القدر، فكان ذلك ليلة إحدى وعشرين ، ثم إن القيام لا ينبغي أن يخصه الإنسان بالليلة التي يرجو أن تكون هي ليلة القدر، فالاجتهاد في العشر الأواخر كلها من هدي النبي صلى الله عليه وسلم .فقد كان إذا دخل العشر شد المئزر،وأيقظ أهله، وأحيا ليله عليه الصلاة والسلام، فالذي ينبغي للمؤمن الحازم أن يجتهد في هذه الأيام العشر في ليال هذه الأيام العشر كلها حتى لا يفوته الأجر.


الاعتكاف
السؤال (186): فضيلة الشيخ، ما المقصود بالاعتكاف وما حكمه؟
الجواب: الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجداً لطاعة الله سبحانه وتعالى ؛ لينفرد به عن الناس، ويشتغل بطاعة الله ويتفرغ لذلك، وهو في كل مسجد سواء كان في مسجد يجمع فيه أو في مسجد لا يجمع فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجد يجمع فيه حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة.


هل للاعتكاف أقسام؟
السؤال (187): فضيلة الشيخ، هل الاعتكاف له أقسام أم أنه قسم واحد؟
الجواب: الاعتكاف ليس إلا قسم واحد كما أسلفنا، لزوم مسجد لطاعة الله عز وجل، وقد يكون أحياناً بصوم، وقد لا يكون بصوم، وقد اختلف أهل العلم: هل يصح الاعتكاف بدون صوم أو لا يصح إلا بصوم؟ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان فيه ليالي العشر، عشر رمضان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف هذه العشر رجاء لليلة القدر.


هل يجوز الاعتكاف في غير رمضان؟
السؤال(188): فضيلة الشيخ، هل الاعتكاف له زمان محدد، أي أنه يقتصر على رمضان أم يجوز في غير رمضان؟
الجواب: المشروع أن يكون في رمضان فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف في غير رمضان، إلا ما كان منه في شوال حين ترك الاعتكاف سنة في رمضان، فاعتكف في شوال، ولكن لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائز، لأن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة أو يوماً في المسجد الحرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوف بنذرك)


أركان الاعتكاف وشروطه
السؤال (189): فضيلة الشيخ، هل للاعتكاف شروط محددة أو أركان أيضاً محددة؟
الجواب: الاعتكاف ركنه كما أسلفت لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل تعبداً له، وتقرباً إليه، وتفرغاً لعبادته، وأما شروطه: فهي شروط بقية العبادات، فمنها: الإسلام، والعقل، ويصح من غير البالغ، ويصح من الذكر ومن الأنثى، ويصح بلا صوم ويصح في كل مسجد.


اعتكاف المرأة
السؤال (190): فضيلة الشيخ، إذا هل يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجدها، في منزلها؟
الجواب: لا، المرأة إذا أرادت الاعتكاف فإنما تعتكف في المسجد إذا لم يكن في ذلك محذور شرعي، وإن كان في ذلك محذور شرعي فلا تعتكف.


ما يستحب في الاعتكاف وما لا يستحب
السؤال (191): فضيلة الشيخ، ما الذي يستحب في الاعتكاف وما الذي يكره له أيضاً؟
الجواب: الذي يستحب في الاعتكاف أن يشتغل الإنسان بطاعة الله عز وجل، من قراءة القرآن، والذكر والصلاة وغير ذلك، وأن لا يضيع وقته فيما لا فائدة فيه كما يفعله بعض المعتكفين، تجده يبقى في المسجد يأتيه الناس في كل وقت يتحدثون إليه، ويقطع اعتكافه بلا فائدة، وأما التحدث أحياناً مع بعض الناس أو بعض الأهل فلا بأس به، لما ثبت في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت صفية رضي الله عنها تأتي إليه فتتحدث عنده ساعة ثم تنقلب إلى بيتها.


ما يباح للمعتكف
السؤال (192): فضيلة الشيخ، ما الذي يباح للمعتكف؟
الجواب: المعتكف كما أسلفنا، يلتزم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل وعبادته، فينبغي ان يكون أكثر همة اشتغاله بالقربات من الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك ولكن المعتكف أفعاله تنقسم إلى أقسام : قسم مباح، وقسم مشروع ومستحب، وقسم ممنوع.
فأما المشروع : فهو أن يشتغل بطاعة الله وعبادته والتقرب إليه؛ لأن هذا لب الاعتكاف والمقصود منه ، ولذلك قيد بالمساجد.
وقسم آخر وهو القسم الممنوع، وهو ما ينافي الاعتكاف ، مثل أن يخرج الإنسان من المسجد بلا عذر؛ أو يبيع ، أو يشتري أو يجامع زوجته، ونحو ذلك من الأفعال التي تبطل الاعتكاف لمنافاتها لمقصوده.
وقسم ثالث جائز مباح، كالتحدث إلى الناس، والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك مما أباحه الله تعالى للمعتكف ، ومنه: خروجه لما لابد له منه، كخروجه لإحضار الأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضرهما، وخروجه إلى قضاء الحاجة من بول وغائط، وكذلك خروجه لأمر مشروع واجب، بل هذا واجب عليه كما لو خرج ليغتسل من الجنابة.
وأما خروجه لأمر مشروع غير واجب فإن اشترطه فلا بأس، وإن لم يشترطه فلا يخرج، وذلك كعيادة المريض وتشييع الجنازة وما أشبههما، فله أن يخرج لهذا إن اشترطه، وإذا لم يشترطه فليس له أن يخرج،ولكن إذا مات له قريب، أو صديق وخاف إن لم يخرج أن يكون هناك قطيعة رحم أو مفسدة، فإنه يخرج ولو بطل اعتكافه، لأن الاعتكاف المستحب لا يلزم المضي فيه.


السؤال (193): فضيلة الشيخ، هل يلتزم المعتكف مكاناً محدداً في المسجد أو يجوز له التنقل في أنحائه؟
الجواب: يجوز للمعتكف أن يتنقل في أنحاء المسجد من كل جهة لعموم قوله تعالى: ( وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ )(البقرة:187) و((في) للظرفية فتشمل ما لو شغل الإنسان جميع الظرف.


زكاة الفطر
السؤال ( 194 ) فضيلة الشيخ ، ما المقصود بزكاة الفطر ، وهل لها سبب ؟
الجواب : المقصود بزكاة الفطر : صاع من طعام ، يخرجه الإنسان عند انتهاء رمضان ، وسببها إظهار شكر نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد بالفطر من رمضان وإكماله ، ولهذا سميت صدقة الفطر أو زكاة الفطر لأنها تنسب إليه وهذا سببها الشرعي ، أما سببها الوضعي ، فهو أنه إذا غابت الشمس من ليلة العيد وجبت ، فلو ولد للإنسان ولد بعد مغيب الشمس ليلة العيد لم تلزمه فطرته ، وإنما تستحب ، ولو مات الإنسان قبل غروب الشمس ليلة العيد لم تجب فطرته أيضاً ؛ لأنه مات قبل وجود سبب الوجوب ، ولو عقد الإنسان على امرأة قبل غروب الشمس من آخر يوم رمضان لزمته فطرتها على قول كثير من أهل العلم ؛ لأنها كانت زوجته حين وجد السبب ، فإن عقد له بعد غروب الشمس ليلة العيد لم تلزمه فطرتها ، وهذا على القول بأن الزوج يلزمه فطرة زوجته وعياله ، وأما إذا قلنا : بأن كل إنسان تلزمه الفطرة عن نفسه كما هو ظاهر السنة ، فلا يصح التبديل في هذه المسألة .


السؤال (195 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم زكاة الفطر ؟
الجواب : زكاة الفطر فريضة ، فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر ، أو صاعا من شعير ، فلو أخرج من الدراهم أو من الثياب أو من الفرش أو من الأواني ، فإنه لا يصح أن يكون فطرة ولو كان أغلى من صاع الطعام ، وهذا يعني أنه لا يجوز إخراج قيمتها .


السؤال (196 ) : فضيلة الشيخ على من تجب زكاة الفطر وعلى من تستحب ؟
الجواب : تجب على كل إنسان من المسلمين ذكر كان أم أنثى ، صغيراً أم كبيراً ، سواء كان صائماً أم لم يصم كما لو كان مسافراً ولم يصم ، فإن صدقة الفطر تلزمه ، وأما من تستحب عنه فقد ذكر فقهاؤنا رحمهم الله أنه يستحب إخراجها عن الحمل في البطن ولا يجب .


السؤال (197 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم منعها وكيف يعامل مانعها ؟
الجواب : منعها محرم لأنه خروج عما فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ) ، ومعلوم أن ترك المفروض حرام وفيه الإثم والمعصية .


السؤال (198 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي مصارف زكاة الفطر ؟
الجواب : ليس لها إلا مصرف واحد فقط وهم الفقراء ، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ، طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمه للمساكين.


السؤال (199 ) : فضيلة الشيخ ، هل يجوز إعطاؤها للعمال من غير المسلمين ؟
الجواب : لا ، لا يجوز إعطاؤها إلا للفقير من المسلمين فقط .


السؤال (200 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم نقلها إلى البلدان البعيدة بحجة وجود الفقراء الكثيرين فيها ؟
الجواب : نقل صدقة الفطر إلى بلاد غير بلاد الرجل الذي أخرجها إن كان لحاجة بأن لم يكن عنده أحد من الفقراء ، فلا بأس به ، وإن كان لغير حاجة بأن وجد في البلد من يتقبلها فإنه لا يجوز .


السؤال (201 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم وضعها عند الجار حتى يأتي الفقير دون توكيل من الفقير ؟
الجواب : يجوز للإنسان أن يضعها عند جاره ، ويقول : هذه لفلان إذا جاء فأعطها إياه ، لكن لابد أن تصل يد الفقير قبل صلاة العيد ؛ لأنه وكيل عن صاحبها ، أما لو كان الجار قد وكله الفقير ، وقال اقبل زكاة الفطر من جارك لي ، فإنه يجوز أن تبقى مع الوكيل ولو خرج الناس من صلاة العيد .


السؤال (202 ) : فضيلة الشيخ، لو وضعها عند جاره ولم يأت من يستحقها قبل العيد وفات وقتها فما الحكم؟
الجواب: إذا وضعها عند جاره ، فإما أن يكون جاره وكيلاً للفقير فإذا وصلت إلي يد جاره فقد وصلت إلي الفقير، وأما إذا كان الفقير لم يوكله فإنه يلزم الذي عليه الفطرة أن يدفعها إلي أهلها، ولكن إذا تأخرت عن صلاة العيد ولم يؤدها فإنها لا تقبل منه لأنها عبادة مؤقتة بزمن معين، فإذا أخرها لغير عذر فإنها لا تقبل منه، أما إذا أخرها لعذر كنسيان أو لعدم وجود الفقراء في تلك اللحظة فهذا لا بأس به.


السؤال (203): فضيلة الشيخ، في هذه الحال هل يعيدها إلى ماله أو يلزمه إخراجها؟
الجواب : لا فرق سواء أعادها إلى ماله أو أبقاها حتى يأتي الفطر الثاني.


السؤال (204): فضيلة الشيخ، ما الذي يقوله المسلم إذا رئي هلال شوال قبل صلاة العيد؟
الجواب: الذي ينبغي للمسلم هو أن يكثر من التكبير والتهليل والتحميد ، لقول الله تعالى: ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(البقرة: 185) .


السؤال (205): فضيلة الشيخ، ما صفة التكبير والتهليل أثابكم الله؟
الجواب: أن نقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أو نقول : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ، لا إله إلا الله . والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

الزاهدة
08-13-2011, 08:24 AM
فتاوى الحج



النسك وأنواعه
السؤال (206): فضيلة الشيخ، ما هو النسك وعلى ماذا يطلق؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
النسك: يُطلق ثلاثة إطلاقات ؛ فتارة : يراد به العبادة عموماً، وتارة: يراد به التقرب إلى الله تعالى بالذبح، وتارة: يراد به أفعال الحج وأقواله.
فالأول: كقولهم: فلان ناسك، أي: عابد لله عز وجل.
والثاني: كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162)لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162/163)، ويمكن أن يراد بالنسك هنا: التعبد ، فيكون من المعنى الأول.
والثالث: كقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا)(البقرة: 200).
هذا هو معنى النسك، وهذا الأخير هو الذي يخص شعائر الحج، وهو- أي النسك المراد به الحج، نوعان: نسك العمرة، ونسك الحج.
أما نسك العمرة: فهو ما اشتمل على هيئتها، من الأركان، والواجبات ، والمستحبات، بأن يحرم من الميقات، ويطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر.
وأما الحج: فهو أن يحرم من الميقات ، أو من مكة إن كان بمكة، ويخرج إلى منى، ثم إلي عرفة، ثم إلى مزدلفة، ثم إلى منى مرة ثانية، ويطوف ، ويسعى ، ويكمل أفعال الحج على ما سيذكر إن شاء الله تعالى تفصيلاً.


حكم الحج
السؤال (207): فضيلة الشيخ، ما هو حكم الحج؟
الجواب: الحج فرض بإجماع المسلمين، أي: بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو أحد أركان الإسلام، لقوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(آل عمران: 97)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض عليكم الحج فحجوا )
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ).
فمن أنكر فرضية الحج ، فهو كافر مرتد عن الإسلام ، إلا أن يكون جاهلا بذلك ، وهو مما يمكن جهلة به ؛ كحديث عهد بإسلام ، وناشئ في بادية بعيدة ، لا يعرف من أحكام الإسلام شيئا ، فهذا يعذر بجهله ، ويعرف ، ويبين له الحكم ، فإن أصر على إنكاره ، حكم بردته .
وأما من تركه ـ أي : الحج ـ متهاونا مع اعترافه بشرعيته ، فهذا لا يكفر ، ولكنه على خطر عظيم ، وقد قال بعض أهل العلم بكفره .


حكم العمرة
السؤال (208 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم العمرة ؟
الجواب : أما العمرة فقد اختلف العلماء في وجوبها : فمنهم من قال : إنها واجبة ومنهم من قال: إنها سنة، ومنهم من فرق بين المكي وغيره فقال: واجبة على غير المكي ، غير واجبة على المكي ، والراجح عندي : أنها واجبة على المكي وغيره ، لكن وجوبها أدنى من وجوب الحج ؛ لأن وجوب الحج فرض مؤكد ؛ لأن الحج أحد أركان الإسلام ، بخلاف العمرة .


وجوب الحج على الفور ، أم على التراخي ؟
السؤال (209 ) : فضيلة الشيخ ، وجوب الحج هل هو على الفور ، أم على التراخي؟
الجواب : الصحيح أنه واجب على الفور ، وأنه لا يجوز للإنسان الذي استطاع أن يحج إلى بيت الله الحرام أن يؤخره ، وهكذا جميع الواجبات الشرعية ، إذا لم تقيد بزمن أو سبب ، فإنها واجبة على الفور .

شروط وجوب الحج والعمرة
السؤال (210 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي شروط وجوب الحج والعمرة ؟
الجواب : شروط وجوب الحج والعمرة خمسة ، مجموعة في قول الناظم :
الحج والعمرة واجبـان في العمر مرة بلا تواني
بشرط إسلام كذا حرية عقل بلوغ قدرة جليــة

فيشترط لوجوبه أولا : الإسلام ، فغير المسلم لا يجب عليه الحج ، بل ولا يصح منه لو حج ، بل ولا يجوز دخوله مكة ؛ لقوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(التوبة: 28 )، فلا يحل لمن كان كافراً بأي سبب كان كفره ، لا يحل له دخول حرم مكة . ولكن يحاسب الكافر على ترك الحج وغيره من فروع الإسلام على القول الراجح من أقوال أهل العلم ، لقوله تعالى : (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (39) ( فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (40) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (41) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (46) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر: 39 ، 47 ).

الشرط الثاني : العقل ؛ فالمجنون لا يجب عليه الحج ، فلو كان الإنسان مجنوناً من قبل أن يبلغ حتى مات ، فإنه لا يجب عليه الحج ولو كان غنياً .
الثالث : البلوغ ؛ فمن كان دون البلوغ فإن الحج لا يجب عليه ، ولكن لو حج ، فحجه صحيح ، إلا أنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي رفعت إليه صبياً وقالت : ألهذا حج ؟ قال : ( نعم ولك أجر ) ، لكنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام لأنه لم يوجه إليه الأمر بها حتى يجزئه عنها ؛ إذا لا يتوجه الأمر إليه إلا بعد بلوغه .
وبهذه المناسبة أحب أن أقول : إنه في المواسم التي يكثر فيها الزحام ، ويشق فيها الإحرام بالصغار ، ومراعاة إتمام مناسكهم ، فالأولى ألا يحرموا لا بحج ولا بعمرة ، أعني هؤلاء الصغار ؛ لأنه يكون فيه مشقة عليهم وعلى أولياء أمورهم ، وربما شغلوهم عن إتمام نسكهم ، أي : ربما شغل الأولاد آباءهم أو أمهاتهم عن إتمام نسكهم ، فبقوا في حرج ، وما دام الحج لا يجب عليهم ، فإنهم في سعة من أمرهم .
الرابع : الحرية ؛ فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج ؛ لأنه مملوك مشغول بسيده ، فهو معذور بترك الحج ، لا يستطيع السبيل إليه .
الخامس : القدرة على الحج بالمال والبدن ؛ فإن كان الإنسان قادراً بماله دون بدنه ، فإنه ينيب من يحج عنه ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن امرأة خثعمية سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج ، شيخا كبير لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال ( نعم )، وذلك في حجة الوداع ففي قولها : أدركته فريضة الله على عباده في الحج ، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إياها على ذلك ، دليل على أن من كان قادراً بماله دون بدنه ، فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه ، أما إن كان قادراً ببدنه دون ماله ، ولا يستطيع الوصول إلى مكة ببدنه ، فإن الحج لا يجب عليه .
ومن القدرة : أن تجد المرأة محرما لها ، فإن لم تجد محرما ، فإن الحج لا يجب عليها ، لكن اختلف العلماء : هل يجب عليها في هذه الحال أن تقيم من يحج عنها أو يعتمر ، أو لا يجب ؟ على قولين لأهل العلم ؛ بناء على أن وجود المحرم هل هو شرط لوجوب الأداء ، أو هو شرط للوجوب من أصله ، والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله : أن المحرم شرط للوجوب ، وأن المرأة التي لا تجد محرما ليس عليها حج ولا يلزمها أن تقيم من يحج عنها .
فهذه شروط خمسة لوجوب الحج ، أعيدها فأقول : هي الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والحرية ، والاستطاعة ، وهذه الشروط تشمل الحج والعمرة أيضا .


شروط الإجزاء في أداء الحج والعمرة
السؤال (211 ) : فضيلة الشيخ ، ما دمنا عرفنا شروط الوجوب للحج والعمرة ، فما هي شروط الإجزاء ؟
الجواب : شروط الإجزاء : الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، والحرية عند بعض أهل العلم . والصواب : أن الحرية ليست شرطا للإجزاء ، وأن الرقيق لو حج فإن حجه يجزئه إذا كان سيده قد أذن له ؛ لأن سقوط الوجوب عن العبد ليس لمعنى فيه ، ولكن لوجود مانع ، وهو انشغاله بخدمة سيده فإذا أذن له سيده بذلك ، صار الحج واجبا عليه ومجزئا منه .


آداب السفر للحج
السؤال (212 ) : فضيلة الشيخ ، حبذا لو أشرتم ولو بإشارات سريعة إلى أبرز آداب السفر إلى الحج ؟
الجواب : آداب الحج تنقسم إلى قسمين : آداب واجبة ، وآداب مستحبة :
فأما الآداب الواجبة : فهي أن يقوم الإنسان بواجبات الحج وأركانه ، وأن يتجنب محظورات الإحرام الخاصة ، والمحظورات العامة ، الممنوعة في الإحرام وفي غير الإحرام ؛ لقوله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) ( البقرة : 197 ) .
وأما الآداب المستحبة في سفر الحج : فأن يقوم الإنسان بكل ما ينبغي له أن يقوم به ؛ من الكرم بالنفس والمال والجاه ، وخدمة إخوانه وتحمل أذاهم ، والكف عن مساوئهم ، والإحسان إليهم ، سواء كان ذلك بعد تلبسه بالإحرام ، أو قبل تلبسه بالإحرام ؛ لأن هذه آداب عالية فاضلة تطب من كل مؤمن في كل زمان ومكان وكذلك الآداب المستحبة في نفس فعل العبادة كأن يأتي الإنسان بالحج على الوجه الأكمل ، فيحرص على تكميله بفعل مستحباته القولية والفعلية ، التي ربما يتسنى لنا الكلام عليها إن شاء الله تعالى في أسئلة أخرى .

كيف يستعد المسلم للحج والعمرة
السؤال ( 213 ) : فضيلة الشيخ ، ماذا ينبغي أن يستعد به المسلم لحجه سواء كان قبل السفر أو في أثناء السفر ؟
الجواب : الذي ينبغي أن يستعد به المسلم في حجه وعمرته ، أن يتزود بكل ما يمكن أن يحتاج إليه في سفره ، من المال ، والثياب ، والعتاد ، وغير ذلك ؛ لأنه ربما يحتاج إليه في نفسه أو يحتاجه أحد من رفقائه ، وأن يتزود كذلك بالتقوى وهي اتخاذ الوقاية من عذاب الله ؛ بفعل أوامر الله تعالى ، واجتناب نواهيه ؛ لقول الله تعالى : ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)(البقرة: 197) . وما أكثر ما نجد من الحاجة في الأسفار ، حيث يحتاج الإنسان إلى أشياء يظنها بسيطة ، أو يظنها هينة ، فلا يستصحبها معه في سفره ، فإذا به يحتاج إليها ، أو يحتاج إليها أحد من رفقائه ، فليكن الإنسان حازماً شهماً مستعداً لما يتوقع أن يكون وإن كان بعيدا .

الاستعداد بالتقوى
السؤال( 214 ) : فضيلة الشيخ ، لكن أليس هناك استعداد معنوي غير الاستعداد المادي ؟
الجواب : الاستعداد المعنوي هو ما أشرت إليه من التقوى ؛ فإن التقوى استعداد معنوي ، يستعد بها الإنسان في قرارة نفسه للقاء الله تعالى ولليوم الآخر ، فيحرص على أن يقوم بما أوجب الله عليه ، ويدع ما حرم الله عليه .

بيان مواقيت الحج الزمانية
السؤال( 215 ) : فضيلة الشيخ ، بالنسبة للمواقيت ، ما هي مواقيت الحج الزمانية ؟
الجواب : مواقيت الحج الزمانية تبتدئ بدخول شهر شوال ، وتنتهي إما بعشر ذي الحجة ، أي : بيوم العيد ، أو بآخر يوم من شهر ذي الحجة ، وهو القول الراجح ؛ لقول الله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)(البقرة: 197) ، وأشهر جمع ، والأصل في الجمع أن يراد به حقيقته ، ومعنى هذا الزمن : أن الحج يقع في خلال هذه الأشهر الثلاثة ، وليس يفعل في أي يوم منها ؛ فإن الحج له أيام معلومة ، إلا أن نسك الطواف والسعي إذا قلنا بأن شهر ذي الحجة كله وقت للحج ، فإنه يجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج إلى آخر يوم من شهر ذي الحجة ، ولا يجوز له أن يؤخرهما عن ذلك ، اللهم إلا لعذر ، كما لو نفست المرأة قبل طواف الإفاضة ، وبقي النفاس عليها حتى خرج ذو الحجة ، فهي إذا معذورة في تأخير طواف الإفاضة . هذه هي المواقيت الزمنية للحج .
أما العمرة : فليس لها ميقات زمني ، تفعل في أي يوم من أيام السنة ، لكنها في رمضان تعدل حجة ، وفي أشهر الحج اعتمر النبي عليه الصلاة والسلام ، كل عمره في أشهر الحج ، فعمرة الحديبية : كانت في ذي القعدة ، وعمرة القضاء كانت في ذي القعدة ، وعمرة الجعرانة : كانت في ذي القعدة ، وعمرة الحج : كانت أيضا مع الحج في ذي القعدة ، وهذا يدل على أن العمرة في أشهر الحج لها مزية وفضل ؛ لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشهر لها .


حكم الإحرام بالحج قبل دخول مواقيته الزمانية
السؤال( 216 ) : فضيلة الشيخ ، لكن ما حكم الإحرام بالحج قبل دخول هذه المواقيت الزمانية ؟
الجواب : اختلف العلماء رحمهم الله في الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج :
فمن العلماء من قال : إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد ويبقى محرما بالحج ؛ إلا أنه يكره أن يحرم بالحج قبل دخول أشهره .
ومن العلماء من قال : إن من يحرم بالحج قبل أشهره ، فإنه لا ينعقد ، ويكون عمرة ، أي يتحول إلى عمرة ؛ لأن العمرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( دخلت في الحج ) ، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم : الحج الأصغر ؛ كما في حديث عمرو بن حزم المرسل المشهور ، الذي تلقاه الناس بالقبول .


بيان مواقيت الحج المكانية
السؤال (217 ) : فضيلة الشيخ ، عرفنا مواقيت الحج الزمانية ، فما هي مواقيت الحج المكانية ؟
الجواب : المواقيت المكانية خمسة : وهي ذو الحليفة ، والجحفة ، ويلملم ، وقرن المنازل ، وذات عرق .
أما ذو الحليفة : فهي المكان المسمى الآن بأبيار علي ، وهي قريبة من المدينة ، وتبعد عن مكة بنحو عشر مراحل ، وهي ابعد المواقيت عن مكة ، وهي لأهل المدينة ، ولمن مر به من غير أهل المدينة .
وأما الجحفة : فهي قرية قديمة في طريق أهل الشام إلى مكة ، وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل ، وقد خربت القرية ، وصار الناس يحرمون بدلا منها من رابغ .
وأما يلملم : فهو جبل أو مكان في طريق أهل اليمن إلى مكة ، ويسمى اليوم : السعدية ، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين .
وأما قرن المنازل : فهو جبل في طريق أهل نجد إلى مكة ، يسمى الآن : السيل الكبير ، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين .
وأما ذات عرق : فهي مكان في طريق أهل العراق إلى مكة ، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين أيضا .
فأما الأربعة الأولى : وهي ذو الحليفة ، والجحفة ، ويلملم ، وقرن المنازل ، فقد وقتها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ذات عرق ، فقد وقَّتها النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن من حديث عائشة رضي الله عنها ، وصح عن عمر رضي الله عنه أنه وقتها لأهل الكوفة والبصرة حين جاءوا إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرناً ، وإنها جور عن طريقنا ، فقال عمر رضي الله عنه : انظروا إلى حذوها من طريقكم .
فعلى كل حال : فإن ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر ظاهر ، وإن لم يثبت ، فإن هذا ثبت بسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا باتباعهم ، والذي جرت موافقاته لحكم الله عز وجل في عدة مواضع ، ومنها هذا إذا صحَّ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقتها ، وهو أيضا مقتضى القياس ؛ فإن الإنسان إذا مر بميقات لزمه الإحرام منه ، فإذا حاذاه صار كالمار به .
وفي أثر عمر رضي الله عنه فائدة عظيمة في وقتنا هذا ، وهو أن الإنسان إذا كان قادما إلى مكة بالطائرة يريد الحج أو العمرة ، فإنه يلزمه إذا حاذى الميقات من فوقه أن يحرم منه عند محاذاته ، ولا يحل له تأخير الإحرام إلى أن يصل جدة كما يفعله كثير من الناس ؛ فإن المحاذاة لا فرق بين أن تكون في البر ، أو في الجو ، أو في البحر ؛ ولهذا يحرم أهل البواخر التي تمر من طريق البحر فتحاذي يلملم ، أو رابغا ، إذا حاذوا هذين الميقاتين .


حكم الإحرام بالحج قبل المواقيت المكانية
السؤال (218 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم الإحرام بالحج قبل هذه المواقيت المكانية ؟
الجواب : حكم الإحرام قبل هذه المواقيت المكانية : أنه مكروه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها ، وكون الإنسان يحرم قبل أن يصل إليها فيه شيء من تقدم حدود الله سبحانه وتعالى ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام : ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه ) ، وهذا يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية ، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها ، فإن إحرامه ينعقد .
وهنا مسألة أيضا أحب أن أنبه عليها ، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما وقت هذه المواقيت قال : ( هن لهن ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ، ممن أراد الحج أو العمرة ).
فمن كان من أهل نجد فمر بالمدينة فإنه يحرم من ( ذي الحليفة ) .
ومن كان من أهل الشام ، ومر بالمدينة ، فإنه يحرم من ( ذي الحليفة ) ، ولا يحل له أن ينتظر حتى يصل إلى ميقات أهل الشام الأصلي على القول الراجح ، ومن قولي أهل العلم .


حكم من تجاوز الميقات بدون إحرام
السؤال (219 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم من تجاوز الميقات بدون إحرام ؟
الجواب : من تجاوز الميقات بدون إحرام ، فلا يخلو من حالين :
إما ان يكون مريدا للحج أو العمرة ، فحينئذ يلزمه أن يرجع إليه ليحرم منه بما أراد من النسك ، الحج أو العمرة ، فإن لم يفعل فقد ترك واجبا من واجبات النسك ، وعليه عند أهل العلم فدية ، دم يذبحه في مكة ، ويوزعه على الفقراء هناك .
وأما إذا تجاوزه وهو لا يريد الحج ولا العمرة ، فإنه لا شيء عليه سواء طالت مدة غيابه عن مكة أم قصرت ؛ وذلك لأننا لو ألزمناه بالإحرام من الميقات في منظوره هذا ، لكان الحج يجب عليه أكثر من مرة أو العمرة ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة ، وأن ما زاد فهو تطوع ، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم فيمن تجاوز الميقات بغير إحرام ، أي : أنه إذا كان لا يريد الحج ولا العمرة ، فليس عليه شيء ، ولا يلزمه الإحرام من الميقات .


الفرق بين الإحرام كواجب والإحرام كركن
السؤال (220 ) : فضيلة الشيخ ، ما الفرق بين الإحرام كواجب ، والإحرام كركن من أركان الحج ؟
الجواب : الإحرام كواجب معناه : أن يقع الإحرام من الميقات ، والإحرام كركن معناه أن ينوي النسك .
فمثلا إذا نوى النسك بعد مجاوزة الميقات ، مع وجوب الإحرام منه ، فهذا ترك واجبا ، وأتي بالركن وهو الإحرام ، وإذا أحرم من الميقات ، فقد أتى بالواجب والركن ؛ لأن الركن هو نية الدخول في النسك ، وأما الواجب فهو أن يكون الإحرام من الميقات ، هذا هو الفرق بينهما .


حكم التلفظ بالنية عند الإحرام
السؤال (221 ) : فضيلة الشيخ ، لكن نية الدخول في النسك هل هي التي يتلفظ بها في التلبية ؟
الجواب : لا ، التلبية أن يقول : لبيك عمرة إذا كان في عمرة ، ولبيك حجا إذا كان في حج ، أما النية : فلا يجوز التلفظ بها ، فلا يقول مثلا : اللهم إني أريد العمرة ، أو أريد الحج ؛ فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم .


كيفية إحرام القادم إلى مكة جواً
السؤال (222 ) : فضيلة الشيخ ، نود أيضا أن تبينوا لنا كيفية إحرام القادم إلى مكة جوا ؟
الجواب : إحرام القادم إلى مكة جوا هو كما أسلفنا من قبل ، يجب عليه إذا حاذى الميقات أن يحرم ، وعلى هذا فيتأهب أولا بالاغتسال في بيته ، ثم يلبس الإحرام قبل أن يصل إلى الميقات ، ومن حين أن يصل إلى الميقات ينوي الدخول في النسك ، ولا يتأخر ؛ لأن الطائرة مرها سريع ، فالدقيقة يمكن أن تقطع بها مسافات كثيرة ، وهذا أمر يغفل عنه بعض الناس ، تجد بعض الناس لا يتأهب ، فإذا أعلن موظف الطائرة بأنهم وصلوا الميقات ، ذهب يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ، وهذا تقصير جدا ، على أن الموظفين في الطائرة فيما يبدو بدأوا ينبهون الناس قبل أن يصلوا إلى الميقات بربع ساعة أو نحوها ، وهذا عمل يشكرون عليه ؛ لأنهم إذا نبهوهم قبل هذه المدة ، جعلوا لهم فرصة في تغير ثيابهم وتأهبهم ، ولكن في هذه الحال ، ينبغي بل يجب على من أراد الإحرام أن ينتبه للساعة فإذا أعلن الموظف موظف الطائرة أنه قد بقى ربع ساعة ، فلينظر إلى ساعته ، حتى إذا مضى هذا الجزء الذي هو ربع الساعة أو قبلة بدقيقتين أو ثلاثة ، لبى بما يريده من النسك .


صفة الحج
السؤال (223 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي أركان الحج ؟
الجواب : نحن نذكر هنا صفة الحج على سبيل الإجمال والاختصار فنقول : إذا أراد الإنسان الحج أو العمرة ، فتوجه إلى مكة في أشهر الحج ، فإن الأفضل أن يحرم بالعمرة أولا ليصير متمتعا ، فيحرم من الميقات بالعمرة ، وعند الإحرام يغتسل كما يغتسل من الجنابة ، ويتطيب في رأسه ولحيته ، ويلبس ثياب الإحرام ، ويحرم عقب صلاة فريضة ، إن كان وقتها حاضرا ، أو نافلة ينوي بها سنة الوضوء ؛ لأنه ليس للإحرام نافلة معينة ؛ إذ لم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يلبي فيقول : ( لبيك اللهم عمرة ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ) ، ولا يزال يلبي حتى يصل إلى مكة.
فإذا شرع في الطواف ، قطع التلبية ، فيبدأ بالحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر ، وإلا أشار إليه ، ويقول : باسم الله والله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف سبعة أشواط ، يبتدئ بالحجر ويختتم به .
وفي هذا الطواف يسن للرجل أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى ؛ بأن يسرع المشي ويقارب الخطا ، وأن يضطبع في جميع الطواف ، بأن يخرج كتفه الأيمن ، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر ، فإذا أتم الطواف صلى ركعتين خلف المقام وفي طوافه ، وكلما حاذى الحجر الأسود ، كبر ويقول بينه وبين الركن اليماني : ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(البقرة: 201)، ويقول في بقية طوافه ما شاء من ذكر ودعاء .
وليس للطواف دعاء مخصوص لكل شوط ، وعلى هذا فينبغي أن يحذر الإنسان من هذه الكتيبات التي بأيدي كثير من الحجاج ، والتي فيها لكل شوط دعاء مخصوص ؛ فإن هذه بدعة لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ضلالة ) .
ويجب أن ينتبه الطائف إلى أمر يخل به بعض الناس في وقت الزحام ، فتجده يدخل من باب الحجر ، ويخرج من الباب الثاني ، فلا يطوف بالحجر مع الكعبة ، وهذا خطأ ؛ لأن الحجر أكثره من الكعبة فمن دخل من باب الحجر وخرج من الباب الثاني ، لم يكن قد طاف بالبيت ، فلا يصح طوافه .
وبعد الطواف يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له ، وإلا ففي أي مكان من المسجد .
ثم يخرج إلى الصفا ، فإذا دنا منه قرأ : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) ، ولا يعيد هذه الآية بعد ذلك ، ثم يصعد على الصفا ويستقبل القبلة ، ويرفع يديه ، ويكبر الله ويحمده ، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم يدعو بعد ذلك ، ثم يعيد الذكر مرة ثانية ثم يدعو ، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة .
ثم ينزل متجها إلى المروة ، فيمشي إلى العلم الأخضر ، أي : العمود الأخضر ، ويسعى من العمود الأخضر إلى العمود الثاني سعيا شديدا ، أي : يركض ركضا شديدا ، إن تيسر له ولم يتأذ أو يؤذ أحدا ، ثم يمشي بعد العلم الثاني إلى المروة مشيا عاديا ، فإذا وصل المروة ، صعد عليها ، واستقبل القبلة ، ورفع يديه ، وقال مثل ما قال على الصفا ؛ فهذا شوط .
ثم يرجع إلى الصفا من المروة ، وهذا هو الشوط الثاني ويقول فيه ويفعل كما قال في الشوط الأول وفعل .
فإذا أتم سبعة أشواط من الصفا للمروة شوط ، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر ، إذا أتم سبعة أشواط ، فإنه يقصر شعر رأسه ، ويكون التقصير شاملا لجميع الرأس ، بحيث يبدو التقصير واضحا في الرأس ، والمرأة تقصر من كل طرف رأسها بقدر أنملة .
ثم يحل من إحرامه حلا كاملا ، ويتمتع بما أحل الله له من النساء والطيب واللباس وغير ذلك.
فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة ، أحرم بالحج ، فاغتسل وتطيب ، ولبس ثياب الإحرام وخرج إلى منى ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، خمس صلوات ، يصلى الرباعية ركعتين ، وكل صلاة في وقتها ، فلا جمع في منى ، وإنما هو القصر فقط .
فإذا طلعت الشمس يوم عرفة ، سار إلى عرفة ، فنزل بنمرة إن تيسر له ، وإلا استمر إلى عرفة فينزل بها ، فإذا زالت الشمس ، صلى الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم ، ثم يشتغل بعد ذلك بذكر الله ودعائه ، وقراءة القرآن ، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى ، وليحرص على أن يكون آخر ذلك اليوم ملحا في دعاء الله عز وجل ؛ فإنه حري بالإجابة .
فإذا غربت الشمس ، انصرف إلى مزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم يبقى هناك حتى يصلى الفجر ، ثم يدعو الله عز وجل إلى أن يسفر جدا ، ثم يدفع بعد ذلك إلى منى ، ويجوز للإنسان الذي يشق عليه مزاحمة الناس ، أن ينصرف من مزدلفة قبل الفجر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لمثله .
فإذا وصل إلى منى ، بادر فرمى جمرة العقبة الأولى قبل كل شيء بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ثم ينحر هديه ، ثم يحلق رأسه ، وهو أفضل من التقصير ، وإن قصره فلا حرج ، والمرأة تقصر من أطرافه بقدر أنملة ؛ وحينئذ يحل التحلل الأول ، فيباح له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء .
فينزل بعد أن يتطيب ويلبس ثيابه المعتادة ينزل إلى مكة ، فيطوف طواف الإفاضة سبعة أشواط بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط ، وهذا الطواف والسعي للحج ، كما أن الطواف والسعي الذي حصل منه أول ما قدم للعمرة وبهذا يحل من كل شيء حتى من النساء .
ولنقف هنا ننظر ماذا فعل الحاج يوم العيد ؟ فالحاج يوم العيد : رمى جمرة العقبة ، ثم نحر هديه ، ثم حلق أو قصر ، ثم طاف ، ثم سعى ، فهذه خمسة أنساك يفعلها على هذا الترتيب ، فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل يوم العيد عن التقديم والتأخير ، فما سئل عن شيء قدم أو أخر يومئذ إلا قال : ( افعل ولا حرج ) ،فإذا نزل من مزدلفة إلى مكة، وطاف وسعى، ثم خرج ورمى فلا حرج، ولو رمى ثم حلق قبل أن ينحر فلا حرج، ولو رمى ثم نزل إلى مكة وطاف وسعى فلا حرج، ولو رمى ونحر وحلق ثم نزل إلى مكة وسعى قبل أن يطوف فلا حرج، المهم أن تقديم هذه الانساك الخمسة على بعض لا بأس به، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء ، قدم ولا أخر يومئذ إلا قال: ( افعل ولا حرج). وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده .
ويبقى من أفعال الحج بعد ذلك : المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر ، وليلة الثالث عشر لمن تأخر ؛ لقول الله تعالى : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى )(البقرة: 203 ) ، فيبيت الحاج بمنى ليلة الحادي عشر ، وليلة الثاني عشر ، ويجزئ أن يبيت هاتين الليلتين معظم الليل .
فإذا زالت الشمس من اليوم الحادي عشر ، رمى الجمرات الثلاث ؛ يبدأ بالصغرى وهي الأولى التي تعتبر شرقية بالنسبة للجمرات الثلاث ، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات ، ويكبر مع كل حصاة ، ثم يتقدم عن الزحام قليلا ، فيقف مستقبل القبلة ، رافعا يديه ، يدعو الله تعالى دعاء طويلا ، ثم يتجه إلى الوسطى فيرميها بسبع حصيات متعاقبات ، يكبر مع كل حصاة ، ثم يتقدم قليلا عن الزحام ، ويقف مستقبل القبلة ، رافعا يديه ، يدعو الله تعالى دعاء طويلا ، ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات ، يكبر مع كل حصاة ، ولا يقف عندها ؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي ليلة الثاني عشر ، يرمي الجمرات الثلاث كذلك ، وفي اليوم الثالث عشر ـ إن تأخر ـ يرمي الجمرات الثلاث كذلك .
ولا يجوز للإنسان أن يرمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر ، والثالث عشر قبل الزوال ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرم إلا بعد الزوال ، وقال : ( خذوا عني مناسككم ) ، وكان الصحابة يتحينون الزوال ، فإذا زالت الشمس رموا ، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ، إما بفعله ، أو قوله أو إقراره ، ولما اختار النبي صلى الله عليه وسلم وسط النهار للرمي ، وهو شدة الحر ، دون الرمي في أوله الذي هو أهون على الناس ، علم أن الرمي أول النهار لا يجوز ؛ لأنه لو كان من شرع الله عز وجل ، لكان هو الذي يشرع لعباد الله ؛ لأنه الأيسر ، والله عز وجل إنما يشرع لعباده ما هو الأيسر . ولكن يمكنه إذا كان يشق عليه الزحام ، أو المضي إلى الجمرات في وسط النهار ، أن يؤخر الرمي إلى الليل فإن الليل وقت للرمي، إذ لا دليل على أن الرمي لا يصح ليلاً ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم وقت أول الرمي ولم يوقت آخره ، والأصل فيما جاء مطلقا ، أن يبقى على إطلاقه ، حتى يقوم دليل على تقييده بسبب أو وقت .
ثم ليحذر الحاج من التهاون في رمي الجمرات ؛ فإن من الناس من يتهاون فيها ، حتى يوكل من يرمي عنه وهو قادر على الرمي بنفسه ، وهذا لا يجوز ولا يجزئ ؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)(البقرة: 196) ، والرمي من أفعال الحج ، فلا يجوز الإخلال به ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لضعفة أهله أن يوكلوا من يرمي عنهم ، بل أذن لهم بالذهاب من مزدلفة في آخر الليل ، ليرموا بأنفسهم قبل زحمة الناس ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن للرعاة الذين يغادرون منى في إبلهم لم يأذن لهم أن يوكلوا من يرمي عنهم ، بل أذن لهم أن يرموا يوما ويدعوا يوما ليرموه في اليوم الثالث ، وكل هذا يدل على أهمية رمي الحاج بنفسه ، وأنه لا يجوز له أن يوكل أحدا ، ولكن عند الضرورة لا بأس بالتوكيل ، كما لو كان الحاج مريضا أو كبير لا يمكنه الوصول إلى الجمرات ، أو امرأة حاملا تخشى على نفسها أو ولدها ، ففي هذه الحال يجوز التوكيل .
ولولا أنه ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يرمون عن الصبيان ، لقلنا : إن العاجز يسقط عنه الرمي ؛ لأنه واجب عجز عنه ، فيسقط عنه لعجزه عنه، ولكن لما ورد جنس التوكيل في الرمي عن الصبيان ، فإنه لا مانع من أن يلحق به من يشابههم في تعذر الرمي من قبل نفسه .
المهم : أنه يجب علينا أن نعظم شعائر الله ، وألا نتهاون بها ، وأن نفعل ما يمكننا فعله بأنفسنا ؛ لأنه عبادة ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) .
وإذا أتم الحج ، فإنه يخرج من مكة إلى بلده ، حتى يطوف للوداع ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الناس ينفرون من كل وجه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت )، إلا إذا كانت المرأة حائضا أو نفساء ، وقد طافت طواف الإفاضة ، فإن طواف الوداع يسقط عنها ؛ لحديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن الحائض )، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له : أن صفية قد طافت طواف الإفاضة ، قال : ( فلتنفر إذن ) ، وكانت حائضا .
ويجب أن يكون هذا الطواف آخر شيء ، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس ، حيث ينزلون إلى مكة ، فيطوفون طواف الوداع ، ثم يرجعون إلى منى ، فيرمون الجمرات ، ويسافرون من هناك ، فهذا خطأ ، ولا يجزئهم طواف الوداع ؛ لأن هؤلاء لم يجعلوا آخر عهدهم بالبيت ، وإنما جعلوا آخر عهدهم بالجمرات .


أركان العمرة
السؤال( 224 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي أركان العمرة ، حيث إنها في التمتع تسبق الحج ؟
الجواب : يقول العلماء : أن أركان العمرة ثلاثة : الإحرام ، والطواف ، والسعي ، وإن واجباتها اثنان : أن يكون الإحرام من الميقات ، والحلق أو التقصير . وما عدا ذلك فهو سنن .


أركان الحج
السؤال( 225 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي أركان الحج ؟
الجواب : أركان الحج ، يقول العلماء إنها أربعة : الإحرام والوقوف بعرفة ، والطواف ، والسعي .


حكم الإخلال بشيء من أركان الحج أو العمرة
السؤال( 226 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم الإخلال بشيء من هذه الأركان ؟
الجواب : الإخلال بشيء من هذه الأركان لا يتم النسك إلا به ، فمن لم يطف بالعمرة مثلا ، فإنه يبقى على إحرامه حتى يطوف ، ومن لم يسع ، يبقى على إحرامه حتى يسعى ، وكذلك نقول في الحج : من لم يأت بأركانه ، فإنه لا يصح حجه ، فمن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر ، فقد فاته الحج فلا يصح حجه ، لكنه يتحلل بعمرة ، فيطوف ، ويسعى ، ويقصر أو يحلق ، وينصرف إلى أهله فإذا كان العام القادم أتى بالحج .
وأما الطواف والسعي إذا فاته في الحج ، فإنه يقضيه ؛ لأنه لا آخر لوقته ، لكن لا يؤخره عن شهر ذي الحجة إلا من عذر .


واجبات الحج
السؤال (227 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي واجبات الحج ؟
الجواب : واجبات الحج : هي أن يكون الإحرام من الميقات ، وأن يقف بعرفة إلى الغروب ، وأن يبيت بمزدلفة ، وأن يبيت بمنى ليلتين بعد العيد ، وأن يرمي الجمرات ، وأن يطوف للوداع .


حكم الإخلال بشيء من واجبات الحج أو العمرة
السؤال (228 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم الإخلال بشيء من واجبات الحج أو العمرة ؟
الجواب : الإخلال بشيء منها إن كان الإنسان متعمدا ، فعليه الإثم والفدية كما قال أهل العلم ؛ شاة يذبحها ويفرقها في مكة ، وإن كان غير متعمد ، فلا إثم عليه ، لكن عليه الفدية ، يذبحها في مكة ، ويوزعها على الفقراء ؛ لأنه ترك واجبا له بدل ، فلما تعذر الأصل ، تعين البدل ، وهذا هو قول أهل العلم فيمن ترك واجبا ، أن عليه فدية ، يذبحها في مكة ، ويوزعها على الفقراء .


صفة القرآن
السؤال (229 ) فضيلة الشيخ ، تحدثتم عن صفة التمتع في حديثكم عن صفة الحج ، حبذا أيضا لو تحدثتم عن صفة القران ؟
الجواب : التمتع كما ذكرنا : أن يأتي بالعمرة مستقلة ، ويحل منها ، ثم يحرم بالحج في عامه . والقران له صورتان :
الصورة الأولى : أن يحرم بالعمرة والحج جميعا من الميقات ، فيقول : لبيك عمرة وحجا .
والصورة الثانية : أن يحرم بالعمرة أولا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها .
وهناك صورة ثالثة : موضع خلاف بين العلماء ، وهي أن يحرم بالحج وحده ، ثم يدخل العمرة عليه ، قبل أن يفعل شيئا من أفعال الحج ، كالطواف والسعي مثلا .
والقارن يبقى على إحرامه ، فإذا قدم مكة يطوف للقدوم ، ويسعى للحج والعمرة ، ويبقى على إحرامه إلى أن يتحلل منه يوم العيد ، ويلزمه هدي كهدي المتمتع .
وأما المفرد : فيحرم بالحج مفردا من الميقات ، ويبقى على ذلك ، فإذا قدم مكة طاف للقدوم ، وسعى للحج ، ولم يحل إلا يوم العيد .
فيكون القارن والفرد سواء في الأفعال ، ولكنهما يختلفان في أن القارن يحصل له عمرة وحج ، ، ويلزمه هدي ، وأما المفرد فلا يحصل له إلا الحج ، ولا يلزمه هدي .

الزاهدة
08-13-2011, 08:26 AM
حكم الاعتمار بعد الحج
السؤال (230 ) فضيلة الشيخ ، عرفنا صفة الحج ، وعرفنا التمتع والقران والإفراد ، وقلتم في الإفراد : إن المسلم يأتي بالحج وحده ولا يأتي بعمرة معه ، لكننا نرى كثيرا من الناس إذا انتهى من الإفراد اعتمر ، فما حكم هذا العمل ؟
الجواب : هذا العمل لا أصل له في السنة ، فلم يكن الصحابة رضي الله عنهم مع حرصهم على الخير يأتون بهذه العمرة بعد الحج ، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، وأصحابه الذين هم خير القرون ، وإنما جاء ذلك في قضية معينة قصة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، حيث كانت محرمة بعمرة ، ثم حاضت قبل الوصول إلى مكة ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج ؛ ليكون نسكها قرانا ، وقال لها : (( طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك ))(221) ، فلما انتهى الحج ، ألحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتي بعمرة ، بدلا من عمرتها التي حولتها إلى قران ، فأذن لها ، وأمر أخاها عبد الرحمن بن عوف أن يخرج بها من الحرم إلى الحل ، فخرج بها إلى التنعيم ، وأتت بعمرة ، فإذا وجدت صورة كالصورة التي حصلت لعائشة ، وأرادت المرأة أن تأتى بعمرة ، فحينئذ نقول : لا حرج أن تأتي المرأة بعمرة ، كما فعلت أم المؤمنين عائشة رضي الله صلى الله عليه وسلم عنها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم .
ويدلك على أن هذا أمر ليس مشروع ، أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه وهو مع أخته لم يحرم بالعمرة لا تفقها من عنده ، ولا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان هذا من الأمور المشروعة ، لكان رضي الله عنه يأتي بالعمرة ؛ لأن ذلك أمر سهل عليه حيث إنه قد خرج مع أخته .
والمهم : أن ما يفعله بعض الحجاج كما أشرت إليه ليس له أصل من السنة .
نعم : لو فرض أن بعض الحجاج يصعب عليه أن يأتي إلى مكة بعد مجيئه هذا ، وهو قد أتى بحج مفرد ، فإنه في هذه الحال في ضرورة إلى أن يأتي بعد الحج بالعمرة ، ليؤدي واجب العمرة ؛ فإن العمرة واجبة على القول الراجح من أقوال أهل العلم ؛ وحينئذ يخرج إلى التنعيم ، أو إلى غيره من الحل ، فيحرم منه ، ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر .
السؤال (231 ) : فضيلة الشيخ ، لكن ما الأولى بالنسبة لهذا الحاج الذي يعرف أن الإتيان إلى مكة يصعب عليه ؟
الجواب : كما قلت لك يأتي بالعمرة بعد الحج ؛ لأن هذا ضرورة .
السؤال (232 ) : لكن أليس الأولى أن يأتي مثلا متمتعا أو قارنا ليسلم من المحظور ؟
الجواب : نعم هذا هو الأولى ، لكن نحن فرضنا أنه أتى مفردا فيه .

حكم الانتقال من نسك لآخر
السؤال (233 ) : فضيلة الشيخ ، ما حكم الانتقال من نسك إلى نسك آخر ؟
الجواب : الانتقال من نسك إلى نسك آخر تقدم في صفة القران ، أنه من الممكن أن يحرم الإنسان أولا بعمرة ، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها ، فيكون انتقل من العمرة إلى الجمع بينها وبين الحج ، وكذلك يمكن أن ينتقل من الحج المفرد أو من القران ، إلى عمرة ليصير متمتعا ، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، من لم يكن منهم ساق الهدي ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قارنا ، وكان قد ساق الهدي ، وساقه معه أغنياء الصحابة رضي الله عنهم ، فلما طاف وسعى ، أمر من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة ، فانتقلوا من الحج المفرد أو المقرون بالعمرة إلى أن يجعلوا ذلك عمرة ، ولكن هذا مشروط بما إذا تحول من حج أو قران إلى عمرة ليصير متمتعا ، أما من تحول من قران أو إفراد إلى عمرة ، ليتخلص من الإحرام ويرجع إلى أهله ، فإن ذلك لا يجوز .

حكم التحول من التمتع إلى الإفراد
السؤال (234 ) : فضيلة الشيخ ، هل يجوز أن يتحول من التمتع إلى الإفراد ؟
الجواب : من التمتع إلى الإفراد لا يجوز ولا يمكن ، وإنما يجوز أن يتحول من الإفراد إلى التمتع ، بمعنى أن يكون محرما بالحج مفردا ، ثم بعد ذلك يحول إحرامه بالحج إلى عمرة ؛ ليصير متمتعا ، وكذلك القارن يجوز أن يحول نيته من القران إلى العمرة ، ليصير متمتعا ، إلا من ساق الهدي في الصورتين : فإنه لا يجوز له ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين معه أن يجعلوا إحرامهم بالحج المفرد أو المقرون بالعمرة ، أن يجعلوه عمرة ، ليصيروا متمتعين ، إلا من ساق الهدي .

أحكام وضوابط النيابة في الحج
السؤال (235 ) : فضيلة الشيخ ، لو تحدثنا أيضا عن النيابة الكلية في الحج من حيث الأحكام والضوابط ؟
الجواب : النيابة في الحج إن كان الإنسان قادرا ، فإنها غير مشروعة ، أما في الفريضة ، فإنه لا يجوز أن يستنيب الإنسان أحدا عنه ، يؤدي الحج أو العمرة فريضة ؛ لأن الفريضة تطلب من الإنسان نفسه أن يؤديها بنفسه .
فإن كان عاجزا عن أداء الفريضة :
فإما أن يكون عجزه طارئا يرجى زواله ، فهذا ينتظر حتى يزول عجزه ، ثم يؤدي الفريضة بنفسه ؛ مثل أن يكون في أشهر الحج مريضا مرضا طارئا يرجى زواله ، وهو لم يؤد الفريضة ، فإننا نقول له : انتظر حتى يعافيك الله وحج ، إن أمكنك في هذه السنة فذاك ، وإلا ففي السنوات القادمة .
أما إذا كان عجزه عن الحج عجزا لا يرجى زواله ؛ كالكبير والمريض مرضا لا يرجى زواله ، فإنه يقيم من يحج ويعتمر عنه ، ودليل ذلك : حديث ابن عباس رضي الله عنهما ؛ أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم : فقالت : إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج ، شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : (( نعم )) (222).
فهذا حكم النيابة في الفرض ، أنه إن كان المستنيب قادرا ، فإن ذلك لا يصح ، وإن كان عاجز عجزا لا يرجى زواله ، فإن ذلك يصح ، وإن كان الإنسان عاجزا عجزا طارئا يرجى زواله ، فإنه لا يصح أن يستنيب أحدا ، ولينظر حتى يعافيه الله ، ويؤدي ذلك بنفسه .
أما في النافلة : فإن كان عاجز عجزا لا يرجى زواله ، فقد يقول قائل : إنه يصح أن يستنيب من يحج عنه النافلة ، قياسا على استنابة من عليه الفريضة ، وقد يقول قائل : أنه لا يصح القياس هنا ؛ لأن الاستنابة في الفريضة استنابة في أمر واجب لابد منه بخلاف النافلة ؛ فإن النافلة لا تلزم الإنسان ، فيقال : إن قدر عليها ، فعلها بنفسه ، وإن لم يقدر عليها ، فلا يستنيب أحدا فيها .
أما إذا كان قادراً على أن يؤدي الحج بنفسه ، فإنه لا يصح أن يستنيب غيره في الحج عنه ، على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهي عندي أقرب ؛ لأن الحج عبادة يتعبد بها الإنسان لربه ، فلا يليق أن يقول لأحد : اذهب فتعبد لله عني ، بل نقول : أدها أنت بنفسك ؛ لأنه ليس لديك مانع حتى تستنيب من يؤدي هذه النافلة عنك ، هذه الاستنابة في الحج على وجه الكمال ، يعني بمعنى : أنه يصير في كل حج .

شروط النائب في الحج
السؤال (236 ) : فضيلة الشيخ ، ما هي شروط النائب في الحج ؟
الجواب : النائب يشترط أن يكون قد أدى الفريضة عن نفسه إن كان قد لزمه الحج ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال : (( من شبرمة ؟ ))(223) يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الرجل : أخ لي ، أو قريب لي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( حججت عن نفسك ؟ )) قال لا ، قال : (( حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة )) 1 ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( ابدأ بنفسك )) ، ولأنه ليس من النظر الصحيح أن يؤدي الإنسان الحج عن غيره مع وجوبه عليه ، قال أهل العلم : ولو حج عن غيره مع وجوب الحج عليه ، فإن الحج يقع عن نفسه ، أي : عن نفس النائب ، ويرد للمستنيب ما أخذه منه من الدراهم والنفقة .
أما بقية الشروط فمعروفة ، وقد تكلمنا عليها من قبل ؛ مثل : الإسلام ، والعقل ، والتمييز ، وهي شروط واجبة في كل عبادة .

يأخذ نقوداً ليحج بها وليس في نيته إلا جمع الدراهم
السؤال (237 ) فضيلة الشيخ ، ما حكم من أخذ نقودا ليحج عن غيره ، وليس في نيته إلا جمع الدراهم ؟
الجواب : يقول العلماء : إن الإنسان إذا حج للدنيا لأخذ الدراهم ، فإن هذا حرام عليه ، ولا يحل له أن ينوى بعمل الآخرة شيئا من الدنيا ؛ لقوله تعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15 ، 16 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من حج ليأخذ ، فليس له في الآخرة من خلاق ، وأما إذا أخذ ليحج ، أو ليستعين به على الحج ، فإن ذلك لا بأس به ، ولا حرج عليه ، وهنا يجب على الإنسان أن يحذر من أن يأخذ الدراهم للغرض الأول ، فإنه يخشى ألا يقبل منه وألا يجزئ الحج عمن أخذه عنه ، وحينئذ يلزمه أن يعيد النفقة والدراهم إلى صاحبها ، إذا قلنا بأن الحج لم يصح ولم يقع عن المستنيب ، ولكن يأخذ الإنسان الدراهم والنفقة ليحج بها عن غيره ، ليستعين بها على الحج ، ويجعل نيته في ذلك أن يقضي غرض صاحبه ، وأن يتقرب إلى الله تعالى بما يتعبد به في المشاعر ، وعند بيت الله .

هل يقع للنائب ثواب في بعض الأعمال إذا حج عن غيره؟
السؤال (238 ) : فضيلة الشيخ ، إذا أمن هذا ، هل يمكن أن يقع ثواب بعض الأعمال للنائب ؟
الجواب : نعم ؛ لأن النائب لا يلزمه إلا أن يقوم بالأركان ، والواجبات ، وكذلك المستحبات بالنسبة للنسك ، وأما ما يحصل من ذكر ، ودعاء ، فما كان متعلقا بالنسك ، فإنه لصاحب النسك (( للمستنيب )) وما كان خارجا عن ذلك ، فإنه لصاحبه (( النائب )) .

معنى النيابة الجزئية في الحج
السؤال (239 ) : فضيلة الشيخ ، حبذا لو حدثتمونا فضيلتكم عن النيابة الجزئية في الحج ؟
الجواب : النيابة الجزئية في الحج معناها : أن يوكل الإنسان عنه من يقوم ببعض أفعال الحج ، مثل أن يوكل من يطوف عنه ، أو يسعى عنه ، أو يقف عنه ، أو يبيت عنه ، أو يرمي عنه ، أو ما أشبه ذلك من جزئيات الحج ، والراجح : أنه لا يجوز للإنسان أن يستنيب من يقوم عنه بشيء من أجزاء الحج أو العمرة ، سواء كان ذلك فرضا أو نفلا ؛ وذلك لأن من خصائص الحج والعمرة ، أن الإنسان إذا أحرم بهما صار فرضا ولو كان ذلك نفلا ، أي : لو كان الحج أو العمرة نفلا ؛ لقوله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ)(البقرة: 197) .
وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج ، أي قبل قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(آل عمران: 97) ، وهذا يدل على أن تلبس الإنسان بالحج أو العمرة يجعله فرضا عليه .
وكذلك يدل على أنه فرض إذا شرع فيه ؛ قوله تعالى : ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج:29) ، وهذا يدل على أن الشروع في الحج يجعله كالمنذور ، وبناء على ذلك : فإنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحداً في شيء من جزئيات الحج ولا أعلم في السنة أن الاستنابة في شيء من أجزاء الحج قد وقعت إلا فيما يروى من كون الصحابة رضي الله عنهم يرمون عن الصبيان ، ويدل لهذا أن أم سلمة رضي الله عنها لما أرادت الخروج قالت : يا رسول الله ، إني أريد الخروج وأجدني شاكية ، فقال : (( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ))(224)، وهذا يدل على أنه لا يجوز التوكيل في جزئيات الحج .

قياس التوكيل في الرمي على غيره من مناسك الحج
السؤال (240 ) : فضيلة الشيخ ، ذكرتم أن التوكيل في الجزئية يكون مثلا في الطواف أو الرمي أو الوقوف أو ما أشبه ذلك ، فهل إذا جاز التوكيل في الرمي مثلا يقاس عليه بقية أجزاء الحج ؟
الجواب : لا ، نحن قلنا هذا تمثيل على التوكيل في الجزئية ، وليس حكما بأن ذلك مباح ؛ ولهذا قلنا : لا نعلم في السنة أنه ورد التوكيل في شيء من الجزئيات ، أو أن أحدا يقوم عن أحد إلا في الرمي ، وقلنا :إن الإنسان إذا تلبس في الحج أو العمرة ، صار فرضا عليه يلزمه هو بنفسه ؛ وعلى هذا فلا يجوز التوكيل في أي شيء من أجزاء الحج أو العمرة فرضا كانت أم نفلا ، إلا في الرمي ؛ لوروده في حق الصغار ، وكذلك من لم يستطيع الرمي بنفسه من الكبار .
السؤال (241 ) : فضيلة الشيخ ،لكن إذا جاز التوكيل في الرمي ، هل هناك شروط للنائب والمنيب ؟
الجواب : نعم ، أما المنيب فيشترط ألا يستطيع الرمي بنفسه لا ليلا ولا نهارا ، وأما النائب ، فقال الفقهاء رحمهم الله : أنه لابد أن يكون ممن حج تلك السنة ، وأن يكون قد رمى عن نفسه.

عجز عن إكمال النسك ، فماذا يصنع ؟
السؤال (242) : فضيلة الشيخ ، إذا عجز الحاج عن إكمال النسك فماذا يصنع ؟
الجواب : إذا عجز الحاج عن إتمام النسك ، فلا يخلو من حالين :
إما أن يكون عجزه بصد عدو صده عن البيت ؛ كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم حين صده المشركون عام الحديبية ، ففي هذه الحال : يحلق بعد أن ينحر هديه ويحل من إحرامه ؛ لقول الله تعالى : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ )(البقرة: 196) ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عام الحديبية أن يحلقوا ، ولما تأخروا رجاء أن ينسخ الحكم ، أو لسبب آخر غلب عليه الصلاة والسلام في ذلك ، حتى أشارت عليه إحدى أمهات المؤمنين أن يخرج إليهم فيحلق رأسه ، ففعل ، وحينئذ تتابع الناس على حلق رؤوسهم ، والإحلال من إحرامهم ، وفي هذه الحال ، لا يلزمه أن يقضي ما أحصر عنه ، إلا إذا كان لم يؤد الفريضة ، فإنه يلزمه أداء الفريضة بالأمر الأول ، لا قضاء عما أحصر فيه ، هذا إذا كان الحصر بعدو .
أما إذا كان الحصر بغير عدو ، كما لو أحصر بذهاب نفقة أو بمرض أشتد به ، فإنه في هذه الحال يحل من إحرامه ، بعد أن ينحر هديا ويحلق ، إما قياسا على حصر العدو ، وإما إدخالا له في العموم ، وهو قوله تعالى : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )(البقرة: من 196 ) ، فإن هذا الإحصار شامل ، وكون الإحصار بالعدو هو الذي وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، لا يمنع أن تتناول الآية غيره .
على كل حال : إذا حصر بغير عدو ، من مرض ، أو ذهاب نفقة ، أو ما أشبه ذلك ، فالقول الراجح : أنه يحل بهذا الإحصار ، بعد أن ينحر هديه ويحلق رأسه ، ويلزمه القضاء ، أي : قضاء ما أحصر فيه إلا إذا كان واجبا بأصل الشرع ، مثل أن يكون لم يؤد الفريضة من قبل ، فيلزمه فعل الفريضة بالخطاب الأول ، أي : بالأمر الأول ، لا من حيث إنه قضاء .
هذا إذا لم يكن اشترط في ابتداء إحرامه، أنه (( إن حبسني حابس ، فمحلي حيث حبستني))، فإن كان قد اشترط في بداية إحرامه أنه (( إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني))، فإنه يحل من إحرامه مجاناً ولا شيء عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير، وقد أرادت الحج وهي شاكية: (( حجي واشترطي ، وقولي: اللهم ، محلي حيث حبستني))(225).

حكم من توفي أثناء إحرامه بالنسك
السؤال (243): فضيلة الشيخ، هذا ما يتعلق بالحاج إذا عجز عن النسك، لكن لو توفي الحاج أثناء تلبسه بالنسك ما الحكم؟
الجواب: إذا توفي الحاج أثناء تلبسه بالنسك، فإن من أهل العلم من يقول: إذا كان حجه فريضة، فإنه يقضى عنه ما بقي، ومنهم من يقول: إنه لا يقضى عنه ما بقي، وهذا القول هو القول الراجح؛ ودليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً))(226) ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي أحد عنه ما بقي من نسكه، ولأننا لو قضينا ما بقي من نسكه، لكان هذا النائب الذي قام مقامه يحل من إحرامه، وحينئذ لا يبعث الرجل يوم القيامة ملبياً؛ لأن نائبه قد حل من الإحرام الذي تلبس به بدلاً عنه، وعلى كل حال : فالقول الراجح بلا شك: أن الإنسان إذا مات أثناء تلبسه بالنسك، فإنه لا يقضى عنه، سواء كان ذلك فريضة أم نافلة.
السؤال( 244): فضيلة الشيخ، لكن هل يقتصر هذا الحكم على الوقت الذي يلبى فيه، يعني: قبل رمي جمرة العقبة أم يشمل جميع الحج؟
الجواب: يشمل جميع الحج، يعني: سواء كان ذلك قبل التحلل الأول، أم بعد التحلل الأول؛ فإنه لا يقضى عنه ما بقي .

صفة الاشتراط
السؤال (245): فضيلة الشيخ، ذكرتم الاشتراط إذا عجز الحاج عن إكمال النسك، نود أيضاً أن نعرف حكم الاشتراط، وما هي صفته؟
الجواب: نذكر أولاً صفة الاشتراط قبل حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
صفة الاشتراط: أن الإنسان إذا أراد الإحرام يقول: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، يعني: فإنني أحل ، إذا حبسني حابس، أي : منعني مانع عن إكمال النسك ، وهذا يشمل أي مانع كان؛ لأن كلمة حابس، نكرة في سياق الشرط ، فتعم أي حابس كان، وفائدة هذا الاشتراط: أنه لو حصل له حابس يمنعه من إكمال النسك، فإنه يحل من نسكه ولا شيء عليه، وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط.
فنهم من قال: إنه سنة مطلقاً، أي: أن المحرم ينبغي له أن يشترط ، سواء كان في حال خوف أو في حال أمن؛ لما يترتب عليه من الفائدة، والإنسان لا يدري ما يعرض له.
ومنهم من قال: إنه لا يسن إلا عند الخوف، أما إذا كان الإنسان آمناً، فإنه لا يشترط.
ومنهم من أنكر الاشتراط مطلقاً.
والصواب: القول الوسط، وهو أنه إذا كان الإنسان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، سواء كان هذا العائق عاماً أم خاصاً، فإنه يشترط، وإن لم يكن خائفاً فإنه لا يشترط؛ وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم ولم يشترط ، وأرشد ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها إلى أن تشترط(227)، حيث كانت شاكية، والشاكي، أي: المريض_ خائف من عدم إتمام نسكه.
وعلى هذا فنقول: إذا كان الإنسان خائفاً من طارئ يطرأ، يمنعه من إتمام النسك، فليشترط؛ أخذاً بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم ضباعة بنت الزبير، وإن لم يكن خائفاً، فالأفضل ألا يشترط، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحرم بدون شرط.

صيغة الشرط
السؤال (246): فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للمشترط هل يلزمه أن يأتي بالصيغة التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم يشترط بأي كلام يعبر به عما في نفسه؟
الجواب: لا يلزمه أن يأتي بالصيغة الواردة؛ لأن هذا مما لا يتعبد بلفظه، والشيء الذي لا يتعبد بلفظه يكتفى فيه بالمعنى.

محظورات الإحرام
السؤال (247): فضيلة الشيخ، ما هي محظورات الإحرام؟
الجواب: محظورات الإحرام هي الممنوعات بسبب الإحرام ، يعني: المحرمات التي سببها الإحرام، وذلك أن المحرمات نوعان:
محرمات في حال الإحرام وحال الحل؛ وإليها أشار الله تعالى بقوله : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ)(البقرة: 197). كلمة فسوق عامة تشمل ما كان الفسق فيه بسبب الإحرام وغيره.
ومحرمات خاصة سببها الإحرام، إذا تلبس الإنسان بالإحرام ، فإنها تحرم عليه، وتحل له في حال الحل.
فمن محظورات الإحرام: الجماع، وهو أشد المحظورات إثماً، وأعظمها أثراً، ودليله قوله تعالى: ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )؛ فإن الرفث هو الجماع ومقدماته، وإذا وقع الجماع قبل التحلل الأول في الحج، فإنه يترتب عليه أمور خمسة:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد النسك.
والثالث: وجوب الاستمرار فيه.
والرابع: وجوب فدية؛ بدنة يذبحها ويفرقها على الفقراء.
والخامس: وجوب القضاء من العام القادم.
وهذه آثار عظيمة تكفي المؤمن في الانزجار عنه والبعد عنه.
ومن المحظورات أيضاً: المباشرة بشهوة، والتقبيل ، والنظر بشهوة ، وكل ما كان من مقدمات الجماع؛ لأن هذه المقدمات تفضي إلى الجماع.
ومن محظورات الإحرام: حلق شعر الرأس؛ لقوله تعالى: ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ )(البقرة: 196) ، وألحق العلماء بحلق الرأس حلق جميع الجسم، وألحقوا به أيضاً تقليم الأظفار وقصها.
ومن محظورات الإحرام : عقد النكاح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب))(228)
ومن محظوراته أيضاً : الخطبة ، فلا يحوز للإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم بحج أو عمرة.
ومن محظورات الإحرام قتل الصيد، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)(المائدة: 95).
ومن محظوراته أيضاً: الطيب بعد عقد الإحرام، سواء في البدن، أو في الثوب، أو في المأكول، أو في المشروب؛ فلا يحل لمحرم استعمال الطيب على أي وجه كان بعد عقد إحرامه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفه فمات: (( لا تحنطوه))(229) ، والحنوط : أطياب تجعل في الميت عند تكفينه.
فأما أثر الطيب الذي تطيب به عند الإحرام، فإنه لا بأس به، ولا تجب عليه إزالته ؛ لقول عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم230)، وقالت : كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم(231)
ومن محظورات الإحرام أيضاً: لبس الرجل القميص، والبرانس، والسروايل، والعمائم ، والخفاف؛ هكذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل : ما يلبس المحرم، فقال: (( لا يلبس القميص ، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم ، ولا الخفاف، إلا من لا يجد إزاراً فيلبس السراويل ، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين))(232)
وما كان بمعنى هذه المحظورات فهو مثلها، فالكوت، والفانيلة، والصدرية، والغترة، والطاقية، والمشلح، كل هذه بمعنى المنصوص عليه، فيكون لها حكم المنصوص عليه.
وأما لبس الساعة، والخاتم، والكمر، وسماعة الأذن، ونظارة العين ، والكمر الذي تكون فيه الفلوس وما أشبهها فإن ذلك لا يدخل في المنهي عنه، لا بالنص ولا بالمعنى ؛ وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس هذه الأشياء.
وليعلم أن كثيراً من العامة، فهموا من قول أهل العلم: (( إن المحرم لا يلبس المخيط)) ، أن المراد بالمخيط ما فيه خياطة؛ ولهذا تجدهم يسألون كثيراً عن لبس الكمر المخيط، وعن لبس الأزرار ، أو الرداء المرقع، وعن لبس النعال المخوذة وما أشبه ذلك، ظناً منهم أن العلماء يريدون بلبس المخيط: لبس ما كان فيه خياطة، والأمر ليس كذلك، وإنما مراد العلماء بذلك: ما يلبس من الثياب المفصلة على الجسم، على العادة المعروفة، وتأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا يلبس القميص ولا السراويل ..ألخ)) يتبين لك أن الإنسان لو تلفف بالقميص بدون لبس، فإنه لا حرج عليه، فلو جعل القميص إزاراً لفه على ما بين سرته وركبته، فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن ذلك لا يعد لبساً للقميص.
ومن المحرمات في الإحرام: تغطية الرجل رأسه بملاصق معتاد، كالطاقية، والعمامة، والغترة، فأما تظليل الرأس بالشمسية ، أو سقف السيارة، أو بثوب يرفعه بيديه عن رأسه، فهذا لا بأس به، لأن المحرم تغطية الرأس لا تظليله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم حصين رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم راكباً، وأسامة وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقته، والثاني رافع ثوبه، أو قالت: ثوباً يظلله به من الحر، حتى رمى جمرة العقبة(233) ولا يحرم على المحرم أن يحمل عفشه على رأسه؛ لأن ذلك لا يراد للتغطية ، وإنما المراد به الحمل.
ومن محظورات الإحرام: أن تنتقب المرأة، أي: تضع النقاب على وجهها، يعني : النقاب لباس الوجه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تنتقب وهي محرمة(234)؛ فالمشروع للمرأة في حال الإحرام أن تكشف وجهها، إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها، فإنه يجب عليها أن تستر الوجه، وفي هذه الحال: لا بأس أن يلاصق الساتر بشرتها، ولا حرج عليها في ذلك.
ومن محظورات الإحرام: لبس القفازين وهما جوارب اليدين، وهذا يشمل الرجل والمرأة فلا تلبس المرأة القفازين في حال الإحرام، وكذلك الرجل لا يلبس القفازين؛ لأنهما لباس، فهما كالخفين بالنسبة للرجل.

حكم وضع شيء ملاصق لرأس المحرم
السؤال(248): فصيلة الشيخ، قلتم: إنه لا يستر المحرم رأسه أو لا يضع على رأسه ملاصقاً؛ كالغترة والطاقية، هل يشمل ذلك أيضاً وضع قطعة ورق أو كرتون أو بطانية على رأسه؟
الجواب: نعم يشمل هذا، ولهذا إذا احتاج إلى تظليل رأسه، فليرفع هذا عن رأسه قليلاً لا يباشره.

الفرق بين النقاب والبرقع
السؤال(249): فضيلة الشيخ، ما الفرق بين النقاب والبرقع وهل يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس البرقع؟
الجواب: البرقع أخص من النقاب؛ لأن النقاب خمار معتاد، يتدلى من خمار رأسها ، ويفتح لعينيها، أما البرقع فإنه قد فصل للوجه خاصة، وغالباً يكون فيه من التجميل والنقوش ما لا يكون في النقاب، ولذلك فلا يجوز أن تلبس المحرمة البرقع؛ لأنها إذا منعت من النقاب فالبرقع من باب أولى.

كيف ستر وجه المحرمة أمام الرجال
السؤال (250): فضيلة الشيخ : قلتم بوجوب ستر المحرمة وجهها إذا حضر الرجال، فهل تستر وجهها بالنقاب أم بشيء آخر؟
الجواب: تستره بشيء ليس بنقاب، ولا برقع، تغطيه تغطيه كاملة.

حكم من تلبس ببعض محظورات الإحرام
السؤال (251): فضيلة الشيخ، فصلتم في الجماع كمحظور من محظورات الإحرام، وذكرتم أنه يترتب عليه خمسة أمور، لكن بقية المحظورات ما ذكرتم لنا حكم من تلبس بشيء منها؟
الجواب: نذكر ذلك إن شاء الله:
أما الصيد : فقد بين الله سبحانه وتعالى ما يترتب عليه؛ فقال: ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً )(المائدة: 95) فإذا كان هذا الصيد مما له مثل من النعم، أي: من الإبل أو الفقر أو الغنم ، فإنه يذبح مثله في مكة، ويتصدق به على الفقراء، أو يجعل بدل المثل طعاماً يشترى ويوزع على الفقراء ، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، هذا إذا كان له مثل، أما إذا كان لم يكن له مثل، فإن العلماء يقولون: يخير بين الإطعام والصيام ، فيقوم الصيد بدراهم، ويطعم ما يقابل هذه الدراهم الفقراء في مكة، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. هذا في الصيد.
أما في حلق الرأس : فقد بين الله عز وجل أن الواجب فدية من صيام أو صدقة أو نسك، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصيام ثلاثة أيام وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة يذبحها، وهذه الشاة توزع على الفقراء ، وحلق الرأس حرام إلا لمن تأذى بالشعر؛ كما سنتعرض له إن شاء الله تعالى.

محظورات الإحرام ( تتمة)
السؤال (252): فضيلة الشيخ، ما الذي يجب على من ارتكب محظوراً من هذه المحظورات؟
الجواب: ذكرنا فيما سبق ما يجب في فعل محظورات الإحرام، فذكرنا جزاء الصيد، وذكرنا ما يجب في الجماع أيضاً، وذكرنا ما يجب بحلق الرأس، وأنه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام بينه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه صيام ثلاثة أيام، والصدقة بأنها إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك ذبح شاة، وهذه الشاة توزع على الفقراء، ولا يؤكل منها شيء، لأنها وجبت جبراناً للنسك، حيث انتهك الإنسان ما حرم عليه فيه.
وهذه الفدية تسمى عند أهل العلم فدية الأذى؛ لأن الله تعالى ذكرها في ذلك؛ حيث قال: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)(البقرة:196)، قال أهل العلم: وهي واجبة - أعني فدية الأذى - واجبة في كل محظور من محظورات الإحرام، ما عدا الجماع قبل التحلل الأول في الحج، وجزاء الصيد؛ لأن في الأول بدنه، وفي الثاني المثل، أو ما يقوم مقامه، فكل المحظورات عندهم ما عدا ما ذكرنا، كل المحظورات التي فيها فدية، فديتها فدية الأذى ، فدخل في ذلك: لبس القميص، والسراويل، والبرانس، وما أشبهها ، وتغطية الرأس للرجل، وتغطية الوجه للمرأة، والطيب، والمباشرة، وما أشبه ذلك، هكذا قال أهل العلم في هذه المحظورات.

حكم من ارتكب محظوراً من المحظورات جاهلاً
السؤال( 253): فضيلة الشيخ، ما حكم من ارتكب محظوراً من هذه المحظورات ناسيا أو جاهلاً؟
الجواب: نقول: محظورات الإحرام تنقسم إلى أقسام: منها: مالا فدية فيه أصلاً، ومثل له العلماء بعقد النكاح والخطبة، خطبة النكاح، قالوا: إن هذا ليس فيه فدية.
ومنها: ما فديته فدية الأذى.
ومنها: ما فديته بدنة.
ومنها ما فديته الجزاء.
وكل شيء فيه فدية، فإن فاعله لا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً ، وفي هذه الحال يترتب عليه الإثم، وما يجب فيه من الفدية.
وإما أن يفعله متعمداً عالماً مختاراً، لكن لعذر، فهذا ليس عليه إثم، ولكن عليه الفدية ، مثل أن يحلق رأسه لأذى أو شبهه متعمداً عالماً ذاكراً، فإنه يجب عليه الفدية، ولا إثم عليه؛ لأنه معذور.
وأما أن يفعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، فهذا ليس عليه بشيء، لا إثم ولا فدية أيا كان المحظور؛ لعموم قوله تعالى: ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286)، وقوله: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)(الأحزاب: من الآية5) وقوله تعالى في جزاء الصيد: ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم)(المائدة: 95) ، فإذا اشترطت العمدية في جزاء الصيد، مع أن قتل الصيد إتلاف ، فما عداه من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا فعل أحد شيئا من هذه المحظورات، ناسياً أو جاهلاً أو مكروها ، فليس عليه شيء ، لا إثم، ولا فدية، ولا يفسد نسكه، ولا يتعلق به شيء أصلاً، ولو كان المحظور جماعاً.

حكم استبدال المحرم لباس الإحرام
السؤال (254): فضيلة الشيخ، ما حكم استبدال المحرم لباس الإحرام؟
الجواب: تبديل المحرم لباس الإحرام بثوب يجوز لبسه في الإحرام - لا باس بهن سواء فعله لحاجة، أو لضرورة، أو لغير حاجة ولا ضرورة:
فأما فعله للضرورة:
فمثل أن يتنجس ثوب الإحرام وليس عنده ماء يغسله به، فهنا يضطر إلى تبديله بثوب طاهر؛ لأنه لا يمكن أن تصح منه صلاته إلا بثياب طاهرة.
ومثال الحاجة: أن يتسخ ثوب الإحرام ، فيحتاج إلى غسل، فله أن يخلعه ، ويلبس ثوباً آخر مما يجوز لبسه في الإحرام.
ومثال ما لا حاجة لخلعه ولا ضرورة: أن يبدو للإنسان أن يغير لباس الإحرام بدون أي سبب، فله ذلك ولا حرج عليه، إذا غيره بما يجوز لبسه.

حكم الاغتسال للمحرم
السؤال (255): فضيلة الشيخ، الترفه ممنوع منه المحرم؟ كتقليم الظافر وغيره، لكن هل يجوز للمحرم أن يغتسل من أجل النظافة؟
الجواب: المحرم يجوز له أن يغتسل من أجل النظافة؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل وهو محرم *(ويجوز للمحرم أن يغير ثياب الإحرام إلى ثياب أنظف منها أو أجد، ويجوز له أيضاً أن يترفه باستعمال المكيفات ، أو بغيرها من أسباب الراحة.
وأما قول بعض أهل العلم: إنه لا يجوز له أن يقلم أظفاره، وقاسوه على حلق شعر الرأس بجامع الترفه، فهذا أمر ينظر فيه، وليس محل إجماع من أهل العلم.

الزاهدة
08-13-2011, 08:27 AM
حكم إتلاف نبات وشجر مكة
السؤال (256): فضيلة الشيخ، بالنسبة للمحرم والنبات الذي ينبت في مكة المكرمة، في الحرم، ما حكم قلع هذا النبات والتعرض له بشيء من الإتلاف؟
الجواب: النبات والشجر، لا علاقة للإحرام بهما؛ لأن تحريمها لا يتعلق بالإحرام، وإنما يتعلق بالمكان، أي: بالحرم، فما كان داخل أميال الحرم، فإنه لا يجوز قطعة ولا حشة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: (( إنه لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها))(235) فقطع شجرها وحشيشها ، حرام على المحرم وغيره ، وأما ما كان خارج الحرم فإنه حلال للمحرم وغير المحرم ، وعلى هذا فيجوز للحجاج أن يقطعوا الشجر في عرفة، ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يجوز لهم أن يقطعوا الشجر أو الحشيش في مزدلفة وفي منى؛ لأن مزدلفة ومنى داخل الحرم.
ويجوز للحجاج أن يضعوا البساط عل الأرض، ولو كان فيها أعشاب، إذا لم يقصدوا بذلك إتلاف الحشيش الذي تحته؛ لأن تلفه حينئذ حصل بغير قصد، فهو كما لو مشى الإنسان في طريقه وأصاب حمامة أو شيئاً من الصيد بغير قصد منه، فإنه ليس عليه فيه شيء.

زمان ومكان الإحرام بالحج
السؤال (257): فضيلة الشيخ، إذا جاء الحاج إلى البيت، وطاف وتحلل من العمرة، ومكث في مكة، فمتى يحرم بالحج، ومن أين يحرم؟
الجواب: يحرم الإنسان بالحج يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، من مكانه الذي هو نازل فيه، ويحرم ضحى، ويذهب إلى منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كما أسلفنا ذلك في بيان صفة الحج.

لا يلزم الطواف أو الإحرام من البيت يوم التروية
السؤال(258): فضيلة الشيخ، لكن هل يلزم المحرم في يوم التروية أن يطوف بالبيت، أو يحرم من البيت؟
الجواب: لا يلزمه أن يطوف باليت، ولا أن يحرم من البيت، ولا يسن له ذلك أيضاً؛ لأن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم احرموا من مكانهم، ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا منه، أو أن يطوفوا قبل إحرامهم.

حكم من أدرك الوقوف بعرفة متأخراً
السؤال (259): فضيلة الشيخ، عرفنا في صفة الحج أن الحاج يخرج من منى في اليوم التاسع من ذي الحجة ضحى، لكن لو لم يدرك الوقوف بعرفة إلا متأخراً فما الحكم؟
الجواب: عرفنا أن الإنسان في اليوم الثامن يخرج إلى منى ، ويبقي بها إلى صباح اليوم التاسع، ثم يذهب إلى عرفة ، فلو أن الحاج لم ينزل في منى اليوم الثامن، وذهب إلى عرفة رأساً، فهل يصح حجة؟ والجواب على ذلك: نعم يصح حجه، بدليل حديث عروة بن المضرس رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى معه صلاة الفجر في مزدلفة، سأله فقال: يا رسول الله، إني أتعبت نفسي، وأكريت راحلتي، فلم أدع جبلاً إلا وقفت عنده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام، : (( من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه))(236) ، وهذا دليل على أنه لا يجب أن يبقي الحاج في مني في اليوم الثامن وليلة التاسع،وأنه لو ذهب إلى عرفة رأساً، لكان حجه صحيحاً، لكن الأفضل أن يبقى في منى، من ضحى اليوم الثامن إلى أن تطلع الشمس من يوم التاسع.
وأما سؤالكم الذي سألتم عنه وهو حكم من ذهب إلى عرفة متأخراً، فنقول: إذا ذهب إلى عرفة متأخراً، ولكنه أدرك الوقوف بها قبل أن يطلع الفجر يوم العيد، فحجّه صحيح ولا شيء عليه، فوقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع فجر يوم العيد.

بداية الوقوف بالمزدلفة ونهايته
السؤال (260) : فضيلة الشيخ، متى يبدأ الوقوف بمزدلفة ، ومتى ينتهي ، وما حكمه أيضاً؟
الجواب : الوقوف بمزدلفة الذي يعبر عنه أهل العلم بالمبيت بالمزدلفة، يبتدئ من انتهاء الوقوف بعرفة، ولا يصح قبله، فلو أن حاجاً وصل إلى مزدلفة في أثناء الليل قبل أن يقف بعرفة، فوقف في مزدلفة ثم ذهب إلى عرفة، ووقف بها، ثم نزل من عرفة إلى منى، فإن وقوفه بمزدلفة غير معتبر؛ لقول الله تعالى: ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )(البقرة: 198)، فجعل محل الذكر عند المشعر الحرام، أو وقت الذكر عند المشعر الحرام، بعد الإفاضة من عرفة، فيبتدئ المكث في مزدلفة من انتهاء الوقوف بعرفة، ويستمر إلى أن يصلي الإنسان الفجر، ويقف قليلاً إلى أن يسفر جداً، ثم ينصرف إلى منى.
ولكن يجوز لمن كان ضعيفاً لا يستطيع مزاحمة الناس في الرمي، أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل،لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للضعفة من أهله أن يدفعوا في آخر الليل وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، ترقب غروب القمر، فإذا غرب دفعت(237).
وهذا أحسن من التحديد بنصف الليل؛ لأنه هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الموافق للقواعد ، وذلك أنه لا يجعل حكم الكل للنصف، وإنما يجعل حكم الكل للأكثر والأغلب، وبهذا نعرف أن قول من قال من أهل العلم: إنه يكفي أن يبقى في مزدلفة بمقدار صلاة المغرب والعشاء، ولو قبل منتصف الليل، قول مرجوح، وأن الصواب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعله، وفيما أذن فيه.
السؤال (261): فضيلة الشيخ، متى ينتهي الوقوف بمزدلفة بحيث إن الحاج لو أتى لا يعتبر واقفاً بها؟
الجواب: ظاهر حديث عروة بن المضرس رضي الله عنه الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: (( من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع))(238) أن الإنسان لو جاء مزدلفة بعد طلوع الفجر، وأدرك صلاة الفجر بغلس في الوقت الذي صلاها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يجزئه، ومعروف عند الفقهاء رحمهم الله أنه لابد أن يدرك جزءاً من الليل، بحيث يأتي إلى مزدلفة قبل طلوع الفجر.

حكم المبيت بمني يوم النحر
السؤال (262): فضيلة الشيخ، ذكرتم أن من الأعمال التي يقوم بها الحاج يوم النحر المبيت بمني، لكن ما حكم هذا المبيت؟
الجواب: المبيت بمنى ذكرنا فيما سبق أنه من واجبات الحج ، وأن المعروف عند أهل العلم ، أن من ترك واجباً من واجبات الحج، فعليه فدية ذبح شاة، تذبح في مكة وتوزع على فقرائها.

حد المبيت في منى
السؤال (263): فضيلة الشيخ، نرى بعضاً من الناس يتهاونون في المبيت بمنى؛ فيقلون من البقاء فيها، ويذهبون خارجها معظم الوقت، ولا يأتون إليها إلا ساعات محدودة، فما هو المقدار الكافي للبقاء في منى أو المبيت في منى؟
الجواب: المشروع للحاج أن يبقى في منى طول الوقت، هكذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإنسان لم يتغرب عن وطنه، ولم يتجشم المشاق إلا لأداء هذه العبادة العظيمة على وفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يأت من بلده إلى هذا المكان ليترفه، ويسلك ما هو الأيسر، مع مخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فالمشروع في حق الحاج أن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، ولكن مقتضى قواعد الفقهاء، ومقتضى كلام الفقهاء: أن الواجب أن يبقى في منى معظم الليل في الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة وأما بقية الليل ، والنهار جميعه: فليس بواجب عندهم أن يمكث في منى ، ولكن ينبغي للإنسان أن يتقيد بما جاءت به السنة، وأن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، والمسألة ما هي إلا يومان فقط ، بالإضافة إلى يوم العيد ، بل يوم ونصف، وزيادة يسيره مع يوم العيد.

الآداب التي ينبغي مراعاتها في منى
السؤال (264) : فضيلة الشيخ، ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الحاج أثناء بقائه في منى يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد أن يتأخر؟
الجواب: ينبغي للحاج أن ينتهز هذه الفرصة في التعرف على أحوال المسلمين، والالتقاء بهم ، وإسداء النصح إليهم، وإرشادهم ، وبيان الحق المبني على كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم حتى ينصرف المسلمون من حجهم، وهم قد أدوا هذه العبادة، ونهلوا من العلم الشرعي المبني على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان لا يحسن لغة من يخاطب، فإنه يجعل بينه وبينهم ترجماناً، يكون أميناً عارفاً باللغتين،المترجم منها وإليها، عارفاً بموضوع الكلام الذي يتكلم فيه، حتى يترجم عن بصيرة، وفي ثقة وأمانة.
وينبغي كذلك في هذه الأيام، أن يكون حريصاً على التحلي بمحاسن الأخلاق والأعمال؛ من إعانة المستعين، وإغاثة الملهوف، ودلالة الضائع، وغير ذلك مما هو إحسان إلى الخلق؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(البقرة: 195) ويقول جل وعلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)(النحل: 90)، ولاسيما في هذه الأماكن المفضلة؛ فإن أهل العلم: يقولون: إن الحسنات تتضاعف في الزمان والمكان الفاضل.

يستمعون إلى الملاهي ويغتابون الناس في منى
السؤال (265): فضيلة الشيخ، بعض الناس يقضي هذه الأيام في مني: إما بالاستماع إلى الملاهي، أو بالتفكه بالحديث في أعراض الناس، فما حكم هذا العمل؟
الجواب: هذا العمل محرم في حال الحج وغير الحج؛ فإن الأغاني المصحوبة بآلات العزف، من الموسيقي ، والعود والرباب وشبهها محرمة في كل زمان وفي كل مكان؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (0 ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر، والمعازف ))(239)، قال العلماء : والمعازف : آلات اللهو، ولا يستثنى منها إلا الدفوف في المناسبات التي أذن الشارع باستعمالها فيها.
وكذلك التفكه بأعراض الناس، والسخرية بهم ونحو ذلك مما يحدث في موسم الحج وغيره، وهو حرام سواء كان في موسم الحج أو في غير موسم الحج، وسواء كان في مكة أو في غير مكة؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11)

الحكمة من رمي الجمار
السؤال (266): فضيلة الشيخ، في أيام التشريق ترمى الجمار الثلاث في يومين أو ثلاثة أيام، فما الحكمة من رمي هذه الجمار؟
الجواب: الحكمة من رمي هذه الجمار ، بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : (( إنما جعل الطواف بالبيت ، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله)(240)
وفي رمي الجمار أيضاً: تحقيق لعبادة الله عز وجل ؛ فإن الإنسان يرمي هذه الجمار، وهو لا يعرف حكمة بينة في رميها ، وإنما يفعل ذلك تعبداً لله وذكراً له، وكذلك يرمي هذه الجمرات؛ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه رماها، وقال: (( لتأخذوا عني مناسككم))(241).

صفة رمي الجمار
السؤال (267): فضيلة الشيخ، أيضاً بالنسبة للجمار، نود أن تذكروا لنا صفة رمي الجمار؟
الجواب: الذي ينبغي للحاج إذا ذهب إلى رمي جمرة العقبة أن يكون ملبياً، فإذا شرع في الرمي، قطع التلبية، هذا في رمي جمرة العقبة، يوم العيد، أما في رمي الجمرات الثلاث، فينبغي أن يذهب بسكينة وخضوع وخشوع لله عز وجل ، وإن كبر في مسيره فحسن؛ لأن أيام التشريق، أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل، ومن ذكر الله تعالى التكبير، فإذا ذهب مكبراً، فهو حسن؛ لأن التكبير هنا مطلق، ولكنه لا يعتقد أنه مشروع من أجل الذهاب إلى الرمي، إنما يعتقد أنه مشروع مطلقاً، أما ذهابه بخشوع وتعظيم لله، فهذا أمر مطلوب، ولهذا يكبر الإنسان الله عز وجل عند رمي كل حصاة.

الدعاء عند رمي الجمار
السؤال (268): فضيلة الشيخ، لكن هل هناك أدعية عند رمي الجمرات؟
الجواب: نعم ذكرنا أنه إذا رمى الجمرة الأولى، استقبل القبلة، ورفع يديه ، وقام يدعو دعاء طويلاً، وكذلك بعد رمي الجمرة الوسطي، وأما بعد رمي جمرة العقبة فلا يقف.
السؤال (269): فضيلة الشيخ، وهل هناك دعاء مخصوص؟
الجواب: ليس هناك دعاء مخصوص فيما أعلم.

لا تلزم الطهارة عند رمي الجمار
السؤال (270): فضيلة الشيخ، هل تلزم الطهارة لرمي الجمار؟
الجواب: الطهارة لا تلزم في أي منسك من مناسك الحج، إلا الطواف بالبيت، فإنه لا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (( افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت))(242).

حكم غسل حصى الجمار
السؤال ( 271): فضيلة الشيخ، ما حكم غسل الجمار؟
الجواب: لا يغسل ، بل إذا غسله الإنسان على سبيل التعبد لله، كان هذا بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.

حكم من نسي شيئاً من أشواط الطواف أو السعي
السؤال (272): فضيلة الشيخ، ما حكم من نسي شيئا من أشواط الطواف أو السعي؟
الجواب: إذا نسي الإنسان شيئاً من أشواط الطواف أو السعي، فإن ذكر قريباً أتم ما بقي عليه، فلو طاف ستة أشواط بالبيت، ثم انصرف إلى مقام إبراهيم ليصلي ، وفي أثناء انصرافه، ذكر أنه لم يطف إلا ستة أشواط، فإنه يرجع من الحجر الأسود، ليأتي بالشوط السابع، ولا حرج عليه.
أما إذا يذكر إلا بعد مدة طويلة : فإن كان الطواف طواف نسك، وجب عليه إعادة الطواف من جديد؛ لأن طوافه الأول لم يصح؛ لكونه ناقصاً، ولا يمكن بناء ما تركه على ما سبق؛ لطول الفصل بينهما، فيستأنف الطواف من جديد.
وهكذا نقول في السعي: إنه إذا نسي شوطاً من السعي، فإذا ذكر قريباً، أتى بالشوط الذي نسيه، وإن طال الفصل، استأنفه من جديد.
هذا إذا قلنا: إن الموالاة في السعي شرط، أما إذا قلنا : إنها ليست بشرط- كما هو قول بعض أهل العلم- فإنه يأتي بما نسي ولو طال الفصل. ولكن الأحوط: أن يبدأ بالسعي من جديد إذا أطال الفصل؛ لأن ظهور كون الموالاة شرطاً أبلغ من عدم كونها شرطاً.

ماذا يفعل إذا أقيمت الصلاة، وهو في الطواف أو السعي
السؤال (273): فضيلة الشيخ، إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي، فماذا يفعل؟
الجواب: إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو في السعي، فإنه يدخل مع الجماعة، وإذا انتهت الصلاة، أتم الشوط من حيث وقف، ولا يلزمه أن يأتي به من أول الشوط، فإذا قدر أنه أقيمت الصلاة وهو في منتصف الشوط الثالث من السعي، فليقف مكانه ويصلي، ثم إذا سلم الإمام أتم السعي من مكانه، وإن لم يكن حوله أحد يصلي معه في المسعى، فإنه يتقدم ، ويصلي حيث يجد من يصافه، فإذا سلم من الصلاة، خرج إلى المسعى ، وأتم من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه أن يعيد الشوط من ابتدائه.
وهكذا نقول في الطواف : لو أقيمت الصلاة وأنت بحذاء الحجر من الناحية الشمالية مثلاً، فإنك تصلي في مكانك فإذا انتهت الصلاة فأتم الشوط من المكان الذي وقفت فيه ، ولا حاجة إلى أن تعيد الشوط من الحجر الأسود.
السؤال (274): فصيلة الشيخ، لكن هل يلزمه قطع الطواف أو السعي للصلاة أو يجوز له؟
الجواب: إن كانت الصلاة فريضة، يجب عليه أن يقطع الطواف أو السعي ليصلي ؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد رخص للإنسان أن يقطع سعيه من أجلها، فيكون خروجه من السعي أو الطواف خروجاً مباحاً، ودخوله مع الجماعة، دخول واجباً، فيجب عليه أن يدخل مع الجماعة.
أما إذا كانت الصلاة نافلة ، كما لو كان ذلك في قيام الليل في التراويح في رمضان، فمعروف أنه لا يقطع السعي أو الطواف من أجل ذلك، لكن الأفضل أن يتحرى ، فيجعل الطواف بعد القيام أو قبله، وكذلك السعي ؛ لئلا يفوته فضيلة قيام الليل مع الجماعة.
السؤال (275): فضيلة الشيخ، إذا أذن للصلاة، وهو يسعى بين الصفا والمروة، وهو على غير طهارة، وهذا جائز ، فهل يخرج خارج الحرم ليتوضأ، ويرجع ويصلي مع الناس، ويكمل سعيه ، أم يبتدئه من جديد؟
الجواب: نعم لابد أن يخرج إلى الميضأة ويتوضأ ويصلي مع الجماعة ، وفي هذه الحال؛ إن كان الفصل طويلاً استأنف السعي، وإن كان قصيراً لم يستأنف ، فإذا قدر أن الميضأة قريبة من المسعى، ولم يستوعب وقتاً ، وأنه من حين جاء أقيمت الصلاة، فهذا زمن قليل، فليتم السعي، وأما إذا كان الزمن طويلاً، كأن تكون الميضأة بعيدة بحيث يكون الفاصل بين أجزاء السعي فاصلاً طويلاً ، فإنه يبدأ السعي من أوله.

حكم التمسح بجدران الكعبة وكسوتها
السؤال (276): فضيلة الشيخ، في أثناء الطواف يشاهد بعض الناس يتمسحون بجدار الكعبة، وبكسوتها، وبالمقام، والحجر، فما حكم ذلك العمل؟
الجواب: هذا العمل يفعله الناس، يريدون به التقرب إلى الله عز وجل والتعبد له، وكل عمل تريد به التقرب إلى الله والتعبد له، وليس له أصل في الشرع فإنه بدعة، حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة))(243) ، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مسح سوى الركن اليماني، والحجر الأسود؛ وعليه: فإذا مسح الإنسان أي ركن من أركان الكعبة أو جهة من جهاتها، غير الركن اليماني والحجر الأسود، فإنه يعتبر مبتدعاً، ولما رأى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يمسح الركنين الشماليين، نهاه ، فقال له معاوية رضي الله عنه: ليس شيء من البيت مهجوراً، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(الأحزاب:21) وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الركنين ، يعني : الركن اليماني والحجر الأسود فرجع معاوية رضي الله عنه إلى قول ابن عباس لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(الأحزاب: 21).
ومن باب أولى في البدعة: ما يفعله بعض الناس من التمسح بمقام إبراهيم ، فإن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم . أنه تمسح في أي جهة من جهات المقام. وكذلك ما يفعله بعض الناس من التمسح بزمزم، والتمسح بأعمدة الرواق، وغير ذلك مما لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكله بدعة، وكل بدعة ضلالة.
السؤال (277): لكن أيضاً ما حكم الذين يتمسكون بأستار الكعبة، ويدعون طويلاً؟
الجواب: هؤلاء أيضاً عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة، ينبغي بل يجب على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما الالتزام بين الحجر الأسود وبين الكعبة : فهذا قد ورد عن الصحابة رضي الله عنهم فعله، ولا بأس به، لكن مع المزاحمة والضيق- كما يشاهد اليوم- لا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يتأذى به أو يؤذي غيره، في أمر ليس من الواجبات.

صفة الالتزام
السؤال (278): فضيلة الشيخ، لكن ما صفة هذا الالتزام هل هو تعلق بهذا الجزء من الكعبة الذي بين الحجر الأسود والبيت، أم أنه وقوف ودعاء؟
الجواب: الالتزام: وقوف في هذا المكان وإلصاق، يلصق الإنسان يديه وذراعيه ووجهه وخده على هذا الجدار.

الزاهدة
08-13-2011, 08:29 AM
خصائص ماء زمزم
السؤال (279): فضيلة الشيخ، ذكرتم أيضاً أنه لا يجوز التمسح بزمزم، أو بشيء منها، لكن ما هي خصائص ماء زمزم؟
الجواب: من خصائص ماء زمزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ماء زمزم لمن شرب له))(244) وأن الإنسان إذا شربه لعطش روي، وإذا شربه لجوع، شبع؛ فهذا من خصائصه.

حكم التبرك بآثار مكة والكعبة
السؤال (280) : فضيلة الشيخ، هل من خصائص مكة أو الكعبة التبرك بأحجارها أو آثارها؟
الجواب: لا، ليس من خصائص مكة أن يتبرك الإنسان بأشجارها، أو أحجارها، بل من خصائص مكة: ألا تعضد أشجارها، ولا يحش حشيشها؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، إلا الإذخر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم استثناه(245) ، لأنه يكون للبيوت، وقيون الحدادين، وكذلك اللحد في القبر؛ فإنه تسد به شقوق اللبنات، وعلى هذا فنقول: إن حجارة الحرم أو مكة ليس فيها شيء يتبرك به، بالتمسح به، أو بنقله إلى البلاد، أو ما أشبه ذلك.

حكم إطلاق اسم جبل الرحمة على الجبل الذي في عرفة
السؤال(281): فضيلة الشيخ، أيضاً يطلق على جبل عرفة: جبل الرحمة ، فما حكم هذه التسمية ، وهل لها أصل؟
الجواب: هذه التسمية لا أعلم لها أصلاً من السنة، أي: أن الجبل الذي في عرفة، الذي وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم يسمى جبل الرحمة، وإذا لم يكن له أصل من السنة، فإنه لا ينبغي أن يطلق عليه ذلك، والذين أطلقوا عليه هذا الاسم لعلهم لاحظوا أن هذا الموقف موقف عظيم، تتبين فيه مغفرة الله تعالى ورحمته للواقفين في عرفة، فسموه بهذا الاسم، والأولى ألا يسمى بهذا الاسم، وليقال: جبل عرفه، أو الجبل الذي وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أشبه ذلك.

حكم زيارة هذا الجبل والصلاة عليه
السؤال (282): فضيلة الشيخ، يلتزم بعض الحجاج زيارة هذا الجبل قبل الحج أو بعده، ويصلون في أعلاه، فما حكم زيارة هذا الجبل، وما حكم الصلاة فيه؟
الجواب: حكمه كما يعلم من القاعدة الشرعية، بأن كل من تعبد لله تعالى بما لم يشرعه الله فهو مبتدع؛ فيعلم من هذا: أن قصد هذا الجبل للصلاة عليه أو عنده والتمسح به، وما أشبه ذلك مما يفعله بعض العامة بدعة، ينكر على فاعلها، ويقال له: إنه لا خصيصة لهذا الجبل، إلا أنه يسن أن يقف الإنسان يوم عرفة عند الصخرات كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف هناك عند الصخرات، وقال: (( وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف))(246) وبناء على ذلك فلا ينبغي أيضاً أن يشق الإنسان على نفسه في يوم عرفة، ليذهب إلى الجبل ، فربما يضيع عن قومه ، ويتعب بالحر والعطش، ويكون بهذا آثماً، حيث شق على نفسه في أمر لم يوجبه الله عليه.

حكم استقبال الجبل واستدبار الكعبة
السؤال (283) : فضيلة الشيخ، أيضاً بخصوص هذا الجبل، كثير من الناس في يوم عرفة، يستقبلون الجبل ويستدبرون الكعبة، فما حكم هذا العمل، وما حكم رفع الأيدي والدعاء له؟
الجواب: المشروع للواقفين بعرفة، حين ينشغلون بالدعاء والذكر، أن يتجهوا إلي القبلة، سواء كان الجبل خلفهم أو بين أيديهم، وليس استقبال الجبل مقصودا لذاته، وإنما استقبله النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كان بينه وبين القبلة؛ إذ إن موقف الرسول عليه الصلاة والسلام كان شرقي الجبل عند الصخرات ، فكان استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الجبل غير مقصود.
وعلى هذا: فإذا كان الجبل خلفك إذا استقبلت القبلة فاستقبل القبلة، ولا يضرك أن يكون الجبل خلفك.
وفي هذا المقام- أي : مقام الدعاء في عرفة - ينبغي للإنسان أن يرفع يديه، وأن يبالغ في التضرع إلى الله عز وجل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو وهو رافع يديه، حتى إن خطام ناقته لما سقط ، أخذه صلى الله عليه وسلم بيده وهو رافع اليد الأخرى ، وهذا يدل على استحباب رفع اليدين في هذا الموضع، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : (( إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً))(247).
***
أخطاء تقع في مناسك الحج يجب الحذر منها

أخطاء تقع في الإحرام
السؤال (284): فضيلة الشيخ، هناك مواقف يقفها الحجاج، وأمور يفعلونها في الحج، وهذه المواقف والأمور يقع فيها أخطاء، ولعله من الترتيب أن نبدأ بالإحرام وما يقع فيه من أخطاء، إذا كان هناك أخطاء ترونها في ذلك؟
الجواب: قبل أن أجيب على هذا السؤال، أحب أن أبين أن كل عبادة لابد لقبولها من شرطين:
الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، بأن يقصد الإنسان بعبادته التعبد لله تعالى وابتغاء ثوابه ومرضاته: فإن هذه هي الحال التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كما في قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً )(الفتح: 29) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) (22) (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (23)(سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) ( الرعد 22، 24) ولقوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5) .
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كان هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))(248).
ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله تعالى أنه قال: (( أنا أغني الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه))(249).
ولقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها))(250) والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثرة جداً، كلها تفيد أن أساس العمل: الإخلاص لله عز وجل.
الشرط الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أيضاً شرط لصحة العمل؛ لقوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153) ولقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) ولقوله تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر: 7) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد))(251) ، وفي لفظ : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)) (252)، ولقوله صلى الله عليه وسلم : (( إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة))(253)، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً أيضاً.
وبناء على ذلك: فإن كل من تعبد لله تعالى عبادة غير مخلص فيها، فإنها باطلة، لفقد الإخلاص منها ، وكل من تعبد لله تعالى بشيء يقصد به التعبد ولم يرد به الشرع، فإن ذلك مردود عليه؛ لعدم المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبناء على هذه القاعدة العظيمة،أنه من شرط العبادة أن تكون خالصة لله موافقة لشريعته وهي التي اتبع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فإن هناك أخطاء يفعلها بعض المسلمين في عباداتهم، وما دمنا نتحدث في موضوع الحج، وما دام السؤال الذي ورد منكم يطلب به بيان الأخطاء في الإحرام، فإني أود أن أبين شيئاً منها.
فمن ذلك:
ترك الإحرام من الميقات: فإن بعض الحجاج ولا سيما القادمون بطريق الجو، يدعون الإحرام من الميقات حتى ينزلوا إلى جدة، مع أنهم يمرون به من فوق، وقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت لأهلها، وقال: (( هن لأهلن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))(254). وثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه لما شكا إليه أهل العراق أن قرن المنازل التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد جور عن طريقهم، أي: بعيدة ومائلة عن الطريق، قال رضي الله عنه: انظروا إلي حذوها من طريقكم(255).
وهذا يدل على أن محاذاة الميقات كالمرور به، والذي يأتي محاذياً للميقات من فوق بالطائرة كالمار به، فعليه أن يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يجوز له أن يتعدى الميقات لينزل في جدة ويحرم منها.
والطريق لتصحيح هذا الخطأ: أن يغتسل الإنسان في بيته أو في المطار، ويتأهب في الطائرة بلباس ثوب الإحرام، وخلع ثيابه المعتادة ، فإذا حاذى الميقات، أحرم منه، فلبى بما يريد أن يحرم به من عمرة أو حج، ولا يحل له أن يؤخر ذلك إلى جدة، فإن فعل فقد أخطأ ، وعليه - عند جمهور أهل العلم - فدية يذبحها في مكة، ويوزعها على الفقراء، لأنه ترك واجباً من الواجبات.
الأمر الثاني مما يخطئ فيه بعض الناس: أن بعض الناس يعتقد أنه لابد أن يحرم بالنعلين، وأنه إذا لم يكن النعلان عليه حين الإحرام، فإنه لا يجوز له لبسهما وهذا خطأ ؛ فإن الإحرام في النعلين ليس بواجب ولا شرط، فالإحرام ينعقد بدون أن يكون عليه النعلان، ولا يمنع إذا أحرم من غير نعلين، لا يمنع أن يلبسهما فيما بعد، فله أن يلبس النعلين فيما بعد، وإن كان لم يحرم بهما. ولا حرج عليه في ذلك.
الثالث: أن بعض الناس يظن أنه لابد أن يحرم بثياب الإحرام، وتبقى عليه إلى أن يحل من إحرامه، وأنه لا يحل له تبديل هذه الثياب، وهذا خطأ؛ فإن الإنسان المحرم يجوز له أن يغير ثياب الإحرام لسبب أو لغير سبب، إذا غيرها إلى شيء يجوز لبسه في الإحرام.
ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، فكل من أحرم بشيء من ثياب الإحرام وأراد أن يغيره، فله ذلك، لكن أحياناً يجب عليه تغييره؛ كما لو تنجس بنجاسة لا يمكن غسله إلا بخلعه، وأحياناً يكون تغييره أحسن إذا تلوث تلوثاً كثيراً بغير نجاسة، فينبغي أن يغيره إلى ثوب نظيف أو إلى ثوب إحرام نظيف، وتارة يكون الأمر واسعاً، إن شاء غير، وإن شاء بدل.
المهم: أن هذا الاعتقاد غير صحيح، وهو أن يعتقد الحاج أنه إذا أحرم بثوب، لا يجوز له خلعه حتى يحل من إحرامه.
الرابع: أن بعض الناس يضطبعون بالإحرام من حين الإحرام، أي: من حين عقد النية، والاضطباع: أن يخرج الإنسان كتفه الأيمن؛ ويجعل طرفي الرداء على كتفه الأيسر، فنرى كثيراً من الحجاج- إن لم يكن أكثر الحجاج- يضطبعون من حين أن يحرموا إلى أن يحلو؛ وهذا خطأ؛ لأن الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم فقط، ولا يكون في السعي ولا فيما قبل الطواف.
هذه من الأخطاء التي يخطئ فيها بعض الحجاج، وتلافي هذا كله أن يدعوا هذه الأخطاء ، وان يصححوا المسار على حسب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم .
هناك أيضاً خطأ زائد على ما قلت: وهو اعتقاد بعضهم أنه يجب أن يصلي ركعتين في الإحرام، وهذا خطأ أيضاً؛ فإنه لا يجب أن يصلي الإنسان ركعتين عند الإحرام، بل القول الراجح الذي ذهب إليه أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه لا يسن للإحرام صلاة خاصة، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا اغتسل الإنسان ولبس ثياب الإحرام، أحرم بدون صلاة، إلا إذا كان وقت صلاة مثل أن تكون صلاة الفريضة قد حان وقتها أو قرب وقتها، وهو يريد أن يمكث في الميقات حتى يصلي، فهنا الأفضل أن يكون إحرامه بعد الصلاة، أما أن يتعمد صلاة معينة في الإحرام، فإن القول الراجح: أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، هذا ما يحضرني الآن مما يخطئ فيه الناس عند الإحرام.

أخطاء تقع في الإحرام بالحج يوم التروية
السؤال (285): فضيلة الشيخ، بالنسبة للإحرام يوم التروية هل هناك أخطاء يرتكبها الحجاج؟ وما علاجها؟
الجواب: نعم، هناك أخطاء في الإحرام في الحج يوم التروية ، فمنها ما سبق ذكره من الأخطاء عند الإحرام بالعمرة، وهو أن بعض الناس يعتقد وجوب الركعتين للإحرام، وأنه لابد أن تكون ثياب الإحرام جديدة وأنه لابد أن يحرم بالنعلين، وأنه يضطبع بالرداء من حين إحرامه إلى أن يحل.
ومن الأخطاء في إحرام الحج: أن بعض الناس يعتقد أنه يجب أن يحرم من المسجد الحرام، فتجده يتكلف ويذهب إلى المسجد الحرام ليحرم منه، وهذا ظن خطأ، فإن الإحرام من المسجد الحرام لا يجب ، بل السنة أن يحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه؛ لأن الصحابة الذين حلوا من إحرام العمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أحرموا بالحج يوم التروية، لم يأتوا إلى المسجد الحرام ليحرموا منه، بل أحرم كل إنسان منهم من موضعه، وهذا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيكون هذا هو السنة، فالسنة للمحرم بالحج أن يكون إحرامه من المكان الذي هو نازل فيه، سواء كان في مكة أو في منى، كما يفعله بعض الناس الآن حيث يتقدمون إلى منى من أجل حماية الأمكنة لهم.
ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الحجاج يظن أنه لا يصح أن يحرم بثياب الإحرام التي أحرم بها في عمرته إلا أن يغسلها ، وهذا ظن خطأ أيضاً، لأن ثياب الإحرام لا يشترط أن تكون جديدة أو نظيفة، صحيح أنه كلما كانت أنظف فهو أولى، وأما أنه لا يصح الإحرام بها لأنه أحرم بها في العمرة، فإن هذا ظن ليس بصواب، هذا ما يحضرني الآن بالنسبة للأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الإحرام بالحج.

الزاهدة
08-13-2011, 08:30 AM
أخطاء تقع في التلبية
السؤال(286): فضيلة الشيخ، إذا انتقلنا من الإحرام، فهل هناك أخطاء تقع من الحجاج بعد الإحرام وما هي؟
الجواب: هناك أخطاء في الواقع تكون بعد الميقات، أو بعد الإحرام من الميقات إلى الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك في التلبية؛ فإن المشروع في التلبية: أن يرفع الإنسان صوته بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أتاني جبريل ، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ))(256) ، يعني بالتلبية ، ونرى أفواج الحجيج تمر بأعداد ضخمة لا نسمع أحداً يلبي، فلا يكون للحج مظهر في ذكر الله عز وجل، بل إنه تمر بك الأفواج وكأنهم لا ينطقون، والمشروع للرجال أن يرفعوا أصواتهم بقدر ما يستطيعون من غير مشقة في التلبية؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هكذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كما أشرنا إليه آنفاً.
وخطأ آخر في التلبية : أن بعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف، ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة رضي الله عنهم، ، بل قال أنس بن مالك: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم _ يعني في حجة الوداع- فمنا المكبر، ومنا المهلل، ومنا الملبي، وهذا هو المشروع للمسلمين؛ أن يلبي كل واحد بنفسه، وألا يكون له تعلق بغيره.

أخطاء تقع عند دخول الحرم
السؤال (287): فضيلة الشيخ، بقي علينا أن نعرف- أثابكم الله- الأخطاء التي تأتي عند دخول الحرم؟
الجواب: من الأخطاء التي تكون من بعض الحجاج عند دخول المسجد الحرام:
أولاً: أن بعض الناس يظن أنه لابد أن يدخل الحاج أو المعتمر من باب معين في المسجد الحرام ، فيرى بعض مثلاً أنه لابد أن يدخل إذا كان معتمراً من الباب الذي يسمى باب العمرة، وأن هذا أمر لابد منه أو أمر مشروع، ويرى آخرون أنه لابد أن يدخل من باب السلام، وأن الدخول من غيره يكون إثماً أو مكروهاً، وهذا لا أصل له، فللحاج والمعتمر أن يدخل من أي باب كان.
وإذا دخل المسجد، فليقدم رجله اليمنى، وليقل ما ورد في الدخول لسائر المساجد، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (( اللهم، اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك))(257).
ثانياً: أن بعض الناس يبتدع أدعية معينة عند دخول المسجد ورؤية البيت، يبتدع أدعية لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو الله بها، وهذا من البدع، فإن التعبد لله تعالى بقول أو فعل أو اعتقاد لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدعة وضلالة، حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً: يخطئ بعض الناس- حتى من غير الحجاج- حيث إنهم يعتقدون أن تحية المسجد الحرام: الطواف، بمعنى أنه يسن لكل من دخل المسجد الحرام أن يطوف اعتماداً على قول بعض الفقهاء في ذلك: إن سنة المسجد الحرام الطواف، والواقع أن الأمر ليس كذلك؛ فالمسجد الحرام كغيره من المساجد التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس ))(258) ، ولكن إذا دخلت المسجد الحرام للطواف سواء كان الطواف طواف نسك كطواف العمرة والحج، أو كان طواف تطوع كالأطوفة في غير النسك ، فإنك يجزئك أن تطوف وإن لم تصل ركعتين.
هذا هو معنى قولنا: إن المسجد الحرام تحيته الطواف، وعلى هذا فإذا دخلت بغير نية الطواف ولكن لانتظار الصلاة او لحضور مجلس علم أو ما أشبه ذلك، فإن المسجد الحرام كغيره ، يسن فيه أن تصلي ركعتين قبل أن تجلس ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
هذا الذي يحضرني الآن فيما يخطئ فيه الناس عند دخول المسجد الحرام.

أخطاء تقع في الطواف
السؤال (288): فضيلة الشيخ، إذا دخل الحاج أو المعتمر أو غيرهما الحرم وأراد أن يطوف ، لا شك أنه يقع هناك بعض الأخطاء ، حبذا لو بينتم هذه الأخطاء التي تقع في الطواف؟
الجواب: في الطواف أيضاً أخطاء كثيرة، تقع من بعض الحجاج أو غير الحجاج.
فمنها: النطق بالنية عند إرادة الطواف، تجد الحاج يقف مستقبل الحجر إذا أراد الطواف فيقول: اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط للعمرة، أو اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط للحج أو: اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط تقرباً إليك، وما أشبهها.
والتلفظ بالنية بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يأمر أمته به، وكل من تعبد لله تعالى بأمر لم يتعبد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يأمر أمته به، فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، فالتلفظ بالنية عند الطواف خطأ وبدعة.
وكما أنه خطأ من ناحية الشرع فهو خطأ من ناحية العقل، فما الداعي إلى أن تتلفظ بالنية مع أن النية بينك وبين ربك، والله سبحانه وتعالى عالم بما في الصدور، وعالم بأنك سوف تطوف هذا الطواف، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عالماً بذلك فلا حاجة أن تظهر هذا لعباد الله، فإن قلت: أنا أقوله بلساني ليطابق ما في قلبي، قلنا: العبادات لا تثبت بالأقيسة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد طاف قبلك ولم يتكلم بالنية عند طوافه، والصحابة رضي الله عنهم قد طافوا قبلك ولم يتكلموا بالنية عند طوافهم، ولا عند غيره من العبادات؛ فهذا خطأ.
الخطأ الثاني: أن بعض الطائفين يزاحم مزاحمة شديدة عند استلام الحجر والركن اليماني، مزاحمة يتأذى بها ويؤذي غيره، مزاحمة قد تكون مع امرأة ، وربما ينزغه من الشيطان نزغ، فتحصل في قلبه شهوة في هذا المقام الضنك، والإنسان بشر قد تستولي عليه النفس الأمارة بالسوء، فيقع في هذا الأمر المنكر تحت بيت الله عز وجل، وهذا أمر يكبر ويعظم باعتبار مكانه؛ كما أنه فتنة في أي مكان كان.
والمزاحمة الشديدة عند استلام الحجر أو الركن اليماني ليست بمشروعة ، بل إن تيسر لك بهدوء فذلك المطلوب، وإن لم يتيسر فإنك تشير إلى الحجر الأسود.
أما الركن اليماني: فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار إليه، ولا يمكن قياسه على الحجر الأسود أعظم منه، والحجر الأسود لأن الحجر الأسود ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار إليه(259).
والمزاحمة كما أنها غير مشروعة في هذه الحال، وكما أنه يخشى من الفتنة فيما إذا كان الزحام مع امرأة - فهي أيضاً تحدث تشويشاً في القلب والفكر؛ لأن الإنسان لابد عند المزاحمة من أن يسمع كلاماً يكرهه، أو يسمع هو كلاماً يكرهه ويتندم عليه؛ فتجده يشعر بامتعاض وغضب على نفسه إذا فارق هذا المحل.
والذي ينبغي للطائف أن يكون دائماً في هدوء وطمأنينة ، من أجل أن يستحضر ما هو متلبس به من طاعة الله، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله))(260).
الخطأ الثالث مما يقع في الطواف: أن بعض الناس يظنون أن الطواف لا يصح بدون تقبيل الحجر، وأن تقبيل الحجر شرط لصحة الطواف، ولصحة الحج أيضاً أو العمرة، وهذا ظن خطأ، وتقبيل الحجر سنة، وليست سنة مستقلة أيضاً، بل هي سنة للطائف ، ولا أعلم أن تقبيل الحجر يسن في غير الطواف، وعلى هذا: فإذا كان تقبيل الحجر سنة وليس بواجب ولا بشرط ، فإن من لم يقبل الحجر لا نقول له: إن طوافه غير صحيح، أو إن طوافه ناقص نقصاً يأثم به، بل طوافه صحيح، بل نقول: إنه إذا كان هناك مزاحمة شديدة، فإن الإشارة أفضل من الاستلام؛ لأنه هو العمل الذي فعله الرسول عليه الصلاة والسلام عند الزحام، ولأن الإنسان يتقي به أذى يكون منه لغيره، أو يكون من غيره له.
فلو سألنا سائل وقال: إن المطاف مزدحم فما ترون ، هل الأفضل أن أزاحم فاستلم الحجر وأقبله ، أم الأفضل أن أشير إليه؟
قلنا: الأفضل أن تشير إليه؛ لأن السنة هكذا جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
الرابع من الأخطاء التي يفعلها بعض الطائفين: تقبيل الركن اليماني، وتقبيل الركن اليماني لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعبادة إذا لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي بدعة وليست بقربة ؛ وعلى هذا فلا يشرع للإنسان أن يقبل الركن اليماني؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما ورد فيه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
وكذلك أيضاً: نجد بعض الناس عندما يمسح الحجر الأسود أو الركن اليماني يمسحه بيده اليسرى كالمتهاون به، وهذا خطأ؛ فإن اليد اليمنى أشرف من اليد اليسرى، واليد اليسرى لا تقدم إلا للأذى؛ كالاستنجاء بها، والاستجمار بها، والامتخاط بها، وما أشبه ذلك، وأما مواضع التقبيل والاحترام، فإنه يكون لليد اليمنى.
الخامس من الأخطاء التي يرتكبها بعض الطائفين: أنهم يظنون أن استلام الحجر والركن اليماني للتبرك لا للتعبد، فيتمسحون به تبركاً؛ وهذا بلا شك خلاف ما قصد به؛ فإن المقصود بالتمسح بالحجر الأسود أو بمسحه وتقبيله : تعظيم الله عز وجل؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استلم الحجر قال : (( الله أكبر)) ، إشارة إلى أن المقصود بهذا تعظيم الله عز وجل، وليس المقصود التبرك بمسح هذا الحجر، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك، ما قبلتك(261)، هذا الظن الخاطئ من بعض الناس، وهو أنهم يظنون أن المقصود بمسح الركن اليماني والحجر الأسود التبرك، أدى ببعضهم إلى أن يأتي بابنه الصغير فيمسح الركن أو الحجر بيده ثم يمسح ابنه الصغير أو طفله بيده التي مسح بها الحجر أو الركن اليماني ، وهذا من الاعتقاد الفاسد الذي يجب أن ينهى عنه ، وأن يبين للناس أن مثل هذه الأحجار لا تضر ولا تنفع ، وأن المقصود بمسحها: تعظيم الله عز وجل ، وإقامة ذكره ، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم .
وننتقل من هذا إلى خطأ يقع أيضاً في المدينة المنورة عند حجرة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث كان بعض العامة يتمسحون بالشباك الذي على الحجرة، ويمسحون به بأيديهم ووجوههم ورؤوسهم وصدورهم ؛ اعتقاداً منهم أن في هذا بركة، وكل هذه الأمور وأمثالها مما لا شرعة فيه، بل هو بدعة ولا ينفع صاحبه بشيء، لكن إن كان صاحبه جاهلاً، ولم يطرأ على باله أنه من البدع، فيرجى أن يعفى عنه، وإن كان عالماً أو متهاوناً لم يسأل عن دينه، فإنه يكون آثما ، فالناس في هذه الأمور التي يفعلونها: إما جاهل جهلاً مطبقاً لا يطرأ بباله أن هذا محرم؛ فهذا يرجى أن لا يكون عليه شيء، وإما عالم متعمد ليَضل ويُضل الناس؛ فهذا آثم بلا شك، وعليه إثم من تبعه واقتدى به، وإما رجل جاهل ومتهاون في سؤال أهل العلم، فيخشى أن يكون آثماً بتفريطه وعدم سؤاله.

أخطاء تقع في الطواف ( تتمة)
السؤال (289) : فضيلة الشيخ، كنا نتحدث عن الأخطاء التي تقع من الحجاج في الطواف وأخذنا طرفاً منها، فهل لنا أن نسمع البقية؟
الجواب: هناك أخطاء أخرى يفعلها بعض الحجاج في الطواف غير التي سبق أن ذكرنا:
منها: الرمل في جميع الأشواط: مع أن المشروع أن يكون الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمل هو وأصحابه في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وأما الأربعة الباقية فيمشي على ما هو عليه، على عادته ، وكذلك الرمل لا يكون إلا للرجال، وفي الطواف أول ما يقدم إلى مكة، سواء كان ذلك طواف قدوم أو طواف عمرة.
ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الناس يخصص كل شوط بدعاء معين، وهذا من البدع التي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخص كل شوط بدعاء، ولا أصحابه أيضاً، وغاية ما في ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(البقرة: 201) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله))(262).
وتزداد هذه البدع خطأ، إذا حمل الطائف كتيباً، كتب فيه لكل شوط دعاء وهو يقرأ هذا الكتيب، ولا يدري ماذا يقول؛ إما لكون جاهلاً باللغة العربية،ولا يدري ما المعنى، وإما لكونه عربياً ينطق باللغة العربية ولكنه لا يدرى ما يقول، حتى إننا نسمع بعضهم يدعو بأدعية هي في الواقع محرفة تحريفاً بيناً، من ذلك أننا سمعنا من يقول: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، والصواب: بحلالك عن حرامك.
ومن ذلك : أننا نشاهد بعض الناس يقرأ هذا الكتيب، فإذا انتهى دعاء الشوط، وقف ولم يدع في بقية شوطه، وإذا كان المطاف خفيفاً، وانتهى الشوط قبل انتهاء الدعاء، قطع الدعاء.
ودواء ذلك: أن نبين للحجاج، بأن الإنسان في الطواف يدعو بماء شاء، وبما أحب، ويذكر الله تعالى بما شاء ، فإذا بين للناس هذا زال الإشكال.
ومن الأخطاء أيضاً، وهو خطأ عظيم جداً: أن بعض الناس يدخل في الطواف من باب الحجر، أي: المحجر الذي على شمال الكعبة، يدخل من باب الحجر، ويخرج من الباب الثاني في أيام الزحام ، يرى أن هذا أقرب وأسهل؛ وهذا خطأ عظيم؛ لأن الذي يفعل ذلك لا يعتبر طائفاً بالبيت، والله تعالى يقول: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(الحج: 29)، والنبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت من وراء الحجر، فإذا طاف الإنسان من داخل الحجر ، فإنه يعتبر طائفاً بالبيت، فلا يصح طوافه، وهذه مسألة خطيرة، لا سيما إذا كان الطواف ركناً؛ كطواف العمرة، وطواف الإفاضة.
ودواء ذلك: أن نبين للحجاج أنه لا يصح الطواف إلا بجميع البيت، ومنه الحجر.
وبهذه المناسبة أود أن أبين أن كثيراً من الناس يطلقون على هذا الحجر اسم ( حجر إسماعيل) والحقيقة : أن إسماعيل لا يعلم به، وأنه ليس حجراً له، وإنما هذا الحجر حصل حين قصرت النفقة على قريش، حين أرادوا بناء الكعبة، فلم تكف النفقة لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فحطموا منها هذا الجانب، وحجروه بهذا الجدار، وسمي حطيماً وحجراً، وإلا فليس لإسماعيل فيه أي علم أو أي عمل.
ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الناس لا يلتزم بجعل الكعبة عن يساره ، فتجده يطوف معه نساؤه، ويكون قد وضع يده مع يد زميله لحماية النساء، فتجده يطوف والكعبة خلف ظهره، وزميله الآخر يطوف والكعبة بين يديه ، وهذا خطأ عظيم أيضاً؛ لأن أهل العلم يقولون: من شرط صحة الطواف أن يجعل الكعبة عن يساره، فإذا جعلها خلف ظهره، أو جعلها أمامه، أو جعلها عن يمينه وعكس الطواف ، فكل هذا طواف لا يصح ، والواجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر، وأن يحرص على أن تكون الكعبة عن يساره في جميع طوافه.
ومن الناس: من يتكيف في طوافه حال الزحام، فيجعل الكعبة خلف ظهره أو أمامه لبضع خطوات من أجل الزحام، وهذا خطأ، فالواجب على المرء أن يحتاط لدينه، وأن يعرف حدود الله تعالى في العبادة قبل أن يتلبس بها، حتى يعبد الله تعالى على بصيره، وإنك لتعجب أن الرجل إذا أراد أن يسافر إلى بلد يجهل طريقها، فإنه لا يسافر إليها حتى يسأل ويبحث عن هذا الطريق، وعن الطريق السهل، ليصل إليها براحة وطمأنينة ، وبدون ضياع أو ضلال، أما في أمور الدين، فإن كثيراً من الناس مع الأسف يتلبس بالعبادة وهو لا يدري حدود الله تعالى فيها، وهذا من القصور ، بل من التقصير ، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الهداية، وأن يجعلنا ممن يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله.
ومن الأخطاء في الطواف أيضاً: أن بعض الطائفين يستلم جميع أركان الكعبة الأربعة: الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي، والركن العراقي ، يزعمون أنهم بذلك يعظمون بيت الله عز وجل، بل من الناس من يتعلق بأستار الكعبة من جميع الجوانب، وهذا أيضاً من الخطأ.
وذلك لأن المشروع : استلام الحجر الأسود وتقبيله إن أمكن ، وإلا فالإشارة إليه.
أما الركن اليماني : فالمشروع استلامه بدون تقبيل إن تيسر، وإن لم يتيسر ، فلا يشير إليه أيضاً؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
أما استلام الركن العراقي، وهو أول ركن يمر به بعد الحجر الأسود، والشامي، وهو الركن الذي يليه ، فهذا من البدع ، وقد أنكر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما استلام جميع الأركان ، وقال له: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركنين اليمانيين ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية رضي الله عنه: صدقت. ورجع إلى قول ابن عباس، بعد أن كان رضي الله عنه يستلم الأركان الأربعة ويقول: ليس شيء من البيت مهجوراً(263)
ومن الأخطاء في الطواف : رفع الصوت بالدعاء؛ فإن بعض الطائفين يرفع صوته بالدعاء رفعاً مزعجاً، يذهب الخشوع ، ويسقط هيبة البيت، ويشوش على الطائفين، والتشويش على الناس في عباداتهم أمر منكر؛ فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة وهم يقرؤون ويجهرون بالقراءة في صلاتهم، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام بأن كل مصل يناجي ربه، ونهاهم أن يجهر بعضهم على بعض في القرآن أو في القراءة، قال: (( لا يؤذين بعضكم بعضاً))(264).
ولكن بعض الناس- نسأل الله لنا ولهم الهداية - في المطاف يدعون ويرفعون أصواتهم بالدعاء، وهذا كما أن فيه المحذورات التي ذكرناها، وهي إذهاب الخشوع، وسقوط هيبة البيت، والتشويش على الطائفين؛ فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف:55) .
هذه الأخطاء التي سقناها في الطواف نرجو الله سبحانه وتعالى أن يهدي إخواننا المسلمين لإصلاحها، حتى يكون طوافهم موافقاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس الدين يؤخذ بالعاطفة والميل، ولكنه يؤخذ بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن الأخطاء العظيمة في الطواف: أن بعض الناس يبتدئ من عند باب الكعبة، لا يبتدئ من الحجر الأسود، والذي يبتدئ من عند باب الكعبة، ويتم طوافه على هذا الأساس ، لا يعتبر متما للطواف؛ لأن الله يقول: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(الحج: 29)،وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم من الحجر الأسود، وقال للناس: (( لتأخذوا عني مناسككم))(265). وإذا ابتدأ من عند الباب أو من دون محاذاة الحجر الأسود ولو بقليل ، فإن هذا الشوط الأول الذي ابتدأه يكون لاغياً؛ لأنه لم يتم، وعليه أن يأتي ببدله إن ذكر قريباً، وإلا فليعد الطواف من أوله.
والحكومة السعودية- وفقها الله- قد وضعت خطا بنيا ينطلق من حذاء قلب الحجر الأسود إلى آخر المطاف، ليكون علامة على ابتداء الطواف، والناس من بعد وجود هذا الخط صار خطؤهم في هذه الناحية قليلاً، لكنه يوجد من بعض الجهال، وعلى كل حال فعلى المرء أن ينتبه لهذا الخطأ، لئلا يقع في خطر عظيم من عدم تمام طوافه.
السؤال (290) بعض الحجاج إذا جاء إلى هذا الخط الذي وضع علامة على ابتداء الطواف، وقف طويلاً، وحجر على إخوانه أن يستمروا في الطواف، فما حكم الوقوف على هذا الخط والدعاء الطويل؟
الجواب: الوقوف عند هذا الخط لا يحتمل وقوفاً طويلاً، بل يستقبل الإنسان الحجر ويشير إليه ويكبر ويمشي، وليس هذا موقفاً يطال فيه الوقوف، لكني أرى بعض الناس يقفون ويقولن: نويت أن أطوف لله تعالى سبعة أشواط، طواف العمرة ، أو تطوعاً، أو ما أشبه ذلك، وهذا يرجع إلى الخطأ في النية، وقد نبهنا عليه، وأن التكلم بالنية في العبادات بدعة، لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، وأنت تعمل العبادة لله سبحانه وتعالى، وهو عالم بنيتك فلا يحتاج إلى أن تجهر بها.

أخطاء تقع في ركعتي الطواف
السؤال (291): فضيلة الشيخ، سألنا عن الأخطاء التي تقع من بعض الحجاج في الإحرام، ودخول الحرم، والطواف ، وبقي علينا ركعتا الطواف، هل هناك أخطاء في هاتين الركعتين يقع فيها الحجاج ينبغي التنبيه عليها؟
الجواب: بقي علينا أخطاء يقع فيها الحجاج في ركعتي الطواف وفي غيرها أيضاً،فمن الأخطاء : أن بعض الناس يظنون أن هاتين الركعتين لابد أن تكونا خلف المام وقريباً منه أيضاً ولهذا تجدهم يزاحمون زحاماً شديداً، يؤذون الطائفين ، وهم ليس لهم حق في هذا المكان، لأن الطائفين أحق به منهم، ما دام المطاف مزدحماً؛ لأن الطائفين ليس لهم مكان سوى هذا ، وأما المصلون للركعتين بعد الطواف، فلهم مكان آخر، المهم أننا نجد بعض الناس - نسأل الله لنا ولهم الهداية - يتحلقون خلف المقام، ويشغلون مكاناً كبيراً، واسعاً من أجل رجل واحد أو امرأة واحدة تصلي خلف المقام، ويحصل في ذلك من قطع الطواف للطائفين وازدحامهم؛ لأنهم يأتون من مكان واسع، ثم يضيق بهم المكان هنا من أجل هذه الحلقة التي تحلق بها هؤلاء ، فيحصل بذلك ضنك وضيق، وربما يحصل مضاربة ومشاتمة، وهذا كله إيذاء لعباد الله عز وجل، وتحجر لمكان غيرهم به أولى، وهذا الفعل لا يشك عاقل عرف مصادر الشريعة ومواردها أنه محرم، وأنه لا يجوز؛ لما فيه من إيذاء المسلمين، وتعريض طواف الطائفين للفساد أحياناً، لأن الطائفين أحياناً باشتباكهم مع هؤلاء ، يجعلون البيت إما خلفهم وإما أمامهم ، مما يخل بشرط من شروط الطواف، فالخطأ هنا أن بعض الناس يعتقد أنه لابد أن تكون الركعتان خلف المقام وقريباً منه، والأمر ليس كما ظن هؤلاء ، فالركعتان تجزئان في كل مكان من المسجد، ويمكن للإنسان أن يجعل المقام بينه وبين البيت،أي: بينه وبين الكعبة ولو كان بعيداً منه، ويكون بذلك قد حقق السنة، من غير إيذاء للطائفين ولا لغيرهم.
ومن الأخطاء في هاتين الركعتين: أن بعض الناس يطولهما، يطيل القراءة فيهما، ويطيل الركوع والسجود، والقيام والقعود، وهذا مخالف للسنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف هاتين الركعتين، ويقرأ في الأولى : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون:1) وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الاخلاص:1)، وينصرف من حين أن يسلم ، تشريعاً للأمة، ولئلا يحجز المكان عمن هو أحق به منه، فإن هذا المكان إنما يكون للذين يصلون ركعتين خلفه بعد الطواف، أو للطائفين إن ازدحم المطاف، ولهذا يخطئ بعض الناس الذين يطيلون الركعتين خلف المقام، لمخالفتهم السنة، وللتضييق على إخوانهم من الطائفين إذا كان الطواف مزدحماً، ولاحتجاز المكان الذي غيرهم أولى به، ممن أتموا طوافهم ويريدون أن يصلوا ركعتين خلف المقام.
ومن الأخطاء أيضاً في هاتين الركعتين : أن بعض الناس إذا أتمهما ، جعل يدعو؛ يرفع يديه، ويدعو دعاء طويلاً، والدعاء بعد الركعتين هنا ليس بمشروع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، ولا أرشد أمته إليه، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فلا ينبغي للإنسان أن يبقى بعد الركعتين ليدعو؛ لأن ذلك خلاف السنة،ولأنه يؤذي الطائفين إذا كان الطواف مزدحماً، ولأنه يحجز مكاناً غيره أولى به ممن أتموا الطواف وأردوا أن يصلوا في هذا المكان.
ومن البدع أيضاً هنا : ما يفعله بعض الناس حيث يقوم عند مقام إبراهيم ، ويدعو دعاء طويلاً، يسمى دعاء المقام، وهذا الدعاء لا أصل له أبداً في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو من البدع التي ينهى عنها، وفيه مع كونه بدعه- وكل بدعة ضلالة- أن بعض الناس يمسك كتاباً فيه هذا الدعاء ، ويبدأ يدعو به بصوت مرتفع ويؤمن عليه من خلفه، وهذا بدعة إلى بدعة، وفيه أيضاً تشويش على المصلين حول المقام ، والتشويش على المصلين سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
وكل هذه الأخطاء التي ذكرناها في الركعتين وبعدهما، تصويبها أن الإنسان يتمشى في ذلك على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا تمشينا عليه، زالت عنا هذه الأخطاء كلها.

الزاهدة
08-13-2011, 08:32 AM
حكم الدعاء بعد النافلة، ومسح الوجه
السؤال (292): فضيلة الشيخ، ذكرتم من الأخطاء في ركعتي الطواف أن يدعو الإنسان بعد الركعتين، وهناك أيضاً من يدعو طويلاً ثم يمسح وجهه، فهل هذا خاص بركعتي الطواف، أو يعم في جميع السنن التي يصليها الإنسان؟
الجواب: في سؤالك هذا مسألتان:
المسألة الأولى: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
والمسألة الثانية: الدعاء بعد النافلة.
أما الأولى- وهي: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء -: فإنه وردت فيه أحاديث ضعيفة اختلف فيها أهل العلم.
فذهب شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله : إلى أن هذه الأحاديث لا تقوم بها حجة؛ لأنها ضعيفة مخالفة لظاهر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما؛ فإنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بأحاديث صحيحة، وأنه رفع يديه في ذلك، ولم يذكر أنه مسح بهما وجهه، وهذا يدل على أنه لم يفعله؛ لأنه لو فعله لتوافرت الدواعي على نقله ونقل، وممن رأى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إن مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء بدعة.
ومن العلماء: من يرى أن هذه الأحاديث الضعيفة بمجموعها ترتقي إلى درجة الحسن لغيره، أي: درجة الحديث الحسن لغيره، ولأن الطرق الضعيفة إذا كثرت على وجه ينجبر بعضها ببعض، صارت من قسم الحسن لغيره، ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني في (( بلوغ المرام)).
والذي يظهر لي: أن الأولى عدم المسح، أي: عدم مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، لأنه وإن قلنا: إن هذا الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن لغيره، فإنه يبقى متنه شاذاً، لأنه مخالف للظاهر من الأحاديث الصحيحة التي وردت بكثرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء، ولم يرد أنه مسح بهما وجهه.
وعلى كل حال: فلا أتجاسر على القول بأن ذلك بدعة، ولكني أرى أن الأفضل أن لا يمسح ، ومن مسح فلا ينكر عليه؛ هذا بالنسبة للفقرة الأولى من سؤالك.
أما بالنسبة للثانية - وهي الدعاء بعد النافلة - فإن الدعاء بعد النافلة إن اتخذه الإنسان سنة راتبة، بحيث يعتقد أنه يشرع كلما سلم من نافلة أن يدعو، فهذا أخشى أن يكون بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فما أكثر ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم النفل، ولم يرد عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعده، ولو كان هذا من المشروع ، لسنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، إما بقوله أو بفعله أو بإقراره.
ثم إنه ينبغي أن يعلم: أن الإنسان ما دام في صلاته، فإنه يناجي ربه، فكيف يليق بالإنسان أن يدع الدعاء في الحال التي يناجي فيها ربه، ثم يأخذ في التضرع بعد انصرافه من صلاته وانقطاع مناجاته لله عز وجل في صلاته، فكان الأولى والأجدر بالإنسان أن يجعل الدعاء قبل السلام ما دام في الحال التي يناجي فيها ربه، وهذا المعنى أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو معنى حسن جيد ، فإذا أردت أيها الأخ المسلم أن تدعو الله عز وجل فاجعل دعاءك قبل السلام ، لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في حديث عبد الله بن مسعود حين ذكر التشهد قال: (( ثم يتخير من الدعاء ما شاء ))(266) ، ولأنه أليق بحال الإنسان، لما أسلفنا من كونه في حال صلاته يناجي ربه.

أخطاء تقع في الطريق إلى المسعى، وفي المسعى
السؤال (293) : فضيلة الشيخ، وصلنا في أسئلتنا عن الأخطاء التي تقع في الحج إلى الأخطاء التي تقع في ركعتي الطواف، وما يكون فيها أيضاً من دعاء وإطالة، وما إلى ذلك، الآن نريد أن نعرف الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج أو يقعون فيها عند الخروج إلى المسعى ، وفي المسعى ، وفي الأدعية التي تقال فيه؟
الجواب: أما بالنسبة للأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في المسعى فيحضرني منها الأخطاء التالية:
الأول: النطق بالنية، فإن بعض الحجاج إذا أقبل على الصفا قال: إني نويت أن أسعى سبعة أشواط لله تعالى، ويعين النسك الذي يسعى فيه، يقول ذلك أحياناً إذا أقبل على الصفا ، وأحياناً إذا صعد إلى الصفا، وقد سبق أن النطق بالنية من البدع ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية لا سراً ولا جهراً، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها))(267) وهذا الخطأ يتلافى بأن يقتصر الإنسان على ما في قلبه من النية، وهو إنما ينوي لله عز وجل، والله تعالى عليم بذات الصدور.
الخطأ الثاني: أن بعض الناس إذا صعد إلى الصفا واستقبل القبلة ، جعل يرفع يديه ويشير بهما كما يفعل ذلك في تكبيرات الصلاة ، صلاة الجنازة ، أو عند تكبيرات الإحرام والركوع والرفع منه، أو القيام من التشهد الأول، يرفعها هكذا إلى حذو المنكبين ويشير، وهذا خطأ، فإن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه رفع يديه وجعل يدعو، وهذا يدل على أن رفع اليدين هنا رفع دعاء، وليس رفعاً كرفع التكبير، وعليه فينبغي للإنسان إذا صعد الصفا أن يتجه إلى القبلة ، ويرفع يديه للدعاء، ويأتي بالذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، ويدعو كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الخطأ الثالث: أن بعض الحجاج يمشي بين الصفا والمروة مشياً واحداً، مشيه المعتاد، ولا يلتفت إلى السعي الشديد بين العلمين الأخضرين، وهذا خلاف السنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى سعياً شديداً في هذا المكان، أعني : في المكان الذي بين العلمين الأخضرين، وهما إلى الصفا أقرب منهما إلى المروة، فالمشروع للإنسان إذا وصل إلي العلم الأخضر الأول الذي يلي الصفا: أن يسعى سعياً شديداً بقدر ما يتحمله ، بشرط ألا يتأذى ولا يؤذي أحداً بذلك، وهذا إنما يكون حينما يكون المسعى خفيفاً، فيسعى بين هذين العلمين ثم يمشي إلى المروة مشيه المعتاد ، هذه في السنة.
الخطأ الرابع: على العكس من ذلك؛ فإن بعض الناس إذا كان يسعى تجده يرمل في جميع السعى، من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا ، فيحصل في ذلك مفسدتان أو أكثر:
المفسدة الأولى: مخالفة السنة.
والمفسدة الثانية: المشقة على نفسه؛ فإن بعض الناس يجد مشقة شديدة في هذا العمل؛ لكنه يتحمل بناء على أن ذلك هو السنة، فتجده يرمل من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، وهكذا حتى ينهي سعيه.
ومن الناس: من يفعل ذلك لا تحرياً للخير، ولكن حبا للعجلة، وإنهاء للسعي بسرعة، وهذا شر مما قبله ؛ لأن هذا ينبئ عن تبرم الإنسان بالعبادة، وملله منها، وحبة الفرار منها، والذي ينبغي للمسلم أن يكون قلبه مطمئنا، وصدره منشرحاً بالعبادة ، يحب أن يتأنى فيها على الوجه المشروع الذي جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما أن يفعلها وكأنه يريد الفرار منها، فهذا دليل على نقص إيمانه ، وعدم اطمئنانه بالعبادة.
والمفسدة الثالثة من الرمل في جميع أشواط السعي: أنه يؤذي الساعين، فأحياناً يصطدم بهم ويؤذيهم، وأحياناً يكون مضّيقاً عليهم وزاحماً لهم، فيتأذون بذلك ، فنصيحتي لإخواني المسلمين في هذا المقام: أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن هديه خير الهدي، وأن يمشوا في جميع الأشواط إلا فيما بين العلمين، فإنهم يسعون سعياً شديداً؛ كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ما لم يتأذوا بذلك أو يؤذوا غيرهم.
الخطأ الخامس: أن بعض الناس يتلو قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )(البقرة: من الآية158) في كل شوط، كلما أقبل على الصفا، وكلما أقبل على المروة، وهذا خلاف السنة ؛ فإن السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوة هذه الآية أنه تلاها حين دنا من الصفا بعد أن أتم الطواف وركعتي الطواف وخرج إلى المسعى ، فلما دنا من الصفا قرأ : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )(ابدأ بما بدأ الله به))(268) إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أنه إنما جاء ليسعى ؛ لأن هذا من شعائر الله عز وجل، وأنه إنما بدأ من الصفا؛ لأن الله تعالى بدأ به، فتكون تلاوة هذه الآية مشروعة عند ابتداء السعي ، إذا دنا من الصفا وليست مشروعة كلما دنا من الصفا في كل شوط ، ولا كلما دنا من المروة ، وإذا لم تكن مشروعة فلا ينبغي للإنسان أن يأتي بها إلا في الموضع الذي أتى بها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الخطأ السادس: أن بعض الذين يسعون يخصصون كل شوط بدعاء معين، وقد سبق أن هذا من البدع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخصص كل شوط بدعاء معين لا في الطواف ولا في السعي أيضاً، وإذا كان هذا من البدع ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كل بدعة ضلالة))(269).
وعليه: فاللائق بالمؤمن أن يدع هذه الأدعية، وأن يشتغل بالدعاء الذي يرغبه ويريده، يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ويذكر الله، ويقرأ القرآن، وما أشبه ذلك من الأقوال المقربة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله))(270)
الخطأ السابع: الدعاء من كتاب لا يعرف معناه؛ فإن كثيراً من الكتب التي يأيدي الحجاج لا يعرف معناها، بالنسبة لحاملها، وكأنهم يقرؤونها تعبداً لله تعالى بتلاوة ألفاظها؛ لأنهم لا يعرفون المعنى، ولا سيما إذا كانوا غير عالمين باللغة العربية، وهذا من الخطأ أن تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء لا تعرف معناه.
والمشروع لك: أن تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء تعرف معناه، وترجو حصوله من الله عز وجل؛ وعليه: فالدعاء بما تريده أنت، بالصيغة التي تريدها ولا تخالف الشرع؛ أفضل بكثير من الدعاء بهذه الأدعية التي لا تعرف معناها، وكيف يمكن لشخص أن يسأل الله تعالى شيئاً وهو لا يدري ماذا يسأله؟! وهل هذا إلا من إضاعة الوقت والجهل ؟1 ولو شئت لقلت : إن هذا من سوء الأدب مع الله عز جل؛ أن تدعو الله سبحانه وتعالى بأمر لا تدري ما تريد منه!!
الخطأ الثامن: البداءة بالمروة؛ فإن بعض الناس يبدأ بالمروة جهلاً منه يظن أن الأمر سواء فيما إذا بدأ من الصفا أو بدأ من المروة ، أو يسوقه تيار الخارجين من المسجد، حتى تكون المروة أقرب إليه من الصفا فيبدأ بالمروة جهلاً منه وإذا بدأ الساعي بالمروة ، فإنه يلغي الشوط الأول، فلو فرضنا أنه بدأ بالمروة، فأتم سبعة أشواط، فإنه لا يصح منها إلا ستة، لأن الشوط الأول يكون لاغياً، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجوب البداءة بالصفا حيث قال: (( أبدأ بما بدأ الله به))(271)
الخطأ التاسع: أن بعض الناس يعتبر الشوط الواحد من الصفا إلى الصفا ، يظن أنه لابد من إتمام دورة كاملة كما يكون في الطواف من الحجر إلى الحجر ، فيبدأ من الصفا وينتهي إلى المروة، ويجعل هذا بعض الشوط لا كله، فإذا رجع من المروة إلى الصفا اعتبر هذا شوطاً واحداً، وعلى هذا فيكون سعيه أربعة عشر شوطاً، وهذا أيضاً خطأ عظيم، وضلال بين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط ، لكنه ابتدأ بالصفا واختتم بالمروة، وجعل الذهاب من الصفا إلى المروة شوطاً، والرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً آخر، وهذا الذي يقع من بعض الحجاج إنما يكون جهلاً منهم بالسنة، وتفريطاً منهم في عدم التعلم، وقد أشرنا مراراً إلى أنه ينبغي- بل يجب- على المسلم إذا أراد أن يفعل عبادة، أن يتعلم حدود ما أنزل الله فيها قبل أن يفعلها ، وهذا التعلم من فروض الأعيان، لأنه لا يستقيم دين المرء إلا به، أعني تعلم حدود ما أنزل الله في عباده يريد الإنسان أن يفعلها، هو من فرض الأعيان، يجب عليه أن يتعلم حدود ما أنزل الله في هذه العبادة؛ ليعبد الله تعالى على بصيرة.
الخطأ العاشر: السعي في غير نسك، يعني أن بعض الناس يتعبد لله تعالى بالسعي بين الصفا والمروة في غير نسك، أي: في غير حج ولا عمرة ، يظن أن التطوع بالسعي مشروع كالتطوع بالطواف، وهذا أيضاً خطأ، والذي يدلنا على هذا أنك تجد بعض الناس في زمن العمرة- أي: في غير زمن الحج يسعى بين الصفا والمروة بدون أن يكون عليه ثياب الإحرام، مما يدل على أنه محل، فإذ سألته لماذا تفعل ذلك؟ قال: لأني أتعبد لله عز وجل بالسعي ، كما أتعبد بالطواف، وهذا جهل مركب؛ جهل مركب؛ لأنه صار جاهلاً بحكم الله، وجاهلاً بحاله، حيث ظن أنه عالم وليس هو بعالم.
أما إذا كان السعي في زمن الحج بعد الوقوف بعرفة، فيمكن أن يسعى الإنسان وعليه ثيابه المعتادة؛ لأنه يتحلل برمي جمرة العقبة يوم العيد، وبالحلق أو التقصير ، ثم يلبس ثيابه ويأتي إلى مكة ليطوف ويسعى بثيابه المعتادة.
على كل حال أقول: إن بعض الناس يتعبد لله تعالى بالسعي من غير حج ولا عمرة، وهذا لا أصل له، بل هو بدعة ، ولا يقع غالباً إلا من شخص جاهل، لكنه يعتبر من الأخطاء في السعي.
الخطأ الحادي عشر: التهاون بالسعي على العربة بدون عذر؛ فإن بعض الناس يتهاون بذلك، ويسعى على العربة بدون عذر، مع أن كثيراً من أهل العلم قالوا: إن السعي راكباً لا يصح إلا لعذر، وهذه المسألة مسألة خلاف بين العلماء، أي: أنه هل يشترط في السعي أن يكون الساعي ماشياً - إلا من عذر- أو لا يشترط ؟ ولكن الإنسان ينبغي له أن يحتاط لدينه، وأن يسعى ماشياً ما دام قادراً، فإن عجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين قالت: إني أريد أن أطوف وأجدني شاكية. قال: (( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة))(272) فأذن لها بالركوب في الطواف؛ لأنها مريضة ، وهكذا نقول في السعي: إن الإنسان إذا كان لا يستطيع أو يشق عليه السعي مشقة تتعبه، فلا حرج عليه أن يسعى على العربة ، هذا ما يحضرني من الأخطاء في السعي.

صعود المرأة الصفا ومزاحمتها الرجال
السؤال (294): فضيلة الشيخ، من المعروف أن الصفا ضيق والمروة أضيق منه، ومع ذلك نرى النساء يصعدن إلى الصفا والمروة ويزاحمن الرجال، فهل من السنة صعود المرأة على الصفا؟
الجواب: المعروف عند الفقهاء: أنه لا يسن للمرأة أن تصعد الصفا والمروة، وإنما تقف عند أصولهما، ثم تنحرف لتأتي ببقية الأشواط، لكن لعل هؤلاء النساء اللاتي يشاهدن صاعدات على الصفا والمروة يكن مع محارمهن، ولا يتسنى لهن مفارقة المحارم؛ لأنهن يخشين من الضياع ، وإلا فإن الأولى بالمرأة ألا تزاحم الرجال في أمر ليس مطلوباً منها.

الزاهدة
08-13-2011, 08:34 AM
صفة السعى بين العلمين الأخضرين
السؤال (295) : فضيلة الشيخ، أيضاً ذكرتم من الأخطاء ترك السعي الشديد بين العلمين الأخضرين، وذكرتم أنه أقرب إلى الصفا، وذكرتم أن السعي يكون في الذهاب من الصفا إلى المروة، فهل يلزم أيضاً السعي الشديد في العودة بين العلمين الأخضرين من المروة إلى الصفا؟
الجواب: نعم، السعي الشديد ليس بلازم، لكن الأفضل أن يسعى سعياً شديداً بين العلمين ، في ذهابه من الصفا إلى المروة، وفي رجوعه من المروة إلى الصفا ، لأن كل مرة من هذه شوط ، والسعي بين العلمين مشروع في كل الأشواط .

هل يقول الساعي: (( أبدأ بما بدأ الله به))
السؤال ((296)) فضيلة الشيخ، أيضاً ذكرتم أن من الأخطاء أن بعض الناس يدعو أو يتلو الآية: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ..) عند الصعود إلى الصفا أو المروة كل شوط، وقلتم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم تلا أول الآية: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )(أبدأ بما بدأ الله به))(273) ، فهل يقول مثل الرسول: (( أبدأ بما بدأ الله به))، أو يكمل الآية؟
الجواب: الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر قوله - أي: جابر- فلما دنا من الصفا قرأ : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) فيحتمل أنه قرأ الآية كلها، ويحتمل أنه قرأ هذا الجزء منها، فإن كمل الآية فلا حرج عليه.
وأما قوله : (( أبدأ بما بدأ الله به)) فيقولها الإنسان أيضاً، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإشعاراً لنفسه أنه فعل ذلك طاعة لله عز وجل، حيث ذكر الله أنهما من شعائر الله، وبدأ بالصفا.

واجب المطوفين تجاه الحجاج
السؤال (297): فضيلة الشيخ، أيضاً ذكرتم من الأخطاء التي تقع في السعي: الدعاء من خلال كتاب، فهل ينطبق هذا أيضاً على الذين يطوفون بالناس ويسعون بهم، ويقولون أدعية ويرددها الناس خلفهم؟
الجواب: نعم، هو ينطبق على هؤلاء؛ لأن هؤلاء أيضاً كانوا قد حفظوا هذه الأدعية من هذا الكتاب، ولعلك لو ناقشت بعضهم- أي بعض هؤلاء المطوفين- لو ناقشته عن معاني ما يقول، لم يكن عنده من ذلك خبر، ولكن مع ذلك قد يكون الذين خلفه لا يعلمون اللغة العربية، ولا يعرفون معنى ما يقول، وإنما يرددونه تقليداً لصوته فقط، وهذا من الخلل الذي يكون في المطوفين.
ولو أن المطوفين - أمسكوا الحجاج الذين يطوفونهم، وعلموهم تعليماً عند كل طواف وعند كل سعي ، فيقولون لهم مثلاً : أنتم الآن سوف تطوفون، فقولوا كذا، وافعلوا كذا ، وادعوا بما شئتم ، ونحن معكم نرشدكم إن ضللتم ، فهذا طيب، وهو أحسن من أن يرفعوا أصواتهم بتلقينهم الدعاء الذي لا يعرفون معناه، والذي قد يكون فيه تشويش على الطائفين.
وهم إذا قالوا: نحن أمامكم ، وأنتم افعلوا كذا، أشيروا مثلاً إلى الحجر ، أو استلموه إذا تيسر لكم، أو ما أشبه ذلك، وقولوا كذا، وكبروا عند محاذاة الحجر الأسود، وقولوا بينه وبين الركن اليماني: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(البقرة: 201)، إلى غير ذلك من التوجهيات ، لكان هذا أنفع للحاج وأخشع، أما أن يؤتى بالحاج وكأنه ببغاء يقلد بالقول والفعل هذا المطوف، ولا يدري عن شيء أبداً، وربما لو قيل له بعد ذلك: طف. ما استطاع أن يطوف، لأنه لا يعرف الطواف؛ لأنه كان يمشي ويردد وراء هذا المطوف، فهذا هو الذي أرى أنه أنفع للمطوفين وأنفع للطائفين أيضاً.

أخطاء تقع في الحلق والتقصير
السؤال( 298 ) : فضيلة الشيخ ، بالنسبة للتقصير والحلق بعد السعي للعمرة ، أو للإحلال من الحج في منى ، هل هناك أخطاء ؟
الجواب : نعم ، في الحلق أو التقصير في العمرة يحصل أخطاء .
منها : أن بعض الناس يحلق بعض رأسه حلقا تاما بالموسى ، ويبقي البقية ، وقد شاهدت ذلك بعيني ، فقد شاهدت رجلا يسعى بين الصفا والمروة ، وقد حلق نصف رأسه تماما ، وأبقى نصفه ، وهو شعر كثيف أيضا بين ، فأمسكت به وقلت له : لماذا صنعت هذا ؟ فقال : صنعت هذا ؛ لأني أريد أن أعتمر مرتين ، فحلقت نصفه للعمرة الأولى ، وأبقيت نصفه لعمرتي هذه ، وهذا جهل وضلال ؛ لم يقل به أحد من أهل العلم .
ومن الخطأ أيضا : أن بعض الناس إذا أراد أن يتحلل من العمرة ، قصر شعرات قليلة من رأسه ، ومن جهة واحدة ، وهذا خلاف ظاهر الآية الكريمة ؛ فإن الله تعالى يقول : ( مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)(الفتح: 27) ، فلابد أن يكون للتقصير أثر بين على الرأس ، ومن المعلوم أن قص شعره أو شعرتين أو ثلاث شعرات لا يؤثر ، ولا يظهر على المعتمر أنه قصر ، فيكون مخالفا لظاهر الآية الكريمة .
ودواء هذين الخطأين : أن يحلق جميع الرأس إذا أراد حلقه ، وأن يقصر من جميع الرأس إذا أراد تقصيره ، ولا يقتصر على شعرة أو شعرتين .
ومن الناس : من يخطئ في الحلق أو التقصير خطأ ثالثا ، وذلك أنه إذا فرغ من السعي ولم يجد حلاقا يحلق عنده أو يقصر ، ذهب إلى بيته ، فتحلل ولبس ثيابه ثم حلق أو قصر بعد ذلك ، وهذا خطأ عظيم ؛ لأن الإنسان لا يحل من العمرة إلا بالحلق أو التقصير ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر أصحابه في حجة الوداع ، أمر من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة ، قال : (( فليقصر وليحلل ))(274)، وهذا يدل على أنه لا حل إلا بعد التقصير .
وعلى هذا : فإذا فرغ الحاج من السعي ولم يجد حلاقا أو أحدا يقصر رأسه ، فليبق على إحرامه حتى يحلق أو يقصر ، ولا يحل له أن يتحلل قبل ذلك ، فلو قدر أن شخصا فعل هذا جاهلا بأن تحلل قبل أن يحلق أو يقصر ، ظنا منه أن ذلك جائز ، فإنه لا حرج عليه لجهله ، ولكن يجب عليه حين يعلم أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ؛ لأنه لا يجوز له التمادي في الحل مع علمه بأنه لم يحل ، ثم إذا حلق أو قصر تحلل .
هذا ما يحضرني الآن من الأخطاء في الحلق أو التقصير .

أخطاء تقع في منى
السؤال (299 ) : فضيلة الشيخ ، نود أيضا أن نعرف الأخطاء التي تكون في منى ، وفي المبيت فيه ؟
الجواب : من الأخطاء التي تكون في الذهاب إلى منى : ما سبق ذكره من الخطأ في التلبية ؛ حيث إن بعض الناس لا يجهر بالتلبية مع مشروعية الجهر بها ، فتمر بك أفواج الحجاج ، ولا تكاد تسمع واحداً يلبي ، وهذا خلاف السنة ، وخلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فالسنة للإنسان في التلبية أن يجهر بها ، وأن يرفع صوته بذلك ، ما لم يشق عليه ، وليعلم أنه لا يسمعه شيء من حجر أو مدر ، إلا شهد له يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى .
ومن ذلك أيضا : أن بعض الحجاج يذهب رأسا إلى عرفة ولا يبيت في منى ، وهذا وإن كان جائزاً ـ لأن المبيت في منى قبل يوم عرفة ليس بواجب ـ لكن الأفضل للإنسان أن يتبع السنة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحيث ينزل في منى من ضحى اليوم الثامن ، إلى أن تطلع الشمس من اليوم التاسع ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وقال : (( لتأخذوا عني مناسككم ))(275) .
لكنه لو تقدم إلى عرفة ، ولم يبت في منى ليلة التاسع ، فلا حرج عليه ؛ لحديث عروة بن المضرس أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر بعد العيد في مزدلفة ، وقال : يا رسول الله ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، فلم أر جبلا إلا وقفت عنده ـ يعني : فهل لي من حج ؟ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه ))(276) . ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم المبيت في منى ليلة التاسع ، وهذا يدل على أنه ليس بواجب .
ومن الأخطاء في بقاء الناس في منى في اليوم الثامن : أن بعض الناس يقصر ويجمع في منى ، فيجمع الظهر مع العصر ، والمغرب مع العشاء ، وهذا خلاف السنة ؛ فإن المشروع للناس في منى أن يقصروا الصلاة بدون جمع ، هكذا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان الجمع جائزا ؛ لأنه في سفر ، والمسافر يجوز له الجمع حالا وسائرا ، لكن الأفضل لمن كان حالا ونازلا من المسافرين ، الأفضل ألا يجمع إلا لسبب ، ولا سبب يقتضي الجمع في منى ، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجمع في منى ولكن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في وقتها ، والمغرب ثلاثا في وقتها ، والعشاء ركعتين في وقتها ، والفجر في وقتها .
هذا ما يحضرني الآن فيما يكون من الأخطاء في الذهاب إلى منى والمكث فيها في اليوم الثامن .

أخطاء تقع في الذهاب إلى عرفة وفي عرفة
السؤال (300 ) : فضيلة الشيخ ، بالنسبة للأخطاء التي يمكن أن يقع فيها بعض الحجاج في الخروج إلى عرفة ، والوقوف بها ؟
الجواب : من الأخطاء في الذهاب إلى عرفة : أن الحجاج يمرون بك ولا تسمعهم يلبون ، فلا يجهرون بالتلبية في مسيرهم من منى إلى عرفة ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة في يوم العيد(277) .
ومن الأخطاء العظيمة الخطيرة في الوقوف بعرفة : أن بعض الحجاج ينزلون قبل أن يصلوا إلى عرفة ، ويبقون في منزلهم حتى تزول الشمس ، ويمكثون هناك إلى أن تغرب الشمس ، ثم ينطلقون منه إلى مزدلفة ، وهؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف ليس لهم حج ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( الحج عرفة ))(278). فمن لم يقف في عرفة في المكان الذي هو منها ، وفي الزمان الذي عين للوقوف بها ، فإن حجه لا يصح ، للحديث الذي أشرنا إليه .
وهذا أمر خطير ، والحكومة السعودية - وفقها الله عز وجل - قد جعلت علامات واضحة لحدود عرفة لا تخفى إلا على رجل مفرّط متهاون ، فالواجب على كل حاج أن يتفقد الحدود حتى يعلم أنه وقف في عرفة لا خارجها .
ومن الأخطاء في الوقوف بعرفة : أن بعض الناس إذا اشتغلوا بالدعاء في آخر النهار ، تجدهم يتجهون إلى الجبل الذي وقف عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن القبلة تكون خلف ظهورهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم ، وهذا أيضا جهل وخطأ ؛ فإن المشروع في الدعاء يوم عرفة أن يكون الإنسان مستقبل القبلة ، سواء كان الجبل أمامه أو خلفه ، أو عن يمينه أو عن شماله ، وإنما استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الجبل ، لأن موقفه كان خلف الجبل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة ، وإذا كان الجبل بينه وبين القبلة ، فبالضرورة سيكون مستقبلا له .
ومن الأخطاء التي يرتكبها الحجاج في يوم عرفة : أن بعضهم يظن أنه لابد أن يذهب الإنسان إلى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عند الجبل ليقف هناك ، فتجدهم يتجشمون المصاعب ، ويركبون المشاق ، حتى يصلوا إلى ذلك المكان ، وربما يكونون مشاة جاهلين بالطرق ؛ فيعطشون ويجوعون إذا لم يجدوا ماء وطعاما ، ويضلون ويتيهون في الأرض ، ويحصل عليهم ضرر عظيم بسبب هذا الظن الخاطئ ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف ))(279) ، وكأنه صلى الله عليه وسلم يشير إلى أنه ينبغي للإنسان أن لا يتكلف ليقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يفعل ما يتيسر له ؛ فإن عرفة كلها موقف .
ومن الأخطاء أيضا حال الوقوف بعرفة : أن بعض الناس يعتقدون أن الأشجار في عرفة كالأشجار في منى ومزدلفة ، أي : أنه لا يجوز للإنسان أن يقطع منها ورقة أو غصنا أو ما أشبه ذلك ؛ لأنهم يظنون أن قطع الشجر له تعلق بالإحرام كالصيد ، وهذا ظن خطأ ؛ فإن قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام ، وإنما علاقته بالمكان ، فما كان داخل حدود الحرم ، أي : داخل الأميال من الأشجار ، فهو محترم ، لا يعضد ولا يقطع منه ورق ولا أغصان ، وما كان خارجا عن حدود الحرم ، فإنه لا بأس بقطعه ، ولو كان الإنسان محرما .
وعلى هذا : فقطع الأشجار في عرفة لا بأس به ، ونعنى بالأشجار هنا الأشجار التي حصلت بغير فعل الحكومة ، وأما الأشجار التي حصلت بفعل الحكومة ، فإنه لا يجوز قطعها ، لا لأنها محترمة احترام الشجر في داخل الحرم ، ولكن لأنه اعتداء على حق الحكومة وعلى حق الحجاج أيضا ؛ لأن الحكومة ـ وفقها الله ـ غرست أشجارا في عرفة ؛ لتلطيف الجو ، وليستظل بها الناس من حر الشمس ، فالاعتداء عليها اعتداء على حق الحكومة وعلى حق المسلمين عموما .

أخطاء تقع في الوقوف بعرفة (( تتمة ))
السؤال (301 ) : فضيلة الشيخ ، هل هناك أخطاء أيضا في عرفة يفعلها الحجاج غير ما ذكرتم ؟
الجواب : نعم هناك أخطاء أخرى في الوقوف بعرفة غير ما ذكرنا .
منها : أن بعض الحجاج يعتقدون أن للجبل الذي وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم قدسية خاصة ؛ ولهذا يذهبون إليه ، ويصعدون ، ويتبركون بأحجاره وترابه ، ويعلقون على أشجاره قصاصات الخرق ، وغير ذلك مما هو معروف ، وهذا من البدع ؛ فإنه لا يشرع صعود الجبل ولا الصلاة فيه ، ولا أن تعلق قصاصات الخرق على أشجاره ؛ لأن ذلك كله لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل فيه شيء من رائحة الوثنية ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شجرة للمشركين ينوطون بها أسلحتهم ، فقالوا يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( الله أكبر ، إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ )(الأعراف: 138) (280)، وهذا الجبل ليس له قدسية خاصة بل هو كغيره من الروابي التي في عرفة ، والسهول التي فيها ، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف هناك ، فكان المشروع أن يقف الإنسان في موقف الرسول عليه الصلاة والسلام إن تيسر له ، وإلا فليس بواجب ، ولا ينبغي أن يتكلف الإنسان الذهاب إليه لما سبق .
ومن الأخطاء في الوقوف بعرفة أيضا : أن بعض الناس يظن أنه لابد أن يصلي الإنسان الظهر والعصر مع الإمام في المسجد ؛ ولهذا تجدهم يذهبون إلى ذلك المكان من أماكن بعيدة ليكونوا مع الإمام في المسجد ، فيحصل عليهم من المشقة والأذى والتيه ما يجعل الحج في حقهم حرجا وضيقا ، ويضيّق بعضهم على بعض ، ويؤذي بعضهم بعضا ، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الوقوف : (( وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ))(281)، وكذلك أيضا قال (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراً ))(282)، فإذا صلى الإنسان في خيمته صلاة يطمئن فيها بدون أذى عليه ولا منة ، وبدون مشقة تلحق الحج بالأمور المحرجة ، فإن ذلك خير له وأولى .
ومن الأخطاء التي يرتكبها الناس في الوقوف بعرفة : أن بعضهم يتسلل من عرفة قبل أن تغرب الشمس ، فيدفع منها إلى مزدلفة ، وهذا خطأ عظيم ، وفيه مشابهة للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ، ومخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يدفع من عرفة إلا بعد أن غابت الشمس وذهبت الصفرة قليلا ؛ كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه (283)، وعلى هذا : فإنه يجب على المرء أن يبقى في عرفة داخل حدودها حتى تغرب الشمس ؛ لأن هذا الوقوف مؤقت بغروب الشمس ، فكما أنه لا يجوز للصائم أن يفطر قبل أن تغرب الشمس ، فلا يجوز للواقف بعرفة أن ينصرف منها قبل أن تغرب الشمس .
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الوقوف بعرفة : إضاعة الوقت في غير فائدة ، فتجد الناس من أول النهار إلى آخر جزء منه وهم في أحاديث قد تكون بريئة سالمة من الغيبة والقدح في أعراض الناس وقد تكون غير برئيه لكونهم يخوضون في أعراض الناس ويأكلون لحومهم ، فإن كان الثاني فقد وقعوا في محذورين :
أحدهما : أكل لحوم الناس وغيبتهم ، وهذا خلل حتى في الإحرام ؛ لأن الله تعالى يقول : ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج)(البقرة: 197) .
والثاني : إضاعة الوقت .
أما إذا كان الحديث بريئا لا يشتمل على محرم ، ففيه إضاعة الوقت ، لكن لا حرج على الإنسان أن يشغل وقته بالأحاديث البريئة فيما قبل الزوال ، وأما بعد الزوال وصلاة الظهر والعصر : فإن الأولى أن يشتغل بالدعاء والذكر وقراءة القرآن ، وكذلك الأحاديث النافعة لإخوانه إذا مل من القراءة والذكر ، فيتحدث إليهم أحاديث نافعة ، في بحث من العلوم الشرعية أو نحو ذلك مما يدخل السرور عليهم ، ويفتح لهم باب الأمل والرجاء لرحمة الله سبحانه وتعالى ، ولكن لينتهز الفرصة في آخر ساعات النهار ، فيشتغل بالدعاء ويتجه إلى الله عز وجل متضرعا إليه ، مخبتا منيبا ، طامعا في فضله ، راجيا لرحمته ، ويلح في الدعاء ويكثر من الدعاء الوارد في القرآن وفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا خير الأدعية ؛ فإن الدعاء في هذه الساعة حري بالإجابة .

الزاهدة
08-13-2011, 08:35 AM
أخطاء تقع في الطريق إلى مزدلفة، وفي مزدلفة
السؤال (302 ) : فضيلة الشيخ ، بعد أن عرفنا أهم الأخطاء التي تقع من الحجاج في عرفة نود أن نعرف أيضا إذا كان هناك أخطاء يقع فيها بعض الحجاج في الطريق إلى المزدلفة وفي المزدلفة نفسها ؟
الجواب : تقع أخطاء في الانصراف إلى المزدلفة ، منها ما يكون في ابتداء الانصراف ، وهو ما أشرنا إليه سابقا من انصراف بعض الحجاج من عرفة قبل غروب الشمس ، ومنها أنه في دفعهم من عرفة إلى المزدلفة تحدث المضايقات بعضهم لبعض ، والإسراع الشديد حتى يؤدي ذلك أحيانا إلى تصادم السيارات ، وقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة بسكينة ، وكان عليه الصلاة والسلام دفع وقد شنق لناقته القصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب موضع رحله ، وهو يقول بيده الكريمة : (( أيها الناس ، السكينة السكينة )) ، ولكنه صلى الله عليه وسلم مع ذلك إذا أتى فجوة أسرع ، وإذا أتى حبلا من الحبال(284) أرخى لناقته الزمام حتى تصعد(285) ، فكان عليه الصلاة والسلام يراعي الأحوال في مسيره هذا ، ولكن إذا دار الأمر بين كون الإسراع أفضل أو التأني ، فالتأني أفضل .
ومن الأخطاء في مزدلفة والدفع إليها : أن بعض الناس ينزل قبل أن يصلوا إلى مزدلفة ، ولا سيما المشاة منهم ، يعييهم المشي ويتعبهم ، فينزلون قبل أن يصلوا إلى مزدلفة ، ويبقون هنالك حتى يصلوا الفجر ثم ينصرفوا منه إلى منى ومن فعل هذا فإنه قد فاته المبيت في المزدلفة ، وهذا أمر خطير جدا ، لأن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج عند بعض أهل العلم ، وواجب من واجباته عند جمهور أهل العلم ، وسنة في قول بعضهم ، ولكن الصواب : أنه واجب من واجبات الحج ، وأنه يجب على الإنسان أن يبيت في مزدلفة ، وألا ينصرف إلا في الوقت الذي أجاز الشارع له فيه الانصراف كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، المهم : أن بعض الناس ينزلون قبل أن يصل إلى مزدلفة .
ومن الأخطاء أيضا : أن بعض الناس يصلي المغرب والعشاء في الطريق على العادة ، قبل أن يصل إلى مزدلفة ، وهذا خلاف السنة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل في أثناء الطريق وبال وتوضأ ، قال له أسامة بن زيد وكان رديفه : الصلاة يا رسول الله قال : (( الصلاة أمامك ))(286)، وبقي عليه الصلاة والسلام ولم يصل إلا حين وصل إلى مزدلفة ، وكان قد وصلها بعد دخول وقت العشاء ؛ فصلى فيها المغرب والعشاء جمع تأخير .

أخطاء تقع في مزدلفة (( تتمة ))
السؤال (303): فضيلة الشيخ، هل هناك أخطاء أخرى غير ما ذكرتم في الطريق إلى مزدلفة والمبيت بها؟
الجواب:نعم، هناك أخطاء منها عكس ما ذكرناه في الذين يصلون المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة؛ فإن بعض الناس لا يصلي المغرب والعشاء حتى يصل إلى مزدلفة ولو خرج وقت صلاة العشاء، وهذا لا يجوز وهو حرام من كبائر الذنوب ؛ لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم بمقتضى دلالة الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: 103) وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوقت وحدده، وقال الله تعالى: ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )(الطلاق: 1) ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: 229).
فإذا خشي الإنسان خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة، فإن الواجب عليه أن يصلي وإن لم يصل إلى مزدلفة، يصلي على حسب حاله، إن كان ماشياً وقف وصلى الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها، وإن كان راكباً ولم يتمكن من النزول، فإنه يصلي ولو كان على ظهر سيارته، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(التغابن: من الآية16)، وإن كان عدم تمكنه من النزول في هذه الحال أمراً بعيداً، لأنه بإمكان كل إنسان أن ينزل ويقف على جانب الخط من اليمين أو اليسار ويصلي.
وعلى كل حال: فإنه لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء حتى يخرج وقت صلاة العشاء، بحجة أنه يريد أن يطبق السنة، فلا يصلي إلا في مزدلفة؛ فإن تأخيره هذا مخالف للسنة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخر، لكنه صلى الصلاة في وقتها.
ومن الأخطاء أيضاً في الوقوف بمزدلفة: أن بعض الحجاج يصلون الفجر قبل وقته، فتسمع بعضهم يؤذن قبل الوقت بساعة أو بأكثر أو بأقل، المهم أنهم يؤذنون قبل الفجر ويصلون وينصرفون، وهذا خطأ عظيم؛ فإن الصلاة قبل وقتها غير مقبولة، بل محرمة؛ لأنها اعتداء على حدود الله عز وجل، فإن الصلاة مؤقتة بوقت حدد الشرع أوله وآخره، فلا يجوز لأحد أن يتقدم بالصلاة قبل دخول وقتها، فيجب على الحاج أن ينتبه لهذه المسألة ، وأن لا يصلي الفجر إلا بعد أن يتيقن أو يغلب على ظنه دخول وقت الفجر ، صحيح أنه ينبغي المبادرة بصلاة الفجر ليلة المزدلفة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بادر بها، ولكن لا يعني ذلك- أو لا يقتضي ذلك- أن تصلى قبل الوقت، فليحذر الحاج من هذا العمل.
ومن الخطأ في الوقوف بمزدلفة: أن بعض الحجاج يدفعون منها قبل أن يمكثوا فيها أدنى مكث، فتجده يمر بها مروراً ويستمر ولا يقف ، ويقول: إن المرور كاف، وهذا خطأ عظيم؛ فإن المرور غير كاف ، بل السنة تدل على أن الحاج يبقى في مزدلفة حتى يصلي الفجر ثم يقف عند المشعر الحرام يدعو الله تعالى حتى يسفر جداً، ثم ينصرف إلى منى، ورخص النبي عليه الصلاة والسلام للضعفة من أهله أن يدفعوا من مزدلفة بليل(287) وكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - ترقب غروب القمر، فإذا غاب القمر دفعت من مزدلفة إلى منى (288).
وهذا ينبغي أن يكون هو الحد الفاصل؛ لأنه فعل صحابي، والنبي عليه الصلاة والسلام أذن للضعفة من أهله أن يدفعوا بليل، ولم يبين في هذا الحديث حد هذا الليل، ولكن فعل الصحابي قد يكون مبيناً له ومفسراً له، وعليه فالذي ينبغي أن يحدد الدفع للضعفة ونحوهم ممن يشق عليهم مزاحمة الناس، ينبغي أن يقيد بذلك، أي: بغروب القمر، وغروب القمر في الليلة العاشرة، يكون قطعاً بعد منتصف الليل، يكون بمضيّ ثلثي الليل تقريباً.
وهذا ما يحضرني الآن من الأخطاء التي تقع في المبيت بمزدلفة.

أخطاء تقع عند الرمي
السؤال (304): فضيلة الشيخ،ما هي الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الرمي ؟
الجواب : من المعلوم أن الحاج يوم العيد يقدم إلى منى من مزدلفة ، وأول ما يبدأ به أن يرمي جمرة العقبة ، والرمي يكون بسبع حصيات متعاقبات ، يكبر مع كل حصاة ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة من رمي الجمار في قوله : ( إنما جعل الطواف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، ورمي الجمار ؛ لإقامة ذكر الله )) 289) ، هذه هي الحكمة من مشروعية رمي الجمرات، والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس في رمي الجمرات يكون من وجوه متعددة:
فمن ذلك: أن بعض الناس يظنون أنه لا يصح الرمي إلا إذا كانت الحصاة من مزدلفة ، ولهذا تجدهم يتعبون كثيراً في لقط الحصى من مزدلفة، قبل أن يذهبوا إلى منى وهذا ظن خاطئ، فالحصى يؤخذ من أي مكان من مزدلفة ، من منى ، من أي مكان كان يؤخذ ، المقصود أن يكون حصى.
ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه التقط الحصى من مزدلفة حتى نقول: إنه من السنة، إذن فليس من السنة، ولا من الواجب أن يلتقط الإنسان الحصى من مزدلفة؛ لأن السنة إما قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أو فعله، أو إقراره، وكل هذا لم يكن في لفظ الحصى من مزدلفة.
ومن الخطأ أيضاً: أن بعض الناس إذا لقط الحصى غسله، إما احتياطاً لخوف أن يكون أحد قد بال عليه، وإما تنظيفاً لهذا الحصى، لظنه أن كونه نظيفاً أفضل، وعلى كل حال: فغسل حصى الجمرات بدعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله، والتعبد بشيء لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة، وإذا فعله الإنسان من غير تعبد كان سفهاً وضياعاً للوقت.
ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الناس يظنون أن هذه الجمرات شياطين، وأنهم يرمون شياطين، فتجد الواحد منهم يأتي بعنف شديد وحنق وغيظ، منفعلاً انفعالاً عظيماً، كأن الشيطان أمامه ، ثم يرمي هذه الجمرات، ويحدث من ذلك مفاسد:
أولاً: أن هذا ظن خاطئ، فإنما نرمي هذه الجمرات إقامة لذكر الله تعالى؛ واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيقاً للتعبد، فإن الإنسان إذا عمل طاعة وهو لا يدري فائدتها،إنما يفعلها تعبداً لله، كان هذا أدل على كمال ذله وخضوعه لله عز وجل.
ثانياً: مما يترتب على هذا الظن : أن الإنسان يأتي بانفعال شديد وغيظ وحنق وقوة واندفاع، فتجده يؤذي الناس إيذاء عظيماً، حتى كأن الناس أمامه حشرات لا يبالي بهم، ولا يسأل عن ضعيفهم ، وإنما يتقدم كأنه جمل هائج.
ثالثاً: مما يترتب على هذه العقيدة الفاسدة: أن الإنسان لا يستحضر أنه يعبد الله عز وجل أو يتعبد لله عز وجل بهذا الرمي، ولذلك يعدل عن الذكر المشروع إلى قول غير مشروع ، فتجده يقول حين يرمي: اللهم غضباً على الشيطان ، ورضا للرحمن، مع أن هذا ليس بمشروع عند رمي الجمرة، بل المشروع أن يكبر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
رابعاً: أنه بناء على هذه العقيدة الفاسدة تجده يأخذ أحجاراً كبيرة يرمي بها ، بناء على ظنه أنه كلما كان الحجر أكبر كان أشد أثراً وانتقاماً من الشيطان، وتجده أيضاً يرمي بالنعال والخشب وما أشبه ذلك مما لا يشرع الرمي به، ولقد شاهدت رجلاً قبل بناء الجسور على الجمرات جالساً على زبرة الحصى التي رمي بها في وسط الحوض، وامرأة معه يضربان العمود بأحذيتهما ، بحنق وشدة ، وحصى الرامين تصيبهما، ومع ذلك فكأنهما يريان أن هذا في سبيل الله، وأنهما يصبران على الأذى على هذه الإصابة ابتغاء وجه الله عز وجل.
إذن : إذا قلنا : إن هذا الاعتقاد اعتقاد فاسد، فما الذي نعتقده في رمي الجمرات؟ نعتقد في رمي الجمرات أننا نرمي الجمرات تعظيماً لله عز وجل، وتعبداً له، واتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخطاء تقع عند الرمي (( تتمة))
السؤال (305): فضيلة الشيخ، ذكرتم شيئاً من الأخطاء التي تقع عند الرمي منها: الظن بأن الحصى لابد أن تلتقط من مزدلفة، وأيضاً غسل الحصى، وأنه خلاف السنة والظن بأن الجمرات شياطين، والرمي بالأحجار الكبيرة والرمي بالأحذية والخشب وما شابهها، فهل هناك أخطاء أخرى تقع من بعض الحجاج في الرمي ينبغي التنبيه عليها والاستفادة من تجنبها؟
الجواب: نعم ، هناك أخطاء في الرمي يرتكبها بعض الناس ، منها ما سبق ، ومنها أن بعض الناس لا يتحقق من رمي الجمرة من حيث ترمى ؛ فإن جمرة العقبة ـ كما هو معلوم في الأعوام السابقة ـ كان لها جدار من الخلف ، والناس يأتون إليها من نحو هذا الجدار ، فإذا شاهدوا الجدار رموا ، ومعلوم أن الرمي لابد أن تقع فيه الحصى في الحوض ، فيرمونها من الناحية الشرقية من ناحية الجدار ، ولا يقع الحصى في الحوض ؛ لحيلولة الجدار بينهم وبين الحوض ، ومن رمى هكذا فإن رميه لا يصح ؛ لأن من شرط الرمي أن تقع الحصاة في الحوض ، وإذا وقعت الحصاة في الحوض ، فقد برئت بهذا الذمة سواء بقيت في الحوض أو تدحرجت منه .
ومن الأخطاء أيضا في الرمي: أن بعض الناس يظن أنه لابد أن تصيب الحصاة الشاخص ، أي : العمود ، وهذا ظن خطأ ؛ فإنه لا يشترط لصحة الرمي أن تصيب الحصاة هذا العمود ، فإن هذا العمود إنما جعل علامة على المرمى الذي تقع فيه الحصى ، فإذا وقعت الحصاة في المرمى ، أجزأت سواء أصابت العمود أم لم تصبه .
ومن الأخطاء العظيمة الفادحة أيضا : أن بعض الناس يتهاون في الرمي ، فيوكّل من يرمي عنه مع قدرته عليه ، وهذا خطأ عظيم ؛ وذلك لأن رمي الجمرات من شعائر الحج ومناسكه ، وقد قال الله تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)(البقرة: 196) ، وهذا يشمل إتمام الحج بجميع أجزائه ، فجميع أجزاء الحج يجب على الإنسان أن يقوم بها بنفسه ، وألا يوكل فيها أحدا .
يقول بعض الناس : إن الزحام شديد ، وإنه يشق عليّ .
فنقول له : إذا كان الزحام شديدا أول ما يقدم الناس إلى منى من مزدلفة ، فإنه لا يكون شديداً في آخر النهار ، ولا يكون شديدا في الليل ، وإذا فاتك الرمي في النهار فارم في الليل ؛ لأن الليل وقت للرمي ، وإن كان النهار أفضل ، لكن كون الإنسان يأتي بالرمي في الليل بطمأنينة وهدوء وخشوع أفضل من كونه يأتي به في النهار ، وهو ينازع الموت من الزحام والضيق والشدة ، وربما يرمي ولا تقع الحصاة في المرمى ، المهم أن من احتج بالزحام نقول له : إن الله قد وسع الأمر ، فلك أن ترمي في الليل .
يقول بعض الناس : إن المرأة عورة ولا يمكنها أن تزاحم الرجال في الرمي .
نقول له : إن المرأة ليست عورة ، إنما العورة أن تكشف المرأة ما لا يحل لها كشفه أمام الرجال الأجانب ، وأما شخصية المرأة فليست بعورة ، وإلا لقلنا : إن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من بيتها أبدا ، وهذا خلاف دلالة الكتاب والسنة ، وخلاف ما أجمع عليه المسلمون ، صحيح أن المرأة ضعيفة ، وأن المرأة مرادة للرجل ، وأن المرأة محط الفتنة ، ولكن إذا كانت تخشى من شيء في الرمي مع الناس ، فلتؤخر الرمي إلى الليل ؛ ولهذا لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة من أهله ؛ كسودة بنت زمعة ، وأشباهها ، لم يرخص لهم أن يدعوا الرمي ويوكلوا من يرمي عنهم ، مع دعاء الحاجة إلى ذلك ـ لو كان من الأمور الجائزة ـ بل أذن لهم أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل ليرموا قبل حطمة الناس ، وهذا أكبر دليل على أن المرأة لا توكل لكونها امرأة .
نعم ، لو فرض أن الإنسان عاجز ولا يمكنه الرمي بنفسه ، لا في النهار ولا في الليل ، فهنا يتوجه القول بجواز التوكيل ؛ لأنه عاجز وقد ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يرمون عن صبيانهم ؛ لعجز الصبيان عن الرمي ، ولولا ورود هذا النص ـ وهو رمي الصحابة عن صغارهم ـ لولا هذا لقلنا : إن من عجز عن الرمي بنفسه ، فإنه يسقط عنه : إما إلى بدل وهو الفدية ، وإما إلى غير بدل ؛ وذلك لأن العجز عن الواجبات يسقطها ، ولا يقوم غير المكلف بما يلزم المكلف فيها عند العجز ؛ ولهذا من عجز عن أن يصلي قائما مثلا ، لا نقول له : وكل من يصلي عنك قائما ، على كل حال : التهاون في هذا الأمر ـ أعني : التوكيل في رمي الجمرات إلا من عذر لا يتمكن فيه الحاج من الرمي ـ أمر خطأ كبير ؛ لأنه تهاون في العبادة ، وتخاذل عن القيام بالواجب .
ومن الأخطاء أيضا في الرمي : أن بعض الناس يظنون أن الرمي بحصاة من غير مزدلفة لا يجزئ ، حتى إن بعضهم إذا أخذ الحصى من مزدلفة ، ثم ضاع منه أو ضاع منه بعضه ، وبقي ما لا يكفي : ذهب يطلب أحدا معه حصى من مزدلفة ليسلفه إياه ، فتجده يقول : أقرضني حصاة من فضلك . وهذا خطأ وجهل ، فإنه كما أسلفنا : يجوز الرمي بكل حصاة من أي موضع كانت ، حتى لو فرض أن الرجل وقف يرمي الجمرات ، وسقطت الجمرات من يده ، فله أن يأخذ من الأرض من تحت قدمه ، سواء حصاه التي سقطت منه أو غيرها ، ولا حرج عليه في ذلك ؛ فيأخذ من الأرض التي تحته وهو يرمي ويرمي بها حتى وإن كان قريبا من الحوض ؛ لأنه لا دليل على أن الإنسان إذا رمى بحصاة رمي بها لا يجزئه الرمي ، ولأنه لا يتيقن أن الحصاة التي أخذها من مكانه قد رمي بها فقد تكون هذه الحصاة سقطت من شخص آخر وقف في هذا المكان ، وقد تكون حصاة رمى بها شخص من بعيد ولم تقع في الحوض ، المهم أنك لا تتيقن ، ثم على فرض أنك تيقنت أن هذه قد رمي بها ، وتدحرجت من الحوض وخرجت منه ، فإنه ليس هناك دليل على أن الحصى الذي رمي به لا يجزئ الرمي به .
ومن الخطأ في رمي الجمرات : أن بعض الناس يعكس الترتيب فيها في اليومين الحادي عشر والثاني عشر ؛ فيبدأ بجمرة العقبة ، ثم بالجمرة الوسطى ، ثم بالجمرة الصغرى الأولى ، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رماها مرتبة ، وقال : (( لتأخذوا عني مناسككم ))(290)؛ فيبدأ بالأولى ، ثم بالوسطى ، ثم بجمرة العقبة .
فإن رماها منكسة ، وأمكنه أن يتدارك ذلك ، فليتداركه ، فإذا رمى العقبة ثم الوسطى ثم الأولى ، فإننا نقول : ارجع فارم الوسطى ثم العقبة ؛ وذلك لأن الوسطى والعقبة وقعتا في غير موضعهما ؛ لأن موضعهما تأخرهما عن الأولى ، ففي هذه الحالة نقول : اذهب فارم الوسطى ثم العقبة .
ولو أنه رمى الأولى ثم جمرة العقبة ثم الوسطى ، قلنا له ، ارجع فارم جمرة العقبة ؛ لأنك رميتها في غير موضعها ، فعليك أن تعيدها بعد الجمرة الوسطى .
هذا إذا أمكن أن يتلافى هذا الأمر ، بأن كان في أيام التشريق ، وسهل عليه تلافيه ، أما لو قدر أنه انقضت أيام الحج ، فإنه لا حرج عليه في هذه الحال ؛ لأنه ترك الترتيب جاهلا ، فسقط عنه بجهله ، والرمي للجمرات الثلاث قد حصل ، غاية ما فيه اختلاف الترتيب ، واختلاف الترتيب عند الجهل لا يضر ، لكن متى أمكن تلافيه بأن علم ذلك في وقته ، فإنه يعيده .
ومن الخطأ أيضا في رمي الجمرات في أيام التشريق : أن بعض الناس يرميها قبل الزوال ، وهذا خطأ كبير ؛ لأن رميها قبل الزوال رمي لها قبل دخول وقتها فلا يصح ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا ، فهو رد ))(291)، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمها إلا بعد زوال الشمس ، وإنما رماها بعد الزوال وقبل صلاة الظهر ، مما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يرتقب الزوال ارتقابا تاما ، فبادر من حيث أن زالت الشمس قبل أن يصلي الظهر ، ولقول عبد الله بن عمر : كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا . ولأنه لو كان الرمي جائزا قبل زوال الشمس ، لفعله النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه أيسر للأمة ، والله عز وجل إنما يشرع لعباده ما كان أيسر ، فلو كان مما يتعبد به لله ـ أعني الرمي قبل الزوال ـ لشرعه الله سبحانه وتعالى لعباده ؛ لقوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(البقرة: 185)، فلما لم يُشرع قبل الزوال ، علم أن ما قبل الزوال ليس وقتا للرمي ، ولا فرق في ذلك بين اليوم الثاني عشر والحادي عشر والثالث عشر ، كلها سواء ، كلها لم يرم فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد زوال الشمس .
فليحذر المؤمن من التهاون في أمور دينيه ، وليتق الله تعالى ربه ، فإن من اتقى ربه ، جعل له مخرجا ، ومن اتقى ربه ، جعل له من أمره يسر ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال:29) .
وينبغي للإنسان ـ ونحن نتكلم عن وقت الرمي ـ أن يرمي كل يوم في يومه ، فيرمي اليوم الحادي عشر في اليوم الحادي عشر ، والثاني عشر في اليوم الثاني عشر ، وجمرة العقبة يوم العيد في يوم العيد ، ولا يؤخرها إلى آخر يوم ، هذا وإن كان قد رخص فيه بعض أهل العلم ، فإن ظاهر السنة المنع منه إلا لعذر .

الزاهدة
08-13-2011, 08:37 AM
أخطاء تقع عند الرمي (( تتمة ))
السؤال (306 ) : فضيلة الشيخ ، سألنا عن الأخطاء التي تقع عند رمي الجمار أو في الرمي ، وذكرتم من هذه الأخطاء : الظن بأن الحصى لابد أن يكون من مزدلفة ، وغسل الحصى ، والظن بأن الجمرات شياطين ، والرمي بالأحجار الكبيرة ، والرمي بالأحذية والخشب وما إلى ذلك ، وأيضا : الرمي دون تحقق وقوع الحصى في الحوض ، والظن بأنه لابد من إصابة العمود ، والتهاون أيضا في التوكيل في الرمي مع القدرة ، وعكس الترتيب في الرمي ورمي الجمرات قبل الزوال ، فهل هناك أخطاء أيضا غير هذه الأخطاء التي ذكرتم ؟
الجواب : نعم ، هناك أخطاء بقيت من الأخطاء التي تقع من بعض الحجاج في الرمي ، لكن ورد فيما ذكرتم أن من الأخطاء عدم تحقق وصول الحصاة في المرمى ، والواقع : أن المقصود هو أن بعض الناس يرمي جمرة العقبة من الخلف ، من خلف الجدار ، فيقع الحصى في غير المرمى ؛ لأن الجدار يحول بينه وبين الحوض ، وتحقق وقوع الحصاة في المرمى ليس بشرط ؛ لأنه يكفي أن يغلب على الظن أنها وقعت فيه ، فإذا رمى الإنسان من المكان الصحيح وحذف الحصاة ، وهو يغلب على ظنه أنها وقعت في المرمى : كفى ؛ لأن اليقين في هذه الحال قد يتعذر ، وإذا تعذر اليقين ، عمل بغلبة الظن ، ولأن الشارع أحال على غلبة الظن فيما إذا شك الإنسان في صلاته : كم صلى ، ثلاثا أم أربعا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : (( ليتحر الصواب ، ثم ليتم عليه ))(292)،وهذا يدل على أن غلبة الظن في أمور العبادة كافية وهذا من تيسير الله عز وجل ؛ لأن اليقين أحيانا يتعذر .
نرجع الآن إلى تكميل الأخطاء التي تحضرنا في مسألة الرمي ، أعني رمي الجمرات :
فمنها: أن بعض الناس يرمي بحصى أقل مما ورد ، فيرمي بثلاث أو أربع أو خمس وهذا خلاف السنة بل يجب عليه أن يرمي بسبع حصيات ؛ كما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه رمى بسبع حصيات بدون نقص ، لكن رخص بعض العلماء في نقص حصاة أو حصاتين ؛ لأن ذلك وقع من بعض الصحابة رضي الله عنهم ، فإذا جاءنا رجل يقول : إنه لم يرم إلا بست ناسيا أو جاهلا ، فأننا في هذه الحالة نعذره ونقول : لا شيء عليك ، لورود مثل ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ، وإلا فالأصل أن المشروع سبع حصيات ؛ كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الحجاج في الرمي ، وهو سهل لكن ينبغي أن يتفطن له الحاج : أن كثيرا من الحجاج يهملون الوقوف للدعاء بعد الجمرة الأولى والوسطى في أيام التشريق ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رمى الجمرة الأولى ، انحدر قليلا ، ثم استقبل القبلة ، فرفع يديه يدعو الله تعالى دعاء طويلا ، وإذا رمى الجمرة الوسطى فعل ذلك ، وإذا رمى جمرة العقبة ، انصرف ولم يقف ، فينبغي للحاج أن لا يفوت هذه السنة على نفسه ، بل يقف ويدعو الله تعالى دعاء طويلا إن تيسر له ، وإلا فبقدر ما تيسر ، بعد الجمرة الأولى والوسطى .
وبهذا نعرف أن في الحج ست وقفات للدعاء : على الصفا وعلى المروة ـ وهذا في السعي ـ وفي عرفة ، ومزدلفة ، وبعد الجمرة الأولى ، وبعد الجمرة الوسطى . فهذه ست وقفات كلها وقفات للدعاء في هذه المواطن ، ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الناس : ما حدثني به من أثق به من أن بعض الناس يرمي رميا زائدا عن المشروع ـ إما في العدد ، وإما في النوبات والمرات ؛ فيرمي أكثر من سبع ، ويرمي الجمرات في اليوم مرتين أو ثلاثا ، وربما يرمي في غير وقت الحج ، وهذا كله من الجهل والخطأ ، والواجب على المرء : أن يتعبد بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لينال بذلك محبة الله ومغفرته ؛ لقول الله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) .
هذا ما يحضرني الآن من الأخطاء في رمي الجمرات

أخطاء تقع في المبيت بمنى أيام التشريق
السؤال (307 ) : فضيلة الشيخ ، كنا قد سألنا عن الإقامة بمنى في اليوم الثامن قبل الخروج إلى عرفة ، وذكرتم الأخطاء التي تقع فيها ، لكن حبذا أيضاً لو عرفنا الأخطاء التي قد تقع من بعض الحجاج في الإقامة بمنى في أيام التشريق ؟
الجواب : الإقامة في منى في أيام التشريق يحصل فيها أيضا أخطاء من بعض الحجاج ، وأنا أعود إلى مزدلفة ، فإن فيها بعض الأخطاء التي لم ننبه عليها سابقا :
فمنها : أن بعض الناس في ليلة مزدلفة يحيي الليلة بالقيام والقراءة والذكر ، وهذا خلاف السنة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة لم يتعبد لله عز وجل بمثل هذا ، بل في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى العشاء ، اضطجع حتى طلوع الفجر ، ثم صلى الصبح ، وهذا يدل على أن تلك الليلة ليس فيها تهجد أو تعبد أو تسبيح أو ذكر أو قرآن .
ومنها ـ أي من الأخطاء في مزدلفة ـ أنني سمعت أن بعض الحجاج يبقون في مزدلفة حتى تطلع الشمس ويصلون صلاة الشروق أو الإشراق ، ثم ينصرفون بعد ذلك ، وهذا خطأ ؛ لأن فيه مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وموافقة لهدي المشركين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس حين أسفر جدا ، والمشركون كانوا ينتظرون حتى تطلع الشمس ويقولون : (( أشرق ثبير ، كيما نغير )) ؛ فمن بقى في مزدلفة تعبدا لله عز وجل حتى تطلع الشمس ، فقد شابه المشركين وخالف سنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه .
أما الأخطاء في منى: فمنها: أن بعض الناس لا يبيتون بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر ، بل يبيتون خارج منى من غير عذر، يريدون أن يترفهوا، وأن يشموا الهواء - كما يقولون- وهذا جهل وضلال، ومخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإنسان الذي يريد أن يترفه لا يأتي للحج، فإن بقاءه في بلده اشد ترفها وأسلم من تكلف المشاق والنفقات.
ومن الأشياء التي يخل بها بعض الحجاج في الإقامة بمنى، بل التي يخطئ فيها: أن بعضهم لا يهتم بوجود مكان في منى، فتجده إذا دخل في الخطوط ووجد ما حول الخطوط ممتلئاً قال: إنه ليس في مني مكان، ثم ذهب ونزل في خارج منى، والواجب عليه أن يبحث بحثاً تاماً فيما حول الخطوط وما كان داخلها، لعله يجد مكاناً يبقى فيه أو يمكث فيه أيام منى؛ لأن البقاء في منى واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لتأخذوا عني مناسككم))(294) ، وقد أقام صلى الله عليه وسلم في منى، ورخص للعباس بن عبد المطلب من أجل سقايته أن يبيت في مكة ليسقي الحجاج(295)
ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الناس إذا بحث ولم يجد مكاناً في منى، نزل إلى مكة أو إلى العزيزية ، وبقي هنالك، والواجب إذا لم يجد مكاناً في منى أن ينزل عند آخر خيمة من خيام الحجاج ليبقى الحجيج كلهم في مكان واحد متصلاً بعضه ببعض؛ كما نقول فيما لو امتلأ المسجد بالمصلين ، فإنه يصلي مع الجماعة حيث تتصل الصفوف ولو كان خارج المسجد.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الإقامة بمنى، وهو يسير، لكن ينبغي المحافظة عليه: أن بعض الناس يبيت في منى ولكن إذا كان النهار نزل إلى مكة، ليترفه في الظل الظليل، والمكيفات والمبردات ، ويسلم من حر الشمس ولفح الحر، وهذا- وإن كان جائزاً على مقتضى قواعد الفقهاء حيث قالوا: إنه لا يجب إلا المبيت- فإنه خلاف السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بقي في منى ليالي وأياماً، فكان عليه الصلاة والسلام يمكث في منى ليالي أيام التشريق وأيام التشريق، نعم لو كان الإنسان محتاجاً إلى ذلك- كما لو كان مريضاً، أو كان مرافقاً لمريض- فهذا لا بأس به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يبيتوا خارج منى، وأن يبقوا في الأيام في مراعيهم مع إبلهم(296)
هذا ما يحضرني الآن من الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الإقامة في منى.

أخطاء تقع في الهدي
السؤال (308): فضيلة الشيخ، تحدثنا عن الأخطاء التي يقع فيها الحجاج في بعض أعمال الحج، وفي بعض المشاعر أيضاً، بقي علينا أن نعرف إذا كانت هناك أخطاء يقع فيها الحجاج بالنسبة للهدي؟
الجواب: نعم يرتكب بعض الحجاج أخطاء في الهدي.
منها: أن بعض الحجاج يذبح هدياً لا يجزئ، كأن يذبح هدياً صغيراً لم يبلغ السن المعتبر شرعاً للإجزاء، وهو في الإبل خمس سنوات، وفي البقر سنتان،وفي المعز سنة، وفي الضأن ستة أشهر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)) (297) ومن العجب أن بعضهم يفعل ذلك مستدلاً بقوله تعالى: ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )(البقرة: 196)، ويقول : إن ما تيسر من الهدي فهو كاف، فنقول له: إن الله قال : (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) و ((أل)) هذا لبيان الجنس، فيكون المراد بالهدي: الهدي المشروع ذبحه، وهو الذي بلغ السن المعتبر شرعاً، وسلم من العيوب المانعة من الإجزاء شرعاً، ويكون معنى قوله : (فَمَا اسْتَيْسَرَ) أي: بالنسبة لوجود الإنسان ثمنه مثلاً، ولهذا قال : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)(البقرة: 196) فتجده يذبح الصغير الذي لم يبلغ السن، ويقول: هذا ما استيسر من الهدي، ثم يرمي به، أو يأكله أو يتصدق به، وهذا لا يجزئ ؛ للحديث الذي أشرنا إليه.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الهدي: أنه يذبح هدياً معيباً بعيب يمنع من الإجزاء، والعيوب المانعة من الإجزاء ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام حين تحدث عن الأضحية وسئل: ماذا ينقّى من الضحايا؟ فقال: (( أربع)) وأشار بيده عليه الصلاة والسلام: (( العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والهزيلة - أو العجفاء- التي لا تُنقي))(298) ، أي : التي ليس فيها نِقْي ، أي : مخ ، فهذه العيوب الأربعة مانعة من الإجزاء ، فأي بهيمة يكون فيها شيء من هذه العيوب أو ما كان مثلها أو أولى منها ، فإنها لا تجزئ في الأضحية ولا في الهدي الواجب ؛ كهدي التمتع والقران والجبران .
ومن الأخطاء التي يرتكبها الحجاج في الهدي : أن بعضهم يذبح الهدي ثم يرمي به ، ولا يقوم بالواجب الذي أوجب الله عليه في قوله : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)(الحج: 28) فقوله تعالى : (وَأَطْعِمُوا ) أمر لابد من تنفيذه ؛ لأنه حق للغير ، أما قوله : ( فَكُلُوا مِنْهَا ) فالصحيح أن الأمر فيه ليس للوجوب ، وأن للإنسان أن يأكل من هديه ، وله أن لا يأكل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بالهدي من المدينة إلى مكة ولا يأكل منه ، فيذبح في مكة ويوزع ولا يأكل منه ؛ لكن قوله: (وَأَطْعِمُوا ) هذا أمر يتعلق به حق الغير ، فلابد من إيصال هذا الحق إلى مستحقه .
وبعض الناس ـ كما قلت يذبحه ويدعه ؛ فيكون بذلك مخالفا لأمر الله تبارك وتعالى ، بالإضافة إلى أن ذبحه وتركه إضاعة للمال ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (299) ، وإضاعة المال من السفه ؛ ولهذا قال الله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)(النساء: 5) .
وهذا الخطأ الذي يقع في هذه المسألة يتعلل بعض الناس بأنه لا يجد فقراء يعطيهم ، وأنه يشق عليه حمله ؛ لكثرة الناس والزحام والدماء واللحوم في المجازر ، وهذا التعليل ـ وإن كان قد يصح في زمن مضى ـ لكنه الآن قد تيسر ؛ لأن المجازر هذبت وأصلحت ، ولأن هناك مشروعا افتتح في السنوات الأخيرة ، وهو أن الحاج يعطي اللجنة المكونة لاستقبال دراهم الحجاج ؛ لتشتري لهم بذلك الهدي وتذبحه وتوزعه على مستحقه ، فبإمكان الحاج أن يتصل بمكاتب هذه اللجنة ، من أجل أن يسلم قيمة الهدي ، ويوكلهم في ذبحه وتفريق لحمه .
ومن الأخطاء أيضا : أن بعض الحجاج يذبح الهدي قبل وقت الذبح ، فيذبحه قبل يوم العيد ، وهذا ـ وإن كان قال بعض أهل العلم في هدي التمتع والقران ـ فإنه قول ضعيف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذبح هديه قبل يوم العيد ، مع أن الحاجة كانت داعية إلى ذبحه ، فإنه حين أمر أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ أن يحلوا من إحرامهم بالحج ليجعلوه عمرة ويكونوا متمتعين ، وحصل منهم شيء من التأخر ، قال : (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ))(300)، فلو كان ذبح الهدي جائزا قبل يوم النحر ، لذبحه النبي عليه الصلاة والسلام ، وحل من إحرامه معهم تطييبا لقلوبهم ، واطمئنانا لهم في ذلك ، فلما لم يكن هذا منه صلى الله عليه وسلم ، علم أن ذبح الهدي قبل يوم العيد لا يصح ولا يجزئ .
ومن العجب : أنني سمعت من بعض المرافقين لبعض الحملات التي تأتي من بلاد نائية عن مكة ، أنه قيل لهم ـ أي لهذه الحملات ـ : لكم أن تذبحوا هديكم من حين أن تسافروا من بلدكم إلى يوم العيد ، واقترح عليهم هذا أن يذبحوا من الهدي بقدر ما يكفيهم من اللحم لكل يوم ، وهذا جرأة عظيمة على شرع الله وعلى حق عباد الله ، وكأن هذا الذي أفتاهم بهذه الفتوى يريد أن يوفر على صاحب هذه الحملة الذي تكفل بالقيام بهذه الحملة ، أن يوفر عليه نفقات هذه الحملة ؛ لأنهم إذا ذبحوا لكل يوم ما يكفيهم من هداياهم ، وفروا عليه اللحم ، فعلى المرء أن يتوب إلى الله عز وجل ، وأن لا يتلاعب بأحكام الله ، وأن يعلم أن هذه الأحكام أحكام شرعية ، أراد الله تعالى من عباده أن يتقربوا بها إليه على الوجه الذي سنة لهم وشرعه لهم ؛ فلا يحل لهم أن يتعدوه إلى ما تمليه عليه أهواؤهم .

حكم ذبح الهدي في غير مكة
السؤال (309 ) : فضيلة الشيخ ، هناك بعض الحجاج إذا أراد أن يحج ، دفع نقوداً لبعض المؤسسات الخيرية التي تتولى ذبح هديه في أماكن المجاعة في شرق الأرض وغربها ، فما حكم هذا العمل ، أثابكم الله ؟
الجواب : أقول : إن هذا عمل خاطئ مخالف لشريعة الله وتغرير بعباد الله عز وجل ؛ وذلك أن الهدي محل ذبحه مكة ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما ذبح هديه بمكة ، ولم يذبحه في المدينة ، ولا في غيرها من البلاد الإسلامية ، والعلماء نصوا على هذا وقالوا : إنه يجب أن يذبح هدي التمتع والقران والهدي الواجب لترك واجب يجب أن يذبح في مكة ، وقد نص الله على ذلك في جزاء الصيد ، فقال : ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ )(المائدة: 95) ، فما قيد في الشرع بأماكن معينة لا يجوز أن ينقل إلى غيرها ، بل يجب أن يكون فيها ، فيجب أن تكون الهدايا في مكة ، وتوزع في مكة ، وإن قدر أنه لا يوجد أحد يقبلها في مكة وهذا فرض قد يكون محالاً فإنه لا حرج أن تذبح في مكة ، وتنقل لحومها إلى من يحتاجها من بلاد المسلمين ، الأقرب فالأقرب ، أو الأشد حاجة فالأشد ، وهذا بالنسبة للهدايا .

حكم ذبح الأضحية في غير مكان المضحي
السؤال (310 ) فضيلة الشيخ ، هل ينطبق هذا الحكم على الضحايا أيضاَ؟
الجواب : نعم ينطبق على الأضحية ما ينطبق على الهدي ؛ لأن الأضحية المشروع أن تكون في مكان المضحي ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذبح أضحيته في بلده ، وبين أصحابه ، حيث كان يخرج بها إلى المصلى فيذبحها هناك ؛ إظهار لشعائر الله عز وجل ، والدعوة إلى أن تؤخذ الدراهم من الناس ، وتذبح الضحايا في أماكن بعيدة دعوة إلى تحطيم هذه الشعيرة وخفائها على المسلمين ؛ لأن الناس إذا نقلوا ضحاياهم إلى أماكن أخرى لم تظهر الشعائر ـ الأضاحي ـ في البلاد ، وأظلمت البلاد من الأضاحي ، مع أنها من شعائر الله عز وجل .
ويفوت بذلك :
أولا : مباشرة المضحي لذبح أضحيته بنفسه ؛ فإن هذا هو الأفضل ، والسنة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان يذبح أضحيته بيده عليه الصلاة والسلام .
ثانيا : يفوت بذلك سنية الأكل منها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأكل من الأضاحي ، كما أمر الله بذلك في قوله : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)(الحج: 28) ؛ فإن هذا أمر بالأكل من كل ذبيحة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، ولما أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة ذبح منها ثلاثاً وستين بيده الكريمة ، وأعطى عليا رضي الله عنه الباقي فوكله في ذبحه ، ووكله أيضا في تفريق اللحم ، إلا أنه أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة ـ أي : قطعة من لحم ـ فجعلت في قدر ، فطبخت ، فأكل من لحمها وشرب من مرقها(301) ؛ وهذا يدل على تأكد أكل الإنسان مما أهداه من الذبائح ، وكذلك مما ضحى به .
نحن نقول : إنه لا يجوز التوكيل ، أن يوكل الإنسان من يذبح أضحيته ، لكن لابد أن تكون الأضحية عنده وفي بيته أو في بلده على الأقل ، يشاهدها ويأكل منها ، وتظهر بها شعائر الدين .
وليعلم أنه ليس المقصود من الأضاحي المادة البحته وهي اللحم فإن الله تعالى يقول : (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ )(الحج: 37) ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن ذبح قبل الصلاة : (( فإنما هو لحم قدمه لأهله ))(302)، وقال لأبي بردة : (( شاتك شاة لحم ))(303) ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الأضحية وبين اللحم .
وأيضا : فإن العلماء يقولون : لو تصدق بلحم مائة بعير ، فإنه لا يجزئه عن شاة واحدة يضحي بها ؛ وهذا يدل على أن الأضحية يتقرب إلى الله تعالى بذبحها ، قبل أن ينظر إلى منفعة لحمها .

الزاهدة
08-13-2011, 08:38 AM
نصائح تتعلق بالهدي
السؤال (311 ) : فضيلة الشيخ ، تحدثنا عن الذين يرسلون نقودا لبعض البلاد الإسلامية ليذبح هديهم هناك أو أضحيتهم هناك ، وذكرتم أن ذلك مخالف لمقاصد الشريعة ، فهل من إضافة أو نصيحة تتعلق بهذا الموضوع ؟
الجواب : الأمر كما ذكرتم ؛ أن بعض الناس أو بعض المؤسسات تطلب من المسلمين أن يسلموا لها قيمة الهدي أو قيمة الأضاحي ليذبح في بلاد متضرر أهلها ومحتاجون إلى الطعام والغذاء ، وذكرنا أن الهدايا لها محل معين وهو مكة المكرمة ، وأنه يجب أن يكون الذبح هناك في جزاء الصيد ، وفي هدي التمتع والقران وفي الفدية الواجبة لترك الواجب ، وأما الواجبة لفعل محظور : فإنها تكون حيث وجد ذلك المحظور ، ويجوز أن تكون في الحرم ، أي : في مكة ، وأما دم الإحصار : فحيث وجد سببه ، هكذا ذكر أهل العلم ، رحمهم الله ، ولا يجوز أن تخرج عن مكة وتذبح في مكان آخر .
وأما تفريق لحمها : فيكون في مكة إلا إذا استغنى أهل مكة ، فيجوز أن تفرق في البلاد الإسلامية ، في أقرب البلاد ، هذا بالنسبة للهدي
أما الأضاحي : فإنها في بلاد المضحين ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه ضحى إلا في محل إقامته في المدينة عليه الصلاة والسلام ، والأفضل أن يباشرها بنفسه ، فإن لم يستطع ، فإنه يوكل من يذبحها أمامه ليشهد أضحيته ، وسبق لنا ما يحصل من المحظور في نقل الأضاحي إلى بلاد أخرى .
وإنني بهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى إخواني المسلمين ؛ ليعلموا أنه ليس المقصود من ذبح الهدايا والأضاحي مجرد اللحم ؛ فإن هذا يحصل بشراء الإنسان لحما كثيرا يوزعه على الفقراء ، لكن المقصود والأهم هو التقرب إلى الله تعالى بالذبح ؛ فإن التقرب إلى الله تعالى بالذبح من أفضل الأعمال الصالحة بالذبح ؛ كما قال الله تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(الأنعام : 162،163 ) وقال تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2). وقال تعالى : (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ )(الحج: 37) ، وكون الإنسان يدفع دراهم لتذبح أضحيته في مكان الحاجة من بلاد المسلمين ، يغني عنه أن يدفع دراهم ليشترى بها الطعام من هناك ويوزع على الفقراء ، وربما يكون هذا أنفع لهم حيث يشترى ما يليق بحالهم ويلائمهم ، وربما تكون الأطعمة هناك أرخص .
فنصيحتي للمسلمين أن يتولوا ذبح ضحاياهم في بلادهم ، وأن يأكلوا منها ويطعموا منها ويظهروا شعائر الله تعالى بالتقرب إليه بذبحها ، وأن لا ينسوا إخوانهم المسلمين المتضررين في مشارق الأرض ومغاربها المحتاجين لبذل الأموال والمعونات لهم ، فيجمعوا في هذه الحال بين الحسنيين ، بين حسنى ذبح الأضاحي في بلادهم ، وحسنى نفع إخوانهم المسلمين في بلادهم .

أخطاء تقع في الوداع
السؤال (312 ) : فضيلة الشيخ ، آخر أعمال الحج الوداع ، فهل هناك أخطاء ترون أن بعض الحجاج يقعون فيها ، ما هي هذه الأخطاء جزاكم الله خيرا ؟
الجواب : طواف الوداع يجب أن يكون آخر أعمال الحج ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ))(304)، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن الحائض(305) . فالواجب أن يكون الطواف آخر عمل يقوم به الإنسان من أعمال الحج ، والناس يخطئون في طواف الوداع في أمور :
أولا : أن بعض الناس لا يجعل الطواف آخر أمره ، بل ينزل إلى مكة ، ويطوف طواف الوداع ، وقد بقى عليه رمي الجمرات ، ثم يخرج إلى منى فيرمي الجمرات ثم يغادر ، وهذا خطأ ، ولا يجزئ طواف الوداع في مثل هذه الحال ؛ وذلك لأنه لم يكن آخر عهد الإنسان بالبيت الطواف ، بل كان آخر عهده رمي الجمرات .
الثاني : ومن الخطأ أيضا في طواف الوداع : أن بعض الناس يطوف للوداع ، ويبقي في مكة بعده ، هذا يوجب إلغاء طواف الوداع ، وأن يأتي ببدله عند سفره ، نعم لو أقام الإنسان في مكة بعد طواف الوداع لشراء حاجة في طريقه أو لتحميل العفش أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا باس به .
ومن الخطأ في طواف الوداع : أن بعض الناس إذا طاف للوداع وأراد الخروج من المسجد ، رجع القهقري ، أي : رجع على قفاه ، فيزعم أنه يتحاشى بذلك تولية البيت ظهره ، أي : تولية الكعبة ظهره ، وهذا بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من أصحابه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشد منا تعظيما لله تعالى ولبيته ، ولو كان هذا من تعظيم الله وبيته ، لفعله صلى الله عليه وسلم وحينئذ فإن السنة إذا طاف الإنسان للوداع أن يخرج على وجهه ولو ولى البيت ظهره في هذه الحالة .
ومن الخطأ أيضا : أن بعض الناس إذا طاف للوداع ، ثم انصرف ووصل إلى باب المسجد الحرام ، اتجه إلى الكعبة وكأنه يودعها ، فيدعو أو يسلم أو ما أشبه ذلك ، وهذا من البدع أيضا ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، ولو كان خيرا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا ما يحضرني الآن .

حكم زيارة المسجد النبوي ، وهل لها تعلق بالحج
السؤال (313 ) : فضيلة الشيخ ، إذن بعد أن عرفنا الشيء الكثير عن الحج وأعماله والأخطاء التي تقع فيه ، نود أن ننتقل مع الإخوة الحجاج إلى ما يهمهم في الزيارة ، زيارة المسجد النبوي الشريف ، فما حكم زيارة المسجد النبوي ، وهل لها تعلق بالحج ؟
الجواب : زيارة المسجد النبوي سنة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ))(306) فيسافر الإنسان لزيارة المسجد النبوي ؛ لأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام(307) . ولكنه إذا سافر إلى المدينة فينبغي أن يكون قصده الأول الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا وصل إلى هناك ، زار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، على الوجه المشروع في ذلك من غير بدع ولا غلو .
وقولك في السؤال : هل له علاقة بالحج ؟
جوابه : أنه لا علاقة له بالحج ، وأن زيارة المسجد النبوي منفصلة ، والحج والعمرة منفصلان عنه ، لكن أهل العلم رحمهم الله يذكرونه في باب الحج ، أو في آخر باب الحج ؛ لأن الناس في عهد سبق يشق عليهم أن يفردوا الحج والعمرة في سفر وزيارة المسجد النبوي في سفر ، فكانوا إذا حجوا واعتمروا ، مروا على المدينة لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإلا فلا علاقة بين هذا وهذا .

الآداب المشروعة في زيارة المسجد النبوي
السؤال ( 314) : فضيلة الشيخ، أشرتم إلى زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام إذا وصل المسلم إلى المدينة المنورة وأيضاً قبر صاحبيه، فما الآداب المشروعة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب: الآداب المشروعة: أن يزور الإنسان قبره صلى الله عليه وسلم على وجه الأدب، وأن يقف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيسلم عليه فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، صلى الله عليك وسلم وبارك، وجزاك عن أمتك خير الجزاء، ثم يخطو خطوة ثانية، خطوة عن يمينه؛ ليكون مقابل وجه أبي بكر رضي الله عنه، ويقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته،جزاك الله عن أمة محمد خيراً، ثم يخطو خطوة عن يمينه، ليكون مقابل وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيراً، ثم ينصرف ، هذه هي الزيارة المشروعة.
وأما ما يفعله بعض الناس من التمسح بجدران الحجرة، أو التبرك بها، أو ما أشبه ذلك، فكله من البدع، وأشد من ذلك وأنكر وأعظم: أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم لتفريج الكربات، وحصول المرغوبات؛ فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، ولا يملك لغيره كذلك نفعاً ولا ضرا، ولا يعلم الغيب، وهو صلى الله عليه وسلم قد مات كما يموت غيره من بني آدم، فهو بشر يحيا كما يحيون، ويموت كما يموتون، وليس له من تدبير الكون شيء أبداً، قال الله تعالى، أي: للرسول صلى الله عليه وسلم : (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (21) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجن:21/22) ، وقال الله تعالى له : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلا ما شاء الله) (لأعراف: 188) وقال الله له : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ )(الأنعام: 50).
فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر محتاج إلى الله عز وجل، وليس به غنى عنه طرفة عين،ولا يملك أن يجلب نفعاً لأحد أو يدفع ضرراً عن أحد، بل هو عبد مربوب مكلف كما يكلف بنو آدم، وإنما يمتاز بما من الله به عليه من الرسالة التي لم تكن لأحد قبله ولن تكون لأحد بعده، وهي الرسالة العظمى التي بعث بها إلى سائر الناس إلى يوم القيامة.

حكم زيارة البقيع وشهداء أحد
السؤال (315): فضيلة الشيخ، أيضاً ما حكم زيارة بعض مقابر المدينة؛ كالبقيع ، وشهداء أحد؟
الجواب: زيارة القبور سنة في كل مكان ، ولا سيما زيارة البقيع التي دفن فيه كثير من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقبره هناك معروف، وكذلك يسن أن يخرج إلى أحد ليزور قبور الشهداء هنالك، ومنهم حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك ينبغي أن يزور مسجد قباء، يخرج متطهراً فيصلي فيه ركعتين؛ فإن في ذلك فضلاً عظيماً، وليس هناك شي يزار في المدينة سوى هذه، زيارة المسجد النبوي ، زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، زيارة البقيع، زيارة شهداء أحد، زيارة مسجد قباء، وما عدا ذلك من المزارات ، فإنه لا أصل له.

يجد في قلبه ميلاً إلى طلب الشفاعة من المقبورين فماذا يفعل؟
السؤال (316): فضيلة الشيخ، سألنا عن حكم زيارة بعض المقابر في المدينة التي تزار، وذكرتم أن المزارات في المدينة خمسة، وقلتم: إنه لا يجوز للإنسان أن يدعو أصحاب هذه المقابر أي دعاء، لكن ما الذي يلزم من وجد في قلبه ميلاً إلى طلب الشفاعة من أصحاب هذه القبور ، أو قضاء الحوائج أو الشفاء، أو ما إلى ذلك؟
الجواب: الذي يجد في قلبه ميلاً إلى طلب الشفاعة من أصحاب القبور، فإن كان أصحاب القبور من أهل الخير، وكان الإنسان يؤمل أن يجعلهم الله شفعاء له يوم القيامة بدون أن يسألهم ذلك ، ولكنه يرجو أن يكونوا شفعاء له، فهذا لا بأس به؛ فإننا كلنا نرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم شفيعاً لنا، ولكننا لا نقول له: يا رسول الله، اشفع لنا ، بل نسأل الله تعالى أن يجعله شفيعاً لنا، وكذلك أهل الخير الذين يرجى منهم الصلاح؛ فإنهم يكونون شفعاء يوم القيامة؛ فإن الشفاعة يوم القيامة تنقسم إلى قسمين:
قسم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يشركه فيه أحد، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها صلى الله عليه وسلم للخلق إلى ربهم ليقضي بينهم؛ فإن الناس يوم القيامة ينالهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيقولون : ألا تذهبون إلى من يشفع لنا عند الله عز وجل ، يعني: يريحهم من هذا الموقف، فيأتون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ، ثم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم لا يشفع، حتى يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنتهي الشفاعة إليه، فيشفع عند الله عز وجل أن يقضي سبحانه وتعالى بين عباده ، فيجيء الله عز وجل ويقضي بين عباده.
والشفاعة الثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
أما الشفاعة العامة التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فهذه تكون فيمن دخل النار أن يخرج منها؛ فإن عصاة المؤمنين إذا دخلوا النار بقدر ذنوبهم ، فإن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عباده من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين أن يشفعوا في هؤلاء ، بأن يخرجوا من النار.
المهم أن الإنسان إذا رجا الله عز وجل أن يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، أو يشفع فيه أحد من الصالحين بدون أن يسألهم ذلك، فهذا لا بأس به، وأما أن يسألهم فيقول: يا رسول الله، اشفع لي، أو يا فلان، اشفع لي، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز، بل هو من دعاء غير الله عز وجلن ودعاء غير الله شرك.

حكم زيارة المساجد السبعة وغيرها من المزارات
السؤال (317): فضيلة الشيخ، ذكرتم أن المواضع التي تزار في المدينة خمسة، لكن لم ترد إشارة مثلاً للمساجد السبعة أو مسجد الغمامة، أو بعض هذه المزارات التي يزورها بعض الحجاج، فما حكم زيارتها؟
الجواب: نحن ذكرنا أنه لا يزار سوى هذه الخمسة التي هي: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ،وقبره، وقبر صاحبيه، وهذه القبور الثلاثة في مكان واحد، والبقيع وفيه قبر عثمان رضي الله عنه، وشهداء أحد وفيهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ومسجد قباء، وما عدا ذلك فإنه لا يزار، وما أشرت إليه من المساجد السبعة، أو غيرها مما لم تذكر، فكل هذا لا أصل لزيارته، وزيارته بقصد التعبد لله تعالى بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز لأحد أن يثبت لزمان أو مكان أو عمل، أن فعله أو قصده قربه إلا بدليل من الشرع.

الزاهدة
08-13-2011, 08:40 AM
ما ينبغي لمن وفق لأداء الحج؟
السؤال (318): فضيلة الشيخ، ما الذي ينبغي لمن وفقه الله تعالى لإتمام نسكه من الحج والعمرة؟ وما الذي ينبغي له بعد ذلك؟
الجواب: الذي ينبغي له ولغيره ممن منّ الله عليه بعبادة أن يشكر الله سبحانه وتعالى على توفيقه لهذه العبادة، وأن يسأل الله تعالى قبولها، وأن يعلم أن توفيق الله تعالى إياه لهذه العبادة نعمة يستحق سبحانه وتعالى الشكر عليها، فإذا شكر الله، وسأل الله القبول، فإنه حري بأن يقبل ؛ لأن الإنسان إذا وفق للدعاء فهو حري بالإجابة ، وإذا وفق للعبادة فهو حري بالقبول، وليحرص غاية الحرص أن يكون بعيداً عن الأعمال السيئة بعد أن من الله عليه بمحوها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))(308)، ويقول صلى الله عليه وسلم : (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان: كفارة لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر))(310) ، ويقول صلى الله عليه وسلم : (( العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما))(311) ، وهذه وظيفة كل إنسان يمن الله تعالى عليه بفعل عبادة ، أن يشكر الله على ذلك، وأن يسأله القبول.
السؤال (319): فضيلة الشيخ، هل هناك علامات يمكن أن تظهر على المقبولين في أداء الحج والعمرة؟
الجواب: قد تكون هناك علامات لمن تقبل الله منهم من الحجاج والصائمين والمتصدقين والمصلين، وهي انشراح الصدر، وسرور القلب، ونور الوجه؛ فإن للطاعات علامات تظهر على بدن صاحبها، بل على ظاهره وباطنه أيضاً، وذكر بعض السلف أن من علامة قبول الحسنة: أن يوفق الإنسان لحسنة بعدها؛ فإن توفيق الله إياه لحسنة بعدها يدل على أن الله عز وجل قبل عمله الأول، ومن عليه بعمل آخر يرضى به عنه.

الواجب على من عاد إلى بلاده تجاه أهله بعد أداء الحج
السؤال(320): فضيلة الشيخ، ما الذي يجب على المسلم إذا انتهى من حجة وسافر عن هذه الأماكن المقدسة ما الذي يجب عليه تجاه أهله وجماعته ومن يعيش في وسطهم؟
الجواب: هذا الواجب الذي تشير إليه واجب على من حج ومن لم يحج، واجب على كل من ولاه الله تعالى على رعية؛ أن يقوم بحق هذه الرعية، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن : (( الرجل راع في أهله، ومسؤول عن رعيته))(312) ، فعليه أن يقوم بتعليمهم وتأديبهم، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، أو كما كان يأمر بذلك الوفود الذين يفدون إليه أن يرجعوا إلى أهليهم فيعلموهم ويؤدبوهم، والإنسان مسؤول عن أهله يوم القيامة، لأن الله تعالى ولاه عليهم وأعطاه الولاية ، فهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة؛ ويدل لهذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)(التحريم:6)، فقرن الله تعالى الأهل بالنفس، فكما أن الإنسان مسؤول عن نفسه يجب عليه أن يحرص كل الحرص على ما ينفعها؛ فإنه مسؤول عن أهله؛ كذلك يجب عليه أن يحرص كل الحرص على أن يجلب لهم ما ينفعهم ويدفع عنهم بقدر ما يستطيع ما يضرهم.

آثار الحج على المسلم
السؤال (321): فضيلة الشيخ، ما هي آثار الحج على المسلم؟
الجواب: سبق لنا الإشارة إلى شيء منها؛ حيث سألت: ما هي علامة قبول الحج؟
فمن آثار الحج: أن الإنسان يرى من نفسه راحة وطمأنينة ، وانشراح صدر، ونور قلب.
وكذلك قد يكون من آثار الحج: ما يكتسبه الإنسان من العلم النافع الذي يسمعه في المحاضرات وجلسات الدروس في المسجد الحرام، وفي المخيمات في منى وعرفة.
وكذلك من آثاره: أن يزداد الإنسان معرفة بأحوال العالم الإسلامي ، إذا وفق لشخص ثقة يحدثه عن أوطان المسلمين.
وكذلك من آثاره: غرس المحبة في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض؛ فإنك ترى الإنسان في الحج وعليه علامات الهدى والصلاح فتحبه وتسكن إليه وتألفه.
ومن آثار الحج أيضاً: أن الإنسان قد يكتسب أمراً مادياً بالتكسب بالتجارة وغيرها؛ لقوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ )(الحج: من الآية28) ، ولقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ )(البقرة: من الآية198)، وكم من إنسان اكتسب مالاً بالتجارة في حجه، شراء وبيعاً، وهذا من المنافع التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.
ومن آثار الحج : أن يعود الإنسان نفسه على الصبر وعلى الخشونة والتعب، لا سيما إذا كان رجلاً عادياً من غير أولئك الذين تكمل لهم الرفاهية في حجهم، فإنه يكتسب بذلك شيئاً كثيراً، أعني: الذي يكون حجه عادياً يكتسب خيراً كثيراً بتعويد نفسه على الصبر والخشونة.

نصيحة لمن أدى الحج
السؤال(322): فضيلة الشيخ، ما هي نصيحتكم لمن أدى فريضة الحج؟
الجواب: نصيحتي له: أن يتقي الله عز وجل في أداء ما ألزمه الله به من العبادات الأخرى؛ كالصلاة والزكاة، والحج، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، وإلى المملوكات من البهائم، وغير هذا مما أمر الله به، وجماع ذلك كله: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل:90/91) .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الزاهدة
08-14-2011, 01:07 AM
التوحيد :

رسالة في القضاء والقدر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .وأشهد أن لا اله آلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فبلٌغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد

فيا أيها الإخوة الكرام : إننا في هذا اللقاء الذي نرجو أن يفتح الله علينا فيه من خزائن فضله ورحمته وأن يجعلنا من الهداة المهتدين ومن القادة المصلحين ومن المستمعين ، المنتفعين ، نبحث في أمر مهم يهم جميع المسلمين ألا وهو (( قضاء الله وقدره )) والأمر ولله الحمد واضح، ولولا أن التساؤلات قد كثرت ولولا أن الأمر اشتبه على كثير من الناس، ولولا كثرة من خاض في الموضوع بالحق تارة وبالباطل تارات ونظراً إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت وصار الفاسق يريد أن يبرر لفسقه بالقضاء والقدر ، لولا هذا وغيره ما كنا نتكلم في هذا الأمر .

والقضاء والقدر ما زال النزاع فيه بين الأمة قديما وحديثا فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر فنهاهم عن ذلك وأخبر أنه ما أهلك الذين من قبلكم ألا هذا الجدال(1).

ولكن فتح الله على عباده المؤمنين السلف الصالح الذين سلكوا طريق العدل فيما علموا وفيما قالوا وذلك أن قضاء الله تعالى وقدره من ربوبيته سبحانه وتعالى لخلقه فهو داخل في أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي قسم أهل العلم إليها توحيد الله عز وجل :
القسم الأول : توحيد الألوهية ، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة .
القسم الثاني : توحيد الربوبية وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير .
القسم الثالث : توحيد الأسماء والصفات ، وهو توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته .

فالأيمان بالقدر هو من ربوبية الله عز وجل ولهذا قال الأمام احمد رحمه الله تعالى : القدر قدرة الله.ا.هـ لأنه من قدرته ومن عمومها بلا شك وهو أيضاً سرٌ الله تعالى المكتوم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى . مكتوب في اللوح المحفوظ في الكتاب المكنون الذي لا يطٌلع عليه أحد ونحن لا نعلم بما قدّره الله لنا أو علينا أو بما قدَّره الله تعالى في مخلوقاته إلا بعد وقوعه أو الخبر الصادق عنه .

والأمة الإسلامية انقسمت في القدر إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : غلوا في إثبات القدر وسلبوا العبد قدرته واختياره وقالوا : أن العبد ليس له قدرة ولا اختيار وإنما هو مسير لا مخير كالشجرة في مهب الريح ، ولم يفرقوا بين فعل العبد الواقع باختياره وبين فعله الواقع بغير اختياره . ولا شك أن هؤلاء ضالون لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري
القسم الثاني : غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره حتى نفوا أن يكون الله تعالى مشيئة أو اختيار أو خلق فيما يفعله العبد وزعموا أن العبد مستقل بعمله حتى غلا طائفة منهم فقالوا أن الله تعالى لا يعلم بما يفعله العباد إلا بعد أن يقع منهم وهؤلاء أيضا غلوا وتطرفوا تطرفا عظيماً في إثبات قدرة العبد واختياره .
القسم الثالث : وهم الذين آمنوا فهداهم الله لما اختلف فيه من الحق وهم أهل السنة والجماعة سلكوا في ذلك مسلكاً وسطاً قائماً على الدليل الشرعي وعلى الدليل العقلي وقالوا إن الأفعال التي يحدثها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : ما يجريه الله ـ تبارك وتعالى- من فعله في مخلوقاته فهذا لا اختيار لأحد فيه كإنزال المطر وإنبات الزرع والإحياء والإماتة والمرض والصحة وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تشاهد في مخلوقات الله تعالى وهذه بلا شك ليس لأحد فيه اختيار وليس لأحد فيها مشيئة وإنما المشيئة فيها لله الواحد القهار .
القسم الثاني: ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فهذه الأفعال تكون باختيار فاعليها وإرادتهم لان الله تعالى جعل ذلك إليهم قال الله تعالى :(لمن شاء منكم أن يستقيم ) (التكوير :28) وقال تعالى(منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) (آل عمران 152) وقال تعالى : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ( الكهف : 29 ) والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختياره وبين ما يقع منه باضطرار وإجبار فالإنسان ينزل من السطح بالسلم نزولاً اختيارياً يعرف انه مختار ولكنه يسقط هاوياً من السطح يعرف انه ليس مختاراً لذلك ويعرف الفرق بين الفعلين وأن الثاني إجبار والأول اختيار وكل إنسان يعرف ذلك .

وكذلك الإنسان يعرف انه إذا أصيب بمرض سلس البول فإن البول يخرج منه بغير اختياره وإذا كان سليماً من هذا المرض فإن البول يخرج منه باختياره . ويعرف الفرق بين هذا وهذا ولا أحد ينكر الفرق بينهما . وهكذا جميع ما يقع من العبد يعرف فيه الفرق بين ما يقع اختياراً وبين ما يقع اضطراراً وإجباراً بل إن من رحمة الله عز وجل أن من الأفعال ما هو باختيار العبد ولكن لا يلحقه منه شيء كما في فعل الناسي والنائم ويقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف :( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) (الكهف : 18 ) وهم الذين يتقلبون ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه لان النائم لا اختيار له ولا يؤاخذ بفعله ، فنسب فعله إلى الله عز وجل ويقول صلى الله عليه وسلم ( من نسى وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه )[2]

فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله عز وجل لأن الفعل وقع منه بغير ذكر فكأنه صار بغير اختياره وكلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من آلم بغير اختياره وما يجده من خفة في نفسه أحياناً بغير اختياره ولا يدرى ما سببه وبين أن يكون الألم هذا ناشئاً من فعل هو الذي اكتسبه أو هذا الفرح ناشئاً من شي هو الذي اكتسبه وهذا الأمر ولله الحمد واضح لا غبار عليه .

ولو قلنا بقول الفريق الأول الذين غلوا في إثبات القدر لبطلت الشريعة من أصلها لأن القول بأن فعل العبد ليس له فيه اختيار يلزم من أن لا يحمد على فعل محمود ولا يلام على فعل مذموم لأنه في الحقيقة بغير اختيار وإرادة منه وعلى هذا فالنتيجة إذن أن الله تبارك وتعالى يكون ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً ـ ظالماً لمن عصى إذا عذبه وعاقبه على معصيته ، لأنه عاقبة على أمر لا اختيار له فيه ولا إرادة وهذا بلا شك مخالف للقران صراحة يقول الله تبارك وتعالى : ( وقال قرينه هذا ما لدى عتيد (23) القيا في جهنم كل كفار عنيد(24) مناعٍ للخير معتدٍ مريبٍ (25) الذي جعل مع الله آلهاً آخر فالقياه في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد(27) قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد(28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) [ ق :23- 29 ] .

فبين سبحانه أن هذا العقاب منه ليس ظلماً بل هو كمال العدل لأنه قد قدم إليهم بالوعيد وبين لهم الطرق وبين لهم الحق وبين لهم الباطل ولكنهم اختاروا لأنفسهم أن يسلكوا طريق الباطل فلم يبق لهم حجة عند الله عز و وجل ولو قلنا بهذا القول الباطل لبطل قول الله تعالى : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [ النساء : 165 ] فإن الله تبارك وتعالى نفى أن يكون للناس حجة بعد إرسال الرسل لأنهم قامت عليهم الحجة بذلك فلو كان القدر حجة لهم لكانت هذه الحجة باقية حتى بعد بعث الرسل لان قدر الله تعالى لم يزل ولا يزال موجوداً قبل إرسال الرسل وبعد إرسال الرسل أذن فهذا القول تبطله النصوص ويبطله الواقع كما فصلنا بالأمثلة السابقة .

أما أصحاب القول الثاني فإنهم أيضا ترد عليهم النصوص والواقع ذلك لان النصوص صريحة في أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله عز وجل ( لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) [ التكوير : 28 ، 29 ] ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) [ القصص:68 ] ( والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [ يونس : 25 ] .

والذين يقولون بهذا القول هم في الحقيقة مبطلون لجانب من جوانب الربوبية وهم أيضا مدعون بأن في ملك الله تعالى ما لا يشاء ولا يخلقه والله تبارك وتعالى شاء لكل شي خالق لكل شي مقدر لكل شي وهم أيضا مخالفون لما يعلم بالاضطرار من أن الخلق كله ملك لله عز وجل ذواته وصفاته لا فرق بين الصفة والذات ولا بين المعنى وبين الجسد أذن فالكل لله عز وجل ولا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يريد تبارك وتعالى ولكن يبقى علينا إذا كان الأمر راجعاً إلى مشيئة الله تبارك وتعالى وأن الأمر كله بيده فما طريق الإنسان أذن وما حيلة الإنسان إذا كان الله تعالى قد قدر عليه أن يضل ولا يهتدي ؟

فنقول الجواب عن ذلك . أن الله تبارك وتعالى إنما يهدى من كان أهلاً للهداية ، ويضل من كان أهلاً للضلالة ، يقول الله تبارك وتعالى .( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [ الصف :5] ويقول تعالى ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) [المائدة :13] .

فبين الله تبارك أن أسباب إضلاله لمن ضل إنما هو بسبب من العبد نفسه ، والعبد كما أسلفنا آنفاً لا يدرى ما قدر الله تعالى له ، لأنه لا يعلم بالقدر إلا بعد وقوع المقدور .

فهو لا يدرى هل قدر الله له أن يكون ضالا أم أن يكون مهتديا ؟ فما باله يسلك طريق الضلال ثم يحتج بان الله تعالى قد أراد له ذلك أفلا يجدر به أن يسلك طريق الهداية ثم يقول أن الله تعالى قد هداني للصراط المستقيم ؟ أيجدر به أن يكون جبريا عند الضلالة وقدريا عند الطاعة كلا لا يليق بالإنسان أن يكون جبريا عند الضلالة والمعصية فإذا ضل أو عصى الله قال هذا أمر قد كتب علي وقدر علي ولا يمكنني أن أخرج عما قضى الله وقدر وإذا كان في جانب الطاعة ووفقه الله للطاعة والهداية زعم أن ذلك منه ثم منّ به على الله وقال أنا أتيت به من عند نفسي فيكون قدرياً في جانب الطاعة جبرياً في جانب المعصية هذا لا يمكن أبداً فالإنسان في الحقيقة له قدرة وله اختيار وليس باب الهداية بأخفى من باب الرزق وبأخفى من أبواب طلب العلم . والإنسان كما هو معلوم لدى الجميع قد قدر له ما قدر من الرزق ومع ذلك هو يسعى في أسباب الرزق في بلده وخارج بلده يميناً وشمالاً لا يجلس في بيته ويقول إن قدر لي رزق فانه يأتيني ، بل هو يسعى في أسباب الزرق مع أن الرزق نفسه مقرون بالعمل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .من حديث ابن مسعود رضى الله عنه ( أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد )[3]. فهذا الرزق أيضا مكتوب كما أن العمل من صالح أو سيئ مكتوب فما بالك تذهب يمينا وشمالاً وتجوب الأرض والفيافي طلباً لزرق الدنيا ولا تعمل عملاً صالحاً لطلب رزق الآخرة والفوز بدار النعيم إن البابين واحد ليس بينهما فرق فكما انك تسعى لرزقك وتسعى لحياتك وامتداد أجلك ، فإذا مرضت بمرض ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الماهر الذي يداوي مرضك ومع ذلك فإن لك ما قدر من الأجل لا يزيد ولا ينقص ، ولست تعتمد على هذا وتقول أبقى في بيتي مريضاً طريحاً وإن قدر الله لي أن يمتد الأجل امتد . بل نجدك تسعى بكل ما تستطيع من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ترى أنه أقرب الناس إن يقدر الله الشفاء على يديه فلماذا لا يكون عملك في طريق الآخرة وفي العمل الصالح كطريقك فيما تعمل للدنيا ؟ وقد سبق أن قلنا أن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم عنه فأنت الآن بين طريقين:
1- طريق يؤدى بك إلى السلامة وإلى الفوز والسعادة والكرامة.
2- طريق يؤدى بك إلى الهلاك والندامة والمهانة.
وأنت الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من يمنعك من سلوك طريق اليمين ولا من سلوك طريق الشمال إذا شئت ذهبت إلى هذا وإذا شئت ذهبت إلى هذا فما بالك تسلك الطريق الشمال ثم تقول أنه قد قدر علي آفلا يليق بك أن تسلك طريق اليمين وتقول إنه قد قٌدٌر لي فلو أنك أردت السفر إلى بلد ما وكان أمامك طريقان إحداهما معبد قصير آمن والآخر غير معبد وطويل ومخوف لوجدنا أنك تختار المعبد القصير الآمن ولا تذهب إلى الطريق الذي ليس بمعبد وليس بقصير وليس بآمن هذا في الطريق الحسي إذن فالطريق المعنوي مواز له ولا يختلف عنه أبداً ولكن النفوس والأهواء هي التي تتحكم أحياناً في العقل وتغلب على العقل والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالبا على هواه وإذا حكم عقله فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه ويسره .

بهذا تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيراً اختيارياً ليس إجبارياً وأنه كما يسير لعمل دنياه سيراً اختيارياً وهو إن شاء جعل هذه السلعة أو تلك تجارته ، فكذلك أيضاً هو في سيره إلى الآخرة يسير سيراً اختيارياً ، بل إن طرق الآخرة أبين بكثير من طرق الدنيا لأن بيّن طرق الآخرة هو الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . فلابد أن تكون طرق الآخرة أكثر بياناً أجلى وضوحاً من طرق الدنيا . ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا التي ليس ضامناً لنتائجها ولكنه يدع طرق الآخرة التي نتائجها مضمونة معلومة لأنها ثابتة بوعد الله و الله تبارك وتعالى لا يخلف الميعاد .

بعد هذا نقول : إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوا عقيدتهم ومذهبهم أن الإنسان يفعل باختياره وانه يقول كما يريد ولكن أرادته واختياره تابعان لإرادة الله تبارك وتعالى ومشيئته ثم يؤمن أهل السنة والجماعة بأن مشيئة الله تعالى تابعة لحكمته وأنه سبحانه و تعالى ليس مشيئته مطلقة مجردة ولكنها مشيئة تابعة لحكمته لأن من أسماء الله تعالى الحكيم ، والحكيم هو: الحاكم المحكم الذي يحكم الأشياء كوناً وشرعاً ويحكمها عملاً وصنعاً والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها لمن يعلم سبحانه وتعالى انه يريد الحق وأن قلبه على الاستقامة ويقدر الضلالة لمن لم يكن كذلك لمن إذا عرض عليه الإسلام يضيق صدره كأنما يصعد في السماء فان حكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يكون هذا من المهتدين آلا أن يجدد الله له عزماً ويقلب أرادته إلى إرادة أخرى والله تعالى على كل شي قدير ولكن حكمة الله تأبى إلا أن تكون الأسباب مربوطة بها مسبباتها .

ومراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع مراتب :

المرتبة الأولى : العلم وهي أن يؤمن الإنسان إيمانا جازماً بأن الله تعالى بكل شي عليم وأنه يعلم ما في السماوات والأرض جملة وتفصيلاً سواء كان ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته وأنه لا يخفى على الله شي في الأرض ولا في السماء .المرتبة الثانية : الكتابة وهي أن الله تبارك وتعالى كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شي .وقد جمع الله تعالى بين هاتين المرتبتين في قوله .( آلم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات والأرض أن ذلك في كتاب أن ذلك على الله يسير)[الحج :70] فبدأ سبحانه بالعلم وقال إن ذلك في كتاب أي انه مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء به الحديث عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم.(إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال رب ماذا اكتب ؟ قال اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ))[4] .

ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما نعمله أشي مستقبل أم شي قد قضي وفرغ منه ؟ قال (( انه قد قضى وفرغ منه ))[5] وقال أيضا حين سئل : أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب الأول قال ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )[6].
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل فأنت يا أخي اعمل وأنت ميسر لما خلقت له .
ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : (( فآما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى)) [ الليل: 5 ـ 10]

المرتبة الثالثة : المشيئة وهى أن الله تبارك وتعالى شاء لكل موجود أو معدوم في السماوات أو في الأرض فما وجد موجود إلا بمشيئة الله تعالى وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى وهذا ظاهر في القران الكريم وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله ومشيئته في فعل العباد فقال الله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) [ التكوير : 28، 29 ] ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) [ الأنعام : 112 ] ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) [ البقرة : 253 ] .

فبين الله تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته وأما فعله تعالى فكثير قال تعالى ( ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها )[ الأنعام :13] وقوله(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) [ هود 118] إلى آيات كثيرة تثبت المشيئة في فعله تبارك وتعالى فلا يتم الإيمان بالقدر إلا أن نؤمن بأن مشيئة الله عامة لكل موجود أو معدوم فما من معدوم إلا وقد شاء الله تعالى عدمه وما من موجود إلا وقد شاء الله تعالى وجوده ولا يمكن أن يقع شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى .

المرتبة الرابعة : الخلق أي أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شي فما من موجود في السماوات والأرض إلا الله خالقه حتى الموت يخلقه الله تبارك وتعالى وان كان هو عدم الحياة يقول الله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) [الملك : 2] فكل شيء في السماوات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه لا خالق إلا الله تبارك وتعالى وكلنا يعلم أن ما يقع من فعله سبحانه وتعالى بأنه مخلوق له فالسماوات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم والرياح والإنسان والبهائم كلها مخلوقات الله وكذلك ما يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات أحوال كلها أيضا مخلوقة لله عز وجل .ولكن قد يشكل على الإنسان كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري انه مخلوق لله عز وجل . فنقول نعم يصح أن نقول ذلك لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين :
أحدهما : القدرة
والثاني: الإرادة

فإذا كان فعل العبد ناتجاً عن إرادته وقدرته فان الذي خلق هذه الإرادة وجعل قلب الإنسان قابلاً للإرادة هو الله عز وجل وكذلك الذي خلق فيه القدرة هو الله عز وجل ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب نقول إن خالق السبب التام خالق للمسبب أي أن خالق المؤثر خالق للأثر فوجه كونه تعالى خالقا لفعل العبد أن نقول فعل العبد وقوله ناتج عن أمرين هما :
1ـ الإرادة
2ـ القدرة

فلولا الإرادة لم يفعل ولولا القدرة لم يفعل لأنه إذا أراد وهو عاجز لم يفعل لعجزه عن الفعل وإذا كان قادرا ولم يرد لم يكن الفعل فإذا كان الفعل ناتجا عن إرادة جازمة وقدرة كاملة فالذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة الكاملة هو الله وبهذه الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول إن الله تعالى خالق لفعل العبد وإلا فالعبد هو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر وهو المصلي وهو المزكي وهو الصائم وهو الحاج وهو المعتمر وهو العاصي وهو المطيع لكن هذه الأفعال كلها كانت ووجدت بإرادة وقدرة مخلوقتين لله عز وجل والأمر ولله الحمد واضح .

وهذه المراتب الأربع المتقدمة يجب أن تثبت لله عز وجل وهذا لا ينافى أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوى الإرادة .
كما أننا نقول النار تحرق والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك فليست محرقة بطبيعتها بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة ولهذا لم تكن النار التي ألقى فيها إبراهيم محرقة لأن الله قال لها: ( كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) [ الأنبياء : 69 ] فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم فالنار بذاتها لا تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق، وقوة الإحراق هي في مقابل فعل العبد كإرادة العبد وقدرته فبالإرادة والقدرة يكون الفعل وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق فلا فرق بين هذا وهذا ولكن العبد لما كان له إرادة وشعور واختيار وعمل صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكماً وصار مؤاخذا بالمخالفة معاقباً عليها لأنه يفعل باختيار ويدع باختيار .

وأخيرا نقول : على المؤمن أن يرضى بالله تعالى رباٌ ومن تمام رضاه بالربوبية أن يؤمن بقضاء الله وقدره ويعلم أنه لا فرق في هذا بين الأعمال التي يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها وبين الآجال التي يدافعها ، الكل بابه سواء والكل مكتوب والكل مقدر وكل إنسان ميسر لما خلق الله .

أسال الله عز وجل أن يجعلنا ممن ييسرون لعمل أهل السعادة وان يكتب لنا الصلاح في الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وأصحابه أجمعين


(1) رواه الترمذي ،كتاب القدر باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر رقم (2133) وابن ماجة في المقدمة ، باب في القدر رقم (85).
[2] رواه مسلم، كتب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر رقم (1155).
[3] رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة رقم (3208) ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه رقم ( 2643)
[4] رواه أبو داود، كتاب السنة، باب القدر رقم(4700) والترمذي ،كتاب القدر رقم(2155).
[5] رواه أحمد(1/29) والترمذي ،كتاب تفسير القران باب من سورة هود رقم (3111) .
[6] رواه البخاري ،كتاب الجنائز باب موعظة المحدث عند القبر رقم(1362) ومسلم كتاب القدر ، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه رقم (2647) .

الزاهدة
08-14-2011, 01:17 AM
التوحيد :

الإبداع في كمال الشرع وخطر الإبتداع


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ بيّن فيها ما تحتاجه الأمة في جميع شئونها حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: «ما ترك النبي صلى الله عليه وسلّم طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً»(1). وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه: علمكم نبيكم حتى الخراة ـ آداب قضاء الحاجة ـ قال: «نعم، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي برجيع أو عظم»(2).

* وإنك لترى هذا القرآن العظيم قد بين الله تعالى فيه أصول الدين وفروع الدين فبين التوحيد بجميع أنواعه، وبين حتى آداب المجالس والاستئذان، قال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ في الْمَجَـالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ }(المجادلة 11). وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(النور 27-28). حتى آداب اللباس قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّلاتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـاتِ بِزِينَةٍ }(النور 60). {يأَيُّهَا النَّبِي قُل لاَِزْوَاجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }(الأحزاب 59). {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ }(النور 31). {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}(البقرة 189) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يتبين بها أن هذا الدين شامل كامل لا يحتاج إلى زيادة كما أنه لا يجوز فيه النقص، ولهذا قال الله تعالى في وصف القرآن: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء }(النحل 89)، فما من شيء يحتاج الناس إليه في معادهم ومعاشهم إلا بينه الله تعالى في كتابه إما نصّاً أو إيماء وإما منطوقاً وإما مفهوماً.

* أيها الإخوة: إن بعض الناس يفسر قول الله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ في الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِن شيء}(الأنعام 38). يفسر قوله: {مَّا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِن شيء } على أن الكتاب القرآن، والصواب أن المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ. وأما القرآن فإن الله تعالى وصفه بأبلغ من النفي وهو قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء } فهذا أبلغ وأبين من قوله: {مَّا فَرَّطْنَا في الكِتَـابِ مِن شيء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }. ولعل قائلاً يقول أين نجد أعداد الصلوات الخمس في القرآن؟ وعدد كل صلاة في القرآن؟ وكيف يستقيم أننا لا نجد في القرآن بيان أعداد ركعات كل صلاة والله يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء }؟

والجواب على ذلك أن الله تعالى بين لنا في كتابه أنه من الواجـب علينـا أن نأخذ بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلّم وبما دلنا عليه {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَـكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً }(النساء 80)، {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }(الحشر 7)، فما بينته السنة فإن القرآن قد دل عليه لأن السنة أحد قسمي الوحـي الـذي أنزله الله على رسوله وعلّمه إياه كمـا قـال الله تعالـى: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(النساء 113)، وعلى هذا فما جاء في السنة فقد جاء في كتاب الله عز وجل.

* أيها الإخوة: إذا تقرر ذلك عندكم فهل النبي صلى الله عليه وسلّم توفي وقد بقي شيء من الدين المقرب إلى الله تعالى لم يبيّنه؟
أبداً فالنبي عليه الصلاة والسلام بين كل الدِّين إما بقوله، وإما بفعله، وإما بإقراره إما ابتداءاً أو جواباً عن سؤال، وأحياناً يبعث الله أعرابياً من أقصى البادية ليأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسأله عن شيء من أمور الدين لا يسأله عنه الصحابة الملازمون لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ولهذا كانوا يفرحون أن يأتي أعرابي يسأل النبي صلى الله عليه وسلّم عن بعض المسائل. ويدلك على أن النبي صلى الله عليه وسلّم ما ترك شيئاً مما يحتاجه الناس في عبادتهم ومعاملتهم وعيشهم إلا بينه يدلك على ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نعمتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً }(المائدة 3).

* إذا تقرر ذلك عندك أيها المسلم فاعلم أن كل من ابتدع شريعة في دين الله ولو بقصد حسن فإن بدعته هذه مع كونها ضلالة تعتبر طعناً في دين الله عز وجل، تعتبر تكذيباً لله تعالى في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } لأن هذا المبتدع الذي ابتدع شريعة في دين الله تعالى وليست في دين الله تعالى كأنه يقول بلسان الحال إن الدين لم يكمل لأنه قد بقي عليه هذه الشريعة التي ابتدعها يتقرب بها إلى الله عز وجل. ومن عجب أن يبتدع الإنسان بدعة تتعلق بذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته ثم يقول إنه في ذلك معظم لربه، إنه في ذلك منزه لربه، إنه في ذلك ممتثل لقوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }(البقرة 22)، إنك لتعجب من هذا أن يبتدع هذه البدعة في دين الله المتعلقة بذات الله التي ليس عليها سلـف الأمـة ولا أئمتهـا ثم يقول إنه هو المنزه لله وإنه هو المعظم لله وإنـه هـو الممتثـل لقـول الله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} وأن من خالف ذلك فهو ممثل مشبه أو نحو ذلك من ألقاب السوء.
كما أنك لتعجب من قوم يبتدعون في دين الله ما ليس منه فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلّم ويدعون بذلك أنهم هم المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنهم المعظمون لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وأن من لم يوافقهم في بدعتهم هذه فإنه مبغض لرسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى غير ذلك من ألقاب السوء التي يلقبون بها من لم يوافقهم على بدعتهم فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ومن العجب أن مثل هؤلاء يقولون نحن المعظمون لله ولرسوله، وهم إذا ابتدعوا في دين الله وفي شريعته التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلّم ما ليس منها فإنهم بلا شك متقدمون بين يدي الله ورسوله وقد قال الله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(الحجرات 10).

* أيها الإخوة: إني سائلكم ومناشدكم بالله عز وجل وأريد منكم أن يكون الجواب من ضمائركم لا من عواطفكم، من مقتضى دينكم لا من مقتضى تقليدكم. ما تقولون فيمن يبتدعون في دين الله ما ليس منه سواء فيما يتعلق بذات الله وصفات الله وأسماء الله، أو فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم يقولون نحن المعظمون لله ولرسول الله أهؤلاء أحق بأن يكونوا معظمين لله ولرسول الله؟ أم أولئك القوم الذين لا يحيدون قيد أنملة عن شريعة الله، يقولون فيما جاء من الشريعة آمنا وصدقنا فيما أخبرنا به وسمعنا وأطعنا فيما أمرنا به أو نهينا عنه، ويقولون فيما لم تأت به الشريعة أحجمنا وانتهينا وليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله، وليس لنا أن نقول في دين الله ما ليس منه. أيهما أحق أن يكون محبّاً لله ورسوله ومعظماً لله ورسوله؟ لا شك أن الذين قالوا آمنا وصدقنا فيما أخبرنا به وسمعنا وأطعنا فيما أمرنا به، وقالوا كففنا وانتهينا عما لم نؤمر به، وقالوا نحن أقل قدراً في نفوسنا من أن نجعل في شريعة الله ما ليس منها، أو أن نبتدع في دين الله ما ليس منه؛ لا شك أن هؤلاء هم الذين عرفوا قدر أنفسهم وعرفوا قدر خالقهم، هؤلاء هم الذين عظموا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلّم وهم الذين أظهروا صدق محبتهم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلّم.
لا أولئك الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه في العقيدة أو القول أو العمل، وإنك لتعجب من قوم يعرفون قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»(3). ويعلمون أن قوله «كل بدعة» كلية عامة شاملة مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم «كل» والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه. إذن فالنبي صلى الله عليه وسلّم حينما قال: «كل بدعة ضلالة» كان يدري ما يقول، وكان يدري معنى ما يقول، وقد صدر هذا القول منه عن كمال نصح للأمة.
وإذا تم في الكلام هذه الأمور الثلاثة ـ كمال النصح، والإرادة، وكمال البيان والفصاحة وكمال العلم والمعرفة، دل ذلك على أن الكلام يراد به ما يدل عليه من المعنى أفبعد هذه الكلمة يصح أن نقسم البدعة إلى أقسام ثلاثة، أو إلى أقسام خمسة؟ أبداً هذا لا يصح، وما ادعاه بعض العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلوا من حالين:
1 ـ أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة.
2 ـ أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.
فكل ما ادُعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله صلى الله عليه وسلّم «كل بدعة ضلالة». إن هذا السيف الصارم إنما صنع في مصانع النبوة والرسالة، إنه لم يصنع في مصانع مضطربة، لكنه صنع في مصانع النبوة وصاغه النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الصياغة البليغة فلا يمكن لمن بيده مثل هذا السيف الصارم أن يقابله أحد ببدعة يقول إنها حسنة ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «كل بدعة ضلالة».
وكأني أحس أن في نفوسكم دبيباً يقول ما تقول في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموفق للصواب حينما أمر أبي ابن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس في رمضان فخرج والناس على إمامهم مجتمعون فقال: «نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون»(4).
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول صلى الله عليه وسلّم بأي كلام لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَـلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }(النور 63)، قال الإمام أحمد رحمه الله «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي صلى الله عليه وسلّم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». اهـ.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتقولون قال أبو بكر وعمر».
الوجه الثاني: إننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أشد الناس تعظيماً لكلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلّم وكان مشهوراً بالوقوف على حدود الله تعالى حتى كان يوصف بأنه كان وقافاً عند كلام الله تعالى. وما قصة المرأة التي عارضته ـ إن صحت القصة ـ في تحديد المهور بمجهولة عند الكثير حيث عارضته بقوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}(النساء 21) فانتهى عمر عما أراد من تحديد المهور. لكن هذه القصة في صحتها نظر. لكن المراد بيان أن عمر كان وقافاً عند حدود الله تعالى لا يتعداها، فلا يليق بعمر- رضي الله عنه- وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلّم وأن يقول عن بدعة «نعمة البدعة». وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقوله: «كل بدعة ضلالة» بل لابد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر إنها «نعمت البدعة» على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي صلى الله عليه وسلّم في قوله: «كل بدعة ضلالة» فعمر -رضي الله عنه- يشير بقوله «نعمت البدعة هذه» إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلّم قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها»(5). فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسماها عمر -رضي الله عنه- بدعة باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلّم لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه ويقوم الرجل ومعه الرجل والرجل ومعه الرجلان والرهط والنفر في المسجد فرأى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- برأيه السديد الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس من قبل بدعة فهي بدعة اعتبارية إضافية وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر -رضي الله عنه-؛ لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم فهي سنة لكنها تركت منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أعادها عمر- رضي الله عنه-، وبهذا التقعيد لا يمكن أبداً أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذاً لما استحسنوه من بدعهم.

* وقد يقول قائل: هناك أشياء مبتدعة قبلها المسلمون وعملوا بها وهي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم كالمدارس وتصنيف الكتب، وما أشبه ذلك وهذه البدعة استحسنها المسلمون وعملوا بها ورأوا أنها من خيار العمل فكيف تجمع بين هذا الذي يكاد أن يكون مجمعاً عليه بين المسلمين وبين قول قائد المسلمين ونبي المسلمين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلّم: «كل بدعة ضلالة».
فالجواب: أن نقول هذا في الواقع ليس ببدعة بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد فوسائل المشروع مشروعة، ووسائل غير المشروع غير مشروعة، بل وسائل المحرم حرام. والخير إذا كان وسيلة للشر كان شرّاً ممنوعاً واستمع إلى الله عز وجل يقول: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ }(الأنعام 108)، وسب آلهة المشركين ليس عدواً بل حق وفي محله لكن سب رب العالمين عدو وفي غير محله وعدوان وظلم، ولهذا لما كان سب آلهة المشركين المحمود سبباً مفضياً إلى سب الله كان محرماً ممنوعاً، سقت هذا دليلاً على أن الوسائل لها أحكام المقاصد فالمدارس وتصنيف العلم وتأليف الكتب وإن كان بدعة لم يوجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم على هذا الوجه إلا أنه ليس مقصداً بل هو وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد. ولهذا لو بنى شخص مدرسة لتعليم علم محرم كان البناء حراماً ولو بنى مدرسة لتعليم علم شرعي كان البناء مشروعاً.

* فإن قال قائل: كيف تجيب عن قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «من سن في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»(6). وسن بمعنى «شرع».
* فالجواب: أن من قال «من سن في الإسلام سنةً حسنةً» هو القائل: «كل بدعة ضلالة» ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولاً آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم أبداً، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبداً، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلّم متناقض فليعد النظر، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير. ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلّم تناقض أبداً.
وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث «كل بدعة ضلالة» لحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» أن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: «من سن في الإسلام» والبدع ليست من الإسلام، ويقول «حسنة» والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السن والتبديع.

* وهناك جواب لا بأس به: أن معنى «من سنَّ» من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها، وعلى هذا فيكون «السن» إضافياً نسبيّاً كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.
* وهناك جواب ثالث يدل له سبب الحديث وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي صلى الله عليه وسلّم إلى التبرع لهم فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلّم فجعل وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل من الفرح والسرور وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فهنا يكون معنى «السن» سن العمل تنفيذاً وليس سن العمل تشريعاً، فصار معنى «من سن في الإسلام سنة حسنة» من عمل بها تنفيذاً لا تشريعاً لأن التشريع ممنوع «كل بدعة ضلالة».
* وليعلم أيها الأخوة أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة في أمور ستة:
* الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيّاً فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثال ذلك أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله صلى الله عليه وسلّم فالتهجد عبادة ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة؛ لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعاً. وهذا الوصف ـ موافقة العبادة للشريعة في السبب ـ أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
* الثاني: الجنس فلابد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة، مثال ذلك أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية؛ لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، الإبل، البقر، الغنم.
* الثالث: القدر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر، ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلاً خمساً فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
* الرابع: الكيفية فلو أن رجلاً توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوءه باطل؛ لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
* الخامس: الزمان فلو أن رجلاً ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان. وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقرباً لله تعالى بالذبح وهذا العمل بدعة على هذا الوجه لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
* السادس: المكان فلو أن رجلاً اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح؛ وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد ولو قالت امرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلاً أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}(الحج 26).
فالعبادة لا تكون عملاً صالحاً إلا إذا تحقق فيها شرطان:
الأول: الإخلاص ـ الثاني: المتابعة، والمتابعة لا تتحقق إلا بالأمور الستة الآنفة الذكر.
* وإنني أقول لهؤلاء الذين ابتلوا بالبدع الذين قد تكون مقاصدهم حسنة ويريدون الخير إذا أردتم الخير فلا والله نعلم طريقاً خيراً من طريق السلف رضي الله عنهم.
* أيها الأخوة عضوا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم بالنواجذ واسلكوا طريق السلف الصالح وكونوا على ما كانوا عليه وانظروا هل يضيركم ذلك شيئاً؟
وإني أقول ـ وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علم ـ أقول إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاتراً في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب، فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.
لكن الإنسـان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع والذل والعبادة لرب العالمين، وكمـال الإتباع لإمام المتقين، وسيد المرسلين، ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلّم.
إنني أوجه نصيحة إلى كل إخواني المسلمين الذين استحسنوا شيئاً من البدع سواءً فيما يتعلق بذات الله، أو أسماء الله، أو صفات الله أو فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلّم وتعظيمه أن يتقوا الله ويعدلوا عن ذلك، وأن يجعلوا أمرهم مبنيّاً على الإتباع لا على الابتداع، على الإخلاص لا على الإشراك، على السنة لا على البدعة، على ما يحبه الرحمن لا على ما يحبه الشيطان، ولينظروا ماذا يحصل لقلوبهم من السلامة، والحياة، والطمأنينة، وراحة البال والنور العظيم.
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، وأن ينير قلوبنا بالإيمان والعلم، وأن لا يجعل ما علمنا وبالاً علينا، وأن يسلك بنا طريق عباده المؤمنين، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-------------------------------------------------
(1) رواه الإمام أحمد 21689 و 21770 و 21771.
(2) رواه مسلم كتاب الطهارة باب الاستطابة 262.
(3) أخرجه الإمام محمد 17274 و17275 وأبو داوود كتاب السنة باب في لزوم السنة 4607 والترمذي أبواب العلم باب ما جاء بالأخذ بالسنة واجتناب البدعة 2676 كتاب السنة باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين وابن ماجه 42 وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم 1/95 ووافقه الذهبي وليس عندهم: (وكل ضلالة في النار).
(4) رواه البخاري كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان 2010.
(5) رواه البخاري كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان 2012 ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح 761.
(6) رواه مسلم كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها مجاب من النار 1017.

الزاهدة
08-14-2011, 01:27 AM
التوحيد :

شرح العقيدة السفارينية


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلَّم تسليماً كثيراً , أما بعد:
فإن من توفيق الله تعالى - وله الحمد والشكر - أن يسَّر لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - شرح منظومة " الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية " الشهيرة " بالعقيدة السفارينية " للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي المتوفى - رحمه الله تعالى - عام 1188 هـ . رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً .
وقد شرحها شيخنا - رحمه الله تعالى - عدة شروحات كان آخرها ذلك الشرح المسجل صوتياً عام 1410 هـ ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها فضيلته - رحمه الله تعالى - في الجامع الكبير بمدينة عنيزة وهو الذي اعتمد عليه في إخراج الكتاب .
وسعياً لتعميم النفع بهذا الشرح - إن شاء الله تعالى - وإنفاذاً للقواعد والتوجيهات التي قررها فضيلة شيخنا - رحمه الله - لإخراج مؤلفاته ودروسه العلمية وإعدادها للنشر , عهدت " مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية " إلى الشيخ " مساعد بن عبدالله السلمان - أثابه الله - " بالعمل لإعداده للنشر والطباعة , ثم قام الشيخ الدكتور " سامي بن محمد الصقير " أثابه الله بالمراجعة , فجزاهما الله خيراً على أعمالهما في خدمة هذا الكتاب .
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم , موافقاً لمرضاته , نافعاً لعباده , وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، ويسكنه فسيح جناته , ويضاعف له المثوبة والأجر , ويعلي درجته في المهديين , إنه سميع قريب .
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله , خاتم النبيين , وإمام المتقين , وسيد الأولين والآخرين , نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .


اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثمين الخيرية
15/3/1426هـ

الزاهدة
08-14-2011, 01:38 AM
التوحيد :

شرح العقيدة السفارينية

أقسام التوحيد


بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،،، أما بعد :
فهذه المنظومة بين فيها المؤلف رحمه الله عقيدة السلف رحمهم الله ، وإن كان في بعضها شيء من المخالفات التي يأتي التنبيه عليها - إن شاء الله .
واعلم أن أقسام التوحيد ثلاثة :
توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .
فأما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فلم يختلف فيه أهل القبلة ، يعني لم يختلف فيه المسلمون ، بل كل المسلمين مجمعون على توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، أي : أنه يجب إفراد الله عز وجل بالربوبية ، ويجب إفراده بالعبادة .
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة ، أي : المنتسبون إلى الإسلام اختلافا يمكن أن نقول انه على ستة أقسام في إجراء النصوص :
القسم الأول : من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى وترك ما وراء ذلك . وهؤلاء هم السلف وأتباعهم .
فـ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قالوا : إن ظاهره أن الله استوى على العرش ، أي علا عليه ، فنؤمن بأن الله سبحانه وتعالى نفسه علا على العرش ولا نلتفت لما وراء ذلك ، لا نقول : أين الله قبل أن يخلق العرش ؟ ولا نقول : هل استواؤه على العرش بمماسة أو بانفصال ؟
ولا نقول : إن استواءه على العرش للحاجة إليه ، بل يجب أن نقول إنه ليس للحاجة إليه ، وفرق بين الأمرين .
فنقول : إن استواء الله على العرش ليس لحاجته إلى العرش ، بخلاف استواء الإنسان مثلا على السرير أو على الدابة فهو للحاجة إليها ، ولهذا لو أزيل السرير من تحته لسقط أما الرب عز وجل فان استواءه على عرشه لظهور عظمته عز وجل ، وتمام ملكه ، وليس لأنه محتاج إلى العرش ، بل إن العرش وغيره في حاجة إلى الله عز وجل في إيجاده وإمداده . فلا يمكن أن نقول : إن استواء الله على العرش للحاجة إليه .
ولا نقول : إن استواء الله على العرش يقتضي أن يكون الله جسما أو ليس بجسم ؛ لأن مسألة الجسيمية لم ترد في القرآن ولا في السنة إثباتا ولا نفيا ، ولكن نقول بالنسبة للفظ لا ننفي ولا نثبت ، فلا نقول جسم ولا غير جسم .
لكن بالنسبة للمعنى نستفصل ونقول للقائل : ماذا تعني بالجسم ؟ هل تعني انه الشيء القائم بنفسه ، المتصف بما يليق به ، الفاعل بالاختبار ، القابض ، الباسط ؟
إن أردت هذا فهو حق ومعنى صحيح ، فالله تعالى قائم بنفسه ، فعال لما يريد ، متصف بالصفات اللائقة به ، يأخذ ويقبض ويبسط ، ويقبض السماوات بيمينه ويهزها .
وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض ، ولا يتم ألا بتمام أجزائه ، فهذا ممتنع على الله ؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب ، وهذا شيء ممتنع على الله عز وجل .
والمهم أننا نقول : إن من أهل القبلة من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل دون أن يتعرض لشيء ، وهؤلاء هم السلف ، وطريقة السلف على هذا الوجه اسلم وأعلم وأحكم :
فهي اسلم لأنهم لم يتعرضوا لشيء وراء النصوص .
وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم عن كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكها ، وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل .
ومن هم هؤلاء السلف ؟
هم الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين ؛ كالإمام احمد بن حنبل ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، وغيرهم من أئمة المسلمين .
وهل يمكن أن تكون السلفية في وقتنا الحاضر ؟
نعم يمكن ونقول : هي سلفية عقيدة ، وإن لم تكن سلفية زمنا ؛ لأن السلف سبقوا زمنا ، لكن سلفية هؤلاء سلفية عقيدة ، بل عقيدة وعمل في الواقع ، وهم بالنسبة لمن بعدهم سلف ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في زيارة المقابر : (( أنتم سلفنا ونحن بالأثر ))
القسم الثاني : من اجروا النصوص على ظاهرها ، وقالوا : النصوص على ظاهرها لكنها من جنس صفات المخلوقين ، فقالوا : إن لله يدا كأيدينا ، ووجها كوجوهنا . وهؤلاء هم الممثلة ، وهم بلا شك ضالون ، لم يقدروا الله حق قدره ، ولو قدروا الله حق قدره ما جعلوا صفاته كصفات خلقه .
وهم أيضا متناقضون ، لأنهم لم يجعلوا الذات الإلهية كالذات المخلوقة ، ومعلوم أن الصفات فرع عن الذات ، فإذا كانت الذات لا تماثل ذوات المخلوقين ، فالصفات أيضا لا تماثل صفات المخلوقين ؛ لان صفة كل ذات تناسبها .
أرأيت رجل البعير ورجل الذرة هل يتماثلان ؟ الجواب : لا يتماثلان ، بل بينهما فرق عظيم جدا .
فإذا قال قائل : عندي رجل جمل ، وقال الثاني : عندي رجل ذرة ، هل يفهم أحد من الناس أن الذي عند الثاني كالذي عند الأول ؟
فالجواب : لا ؛ لان ذات الجمل ليست كذات الذرة ، إذا صفات الجمل ليست كصفات الذرة .
وأيضا قوة الفيل وقوة الذرة ، كلاهما قوة ، ولكنهما غير متماثلين ؛ لان قوة الذرة صغيرة تعجز عن شيء يسير ، أما الفيل فقوته تساعده على حمل الأشياء العظيمة .
فإذا قال الله عن نفسه عز وجل : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(المائدة: الآية 64) ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(صّ: 75) فلا يمكن لعاقل أبدا أن يعتقد أو يتصور أن يد الله عز وجل كيد المخلوق . وكيف يمكن ذلك والله عز وجل يقول : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67) ويقول تعالى : (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء:104) .
فالإنسان الكاتب يطوي الكتاب بسهولة ، لكن هل يمكن للبشر كلهم أن يطووا واحدة من السماوات ؟ لا يمكن أبدا . إذا هؤلاء الممثلة ضالون لم يقدروا الله حق قدره .
وهل هم كافرون بذلك ؟ نعم كافرون لان الله عز وجل يقول : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) فإذا قال قائل : بل مثله شيء فقد كذب الخبر ، وتكذيب خبر الله كفر ، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله - شيخ البخاري : (( من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها )) ، فإذا هؤلاء ضالون وكفار أيضا .
ومن هذا ما ينشر في الأفلام الكرتونية حيث إنهم يشبهون الله عز وجل بشيخ رهيب ، مزعج المنظر ، ذي لحية طويلة ، عملاق ، فوق السحاب ، يسخر الرياح ويعمل ما يريد ، والحقيقة أني اشهد الله أن هذا نشر للكفر الصريح ، لان الصبي إذا شاهد مثل هذا وفي أول تمييزه ، سوف ينطبع في نفسه إلى أن يموت ألا ما شاء الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )).
ولهذا أقول : إن الذين يعرضون هذه الأشياء لصبيان المسلمين ، سوف يحاسبون عند الله حسابا عسيرا يوم القيامة ؛ لأنهم يريدون - شاءوا أم أبوا - أن يضل الناس بهذا ضلالا مبينا .
وعلينا جميعا إذا كانت الأفلام على هذا الوجه أن نحذر منها أهل البيوت ؛ حتى لا يقعوا في هذا الشر المستطير الذي هو أعظم من شر الأغاني وغيرها ؛ لان كون الإنسان يمثل الله عز وجل بهذه الصورة البشعة لا شك انه من أعظم المنكر والعياذ بالله .
وأقول : انظر إلى أعداء الله كيف يريدون أن يهينوا رب العزة والجلال بهذه الأشياء التي تسري على الناس سريان النار في الفحم من غير أن يشعر بها ، وسريان السم في الجسد من غير أن يشعر به .
والواجب علينا نحن المسلمين ولا سيما في بلادنا هذه أن نكون حذرين يقظين ؛ لان بلادنا هذه مغزوة في العقيدة وفي الأخلاق ، وفي الأعمال ، ومن كل وجه .
ولا تظن أن الغزو أن يقبل العدو بجحافله ودباباته وصواريخه ليهدم الديار ويقتل الناس فحسب ، بل الغزو هو هذا الغزو المشكل الذي يدخل الناس من حيث لا يشعرون ، والإنسان بشر مدني متكيف ، ينفر من الشيء أول ما يسمعه ، ولكن بعد مدة يرتاح إليه ويألفه ، ويكون كأنه أمر عادي ،حتى الأمراض التي في الجسم ، أول ما يدخل فيروس المرض ينفر منه الجسم ويتأثر ويسخن ، لكنه ربما يتحمله بعد ذلك .
وعلى كل حال فأنا أود من طلبة العلم ، أن يؤدوا ما عليهم من مسؤولية ، بأن يحذروا الناس من هذه الأفلام ، مادامت تعرض مثل هذه الأمور التي لا يشك مؤمن بالله عز وجل أن عرضها قيادة للأطفال إلى الكفر بالله عز وجل ، وإهانة الله سبحانه وتعالى .
ونحن أهل الجزيرة علينا مسؤولية عظيمة ليست على بقية الناس ، فمن هنا ظهر الإسلام وإليه يعود ، في هذه الجزيرة ، قال رسول البرية عليه الصلاة والسلام في مرض موته : (( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب )) وقال : (( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع ألا مسلما )) ، وقال : (( أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب )) .
وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا بإخراج أجسادهم ، فإنه يأمرنا أمراً أولوياً بإخراج أفكارهم وأخلاقهم التي يبثونها بين الناس ليضلوا عباد الله عز وجل ، ولو أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمامنا الآن يقول في مرض موته وهو على فراش الموت : (( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب )) هل لأنهم أجسام بشر مثلنا ؟ !!
لا . بل لأنهم يبثون شركهم وشرورهم بيننا ، فهذه الجزيرة لها شان عظيم وميزان كبير في نظر الشرع باعتبار حماية الدين الإسلامي ، فأنا اجعلها أمانة في أعناق طلبة العلم أن يحرصوا غاية الحرص على التحذير من هذه الأفلام.
وهذه كلمة مهمة جداً ، لكنها معترضة بالنسبة لموضوعنا ، وسببها الاستطراد في مسألة المماثلة ، وأن من مثل الله بخلقه فهو كافر .
وعلى كل حال فقد أشترك هذان القسمان في إجراء النصوص على ظاهرها ، وافترقا في أن السلف أجروها على اللائق بالله عز وجل ، وهؤلاء أجروها على وجه التمثيل بالمخلوقات ، وهذا فرق عظيم .

القسم الثالث : من أجروا النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان ابتكروها بعقولهم ، وهؤلاء الذين يدعون أنهم العلماء والحكماء ، ويقولون : طريقة السلف طريقة الذين يقرأون الكتاب أماني ولا يعرفون ، أما نحن أهل العلم والحكمة ، ولهذا قالوا : طريقة الخلف أعلم وأحكم ، وقد ذكرنا في كتاب تلخيص الحموية بيان بطلان هذا القول .
هؤلاء الذين يجرون النصوص على خلاف الظاهر إلى معان عينوها بعقولهم ، فقالوا : (( استوى على العرش )) أي استولى على العرش ، (( يد الله )) : أي قوته أو نعمته ، (( وجه الله )) : ثوابه ، (( محبة الله )) : ثوابه ، (( غضب الله )) : انتقامه ، وهكذا قالوا لزعمهم : إن المعنى الظاهر ممتنع على الله عز وجل ، ثم قالوا : إذا كان ممتنعا فلنا عقول نتصرف فيها .
ونرد عليهم فنقول وبكل سهولة : إذا كان الأمر كما قلتم فلماذا يتحدث الله عن نفسه بعبارات غير مقصودة ،ويجعل الأمر موكولا إلى عقولنا ؟ .
فالصواب انه ليس إلى العقل بل إلى الهوى المختلف الذي يقول فيه فلان : هذا واجب ، ويقول فلان الثاني : هذا ممتنع على الله ، والثالث يقول : هذا جائز .
فلماذا يجعل الله عز وجل الحديث عن صفاته بكلمات لا يراد بها ظاهرها ؟!
وهل هذا إلا تعمية ، وخلاف البيان الذي قال الله تعالى فيه :( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)(النساء: الآية 176) ؟ وقال : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)(النساء: الآية 26) ؟
ولماذا يجعل الأمر موكولا إلى ما تقتضيه عقولنا التي هي ليست عقلا في الواقع بل هي وهم ؟!
قالوا : لأجل أن يزيد ثوابنا بتحويل النص إلى معناه ، لأنك إذا أخذت النص على ظاهره لم تتكلف ، لكن إذا صرفته عن ظاهره يحتاج إلى دليل من اللغة وشواهد وجهد كبير حتى تصل إلى المعنى المراد ، فهذه التعمية الواردة في أعظم الأخبار المقصود بها كثرة الثواب .
يا سبحان الله العظيم ، أيضيع الله أصلا عظيما في التحدث عن نفسه من أجل أن يزيد ثوابنا بالتعب ! ثم إن التعب الذي يأتي لغير سبب لا يثاب عليه الإنسان .
ولو قال قائل مثلا : الناس الآن يحجون على الطائرة وعلى السيارة ، وأنا سأحج على حمار أعرج ، أركبه تارة وأسوقه تارة حتى أصل إلى مكة لان هذا فيه تعب عظيم وأجر كبير فهل يؤجر الإنسان على هذا ؟
الجواب : لا يؤجر ؛ لان هذا تعب حصل باختياره هو ، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس ، أمره أن يدخل في الظل ، ونهاه عن تعذيب نفسه ، والله عز وجل يقول : )مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً) (النساء:147) .
فالحاصل أن هؤلاء لا شك أنهم مخطئون ضالون ، مرتكبون لضلالين يتضمن كل ضلال منهما القول على الله بلا علم .
فقولهم : إن الله لم يرد كذا ، هذا قول على الله بلا علم ، إذ كيف لم يرد وهو ظاهر لفظه . وقولهم : أراد كذا ، هذا أيضا قول على الله بلا علم ؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظاهر بقي ما يخالف الظاهر قابلا للاحتمالات الكثيرة ؛ إذ ليس هناك ما يجعل هذا الاحتمال المعين هو المراد دون غيره من الاحتمالات . ولهذا نقول إن هؤلاء ضالون .
القسم الرابع : قالوا : نسكت ونفوض ، ولا نقول معناها كذا ولا كذا ، نقرأ القرآن والحديث وكأنما نقرأ لغة لا نعرفها ، كأننا عرب نقرأ باللغة الإنجليزية ولم نعرف اللغة الإنجليزية ، أو كأننا عامة لا يعلمون الكتاب ألا أماني .
وهؤلاء يقولون : كل نصوص الصفات غير معلومة المعنى . فإذا قلت لأحدهم : ما تقول بارك الله فيك وهداك إلى الصواب في قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) ؟ وقوله تعالى : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(المائدة: من الآية 64) ؟ وقوله تعالى : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)(الرحمن: الآية 27).قال : الله اعلم.
فسبحان الله !! نعم كل شيء الله اعلم به ، لكنه عز وجل أنزل علينا كتابا مبينا (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) ، ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ )(النحل: الآية 89) فأي فائدة لنا في قران لا نعرف معناه ؟! وهل يمكن أن نمتثل أمر الله ، وأن نعظم الله عز وجل ، وأن ننفي عنه النقائص ونحن لا نعلم ما أراد بكلامه ؟! والجواب : لا ، لا يمكن .
وإذا كنتم انتم معنا تقولون : إن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام معلومة المعنى ، حيث يعرف الناس معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ، فلماذا لا تجعلون آيات الصفات معلومة المعنى لأنها تتعلق بذات الخالق عز وجل وهي أعظم من آيات الأحكام التي تتعلق بعمل المخلوق فهي أولى بالعلم ؟!
والمهم أن هؤلاء يسمون عند أهل السنة بالمفوضة . وهناك من العلماء من يقول : إن التفويض هو مذهب السلف ، ويقول : إن أهل السنة قسمان : مؤولة ومفوضة وهذا واقع .
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول وصدق فيما قال : (( قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد ،وذكر تعليلات عظيمة قوية في كتابه المعروف بدرء تعارض العقل والنقل ، وذكر الأدلة على ذلك ، وقال هذا الذي فتح علينا باب الفلاسفة ، وهذا الذي جعل أهل التخييل ينكرون اليوم الآخر والجنة والنار ، وقالوا : إذا كنتم لا تعلمون معاني هذه الصفات فنحن نعلمها ، وإذا كنتم لا تعرفون ما يتعلق بالرب فنحن نعرف ما يتعلق بالرب ؛ فقالوا : الرب كله ليس له أصل ، وإنما هو تخويف من عباقرة من البشر من اجل أن يستقيم الناس على ما طلب منهم .
وصدق شيخ الإسلام رحمه الله فيما قال : إذ كيف ينزل الله علينا كتابا ، ورسوله عليه الصلاة والسلام يخبرنا بأخبار فيما يتعلق بذات الرب عز وجل وصفاته ، ويقال : كل هذا ليس له معنى ، ولا يجوز أن نتكلم في معناه ؟ .
هذا من أعظم ما يكون من الإلحاد والكفر ، وفيه من الاستهانة بالقرآن الكريم والذم له ما لا يعلمه ألا من تأمل هذا القول الفاسد الباطل .
القسم الخامس :قالوا : نحن لا نتكلم بل علينا أن نمسك . فيجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ويجوز أن المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ويجوز أن يكون المراد بها خلاف الظاهر ويجوز أن لا يكون المراد بها شيء ، كل هذا ممكن وجائز ، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك .
والفرق بينهم وبين المفوضة أن المفوضة يقولون : لا نقول شيئا أبداً ، وهؤلاء يقولون : يحتمل كذا ، وكذا ، وكذا ، وكذا ، ونكف عن القول لان الاحتمالات كلها واردة ، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .
والقسم السادس : قوم اعرضوا عن هذا كله وقالوا : لا نقول شيئا في صفات الله ، نحن نقرأ القرآن ونتعبد الله بقراءته ولا ، تعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا ، فهم لا يقولون بقول أحد الأقسام الخمسة السابقة ، بل يسكتون ولا يقدرونها بقلوبهم ولا ينطقون بها بألسنتهم ، بل يسكتون عن هذا كله .
وهؤلاء غير سالمين بل واقعون في الخطأ ، فالقرآن تبيان لكل شيء ، والقرآن يراد به لفظه ومعناه الدال عليه لفظه ، ومن لم يقل بذلك فهو على ضلال ، والقرآن نزل بألفاظه ومعانيه ، لكن علينا أن نتأدب مع الله عز وجل ولا نتجاوز القرآن ولا نتجاوز الحديث . ولو أن أحدا أراد أن يتكلم عن صفة شخص ليس حاضرا ، فلا يسوغ له أن يتكلم عن صفته وهو لا يعلم ، فكيف يتكلم عن صفات الخالق أو يحكم بعقله على هذه الصفات العظيمة التي لا يمكنه أن يدركها بعقله أبداً؟!
وغاية ما عندنا نحن أن ندرك المعنى ، أما الحقيقة والكيفية فهذا شيء لا يمكن إدراكه ، ولهذا يحرم على الإنسان أن يتخيل أو أن يتصور شيئا من صفات الله عز وجل ، فلا يجوز أن تتصور أو تتخيل يد الله كيف هي مثلا ، ولهذا سألني سائل ذات مرة فقال : ما تقول في أصابع الله ؟ كم هي ؟ أعوذ بالله . فقلت :هل أحد يسأل هذا السؤال ؟! يا أخي اتق ربك ، أنت لست ملزما بهذا ، أثبت أن لله أصابع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأما كم فلا يمكن لك أن تتكلم بهذا .
فوالله ما أنت بأحرص على العلم بالله من الصحابة رضي الله عنهم ، والصحابة رضي الله عنهم لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام (( إن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع )). إلى آخر الحديث ، ما قالوا : يا رسول الله هل لله أكثر من هذه الأصابع ؛ لأنهم أكمل أدبا ، وأشد تعظيما لله ممن أتى بعدهم ، وإذا كنت صادقا في عبادة الله فلا تتجاوز ما أخبر الله به عن نفسه ، كما انك لا تتجاوز ما شرعه الله لعباده ،فلو أردت أن تصلي الظهر خمسا لقال لك الناس كلهم هذا خطأ ، إذاً لا تتكلم فيما اخبر الله به عن نفسه ، أو اخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ألا بمقدار ما بلغك فقط.
وأنت إذا سلكت هذا - والله - تسلم من أمور كثيرة ؛ تسلم من شبهات يوردها الشيطان على قلبك ، ومن شبهات يوردها عليك غيرك ، ولما قيل للإمام مالك : يا أبا عبد الله : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) كيف استوى ؟ أطرق حتى علاه العرق من شدة هذا السؤال وعظمته - لان هذا السؤال منكر - ثم قال : (( الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة )) فانظر كلام السلف رحمهم الله كيف أن كل إنسان يسال عما لم يسأل عنه السلف - الصحابة رضي الله عنهم خاصة - فهو مبتدع .
وكذلك قول القائل : إنه ثبت أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ، ونحن نشاهد أن الثلث يدور على الأرض إذا الله ينزل كل الليل . أعوذ بالله فمن قال هذا ؟! قف يا أخي حيث جاءت النصوص وتسلم من هذا التقدير ، اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وتسلم من هذا التقدير ، فلو طلع الفجر هنا في المملكة وهو ثلث الليل في المغرب . فيكون النزول بالنسبة لنا انتهى وبالنسبة لهؤلاء الذين عندهم الثلث الأخير موجود . نحن في الثلث وأهل المشرق قد طلع عليهم الفجر ، فالنزول بالنسبة لأهل المشرق انتهى ، وبالنسبة لنا بدأ ، ولا تتعدى هذا يا أخي ، ولست ملزما بهذه التقديرات أبدا .
والله لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة رضي الله عنهم ، فالصحابة أحرص منا على الخير .
فإذا قال قائل : ربما لم يكن في قلوبهم هذا التقدير لأنهم ما عرفوا عن كروية الأرض على وجه مفصل ، ولا عرفوا أن الشمس تغرب مثلا عن أهل المدينة قبل أن تغرب عن أهل المغرب فلهذا لم يسألوا ؟ .
فنقول : لو كان هذا من شرع الله لقيض الله له من يسال حتى يتبين ؛ ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أيام الدجال ، فيها يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع ، انطق الله الصحابة رضي الله عنهم وقالوا : اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم واحدة ؟ قال : لا ، اقدروا له قدره . فلا تظن أبداً أن شيئا يلزمنا في ديننا يمكن أن يغفل إطلاقا ، لو لم يتكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء فسوف يقيض الله له من يسال عنه لان الله يقول : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً)(المائدة: الآية 3) .
لما انقسم أهل القبلة - يعني الذين ينتسبون إلى الإسلام - هذه الانقسامات صار الناس يؤلفون الكتب المبنية على الجدل والنزاع والخصومات التي لا نهاية لها ، وإذا طالعت كتب هؤلاء خصوصا أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل التأويل ، عجبت من التقديرات التي يقدرونها ويفصلون فيها ويجادلون فيها ، في أمر لا يمكنهم إدراكه بالنسبة لما يتعلق بصفات الله عز وجل ، وجعلوا الحكم راجعا إلى ما تقتضيه عقولهم لا إلى ما يقتضيه الكتاب والسنة ، فضلوا في ذلك ضلالا بيناً ، وصاروا يتخبطون خبط عشواء ، لا يعرفون من الحق شيئا .
ولقد ألف أهل السنة - الذين سلكوا مسلك السلف - كتبا كثيرة في العقيدة ، مختصرة ومطولة ومتوسطة ، ومن جملة ما ألف ، هذه المنظومة التي نظمها السفاريني رحمه الله على مذهب أهل السنة والجماعة ، على أن فيها بعض الأشياء التي تحتاج إلى بيان ، وسنبينه بحسب موضعه إن شاء الله .

الزاهدة
08-14-2011, 01:50 AM
قال المؤلف رحمه الله تعالى :

1- الحمد لله القديم الباقي مقدر الآجال والأرزاق


الشرح

قوله : ( الحمد لله ) : يقول العلماء رحمهم الله : الحمد هو وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم ، فإن كرر الوصف صار ثناء ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله تبارك وتعالى يقول : (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال : أثنى علي عبدي )).
فنفسر الحمد بأنه : وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم .
وقوله : ( الحمد ) (( أل )) هنا قالوا : إنها للاستغراق ، يعني جميع المحامد ثابتة لله ، واللام في قوله : (( لله )) قالوا :إنها للاستحقاق ، أو للاختصاص ، وإن شئنا قلنا : إنها للاستحقاق وللاختصاص ؛ للاستحقاق لان الله تعالى مستحق للحمد ، وللاختصاص لان المحامد كلها لا تكون ألا لله وحده فقط .
وقوله : ( لله ) : الله ، علم على الرب سبحانه وتعالى ، رب العالمين ، وهو علم مختص به لا يمكن أن يكون لغيره ، وهذا العلم يكون دائما متبوعا لا تابعا ، بمعنى انه هو الذي يتبع بالأسماء وليس بتابع ؛ فمثلا قال الله تعالى : )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) قال : (( لله )) ، ثم قال (( رب العالمين )) ، ولم يقل (( الحمد لرب العالمين الله )) وقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، ولم يقل : بسم الرحمن الرحيم الله ، فدائما هو الذي تتبعه الأسماء وتلحق به .
وقوله ( القديم ) القديم يعني السابق لغيره ، فهو بمعنى الأول فقد قال الله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3) ولكن هذا الاسم بهذا اللفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة ، وإذا لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة فليس لنا أن نسمي الله به ، لأننا إذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فقد قفونا ما ليس لنا به علم ، وقلنا على الله ما لا نعلم ، والله تعالى قد حرم ذلك فقال : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) .
وقال تعالى : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36) .
وإذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فذلك جناية وعدوان ، أرأيت لو أن شخصا سماك بغير اسمك ألا تعتبر ذلك جناية عليك ؟
كذلك إذا سميت الله عز وجل بما لم يسم به نفسه فهذه جناية وعدوان في حق الخالق عز وجل ، فلا يحل لك ذلك ، وإذا نظرنا في القرآن والسنة فلن نجد انه جاء من أسماء الله .
إذا : لا يجوز أن نسمي الله به أولا : لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة .
وثانيا : لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى ، والله عز وجل يقول (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(الأعراف: 180) فالقديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه لا يدل على الكمال ، فإن القديم يطلق على السابق لغيره سواء كان حادث أم أزليا ، قال الله تعالى : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّـس:39) ، والعرجون القديم هو عذق النخلة الذي يلتوي إذا تقدم به العهد ، ولا شك أنه حادث وليس أزليا ، والحدوث نقص ، وأسماء الله تعالى كلها حسنى لا تحتمل النقص بأي وجه .
فتبين بذلك أن تسمية الله بالقديم لا تجوز بدليل عقلي وبدليل سمعي ؛ الدليل السمعي قول الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) ، وقوله تعالى : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء:36)
أما الدليل العقلي فهو أن القديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه يتضمن نقصا ، حيث إن القديم قد يراد به الشيء الحادث ، ومعلوم أن الحدوث نقص ، فلو قال المؤلف رحمه الله بدل القديم : الحمد لله العليم أو العظيم أو الكريم أو ما أشبه ذلك من الأسماء التي أثبتها الله لنفسه لكان أولى .
والأفضل من القديم : الأول ، وذلك للأسباب الآتية :
الأول : لان الله تسمى به وهو اعلم بأسمائه.
والثاني : انه يدل على أن الله قبل كل شيء ، وأنه أزلي .
والثالث : أن الأول قد يكون له معنى آخر غير السبق في الزمن ، وهو المآل ، فالأول يعني الذي تؤول إليه الأشياء ، فيكون مأخوذا من الأول بمعنى الرجوع ؛ لان مرجع كل شيء إلى الله ، فيكون أوسع دلالة من القديم .
إذاً تسمية الله بالقديم مما يؤخذ على المؤلف رحمه الله.
وقوله : ( الباقي ) يعني الذي يبقى بعد كل شيء ، فهو بمعنى الآخر ، أي الذي ليس بعده شيء ، والآخر من أسماء الله ، قال الله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ عَلِيمٌ) (الحديد:3) فكأن المؤلف رحمه الله أتى بالقديم بإزاء الأول وأتى بالباقي بإزاء الآخر ، ولكن في هذا نظر ، فلم يرد من أسماء الله عز وجل أنه الباقي ، وإنما جاء (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن:27) .
والصفة لا يشتق منها اسم ، وقد ذكرنا في كتابنا (( القواعد المثلى )) أن كل اسم متضمن لصفة ، وليس كل صفة يشتق منها اسم .
فإذا قال الله تعالى : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) فلا يعني ذلك انه يجوز أن نسمي الله بالباقي .
فالصواب أن يجعل بدل هذين الاسمين الأول والآخر كما ثبت ذلك في القرآن والسنة .
وقوله : ( مقدر الآجال والأرزاق ) مقدر : أي جاعلها على قدر معلوم ، والآجال : جمع أجل ، وهو منتهى الشيء وغايته، ومنه عمر الإنسان ، فإنه مقدر عند الله عز وجل بأجل معلوم ؛ لا يتقدم ولا يتأخر ، وكذلك ما يحدث من الحوادث فهي مقدرة بأجل معلوم لا تتقدم ولا تتأخر .
والأرزاق جمع رزق : وهو العطاء ، والله سبحانه وتعالى هو مقدر الأرزاق ؛ يقسمها بين عباده حسب ما تقتضيه حكمته ، وقد جاء في الحديث : (( إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى ، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر )) والله عز وجل يرزق من يشاء ، لكن حسب حكمته ورحمته ، فقد يبتلي الله الإنسان بالفقر ليعلم أيصبر أم يجزع ، وقد يبتلي الله الإنسان بالغنى ليعلم أيشكر أم يكفر ، والله تعالى يقدر الأرزاق كلها .
فإذا قال قائل : إذا كان الله مقدر الآجال والأرزاق فهل يسوغ لنا أن لا نفعل ما يكون به الرزق ؟
فالجواب .: انه لا يسوغ ؛ لان الله تعالى إذا قدر شيئا فإنه يقدره بأسبابه ، فإذا قدر الرزق لشخص فإنه يقدره لأسباب يقوم بها الشخص ، وقد يكون لأسباب لا يقوم بها الشخص ، كما لو مات للإنسان ميت فورثه فهذا ليس من فعله ، لكن على كل حال تقدير الله تعالى للأشياء لا يستلزم ولا يسوغ أن ندع الأسباب النافعة .


ثم قال المؤلف رحمه الله :
2- حي عليم قادر موجود قامت به الأشياء والوجود


الشرح

قوله : ( حي ) : الحي من أسماء الله ، قال الله تعالى : (اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ)(البقرة: الآية 255) فالله سبحانه وتعالى هو الحي ذو الحياة الكاملة ، التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال ، أي الحياة الكاملة بجميع صفات الكمال .
وقوله : ( عليم ) العليم : أي ذو علم : والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه ، وعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5) وقال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)(قّ: الآية 16) أي ما تحدثه به نفسه ، وإن لم يخرجه للناس ، بل يعلم سبحانه وتعالى ما سيحدث فضلا عن الحادث .
وقوله : (قادر ) القدرة صفة يتمكن بها الفعال من الفعل بلا عجز ، فالله عز وجل قادر بقدرة هي وصفه ، فهو يفعل عز وجل دون أن يعجز . والقوة : صفة يتمكن الفاعل بها من الفعل بلا ضعف . واضرب مثلا يتبين به الفرق :
إذا قيل لشخص : ارفع هذا الحجر فإذا زحزحه وعجز عن رفعه ، نقول انه غير قادر ، وإذا حمله لكن بمشقة شديدة ، نقول : قادر ولكنه ليس بقوي ، وإذا حمله بسهولة نقول : انه قوي .
وعلى هذا فالقوة أكمل من القدرة ، كما أن القوة أيضا اشمل من القدرة ؛ لأنها - أي القوة - يوصف بها ذو الشهور وغيره ، فيقال للإنسان قوي ، وللحيوان قوي ، وللحديد قوي ، وللصخر قوي ، أما القدرة فلا يوصف بها ألا ذو الشعور ، ولهذا لا نقول للحديث انه قادر ، ولا للصخر إنه قادر ، لكن نقول إنه قوي .
فالرب عز وجل قادر ، قال الله تعالى : ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(المائدة: الآية 120) وقدرته لا يستعصي عليها شيء ، فهو قادر على كل شيء ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ما يتعلق به القدرة في كلام المؤلف رحمه الله .
وقوله : ( موجود ) كلمة موجود في الحقيقة إنها مقحمة إقحاما لا وجه له ؛ لأنه يغني عنها قوله : (( حي )) ؛ لان الحي موجود غير معدوم ، وكلمة موجود ليست من الصفات الكاملة ؛ لان الموجود قد يكون ناقصا وقد يكون كاملا ، لكن يعتذر عن المؤلف رحمه الله بأنه أتى بها من باب الخبر لا من باب التسمية ، ويصح أن نخبر عن الله بأنه موجود ، لن لا نسميه بذلك ، كما يصح أن نقول إنه متكلم ولكن لا نسميه بذلك ؛ لان الكلام ليس صفة مدح على كل حال ، قد يتكلم الإنسان بالسوء فيكون كلامه نقصا ، لكن أقول انه يتسامح عن المؤلف بأنه قصد الخبر .
وقوله : ( قامت به الأشياء والوجود ) قامت به - أي بالله عز وجل - الأشياء كلها ؛ بل الوجود كله ، ولولا الله عز وجل ما كان الوجود ، ولا كانت الأشياء ، ولولا الله عز وجل يمد هذه الأشياء والوجود بما تبقى به ما بقيت ، فكل شيء قائم بالله عز وجل ، لقوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره)(الروم: الآية 25) فكل شيء من الأشياء والوجود قائم بالله عز وجل ؛ فهو الذي أوجدها ، وهو الذي أمدها حتى بقيت ، وهو الذي أعدها أي هيأها لما تكون صالحة له .
وقيام الشيء بالله عز وجل يشمل ثلاثة أشياء : الإيجاد ، والإمداد، والإعداد .
أولاً : الإيجاد : فلولا الله عز وجل ما وجدت الأشياء ، فهو الذي أوجد الأشياء عز وجل بقدرته وبحكمته ، وهذه الأشياء الموجودة منها ما معلوم لنا ، ومنها ما هو غير معلوم ، فنحن لا نعلم ألا ما أعلمنا الله تعالى منها ، ومع ذلك فما لم يعلمنا الله به أكثر مما أعلمنا عنه ، قال الله تعالى :( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(الكهف: الآية 51) فنحن لا نعرف ألا السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي ، لكن هناك مخلوقات من قبل لا ندري عنها ؛ لان الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال فعال ، والفاعل والفعل لابد أن ينتج عن مفعول ، فإذا قلنا إن من صفاته الأزلية أنه فعال ، لزم من ذلك أن يكون هناك مفعول ، فكل الأشياء كائنة بالله تعالى .
ثانياً : الإمداد فالله تعالى هو الذي أمدها حتى تبقى ، أرأيت النبات ينبت في الأرض ، فإذا منع الله المطر فني النبات ، وإذا أنزل الله المطر بقي النبات وزاد ! إذا فإمداد هذه الموجودات بما يبقيها وينميها من عند الله عز وجل .
ثالثاً : الإعداد : ويعني تهيئتها لما هي صالحة له ، فالإبل مثلا للركوب ، قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يّـس:71)(وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يّـس:72) فالله أعدها وجعلها صالحة لما خلقت له ، من حيث القوة والشكل واحدوداب الظهر حتى تقوى على التحمل ، وإيجاد الشحم الكثير على ظهرها لئلا يرهقها الحمل ، أو تنكسر العظام ، أو يخل بها ، إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون مهيأة للشيء الذي أعدت له .
فقيام الأشياء بالله عز وجل يكون من حيث الإيجاد والإمداد والإعداد ، وكل هذا قائم بالله عز وجل .
ودليل هذا قول الله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره)(الروم: الآية 25) ) فلولا أمر الله عز وجل الكوني ما قامت السماوات والأرض ، وصلاح الأرض والسماء بالقيام بأمر الله الشرعي أيضا ، ولهذا تعد معصية الله من الإفساد في الأرض .
ودليل آخر قوله تعالى : (اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم )(البقرة: الآية 255) لان معنى القيوم القائم بنفسه القائم على غيره .
ودليل ثالث قوله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)(الرعد: الآية 33) يعني : كمن ليس كذلك ، ومعلوم أن القائم على كل نفس بما كسبت هو الله عز وجل ، فصار الوجود كله قائما بالله تعالى إيجادا ، وإمدادا ، وإعدادا .

سجده السحر
08-14-2011, 01:54 AM
الله يبارك لنا فيك
على ما بذلتى من جهد وتعب
جعله الله فى ميزان حسناتك
نريد هذا النشاط دائما
ولا تغيبى مرة اخرى
فانت منارة لنا

:1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7)::1 (7):

الزاهدة
08-14-2011, 01:59 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله :

3- دلت على وجوده الحوادث سبحانه فهو الحكيم الوارث


الشرح

أراد المؤلف رحمه الله أن يستدل على وجود الله عز وجل فاستدل بالحوادث على وجوده سبحانه وتعالى ، يعني : أن حدوث الأشياء دليل على وجود الله عز وجل ، وتقرير هذا الدليل أن نقول : كل حادث لا بد له من محدث ، وإذا تتبعنا الأشياء وجدنا أنه لا محدث لهذا الحادث ألا الله عز وجل ، ودليل هذا قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35) الجواب : لا هذا ولا ذاك ، يعني : لا هم خلقوا من غير خالق ، ولا خلقوا أنفسهم ، وحينئذ يتعين أن يكون لهم خالق.
والذي خلقهم هو الله سبحانه وتعالى ، لأنه لا أحد يستطيع أن يقول عن نفسه : أنا الذي خلقت ، حتى الأب والأم لا يستطيعان أن يقولا خلقنا ما في بطن الأم . فلو قال الأب أنا الذي خلقت ابني وجعلت له عينين ولسانا وشفتين وأصابع يدين ورجلين ، قال الناس له : كذبت ملء شدقيك . أين أنت من الجنين في بطن أمه ؟ ! هل شققت البطن وجعلت تسوي هذا ؟! هل نفخت فيه الروح ؟ إذاً من يدعي ذلك كذاب ، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد .
ولو قال قائل : إن الذي خلقه فلان الولي العظيم الكبير . فأين هو هذا الولي ؟ أليس في قبره ؟! والحق أن قائل هذا كذاب ألف مرة ، ولو ذهب إلى قبر هذا الذي زعم لوجده إما أن يكون قد أكلته الأرض ، أو هو جثة لا يملك لنفسه شيئا. فكيف يملك لغيره؟!
إذاً فالحوادث دليل على وجود الله لدليل سمعي ودليل عقلي .
فالدليل السمعي : قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35)( أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور:36) .
والدليل العقلي : أن كل حادث لابد له من محدث ، ولا محدث للحوادث ألا الله عز وجل .
ولكن ينبغي أن نسأل : هل المؤلف رحمه الله أراد حصر الدليل على وجود الله عز وجل بهذه الطريق فقط ؟ والجواب : لا . فإن كان أراد ذلك فلا شك أن هذا قصور ، لان الأدلة على وجود الله عز وجل كثيرة ؛ شرعية وعقلية وحسية وفطرية.
فدلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتاله الشياطين ، ولهذا قال الله تعالى : ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(الروم: من الآية 30) بعد قوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً)(الروم: الآية 30) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله ، ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة ألا من اجتالته الشياطين ، ومن اجتالته الشياطين فقد وجد في حقه مانع قوي يمنع هذا الدليل .
إذا فكل حادث لابد له من محدث ، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية ، أما كونها حسية فلأنها مشاهدة بالحس ، وأما كونها عقلية فلأن العقل يدل على أن كل حادث لابد له من محدث ، ولهذا سئل أعرابي بم عرفت ربك ؟ فقال : الأثر يدل على المسير ،والبعرة تدل على البعير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير ؟ والجواب : بلى.
فهذا أعرابي استدل بعقله الفطري على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالق عظيم عز وجل ، هو السميع البصير .
فالحوادث دليل على وجود المحدث ، ثم كل حادث منها يدل على صفة مناسبة غير الوجود ، فنزول المطر يدل بلا شك على وجود الخالق ، ويدل على رحمته ، وهذه الدلالة غير الدلالة على الوجود . وكذلك وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق ، وتدل على أمر ثان وهو غضب الله عز وجل وانتقامه ، فكل حادث له دلالتان ؛ دلالة كلية عامة تشترك فيها جميع الحوادث ، وهي وجود الخالق ، أي وجود المحدث ، ودلالة خاصة في كل حادث بما يختص به ؛ كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب ، وهكذا .
كذلك فإن هناك أدلة أخرى على وجود الخالق ؛ فجميع الشرائع دالة على الخالق ، وعلى كمال علمه ، وحكمته ، ورحمته ؛ لان هذه الشرائع لابد لها من مشرع ، والمشرع هو الله عز وجل .
وأيضا فإن هناك دلالة أخرى وهي النوازل التي تنزل لسبب ، فهي دالة على وجود الخالق ؛ مثل دعاء الله عز وجل ثم استجابته للدعاء ، فهو دليل على وجوده عز وجل ، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص ، ولهذا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يغيث الخلق قال : (( اللهم أغثنا اللهم أغثنا )) . ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر ، وهذا يدل على وجود الخالق ، وهذا أخص من دلالة العموم .
ومن الدلائل رابعاً : الفطرة ، فالفطرة السليمة تدل على وجود الخالق ، وليست الفطرة التي فطر عليها الإنسان فقط ، بل التي فطر عليها جميع الخلق ، حتى البهائم العجم تعرف خالقها ، قال الله تعالى : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ألا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )(الاسراء: الآية 44)) ، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) يعني ما من شيء ألا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، والمسبح لا يسبح ألا من يعرفه .
إذا : فالأدلة على وجود الخالق عز وجل أربعة : الحوادث على سبيل العموم ، والشرائع ، والحوادث الخاصة التي تكون لسبب ، والفطرة .
ثم قال : ( سبحانه فهو الحكيم الوارث ) قوله : ( سبحان ) اسم مصدر سبح ، والمصدر تسبيح ، وأصل هذه المادة يدل على البعد ، ومنه السبح في الماء لان السابح يذهب بعيدا ، والمراد بتسبيح الله عز وجل تنزيهه المتضمن لبعده عن كل نقص ، والنقص إما أن يكون في أصل الصفة ، وإما أن يكون بمقارنتها بغيرها .
ففي أصل الصفة نقول : هو حي ، عليم ، قادر ، حكيم ، عزيز ، فكل صفاته ليس فيها نقص ، فهو حي حياة لا نقص فيها ، سميع سمعا لا نقص فيه ، عليم علما لا نقص فيه ، فلا نقول مثلا إن علمه عز وجل مسبوق بجهل ، أو أنه يلحقه نسيان .
والنقص باعتبار مقارنتها بغيرها : بأن ننزهه عن مماثلة المخلوقين ؛ لان تمثيله بالمخلوقين يعتبر نقصا ، فلا نقول مثلا إن وجه الله عز وجل كوجه المخلوق.
فصار - بذلك - النقص دائرا بين شيئين :
الأول : نقص الصفة بذاتها فصفاته غير ناقصة .
والثاني : نقصها باعتبار مقارنتها بصفة المخلوق ، فإنه لا مقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوق ، فهو منزه عن النقص في صفاته ، وعن النقص بمشابهته أو بمماثلته بالمخلوقين .
ونحن نقول في كل صلاة : ( سبحان ربي الأعلى ) ، فهل نحن حينما نقول : ( سبحان ربي الأعلى ) نستحضر هذا المعنى أم نقول : ( سبحان ربي الأعلى ) باعتبار انه ذكر وثناء على الله ؟ والجواب : أن الغالب على الناس عموما وخصوصا إنهم إذا قالوا : ( سبحان ربي الأعلى ) لا يشعرون ألا بالثناء على الله والتنزيه المطلق ، ولا يستحضرون معنى : اللهم إني أنزهك يا ربي عن مماثلة المخلوقين ، وعن كل نقص في صفاتك ، فلا يشعر القائل بهذا المعنى ألا قليلا .
وقوله : ( فهو الحكيم الوارث ) . الحكيم مأخوذ من الحكم والإحكام ؛ فالإحكام الذي هو فعل الحكمة أو وصف الحكمة ، والحكم الذي هو القضاء ، فلله عز وجل الحكم ، وحكمه كله إحكام : أي إتقان ، والإتقان يعني الحكمة ؛ لان الإتقان أن يوضع الشيء في موضعه على وجه لا خلل فيه ، والله سبحانه وتعالى في أفعاله وأحكامه كذلك .
قال العلماء - رحمهم الله - : والحكم حكمان : حكم كوني ، وحكم شرعي .
فمثال الحكم الكوني : قوله سبحانه وتعالى عن أحد إخوة يوسف ( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي )(يوسف: الآية 80)) هذا حكم كوني وليس حكما شرعيا ؛ لأنه من حيث الحكم الشرعي قد حكم الله له ، فهذا حكم يتعين أن يكون حكما كونيا .
ومثال الحكم الشرعي قوله تعالى :( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) هذا حكم شرعي ولا يتضمن حكما كونيا .
أما قوله تعالى : (له الحكم وإليه ترجعون )[ القصص : 88]) فهذا يشمل الكوني والشرعي ، وكذلك قوله تعالى : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين:8) يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي . إذا أحكام الله عز وجل كونية وشرعية .
فإذا قال قائل : نحن لا نشك في أن أحكام الله تعالى كونية وشرعية . لكن ما الفرق بينهما ؟
فالجواب : أن الفرق بينهما من وجهين :
أولا : الحكم الكوني واقع لا محالة وشامل لكل أحد .
أما الحكم الشرعي فقد يقع وقد لا يقع ، بمعنى أنه قد ينفذ وقد لا ينفذ ، أما من حيث إن الله حكم به فهو واقع لا شك فيه . فالحرام حرام واقع ، لكن هل ينفذ أو لا ؟ قد ينفذ وقد لا ينفذ ، وإذا قضى الله عز وجل بأن هذا واجب على العباد فقد يفعلونه وقد لا يفعلونه ، لكن إذا حكم كونا بأن هذا واجب على العباد ، أي : واقع عليهم فلابد أن يقع .
ثانيا : الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه ، فقد يحكم الله عز وجل بان يقع الكفر والشرك والزنا والفواحش ، لكنه لا يرضاها شرعا .
أما الحكم الشرعي فلا يكون ألا فيما يرضاه الله عز وجل ، إما أن يرضى وجوده وإما أن يرضى عدمه ، فإن كان مأمورا به فقد رضي وجوده ، وإن كان منهيا عنه فقد رضي عدمه .
وقوله ( الحكيم ) سبق أن الحكيم بمعنى الحاكم وبمعنى المحكم ، وكل أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية كلها محكمة مبنية على الحكمة ، فما من حكم كوني حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة ، وما من حكم شرعي حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة .
والحكمة نوعان : غائية وصورية :
أما الغائية : فهي بمعنى أن الشيء إنما كان لغاية حميدة .
والصورية : بمعنى أن كون الشيء على هذه الصورة المعينة لحكمة ، فإذا تدبرت الصلاة وكونها على هذا الوجه : قيام ، ثم ركوع ، ثم قيام ، ثم سجود ، ثم قعود ، هذه صورية مطابقة للحكمة تماما .
كذلك الغاية منها أيضا حكمة ؛ فالغاية منها : الثواب والأجر عند الله عز وجل .
وهكذا أيضا المخلوقات ؛ فكون الشمس بهذا الحجم ، وبهذه الحرارة وبهذا الارتفاع هذه صورية ، هذا مناسب للحكمة تماما . ثم الثمرات الناتجة عن الشمس غائية .
فالحاصل أن حكمة الله عز وجل تتعلق بالشيء من حيث صورته ، ومن حيث غايته ، وكل ذلك مطابق للحكمة .
ولكن هل الحكمة معلومة للخلق ؟ . والجواب : أن الحكمة قد تكون معلومة ، وقد تكون غير معلومة ، لكن كونها غير معلومة ، وقد تكون غير معلومة ، لكن كونها غير معلومة لا يعني إنها معدومة ، بل إنها موجودة لكن لقصورنا أو تقصيرنا لم نصل إليها .
والأحكام الشرعية إذا لم يعلم العلماء حكمتها سموها بالأحكام التعبدية ، ولهذا لو قال قائل : ما الحكمة في أن تكون صلاة الظهر أربعا دون ثمان ؟ ، قلنا : الحكمة تعبدية ليس للعقل فيها مجال .
فهم يقولون : إن علمت حكمة الحكم فهو حكم معقول المعنى ، مع ما فيه من التعبد لله ، وإن لم تعلم فهو حكم تعبدي ليس لنا أمامه ألا التعبد . وأيهما أقوى في التعبد : الامتثال لحكم التعبدي أو للحكم المعقول المعنى ؟ الأول ابلغ في التذلل ،فكونك تقبل الحكم وإن لم تعرف حكمته هذا أبلغ ؛ لان كون الإنسان لا يقبل الحكم ألا إذا علم حكمته فيه نوع من الشرك ، وهو عبادة الهوى ، وأنه إذا وافق الشيء هواه وأدرك حكمته قبله واطمأن إليه ورضي به ، وإن لم يكن صار عنده فيه تردد .
والناظر إلى الناس اليوم يجد أن أكثرهم يطلبون العلة العقلية ، حتى إن بعضهم إذا قلت له : قال الله ورسوله . يقول : وما الحكمة ؟ فهلا علم هؤلاء أنهم مأمورون إن كانوا مؤمنين أن تكون الحكمة عندهم قول الله ورسوله ، ولهذا لما سئلت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : (( ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ )) فأجابت : (( كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )) ، إذا هذه هي الحكمة التي نجيب بها على هذا السؤال ، وبهذه الحكمة لا يمكن لأحد أن يتكلم بعد ذلك إن كان مؤمنا .
لكن إذا ذهبنا نأتي بعلل معقولة ، قد تكون مقصودة للشرع وقد لا تكون ، أوردوا علينا وناقضونا ؛ لان هؤلاء إنما يريدون الجدل ، فكلما أتيت بعلة نقضوها ، ولهذا نقول لكل من سال : ما الحكمة في هذا ؟ نقول : الحكمة قول الله ورسوله إن كنت مؤمنا لان الله عز وجل يقول : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمرهمْ)(الأحزاب: الآية 36) وبهذا نسد عليه الباب ، فإن أراد أو حاول أن يجادل فإيمانه ضعيف لا شك ؛ لان فرض المؤمن أن يقول : سمعنا وأطعنا .
وخلاصة القول أن باب الحكمة باب عظيم ، ينبغي للإنسان أن يعقله وأن يؤمن به إيمانا تاما ، وأن يعلم أن أفعال الله مقرونة بالحكمة ، خلافا لمن قال : إن أمره وفعله لغير حكمة بل لمجرد المشيئة ، فإن في هذا من تنقص الله عز وجل ما هو معلوم .
وقوله : ( الوارث ) هذا الاسم جاء في القرآن الكريم بصيغة الجمع وبالفعل ؛ قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)(مريم: الآية 40) وقال تعالى : (وكنا نحن الوارثين)(القصص: 40) ، فالوارث معناه : الذي يرث من قبله ، ولا شك أن الله هو الآخر الذي ليس بعده شيء ، فإذا كان الآخر الذي ليس بعده شيء لزم أن يكون الوارث لكل شيء ، فالله سبحانه وتعالى هو الوارث لكل شيء . كل من سواه فإن الله سبحانه وتعالى بعده ، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء .
فالحاصل أن هذه الأبيات الثلاثة الأولى كلها ثناء على الله عز وجل ، وقد اعتاد المصنفون رحمهم الله أن يبدأوا مصنفاتهم بالثناء على الله عز وجل ، ثم بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم لان القصد الأول هو الله عز وجل ، والنبي صلى الله عليه وسلم دال على الطريق الموصل إلى الله ، فكان حقه بعد حق الله سبحانه وتعالى .

الزاهدة
08-14-2011, 02:11 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
4- ثم الصلاة والسلام سرمدا على النبي المصطفى كنز الهدى

الشرح

قوله : ( ثم الصلاة والسلام سرمدا ) ثم : أي بعد الثناء على الله أثنى بذكر حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك بالصلاة والسلام عليه ، و أعظم حقوق البشر حق النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو أحق من الوالدين وأحق من الأقارب ، بل وأحق من النفس ولهذا يجب تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس ، فيجب فداؤه بالنفس عليه الصلاة والسلام ، ولا أحد من الخلق يجب فداؤه بالنفس ألا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من الخلق يجب تقديم محبته على النفس ألا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ولا يمكن أن يؤمن الإنسان حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه حتى من نفسه .
وقوله : ( ثم الصلاة والسلام سرمدا ) يعني أبداً . والصلاة تكلم العلماء رحمهم الله في معناها ، ولكن أصح الأقوال فيها ما قاله أبو العالية الرياحي من أنها : ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى (1)، فصلاة الله على رسوله يعني ثناءه عليه في الملا الأعلى ، ومعنى ثنائه عليه في الملأ الأعلى أن الله تعالى يذكر أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الحميدة عند الملائكة ويثني عليه .
وذهب بعض أهل العلم رحمهم الله إلى أن الصلاة هي الرحمة ولكن قولهم هذا ضعيف ، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر الرحمة والصلاة في آية واحدة ، فغاير بينهما ، فقال : (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)(البقرة: الآية 157) والعطف يقتضي المغايرة.
ووجه آخر أن العلماء رحمهم الله اتفقوا على جواز الدعاء بالرحمة لأي شخص من المؤمنين ، واختلفوا في جواز الصلاة ،وهذا يدل على أن الصلاة غير الرحمة ، فالرحمة عامة ، والصلاة أخص من مطلق الرحمة ، والصحيح جوازها ما لم يتخذ شعارا لهذا الشخص المعين ، فإن اتخذ شعارا لهذا الشخص المعين فهو ممنوع ، لأنه خصه بخصيصة يفهم منها معنى فاسد .
فالصلاة إذا ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى ، فإذا صليت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : اللهم صل على محمد ، فالمعنى : اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى ، فإن قلت ذلك مرة فإن الله يصلي عليك عشرا ، يعني إذا سألت الله أن يثني على رسوله مرة واحدة أثنى الله عليك عشر مرات .
وقوله : ( والسلام ) بمعنى السلام من كل آفة ، والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم من كل آفة .
فإن قال قائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات ، فما معنى الدعاء له بالسلامة ؟
فالجواب : أن دعاءنا له بالسلامة يشمل السلامة في الدنيا والسلامة في الآخرة .
ففي الآخرة : إذا لم يسلم الله البشر هلكوا ، ولهذا كان النبي يمرون على الصراط ، وكان دعاء الأنبياء يومئذ : (( اللهم سلم اللهم سلم )).
وفي الدنيا : ندعو أن الله يسلم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك بان يسلمه من العدوان عليه ، أي على جسده ، أفليس قد ذكر في التاريخ أن رجلين أرادا أن يستلبا جسد النبي عليه الصلاة والسلام ؟ إذا فنحن ندعو الله أن يسلمه حتى في الدنيا أي يسلم جسده .
ثم ربما يقال إن المسالة أوسع من ذلك ، بأننا نسأل الله تعالى أن يسلمه في الدنيا أي يسلم شريعته من أن ينالها أحد بسوء ؛ لان شريعة الإنسان لا شك أنه يذود عنها كما يذود عن نفسه ، فالإنسان يذود عن مبدئه وعن شريعته وعن طريقه كما يذود عن نفسه ، وما أكثر الذين يستميتون من اجل تحقيق دعوتهم .
إذا : فالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في الدنيا والآخرة ، ويكون بسلامته عليه الصلاة والسلام نفسه ، وبسلامة شريعته.
وقوله : ( على النبي ) : النبي : هل هو بالهمز وخفف أو بالياء التي أصلها الواو ؟ قيل : إن أصله من النبوة ، من نبا ينبو نبوا ، وهو الارتفاع ؛ لان نبا بمعنى ارتفع ، ولا شك في ارتفاع رتبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا فيكون النبي أصلها النبيو لكن اجتمعت الواو مع الياء وسبقتها الياء بالسكون فقلبت الواو ياء فصارت النبي .
وقيل : إنه من النبأ بمعنى الخبر ، لان النبي منبأ ومنبئ ، ولكن سهلت الهمزة إلى ياء لكثرة الاستعمال ، فأصلها النيئ ، ثم سهل صارت النبي .
والقاعدة : أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان حمل عليهما جميعا ، فنقول هو مشتق من هذا ومن هذا ؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم رفيع المنزلة ، وهو أيضا منبئ ومنبأ .
وقوله : ( المصطفى ) : يعني المختار ، لأنه مأخوذ من الصفوة ، وصفوة الشيء خياره ، فهو صلى الله عليه وسلم مصطفى أي مختار على جميع الخلق ، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل ، والرسل أفضل الخلق .
والدليل على أنه أفضل الرسل :
أولا : أن الله تبارك وتعالى قال : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ )(آل عمران: الآية 81) فالتزموا بذلك : (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)(آل عمران: الآية 81) فهذه الآية نص صريح في أن محمدا صلى الله عليه وسلم إمام الأنبياء ، وأنه يجب عليهم أتباعه ؛ لان الذي جاء مصدقا لما معهم ، هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، كما قال الله تبارك وتعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ )(المائدة: الآية 48).
ثانيا : أنه في ليلة المعراج ، لما صلى الأنبياء كان إمامهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، فهو صفوة الصفوة عليه الصلاة والسلام ، ولهذا نقول : المصطفى .
فإذا قال قائل : أليس الله تعالى قد اتخذ إبراهيم خليلا ، والخلة أعلى أنواع المحبة ؟
فالجواب : بلى ، لكنه قد اتخذ أيضا محمدا خليلا ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا).
فإن قال قائل : أليس الله تعالى قد كلم موسى تكليما ؟
فالجواب : بلى ، ولكنه أيضا كلم محمدا صلى الله عليه وسلم تكليما ، فإذا كان الله قد كلم موسى وموسى في الأرض ، فقد كلم سبحانه وتعالى محمداً ومحمد فوق السماوات السبع . فما من صفة كمال لنبي من الأنبياء ألا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها أو خير منها ، وما من آية لنبي ألا كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مثلها أو لإتباعه ، ومعلوم أن الكرامات للأتباع كالمعجزات للنبي المتبوع.
وهناك كلمة يقولها من يزعمون أنهم يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث يقولون : محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله ، وهذا نقص في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لان الخلة أعلى من المحبة ، ولهذا نقول إن الله يحب المحسنين والمتقين ، ولا نقول أنه خليل للمحسنين والمتقين ، ويحب الأنبياء ، ولا نقول إنه خليل لهم ألا لمحمد وإبراهيم ، ومن سواهم من الأنبياء لا نثبت لهم الخلة ، بل نثبت لهم المحبة - بلا شك - ، ونثبت المحبة للمؤمنين وللمحسنين وللمقسطين وما أشبه ذلك ، لكن الخلة أعظم وأكمل .
مسالة : هل المصطفى من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب : لا ، بل الظاهر أنه من أوصافه ، والعجيب أن بعض الناس يكرر فيقول : قال المصطفى ... وقال المصطفى ... مع أن الصحابة رضي الله عنهم اشد منا تعظيما للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأعلم منا بمناقبه ولم يقولوا ذلك ؛ فلم يقل أبو هريرة : قال المصطفى ، ولا قاله أحد من الصحابة ، وفي كل كتب الحديث يقول الصحابي : قال رسول الله ، قال نبي الله ، قال أبو القاسم ، وما أشبه ذلك ، لكن الناس في الوقت الحاضر ابتلوا بصياغة الألفاظ، ولم ينظروا إلى من سبقهم ، والحقيقة أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى من سبق .
ومثل ذلك ما يقوله بعض الناس الآن إذا أراد أن يقول : قال الله تعالى ، يقول : قال الحق ، وهذا قول الحق . ولا شك أن الله هو الحق المبين لكن يا أخي قل : قال الله . فالنبي عليه الصلاة والسلام - وهو لا شك أنه اعلم بالله منك ، وأشد تعظيما لله منك - كان إذا أراد أن يتحدث عن الله عز وجل بالحديث القسي يقول : (( قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك )) . ولم يقل صلى الله عليه وسلم : قال الحق ، ولكن بعض الناس يريد أن يجدد ، والتجديد في مثل هذه الأمور لا ينبغي ، وإتباع السلف في هذه الأمور أولى من التجديد .
وقوله : ( كنز الهدى ) : يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الكنز ، لكن ليس كنز الذهب والفضة ، ولكنه كنز الهدى ، أي : هدى الدلالة والإرشاد ، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو العلم والمنار الذي يهتدي به ، لكنه ليس كنز الهدى الذي بمعنى التوفيق ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يهدي أحداً أبداً .
ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يهدي أحداً لهدى عمه أبا طالب الذي أحسن إليه ، ودافع عنه ، وناضل عنه ، وحماه . ومع ذلك كان يقول له عند موته : (( يا عم قل لا إله ألا الله كلمة أحاج لك بها عند الله )) ، ولكنه والعياذ بالله قد حقت عليه كلمة العذاب ، فلم يقل هذا ، وإنما كان آخر قوله : هو على ملة عبد المطلب ، فأبى أن يقول لا إله ألا الله ، ولكن من اجل أن هذا الرجل دافع عن الإسلام ، وحمى النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، جازاه الله عز وجل بجزاء لم يكن لغيره من لكافرين ، فأذن الله لنبيه أن يشفع فيه فشفع فيه النبي عليه الصلاة والسلام ، أي في أبي طالب ، فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ، أعوذ بالله ، وهو أهون أهل النار عذابا ، إذا كان الدماغ يغلي وهو أبعد ما يكون عن النعلين ، فما بالك بما تحته؟!.
ولهذا نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم ( كنز الهدى ) ، أي هدى العلم والدلالة دون التوفيق والعمل ، فإنه لا يستطيع أن يهدي أحداً هداية توفيق وعمل ، وإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ففي حق غير الرسول من باب أولى ، وبناء على ذلك فنحن لا نملك هداية الناس هداية توفيق ، وإنما علينا أن نهديهم هداية دلالة وإرشاد ، و نسأل الله أن يعيننا على ذلك ، فما أكثر ما قصرنا حتى في الدلالة والإرشاد ، فنحن وظيفتنا أن ندل ونرشد ونبين وندعو ونأمر وننهي ونغير ، وكل هذا بقدر الاستطاعة .
فهنا بيان ودعوة وأمر وتغيير . وكثير من الناس يظنون أن معناها واحد ، وليس كذلك :
فالبيان : أن تبين بيانا عاما للناس .
والدعوة : أن تقول افعلوا - يا أيها الناس - وتدعوهم ، كالذي يدعو الغنم للشرب وما أشبه ذلك .
والأمر : أن تقول يا فلان افعل كذا ، فالأمر أخص من مجرد الدعوة ، ثم بعد ذلك التغيير وهو أعلى شيء كما لو رأيت مثلا آلة لهو فلا تنهى وتقول : يا فلان لا تستعملها ، بل تأخذها وتكسرها .
وكل هذا والحمد لله منوط بالاستطاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ))

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

الزاهدة
08-14-2011, 02:16 AM
5- وآله وصحبه الأبرار معادن التقوى مع الأسرار

الشرح

قوله : ( وآله وصحبه الأبرار ) الآل تطلق على معان ، وأصح ما تقول فيها : إنها إن قرنت بالإتباع فالمراد بها المؤمنون من قرابته ، وذلك مثل أن نقول : وآله وأتباعه ؛ وذلك لان العطف يقتضي المغايرة ، وإذا ذكرت وحدها ولم تقرن بالإتباع ، فالمراد بآله أتباعه على دينه ، ويشمل المؤمنين من قرابته ، وهذا هو أصح ما قيل في الآل.
وعبارة المؤلف رحمه الله ليس فيها ذكر الأتباع ، حيث قال : ( وآله وصحبه ) إذا نقول : المراد بآله هم أتباعه على دينه.
وفي التشهد نقول : (( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد )) فالمراد بالآل هنا أتباعه على دينه ، لأنه لم يذكر الأتباع ، لكن إذا قلنا : اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان . صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته ، وقد قال الناظم :
آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله ألا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
لان أبا لهب من قرابته ، لكن الصواب أن الذين قالوا إن الآل هم القرابة لا شك أنهم يريدون المؤمنين من قرابته ؛ لأنه لا يمكن أبداً لأي مؤمن أن يقول : إنني إذا قلت : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، أنني اقصد أبا لهب ، بل يجب علينا أن نتبرأ من أبي لهب ومن غيره من أقارب الرسول علي الصلاة والسلام ممن مات على الكفر .
مسالة : هل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يعتبرون من آله ؟
الجواب : الصحيح أنهن من آله .
وقوله : ( وصحبه ) ، الصحب والأصحاب والصاحب - في اللغة العربية - تدل على المرافق الملازم ، ولهذا نقول إن أصحاب النار هم أهلها الخالدون فيها ، ولا يكون الإنسان صاحبا ألا بملازمة طويلة ، ألا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مجرد الملاقاة مع الإيمان به تكون بها الصحبة ؛ فالصحابي من اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك ،حتى وإن لم يجتمع به ألا لحظة واحدة فهو صحابي .
وقوله : ( الأبرار ) : جمع بر ، وضدها الفجار ، قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (المطففين:7) وبعد ذلك قال : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين:18) .
فالأبرار جمع بر ، وضده الفاجر ، والبر في الأصل كثير الخير ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور:28) فالأبرار هم الذين أكثروا من الأعمال الصالحة .
ولا نعلم أحداً من الخلق أكثر عملا في الصالحات من الصحابة رضي الله عنهم ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ويجب علينا نحن خلف الأمة أن نعرف لهؤلاء السلف حقهم وقدرهم ، وأن نحترمهم في أقوالهم وأفعالهم ما وجدنا لها مكانا في الاحترام .
ومن المؤسف أن من الخلف اليوم ولا سيما بعض المدعين للاجتهاد ، الذين يدعى أنهم مجتهدون على الإطلاق ، وإنهم كالثريا بالنسبة للثرى مع العالم الآخر ، من المؤسف أن هؤلاء عندما تقول لهم : قال فلان من الصحابة المعروفين بالفقه والعلم ، يقول : هذا قول صحابي ، ولا نوافق ، وبهذه البساطة يتكلم بهذا الكلام ، ويقول : قول صحابي ولا نعمل به .
حتى إن بعضهم قال : إن الأذان الأول للجمعة بدعة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ، فإذا قيل له : إنه سنة الخليفة الراشد الذي أمرنا بإتباعه ، عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال : وإن سنه ، أنه ليس سنة الرسول عليه الصلاة والسلام .
وبهذا حكم على خليفة المسلمين الثالث ، وعلى المسلمين عموما بالضلال ، لأني لا اعلم إلى ساعتنا هذه أن أحداً من الصحابة أنكر على عثمان رضي الله عنه هذا الأذان ، فيكون الصحابة رضي الله عنهم مجمعين على إقرار الضلالة ، ويكون الخليفة الراشد ضالا ؛ لان كل بدعة ضلالة .
وهذا - والعياذ بالله - غرور بالنفس وزهو ، ولا شك أن من ترافع إلى هذا الحد سوف يضعه الله ، وان من تواضع لله رفعه الله ، ويجب علينا أن نعرف لهؤلاء السلف حقهم ومنزلتهم عند الله ، في العلم ، وفي العبادة ، صحح إذا قال أحدهم قولا مخالفا للكتاب والسنة - والإنسان غير معصوم - فلنا أن نرده لكن نرده مع الاعتذار عنهم ، أما أن نرد بهذه الوقاحة في أمر اجتهادي ، قد يكون الصواب مع الصحابة لا معك ، هذا غلط.
وحدثني بعض الأخوة أنه جاءهم رجل وقال لهم : إن التكبير : (( الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله ، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد )) ، هذا ليس بصحيح ، ولا يقال ، لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأغفل أنه مروي عن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ؛ خليفتان من خلفاء المسلمين ، أن صفة التبكير : (( الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله ، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد )) ، وعن ابن مسعود وغيره من الصحابة رضي الله عنهم التكبير ثلاث مرات ، فكيف نقول : إن هذا لا يقال لأنه قول صحابي وليس فيه حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!
ثم إن قول الصحابي خير من قولك ، وأنا لا أقول عين هذا القول ، ولكن أقول لا تنكر هذا القول لان الإنكار يحتاج إلى دليل ، وقول الصحابي إذا لم يخالف الدليل دليل ، وهذا على قاعدة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ، وعلى ظاهر الأدلة العامة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )).
فالمهم أنه ينبغي لنا أن نحذر من هؤلاء وطريقتهم ، الذين لا يقيمون وزنا للسلف الصالح ، ولا يحترمونهم ، ويعدون القول منهم كقول السوقة من الناس اليوم ، فإن الواجب أن نحترم أقوالهم ، وإذا رأيناها مخالفة للدليل نطلب لهم العذر ؛ ونقول لعله لم يبلغه ، أو لعله تأول ، والصحابة رضي الله عنهم لما علموا أن عثمان رضي الله عنه بإتمامه الصلاة في منى ليس على صواب ، ما شنعوا عليه ولا انفصلوا عنه في الصلاة ، بل أتموا الصلاة .
ومن ذلك أنا رأينا في المسجد الحرام أقواما إذا صلوا خمس تسليمات انصرفوا ، بحجة أن هذا الإمام مبتدع ، وسبب ذلك عندهم قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة )) . إذا فما زاد على ذلك فهو بدعة .
وكأنه نسي أن الذي كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة ، قال حين سأله السائل عن صلاة الليل : (( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح ، صلى واحدة )) ولم يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بعدد بل قال : إذا خشيت الصبح - ولو كنت مصليا مائتي ركعة - ، فصل ركعة توتر لك ما صليت .
ثم نسي قول الرسول عليه الصلاة والسلام : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به )) وهذا إمام شرعي مجعول في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو غيره من المساجد.
وكأنه نسي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة )) ولو كان نبينا عليه الصلاة والسلام قال : من زاد عن احدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة فلا تصلوا خلفه ، لكان انصراف هذا الرجل على حق ، لكن أنى له ذلك ؟! بل قال : (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ).
فأنا أحذر من هؤلاء وطريقتهم ، وأقول : إنه يجب علينا أن نحترم أقوال سلفنا الصالح ، ولكننا لا نعتقد عصمتهم ، بل نقول : إن الخطأ جائز عليهم كما هو علينا أجوز ، ولكن إذا رأينا خطأ بينا مخالفا للكتاب والسنة فإننا لا نقبله ، ولكن نعتذر عمن علمنا حسن قصده .
حتى من بعد الصحابة - رضي الله عنهم -، فهناك أئمة يخطئون ، وهناك أتباع للأئمة لكنهم أئمة في مذاهبهم يخطئون ، ولكن لا نتخذ من هذا الخطأ جفاء معهم ولا ينبغي الكلام عليهم بما لا ينبغي ، بل إذا أخطئوا اعتذرنا عنهم ، وقلنا : نحن لا نتبع ألا ما قام الدليل عليه ، ولكن هؤلاء اخطئوا وربما يكون لهم عذر ، ومن قرأ كتاب شيخ الإسلام رحمه الله رفع الملام عن الأئمة الإعلام ، تبين له كيف يعامل الأئمة والعلماء - رحمهم الله -.
أما أن نستعز بأنفسنا ويرى الواحد منا نفسه كأنه رسول يوحى إليه ، فهذا خطأ عظيم . والغالب أن هؤلاء يحرمون بركة العلم ، ولا أعني ببركة العلم ألا يكون عندهم علم واسع ، بل قد يكون عندهم علم واسع ، لكن يحرمون بركته ؛ من خشية الإنسان لربه عز وجل وإنابته إليه ، والحقيقة العلم إذا لم يثمر خشية الله عز وجل ، والإنابة إليه ، والتعلق به سبحانه وتعالى ، واحترام المسلمين ، فإنه علم فاقد البركة ، بل قد يختم لمن سلك هذا الملك بخاتمة سيئة ،مثلما علمنا أناسا علماء فطاحل ، لكنهم - والعياذ بالله - ختم لهم بسوء الخاتمة لأنهم اعتزوا بأنفسهم ، وفخروا بأنفسهم ، وازدروا غيرهم ، وهذا خطير جدا نسأل الله أن يعافينا وبقية إخواننا المسلمين من ذلك .
وقوله : ( معادن التقوى مع الأسرار ) المعدن : أصل الشيء ، ومنه المعادن الأرضية التي هي أصل هذه الجواهر النفيسة .
وقوله : ( التقوى ) : أصلها وقوى مأخوذة من الوقاية ، والتقوى : هي اتخاذ الإنسان وقاية من عذاب الله ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه . وهذا هو اجمع ما قيل فيها .
إذاً : فالتقوى اسم جامع لفعل الأوامر وترك النواهي ، لكن أحيانا يقال : البر والتقوى ، فإذا قيل البر والتقوى ، صار البر فعل الطاعات والتقوى ترك المنهيات .
وإلا فإن ذكرت التقوى وحدها شملت البر ، وإن ذكر البر وحده شمل التقوى .
وقوله : ( مع الأسرار ) : الأسرار جمع سر ، والمراد به هنا الاطلاع على خفايا العلوم والمناهج . والمناهج يعني السبل والطرق والأخلاق التي يتخلقون بها ، فلا أحد أعمق علما من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا أحد أقل تكلفا من الصحابة رضي الله عنهم ، ولذلك لو جمعت كل ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم في أبواب العلم لوجدته ينقص كثيرا عن مؤلف من مؤلفات علماء الكلام ؛ الذي ليس فيه ألا حشو الكلام الذي لا منفعة فيه ، بل فيه مضرة ؛ أدناها إضاعة الوقت .
وأنت تجد كلام الصحابة رضي الله عنهم سهلا واضحا سلسلا ، ليس فيه تكلف ولا تشدد ، بل كله مبني على السهولة ، لما افطر الناس في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن تغرب الشمس - لأنها كانت غيما - ثم طلعت الشمس ، قالوا : يا أمير المؤمنين إن الشمس قد طلعت ، قال : (( الخطب سهل إننا لم نتجانف لإثم )) كلمات يسيرة واضحة سهلة بينت الحكم والحكمة ، الخطب سهل لأننا لم نتجانف لإثم ، إذا لا شيء علينا ، وفي رواية أخرى قال : (( الخطب سهل نقضي يوما مكانه )) فيكون له في المسألة قولان .
فعلم السلف رحمهم الله وخصوصا الصحابة رضي الله عنهم ، وخصوصا الخلفاء الراشدين ، تجده سهلا بينا واضحا ، حتى النفس تلتذ له ولسماعه ، فهذا هو المقصود بقول المؤلف رحمه الله ( الأسرار ) فالأسرار إذا جمع سر ، والمراد بها خفايا العلوم والأخلاق التي تكون عند الصحابة رضي الله عنهم ، بدون تكلف وبدون تعمق ، بل بكل سهولة تجري على النفوس وعلى القلوب مجرى سهلا هيناً.

الزاهدة
08-14-2011, 02:18 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
6- وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
7- لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ

الشرح

قوله :( وبعد فاعلم ) بعد : أي بعد ما ذكر من الحمد والثناء على الله عز وجل ، والصلاة والسلام على رسوله وآله ، ( فاعلم ... ) وبعدها مضمومة ضمة بناء ؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه ، وهذه الكلمات - بعد وأخواتها - يقول النحويون فيها إنها لا تخلو من أربع حالات :
الحال الأولى : أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه وحينئذ تبنى على الضم .
الحال الثانية : أن يحذف المضاف إليه وينوى لفظه وحينئذ تعرب بالحركات غير منونة ، فتجر في حال الجر ؛ وتنصب في حال النصب ، وما أمكن أن يرفع منها يرفع في حال الرفع لكن غير منون ؛ لأنه قد نوى لفظ المضاف إليه ، والكلمة إذا أضيفت لا تنون ، كما قيل :
كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني
الحال الثالثة : أن يذكر المضاف إليه فتعرب بالحركات حسب العوامل ولكن بغير تنوين .
الحال الرابعة : أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لا لفظه ولا معناه ، وحينئذ تعرب بالحركات منونة ، قال الشاعر :
فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الفرات
فقال : وكنت قبلا .
وأكثر ما ترد هذه الكلمات مبنية على الضم ؛ لان المضاف إليه يكون محذوفا وينوى معناه .
إذا : ( وبعد ) هنا مبنية على الضم ؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه .
وقوله : ( فاعلم ) الفاء رابطة في جواب شرط مقدر ، لان التقدير ( وبعد ) هو ( وأما بعد ).
( فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد ) أمر المؤلف رحمه الله أن تعلم ؛ لان المقام مقام ينبغي أن يهتم به ، وهو أن يعلم الإنسان أن جميع العلوم كالفرع للتوحيد ؛ كعلم الفقه والتفسير والحديث وغيرها كلها فرع لعلم التوحيد ؛ لان التوحيد هو الأصل الذي ينبني عليه دين العبد ، ولا يمكن أن يقوم دين ألا بتوحيد (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ ألا اللَّهُ )(محمد: الآية 19) .
وقول المؤلف رحمه الله : ( كالفرع للتوحيد ) يعني بأقسامه الثالثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، فكل العلوم بل والأعمال أيضا ، مدارها على التوحيد ، فالتوحيد هو الأصل وما سواه فهو فرع .
وقوله : (فاسمع نظمي ) أمر بان تعلم وان تسمع .
( نظمي ) أي منظومي الذي سأنظمه وأقوله ؛ لان ما سينظمه رحمه الله في علم التوحيد ، ولهذا أمر بان تسمع إليه سماع انتفاع.
ثم علل كون العلوم كالفرع للتوحيد بقوله :
لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ
قوله : ( لأنه ) : أي علم التوحيد .
وقوله : ( العلم الذي لا ينبغي ) أي لا يصلح ولا يستقيم ولا يمكن للإنسان العاقل أن لا يبتغي فهمه ، اللام في قوله : (( لفهمه )) زائدة ، يعني لا ينبغي لعاقل لم يبتغ فهمه ، أي : أنه لا ينبغي لعاقل أن يدع فهم علم التوحيد ، لأنه الأصل ، وإذا كان هو الأصل وجب أن يقدم على غيره ، لان الفرع لا يبنى ألا على أصل .

الزاهدة
08-14-2011, 02:20 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
8- فيعلم الواجب والمحالا كجائز في حقه تعالى


الشرح

قوله :( فيعلم ) يعني من جملة علم التوحيد ، أن به يعلم الواجب والمحال والجائز في حق الله تعالى .
فيعلم الواجب في حق الله ، ويعلم المستحيل في حق الله ، ويعلم الجائز في حق الله ، فالأقسام إذا ثلاثة : واجب ، ومستحيل ، وجائز ، ويقال للواجب أحيانا اللازم ، ويقال للمحال أحيانا الممنوع ، ويقال للجائز أحيانا الممكن ، والمدار على المعنى .
أما الواجب في حق الله تعالى : فهو ما لا يتصور عدمه بالنسبة إليه ، فكل شيء لا يتصور عدمه بالنسبة لله فهو واجب ، فمثلا الحياة من الواجب ، والعلم من الواجب ، والقدرة من الواجب ، والقوة من الواجب ، والأمثلة في هذا كثيرة ، فكل ما لا يتصور عدمه فهو واجب .
وأما المستحيل : فهو كل ما لا يتصور وجوده ، فالذي لا يتصور وجوده هو المستحيل ، مثل الموت والعجز والضعف والجهل والنسيان وما أشبه ذلك . فهذا كله ممتنع في حق الله عز وجل .
والضابط في هذا أن كل كمال فهو من الواجب في حق الله تعالى ، وكل نقص فهو من الممتنع في حق الله عز وجل .
وأما الجائز : فهو ما جاز وجوده وعدمه بالنسبة للخالق ، مثل النزول إلى السماء الدنيا ، والاستواء على العرض ، وخلق شيء معين كخلق ذباب مثلا ، وخلق السماوات ، وخلق الأرض ، هذا من الأمور الجائزة ، لأنه يجوز أن لا يخلق الله هذا لاشيء ويجوز أن يخلقه ؛ فلو لم يخلقه لم يكن ذلك نقصا ، ولو خلقه لم يكن نقصا ، والاستواء على العرش ، والنزول إلى السماء الدنيا كلها من الأمور الجائزة .
فإذا قال قائل : إن إثبات الجائز في حق الله ممنوع لأنه إن كان وجوده كمالا كان عدمه نقصا ، وإن كان عدمه كمالا كان وجوده نقصا ، وحينئذ لابد أن يكون إما موجودا فيكون من الواجب أو معدوما فيكون من المستحيل ، فلا يتصور شيء جائز في حق الله ؟
فالجواب على هذا أن نقول : هو كمال في حال وجوده ، نقص في حال عدمه إن كان من الموجودات ، أو هو كمال في حال عدمه نقص في حال وجوده ، فمثلا إذا اقتضت الحكمة أن يوجد هذا الشيء فوجد صار كمالا ، ووجوده قبل اقتضاء الحكمة نقص ، وإذا اقتضت الحكمة عدمه كان وجوده نقصا ، ووجوده في حال اقتضاء الحكمة عدمه نقص .
وبهذا يمكن أن نقول إن هناك شيئا جائزا في حق الله ، ويكون وجوده في حال اقتضاء الحكمة كمالا ، ويكون عدمه في حال اقتضاء الحكمة كمالا ، فنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، في هذه الحال كمال ، وفي غير هذه الحال لا يكون كمالا ؛ لان الله عز وجل اقتضت حكمته أن يكون نزوله في هذا الوقت فقط ، ولو اقتضت الحكمة أن ينزل في غير هذا الوقت ولم ينزل كان عدم النزول نقصا ، وهذا شيء مستحيل في حق الله عز وجل .
فالحاصل : أنه لو أورد علينا إنسان إيرادا ، وقال : إن تقسيمكم الأشياء إلى ثلاثة : واجب ومستحيل وجائز ، تقسيم غير صحيح . فالشيء إما واجب وإما مستحيل ، أما جائز فلا ؛ لأنه إن كان وجوده كمالا وجب أن يكون موجودا دائما ، وإن كان عدمه كمالا وجب أن يكون معدوما دائما ، نقول هو كمال في حال وجوده إذا اقتضت الحكمة وجوده ، وهو كمال في حال عدمه إذا اقتضت الحكمة عدمه ، وحينئذ يصح هذا التقسيم .
قال : ( كجائز في حقه تعالى ) سبق أن مثلنا للواجب بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وأشياء كثيرة ، وللممنوع : بالموت والعجز والضعف والجهل وما أشبه ذلك ، وللجائز بالنزول للسماء الدنيا ، وكذلك الاستواء على العرش ، وكذلك الكلام باعتبار أفراده ، فإن الله يجوز أن يتكلم بهذا أو ألا يتكلم به.

الزاهدة
08-14-2011, 02:23 AM
قال المؤلف رحمه الله تعالى :
9- وصار من عادة أهل العلم أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم
10- لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظمأ

الشرح

قوله : ( وصار من عادة أهل العلم ): العادة : هي الشيء الذي يعود ويتكرر فيألفه الناس ويكون من عادتهم ، فصار أهل العلم رحمهم الله من عادتهم ( أن يعتنوا ) أي : يبذلوا العناية ( في سبر ذا ) أي في سبر علم التوحيد ، والمراد بالسبر : التتبع والاستقراء ، فصاروا يسبرونه بالنظم .
ولا شك أن هذا التركيب فيه تطويل ، ومعناه أنه صار من عادة أهل العلم أن يبحثوا في هذا الموضوع الذي هو علم التوحيد بالنظم ، وهناك عادة أخرى غير النظم وهي النثر ، فالنثر كثير ، وكلام العلماء في علم التوحيد نثرا أكثر من كلامهم فيه نظما ، لكن مع ذلك النظم شائع مشهور معتاد عندهم أن ينظموا العقائد وعلم التوحيد ، حتى يكون كما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله :
لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظمأ
والنظم الذي كان العلماء رحمهم الله يعتادونه في هذا الباب على بحر الرجز ، كما هو الحال هنا في هذه القصيدة ، وقد يكون على بحر الكامل ، أو الطويل أو البحور الأخرى المعروفة في علم العروض ، لكن أكثر ما يكون على الرجز ؛ لان الرجز خفيف عند القراءة ، وسهل عند النظم ، لان غير الرجز لابد أن يلتزم الإنسان قافية معينة ، وهذا قد يصعب على الإنسان غير الشاعر ، أما الرجز فكل بيت له قافية معينة ، لا يحتاج الراجز ألا إلى مراعاة الشطر الأول واشطر الثاني فقط.
قال : ( لأنه يسهل للحفظ ) هذه فائدة ؛ فالنظم يسهل للحفظ أكثر من النثر .
وقوله : ( كما يروق للسمع ) يروق يعني يحسن ويطرب له السمع ، ولهذا لو جاء إنسان يقرأ خطبة قراءة عادية لا تجد أنه يهز مشاعرك ، أو يوجب انتباهك ، لكن إذا كان نظما فإنه يروق لك .
أما قوله : ( ويشفي من ظما ) فكون هذا خاصا بالشعر فيه نظر ، لان الشفاء من الظمأ يكون في الشعر ويكون في النثر ، لكن لعله يريد رحمه الله تكميل البيت بهذه الجملة ، وإلا فإن الشفاء من الظمأ يكون في النثر وفي النظم ، بل قد يكون في النثر أكثر ، لان النظم أحيانا يضطر فيه الناظم إلى استعمال عبادات أو تركيبات من الكلام توجب تعقيد المعنى وعدم فهمه.
ثم قال رحمه الله تعالى :

الزاهدة
08-14-2011, 02:25 AM
11- فمن هنا نظمت لي عقيدة أرجوزة وجيزة مفيدة
12- نظمتها في سلكها مقدمة وست أبواب كذاك خاتمة

الشرح

قوله : ( فمن هنا أي من هذا الباب ، أو من هذا المأخذ ، (نظمت لي عقيدة ) أصل النظم هو ضم الخرزات بعضها إلى بعض في سلك ، ويطلق على ضم الكلمات بعضها على بعض في بيت تشبيها بخرزات السبحة أو غيرها مما ينظم .
وقوله : ( نظمت لي عقيدة) يحتمل أن اللام هنا بمعنى من ، أي : نظمت مني عقيدة لإخواني المسلمين ، ويحتمل أن اللام للاختصاص ، يعني : نظمت لنفسي عقيدة ، لكن الظاهر أن المراد المعنى الأول ، أي : نظمت عقيدة لإخواني المسلمين مني .
وقوله : ( عقيدة ) : فعيلة بمعنى مفعولة ، أي شيء معتقد ، والعقيدة في الأصل من العقد ، وهو إحكام الشد ، وضده الحل ، وهذا في الأصل ، أي في اللغة العربية .
وأما في الاصطلاح : فهي حكم الذهن الجازم، يعني أن تحكم على الشيء حكما جازما ، وتحكم عليه ذهنا ، يعني تعتقد في قلبك بأن هذا كذا نفيا أو إثباتا ، جازما به ؛ فلا عقيدة مع الشك ، لأنه لابد من أن يكون هناك جزم ، ولا عقيدة باعتبار نطق اللسان ، لان نطق اللسان يقع حتى من المنافق ، فالمنافق يقول لا إله ألا الله ولكن ليس عنده عقيدة .
إذا العقيدة تعريفها اصطلاحا : حكم الذهن الجازم .
فقولنا حكم الذهن خرج به قول اللسان لأنه لا يعتبر عقيدة ؛ إذ قد يقول الإنسان ما لا يعتقد .
وخرج بقولنا : الجازم الشك فإن الشاك لم يعتقد . ولا يشترط أن يكون الحكم مطابقاً للواقع ، فإن طابق الواقع فالعقيدة صحيحة ، وإن خالف الواقع فالعقيدة فاسدة .
فاعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة هذه عقيدة ، ولكنها فاسدة لأنها غير مطابقة للواقع . واعتقاد أهل التحريف أن الاستواء بمعنى الاستيلاء عقيدة ، لكنها فاسدة لأنها خلاف الواقع ، لكن هم يجزمون بذلك ويعتقدون هذا .
قال :( أرجوزة وجيزة مفيدة ) فذكر أنه من أجل ذلك نظم عقيدة من بحر الرجز، ووصفها بأنها ( وجيزة) يعني غير مطولة، وهو كذلك، فإنها ليست مطولة لأنه يذكر فيها رحمه الله القواعد العامة بدون تفصيل ، وأنها أيضا ( مفيدة ) يعني تفيد قارئها وسامعها وكاتبها أيضا .
فقوله : إنها أرجوزة وجيزة هذا ليس فيه مدح ، لكن قوله مفيدة فيه مدح .
فإذا قال قائل : كيف يسوغ للإنسان أن يمجد ما كان من صنعه وتأليفه ، وهل هذا ألا افتخار ؟!
فالجواب : يسوغ ذلك إذا لم يقصد بهذا الافتخار على الخلق ، وإنما قصد بيان الواقع ، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر )) وقال ابن مسعود رضي الله عنه : (( لو اعلم أن أحداً اعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لرحلت إليه )) وهذا يتضمن بلا شك أنه على علم عظيم بكتاب الله عز وجل ، لكن ابن مسعود رضي الله عنه ، لم يقل هذا القول ليمدح نفسه ويفتخر بل ليحث الناس على التلقي عنه وعن غيره من أهل العلم .
والعلماء رحمهم الله إذا صنفوا يذكرون فوائد مصنفاتهم ، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته :
تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز
وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معطي
وهذا ثناء عليها لا ليفتخر بها لأنها من تأليفه ، ولكن من أجل أن يحث الناس على تلقيها وتعلمها .
وهكذا المؤلف رحمه الله هنا قال : (( مفيدة )) ، لأجل أن تحرص عليها وعلى ما فيها من فوائد .
قال : ( نظمتها في سلكها ) هذا يسميه علماء البلاغة الاستعارة ، لان هذه الأرجوزة ليس لها سلك لكنه شبهها بخرزات السبحة التي لها سلك فتنظم ، لينضم بعضها إلى بعض ؛ ولا يضيع بعضها عن بعض ، ولا تتفرق وتتشتت.

الزاهدة
08-14-2011, 02:30 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
13 - وسمتها بالدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية

الشرح

قوله : ( وسمتها ) أي جعلت عليها علامة لان الوسم هو العلامة ، وفي بعض النسخ (( سميتها )) والمعنى متقارب ، يعني إنني سميت هذه المنظومة ، أو وسمتها أي جعلت عليها علامة ( بالدرة المضية ) أصل المضية المضيئة ، لكن سهلت الهمزة لأجل استقامة البيت ، و ( الدرة ) هي أعلى ما يقتنصه أهل البحر من البحار ، و ( المضية ) يعني التي لها إضاءة لقوة صفائها وحسنها ، وهذا الاسم مطابق لمسماه ، فإن هذه المنظومة درة مضية ، مضيئة لمن قرأها وتأملها ؛ لان فيها فوائد كثيرة عظيمة فيما يتعلق بالعقدية .
وقوله : ( في عقد أهل الفرقة المرضية ) عقد : بمعنى اعتقاد ، فهي اسم مصدر لان اعتقد يعتقد ، المصدر اعتقاد ، وعقد اسم مصدر ، واسم المصدر يقول النحويون ، ما دل على معنى المصدر ولم يشتمل على حروفه فكل ما دل على معنى المصدر ولكنه لم يشتمل على حروفه ، فإنه يسمى اسم مصدر .
وقوله : ( أهل الفرقة ) الفرقة بالضم يعني الاختلاف والافتراق ، والفرقة بالكسر يعني الطائفة ، والمراد هنا الطائفة ، وليس المراد أهل الفرقة ، فهم ليسوا بأهل الفرقة ، بل هم أهل اجتماع ، لكن المراد أهل الفرقة يعني الطائفة ( المرضية ) التي ارتضاها الله ورسوله والمؤمنون ، وهم أهل السنة والجماعة ، الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وضد هذه الفرقة المرضية أصحاب الفرق المسخوطة من أهل البدع ، على اختلاف أصنافهم وأنواعهم.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
14- على اعتقاد ذي السداد الحنبلي إمام أهل الحق ذي القدر العلي
15- حبر الملا فرد العلا الرباني رب الحجى ماحي الدجى الشيباني

الشرح

قوله : ( على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ) : يعني إنها مبنية على اعتقاد ذي السداد ، والسداد يعني الصواب المسدد الموافق للحق .
وقوله : ( الحنبلي ) صفة لذي لا للسداد ، يعني على اعتقاد الحنبلي ، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله الإمام المشهور ، فنسبته إلى حنبل لأنه جده .
وقوله : (( إمام أهل الحق )) يعني الذي يقتدي به أهل الحق ، لكن إمامته رحمه الله وإمامة غيره من الأئمة ليست إمامة مستقلة ، بل هي إمامة تابعة للإمامة العظمى ، وهي إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولولا ائتمام هؤلاء الأئمة به صلى الله عليه وسلم ما صاروا أئمة ، قال الله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) فهؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين صاروا أئمة لأنهم أهل للإمامة بما أعطاهم الله تعالى من الصبر واليقين .
وقوله : ( ذي القدر العلي ) القدر يعني الشرف ، العلي ضد النازل ، فالإمام أحمد رحمه الله له قدر علي بين أهل الحق ، تكاد تكون الأمة كلها مجمعة على الثناء عليه حتى إن بعض العلماء رحمهم الله قال : إنه يجوز أن نشهد له ولأمثاله بالجنة ؛ لان الأمة اتفقت على الثناء عليه ، وقد قال الله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(البقرة: الآية 143) فإذا شهدت الأمة لشخص بالصلاح فلنا أن نشهد له بالجنة . والمسالة هذه فيها خلاف .
لكن الكلام على أن الرجل قد اتفق على أنه - رحمه الله - من اجل أئمة الدين وأعظمهم قدرا ، وحصل له من المحنة في الدفاع عن السنة ما يعلم من ترجمته ، كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ، وغيره من تكلموا عن سير الرجال .
وقوله : ( حبر الملا ) حبر بمعنى عالم ، ويقال حبر ؛ بفتح الحاء وكسر الحاء حبر الملا أو حبر الملا ، وهي موافقة للبحر في الاشتقاق الأكبر لأنها موافقة لها في الحروف دون الترتيب ، فحبر وبحر حروفها واحدة : الباء ، والحاء ، والراء ، لكن اختلفت في الترتيب . إذا فهو العالم الواسع العلم ، والعالم الواسع العلم يسمى حبرا ، وقوله : ( الملا ) يعني الخلق .
ومن المعلوم أنه رحمه الله واسع العلم وكثير العلم ، ولا سيما علم المأثور ، مع أنه يتكلم بعلم المعقول كلاما جيدا ، كما يعرف من كلامه في الرد على الجهمية ، لكنه في علم المأثور أكثر منه في علم المعقول .
وقوله : ( فرد العلا ) يعني المتفرد بالعلا والشرف ، ولا شك أن هذه الأوصاف التي تدل على الإطلاق ، لا شك أن المؤلف رحمه الله لا يريد بها الإطلاق ، لان مثل هذه الأوصاف على الإطلاق لا تنطبق ألا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكنها أوصاف نسبية يعني بالنسبة لمن دونه ، وكان من الأولى والأفضل أن تكون الألفاظ مطابقة للواقع ، بحيث لا يحصل فيها غلو ؛ لان الغلو قد يخرج بالإنسان إلى الكذب .
وتوجيه مثل هذا الكلام المطلق أن يقال إنه حبر الملا في وقته ، فرد العلا في وقته ، وأما أن نقول على سبيل العموم ؛ هذا غير مراد للمؤلف .
وقوله : ( الرباني ) يعني الذي تلقى علمه من شريعة الله ؛ لان الشريعة ألصق ما تكون بالربوبية ، فهو رحمه الله تلقى علمه من شريعة الرب عز وجل .
وقيل إن الرباني هو المخلص لله في علمه ، النافع لعباد الله ، المربي لهم على شريعة الله ، وهذا المعنى واضح .
فالمخلص لله : لا يقصد ألا الرب ، والنافع لعباد الله بالعلم ، المربي لهم تربية خلقية ، وتربية علمية ، فيشمل الأمرين .
فالتربية العلمية ، قال العلماء رحمهم الله : معناها : أن يربي الطلبة بصغير العلم قبل كبيره ، فإن هذا من التربية العلمية ، فلا يأتي للطالب المبتدئ مثلا ويقول له : اقرأ قواعد ابن رجب ، فإنه إذا قرأ الطالب المبتدئ قواعد ابن رجب فإنه لا يفهم أبداً ، ولكن يربيه بصغار العلم ، فيأتي مثلا بكتاب مختصر ومبسط وتدرج به شيئا فشيئاً.
ففي النحو مثلا ؛ إذا كان لا يعرف منه شيئا ، فلا بد أن تربيه وتبدأ بأصغر كتب النحو حتى يترقى شيئا فشيئا ، وفي أصول الفقه كذلك ، وفي كل العلوم ينبغي أن يرقى الطالب درجة ، أما أن تقفز به من أسفل درجة لأعلى درجة فهذا لا يمكن ، وربما يكون في ذلك ضرر كبير عليه ، فإنه إذا لم يفهم انغلق ذهنه ، يعني يحصل له رد فعل فلا يعرف من المسائل شيئا ، حتى لو كررت عليه مائة مرة ، لكن إذا بدا يتلقى العلم كما يتلقى الطفل اللبن يمصه شيئا فشيئا فإنه ينتفع به .
وأما التربية الخلقية فينبغي للمعلم أن يبحث مع طلابه هل طبقوا العلم أو لم يطبقوه ، وأن يتفقدهم ، وإذا ذكر له عن شخص مخالفة ، يتكلم معه بالكلام الذي يناسب ، وفي الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ، أما أن يملأهم من العلوم ويدعهم من العمل فهذا بلا شك قصور جدا ؛ لان ثمرة العلم هي العمل ، فإذا لم نعمل فإن علمنا أدنى من الحبر على الورق .
إذاً العالم الرباني من اخلص لله في علمه ونفع عباد الله به ، ورباهم في ذلك تربية علمية وخلقية .
وقوله :( رب الحجى ) :( رب ) بمعنى صاحب ، و( الحجى ) : بمعنى العقل : يعني صاحب العقل .
وقوله : ( ماحي الدجى ) : أي الظلمة بما لديه من نور الرسالة وهذا علمه بالأثر .
فالإمام أحمد رحمه الله عنده علم المعقول وعلم المنقول ، ومن راجع كتبه ورسائله عرف أن الرجل يتكلم بالمعقول كما يتكلم بالمنقول ، وإن كان هو في علم الأثر أقوى منه في علم النظر ؛ لان الأمة الإسلامية في عهده لم تكن بلغت مبلغا كبيرا في الاستدلال بالنظر والمعقول ، لكن مع ذلك يجادل أهل الباطل بالمعقول ؛ لان المعقولات التي تشعبت في الأمة الإسلامية هي من علم المنطق الذي قال عنه شيخ الإسلام رحمه الله : (( إنه لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد )). والناس يعرفون الجدل والمناظرة حتى قبل ظهور علم المنطق اليوناني .
فالحاصل أن هذا الشطر من البيت يدل على أن الإمام أحمد رحمه الله عنده علم بالمعقول وعلم بالمنقول ، علم المعقول في قوله ( رب الحجى ) والمنقول في : ( ماحي الدجى ).
وقوله :( الشيباني ) : يعني أنه - رحمه الله - من بني شيبان وهذا نسبه .
ومن أراد المزيد من العلم بحياته فليرجع إلى ما صنف في تاريخ حياته ، وقد صنف في تاريخ حياته مصنفات مستقلة ، وذكر أيضا على سبيل التبع في كتب الرجال وكتب التاريخ

الزاهدة
08-14-2011, 02:34 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
16- فإنه أمــام أهــل الأثــر فمن نحا منحاه فهو الأثري
17- سقى ضريحا حله صوب الرضا والعفو والغفران ما نجم أضا
18- وحلــه وسائــر الأئمــة منازل الرضوان أعلى الجنة

الشرح

قوله : ( فإنه إمام أهل الأثر ) فإنه : أي الإمام أحمد رحمه الله ، إمام أهل الأثر يعني إمام السلفيين الذين يأخذون بالأثر في علم العقائد ، كما يأخذون بالأثر في المسائل العملية .
وذلك أن الإمام أحمد رحمه الله بلغ الإمامة في عصر المأمون ، في المحنة التي ابتلي بها علماء السلف في ذلك العهد ، فإن المأمون ادخل على الأمة الإسلامية من علم اليونان وعلم الكلام ما يستحق عليه الجزاء من الله عز وجل ؛ لأنه ادخل على الأمة علوما أفسدت العقائد ، ونصر البدعة والعياذ بالله نصرا عزيزا ، وحصل منه إيذاء لأهل السنة ، فكان يحبسهم ، ويشهر بهم ، ويطوف بهم في الأسواق ، ويضربهم والعياذ بالله ، مما اضطر كثير من العلماء إلى أن يوافقوه ولو ظاهرا على سبيل أنهم مكروهون ، ومنهم من يتأول .
ولكن الإمام أحمد رحمه الله ومحمد بن نوح أصرا على أن يعلنا الحق بدون تأويل ، وحصل للإمام أحمد من الإيذاء والإهانة ما لا يصبر عليه ألا أمثاله ، حتى كانوا يجرونه في الأسواق بالبغلة والعياذ بالله ، ويضربونه بالسياط حتى يغمى عليه ، وهو صابر ومصمم على أن يبقى على ما هو عليه من قول الحق ، لأنه لو قال خلاف الحق في ذلك الوقت ولو بالتأويل لضل الناس ؛ إذ إن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله .
فبذلك استحق أن يكون إماما ؛ لأنه صبر وكان موقنا بما هو عليه من الحق والصواب ، وقد قال الله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) فبذلك صار - رحمه الله - إماما لمن بعده ، ولكن هذه الإمامة نسبية لأنها إمامة تابعة لإمامة عظمى ، وهي إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم الذي يتفرع من إمامته إمامة الأئمة ، فإمامة الأئمة من هذه الأمة إمامة فرعية لا إمامة أصلية ، ولهذا لو خالف هذا الإمام هدي الإمام الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم لوجب أن يطرح قوله وأن يؤخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقوله : ( إمام أهل الأثر ) نقول : ليست هذه إمامة مطلقة أصلية ، ولكنها إمامة نسبية فرعية تابعة للإمامة العظمى ، وهي إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولولا أن هذا الإمام تابع لإمامة الرسول عليه الصلاة والسلام ما استحق أن يكون إماما ، ألا أن يكون إمام ضلال ، فإن الضلال له أئمة كما قال تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) (القصص:41) .
وقوله :( فمن نحا منحاه فهو الأثري ) : أي من سلك مسلكه فهو الأثري ، نسبة إلى الأثر ، والعلوم نوعان : أثرية ونظرية . فما كان متلقى من الكتاب والسنة فهو اثري ، وما كان متلقى من العقل فهو نظري .
واعلم أن العلم الأثري لا ينافي العلم النظري بل كلاهما يؤيد الآخر ، والأصل عند أهل السنة هو الأثر ، سواء في الأمور العلمية أو الأمور العملية ، بل أنهم يحكمون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل شيء .
والأصل عند أهل البدع هي العلوم النظرية ، ولهذا يقدمون ما يدعون أنه عقل على الآثار من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فضلوا بذلك عن سواء السبيل ، وأضلوا أمماً لا يعلمهم إلا الله .
إذاًَ الأثري : هو الذي نحا منحى الإمام أحمد رحمه الله في الرجوع إلى الكتاب والسنة ، ولهذا أقول : من الممكن أن نقول إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إمام أهل الأثر في مسلكه لا في أقواله ، ومعنى في مسلكه أنه سلك تحكيم الكتاب والسنة ، وليس المعنى إمام أهل الأثر أي يؤخذ قوله ؛ وحينئذ لا نحتاج إلى تقييد الإمامة بالنسبة له ؛ لأننا نقول هذه الإمامة صحيحة ، وهي أن يكون الإنسان متبعا لما جاء به الكتاب والسنة .
وفي قوله : ( الأثر ) و ( الأثري ) جناس ناقص لزيادة الياء في الثاني .
قال : ( سقى ضريحا حله صوب الرضا ) الضريح يعني القبر .
( حله ) : أي : نزل فيه ، يعني يسأل الله سبحانه وتعالى أن يسقي ضريحه صوب الرضا من الله عز وجل ، فالجملة هنا خبرية لكنها دعائية ، يعني يسال الله تعالى أن يسقي ضريح الإمام أحمد صوب الرضا ، والصوب والصيب معناهما واحد ، أي : الصيب من الرضا ، والصيب في الأصل هو الماء النازل من السماء فهو المطر ، صوب الرضا من الله.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا رضي عن العبد أرضى الناس عنه ، وإذا سخط على العبد اسخط الناس عليه ، فإذا كنت تريد أن يرضى الناس عنك فاتبع رضا الله ، ولكن لا تتبع رضا الله من اجل أن يرضى الناس عنك ، فتطلب الأعلى للأدنى ، ولكن اجعل رضا الله هو الأصل ، وثق بان الله إذا رضي عنك رضي عنك الناس ، ولكن إياك أن تنوي بطلب رضا الله رضا الناس فتكون متوسلا بالأعلى إلى الأدنى ؛ لأنه ربما إذا نويت هذه النية لا يرضى الله عنك ، وحينئذ يفوتك مقصودك مع ضعف مقصودك .
قال : ( والعفو والغفران ) العفو عن ترك الواجبات ، والغفران عن فعل المحرمات ، هذا إذا اقترن العفو بالمغفرة ، أما إذا انفصل أحدهما عن الآخر فكل واحد منهما يتضمن معنى الثاني ، لكن إذا قيل عفا الله عنك وغفر لك ، صار عفا الله عنك ما أهملته من واجبات ، وغفر لك ما اقترفته من سيئات ؛ لان الغفر بمعنى الستر مع التجاوز ، والعفو بمعنى النزول عن الحق والإبراء منه .
وقوله : ( والعفو والغفران ما نجم أضا ) يعني مدة إضاءة النجم ، وهذا طويل إلى ما لا نهاية له ، وأيضا يقول : ( ما نجم ) فهو نكرة يشمل كل نجم .
وقوله : ( وحله وسائر الأئمة ) يعني أنزله وأنزل سائر الأئمة (منازل الرضوان أعلى الجنة ) . الأئمة يعني أئمة الإسلام ، وليس المراد بذلك الأئمة الأربعة فقط ، بل هو شامل لكل إمام في دين الله من الأئمة الأربعة وغيرهم ، وسواء كان إماما في الخلافة وتدبير الملك ، أو إماما في العلم وتوجيه الناس ، فإنه يدخل تحت قوله :
وحله وسائر الأئمة منازل الرضوان أعلى الجنة

----------------------------------


1- هو العلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفارني الشهرة والمولد ، النابلسي الحنبلي ، ولد عام 1114هـ ، وتوفي عام 1188 هـ - رحمه الله تعالى -.

2- رواه الترمذي ، كتاب الجنائز ، باب ما يقوم الرجل إذا دخل المقابر ، رقم ( 1053).

3- انظر مجموع الفتاوى 5/110.

4- رواه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب إذا اسلم الصبي فمات هل يصلى عليه ؟ ، ... رقم (1358) ، ومسلم ، كتاب القدر ، باب معنى كل مولود على الفطرة وحكم موت ... ، رقم (2658).

5- رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب هل يستشف إلى أهل الذمة ... ، رقم (3053) ، ومسلم ، كتاب الوصية ، باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء يوصي به ، رقم (1637).

6- رواه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، رقم (1767).

7- رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ..، رقم (3053) بفظ المشركين بدلا من اليهود والنصارى ، ومسلم ، كتاب الوصية ، باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء ، ... ، رقم (1637).

8- فتح رب البرية بتلخيص الحموية ص5

9- رواه البخاري ، كتاب الإيمان والنذور ، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية ، رقم (6704).

10- انظر درء تعارض العقل والنقل 1/205.

11- رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب قوله : (( وما قدروا الله حق قدره )) ، رقم (4811) ، ومسلم ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار ، بدون ذكر الباب ، رقم (2786).

12- رواه مسلم ، كتاب الفتن و أشراط الساعة ، باب ذكر الدجال وصفته ... ، رقم (2937).

13- رواه مسلم ، كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... ، رقم (395) .

14- انظر القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ص 8

15- رواه الخطيب في تاريخ بغداد 6/504 ، وابن الجوزي في العلل المتناهية 26.

16- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة ، ... ، رقم (1014 )، ومسلم ، كتاب صلاة الاستسقاء ، باب الدعاء في الاستسقاء ، رقم (897).

17- رواه مسلم ، كتاب الحيض ، باب وجود قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة ، رقم (335).

(1) رواه البخاري بصيغة الجزم

18- رواه البخاري ، كتاب الأذان ، باب فضل السجود ، رقم (806) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرؤية ، رقم (182).

19- رواه مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ، رقم (532).

20- رواه مسلم ، كتاب الزهد والرقائق ، باب من أشرك في عمله غير الله ، رقم (2985).

21- رواه البخاري ، كتاب المناقب ، باب قصة أبي طالب ، رقم (3884).

22- رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب أهون أهل النار عذابا ، رقم (212، 213).

23- رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ... ، رقم (49).

24- رواه البخاري ، كتاب الشهادات ، باب لا يشهد على شهادة جور إذا اشهد ، رقم (2652) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة رضي الله عنهم ، رقم (2533).

25- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل ، رقم (1147) ، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب صلاة الليل ... ، رقم (738).

26- رواه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب الحلق والجلوس في المسجد ، رقم (473) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين ، باب صلاة الليل مثنى مثنى ، رقم (749).

27- رواه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب الصلاة في السطوح ... ، رقم (378) ، ومسلم كتاب الصلاة ، باب ائتمام المأموم بالإمام ، رقم (411).

28- رواه الترمذي ، كتاب الصوم ، باب ما جاء في قيام شهر رمضان ، رقم (806) ، والنسائي ، كتاب قيام الليل وتطوع النهار ، باب قيام شهر رمضان ، رقم (1605) ، وابن ماجه ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب ما جاء في قيام شهر رمضان ، رقم (1317).

29- رواه الترمذي ، كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة بني إسرائيل ، رقم (3148) ، وابن ماجه ، كتاب الزهد ، باب ذكر الشفاعة ، رقم (4308).

30- رواه البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم (5002) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود ... ، رقم (2463).

31- انظر البداية والنهاية 7/345.

32- انظر سير أعلام النبلاء 11/137 و177.

33- انظر مجموع الفتاوى (9/82)

34- انظر تقريب التهذيب لابن حجر (س89).

35- انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير 6/3.

36- انظر البداية والنهارية لابن كثير (7/278).

الزاهدة
08-14-2011, 02:43 AM
19- اعلم هديت أنه جاء الخبر عن النبي المقتفى خير البشر
20- بأن ذي الأمة سوف تفترق بضعا وسبعين اعتقادا والمحق
21- ما كان في نهج النبي المصطفى وصحبه من غير زيغ وجفا

الشرح

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ( المقدمة ) ، والمؤلف رحمه الله بين أن كتاب هذا يشتمل على ستة أبواب ومقدمة خاتمة ، والمقدمة ذكر فيها ما يدل على الثناء على أهل السنة والجماعة المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :
قوله : ( اعلم ) يعني علم يقين .
وقوله : ( هديت ) جملة معترضة دعائية ، يعني وفقت للخير وعلمت الخير .
وقوله : ( أنه جاء الخبر ) يعني الحديث ، والخبر في اللغة : كل قول يحتمل الصدق والكذب لذاته ، يعني بقطع النظر عن قائله ، لان في القول ما لا يحتمل الكذب باعتبار قائله ، وفي القول ما لا يحتمل الصدق باعتبار قائله ، ونحن لا نتكلم باعتبار القائل بل باعتبار القول . فكل خبر يتضمن الصدق والكذب لذاته لا للمخبر به فإنه يسمى خبرا .
فقول الله تعالى وقول الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به .
أما قول مدعي النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتمل الصدق لكن باعتبار المخبر به . فلو قال المخبر : إني رسول الله ، فكلمة : إني رسول الله ، هذه خبر ، لأنه يحتمل الصدق والكذب لذاته ، لكن لو قاله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صدقا ، ولو قاله مسيلمة الكذاب كان كذباً.
أما في الاصطلاح : فالخبر ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من قول أو فعل أو تقرير .
وقوله : ( عن النبي المقتفى ) النبي يقال : النبي بدون همزة ، ويقال النبئ بهمزة ، فعلى الهمز تكون مشتقة من النبأ وهو الخبر لان النبي صلى الله عليه وسلم مخبر مخبر ، مخبر من قبل الله ومخبر للخلق بما يتلقاه عن الله عز وجل .
ويقال : النبي بالياء ، فقيل : إن أصله النبيء لكن سهلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء ، وقيل : بل أصله النبيو بالواو من النبوة وهي الارتفاع ، فسمي نبيا لارتفاع مرتبته ، ونحن نقول : إن اللفظ صالح للوجهين ، أي : صالح لان يكون أصله النبيء ولكن سهل ، ولأن يكون أصله من النبوة وهو الارتفاع ؛ لان النبي رفيع المقام وهو مخبر ومخبر .
وقوله : ( المقتفى ) يعني الذي يجب اقتفاءه ، ومعنى الاقتفاء : أن تكون خلفه نقفو أثره ، فالنبي صلى الله عليه وسلم مقتفى أي واجب الاقتفاء ، يعني يجب على أمته أن تقتفي به ، أي أن تقفوا أثره وأن تتبعه .
وقوله : ( خير البشر ) البشر هم بنو آدم ، وسموا بشرا لان ابشارهم ظاهرة بادية ،والمخلوقات الأخرى ابشارها مستورة ، وهذا من رحمة الله عز وجل ، لان الحيوانات الأخرى لابد أن يسترها شيء يقيها من الحر والبرد ، أما بنو آدم فجعل الله تعالى الستر لهم ، فهم الذين يسترون أنفسهم بالثياب التي رزقهم الله عز وجل ، وهذه حكمة عظيمة من اجل أن يعرف الإنسان أنه بحاجة إلى ستر عورته المعنوية ، كما أنه بحاجة إلى ستر عورته الحسية ، فيحاول ستر عورته المعنوية كما يستر عورته الحسية .
إذا النبي عليه الصلاة والسلام خير البشر ، فكل البشر ، حتى الأنبياء والرسل ، فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل ، وهذه الخيرية تشمل كل الخيرات ؛ خير البشر في النسب ، وخير البشر في الخلق ، وخير البشر في العلم ، وخير البشر في الهداية ،وخير البشر في العبادة، فهي خيرية مطلقة من جميع الوجوه.
ومع هذا فإنه ليس له حق في خصائص الربوبية ، فليس يعلم الغيب ، وليس يملك لنفسه الضر والنفع ، ولا يملك لغيره كذلك ، والناس بالنسبة لرسول الله في هذا الباب بين طرفين ووسط ؛ بين طرف غال مفرط في المدح والثناء حتى جعلوه بمنزلة الرب ، وبين طرف آخر يتنقص النبي صلى الله عليه وسلم ويجعله لا فرق بينه وبين البشر في الأمور التي يختص بها ، وقسم ثالث عرف للنبي صلى الله عليه وسلم حقه فأنزله منزلته ، وقال : هو عبد الله ورسوله وليس له حق فيما يختص بالرب عز وجل ، وهو أعلى من البشر فيما خصه الله به وهذا هو مذهب أهل الحق .
وقوله : ( بان ذي الأمة سوف تفترق ) ذي هنا اسم إشارة ، وليست بمعنى صاحب والأمة هنا منصوبة ، يعني بان هذه الأمة سوف تفترق .
وقوله : ( الأمة ) المراد بالأمة هنا أمة الإجابة ؛ لان أمة الدعوة تشمل اليهود والنصارى والمشركين ، لكن المراد بذلك أمة الإجابة الذين ينتسبون إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم .
والأمة في اللغة تأتي لعدة معان ؛ فتأتي بمعنى الزمن ، وبمعنى الملة وبمعنى الإمامة ، وبمعنى الطريقة ، وبمعنى الطائفة ، فهذه خمسة معان:
1- فتأتي بمعنى الزمن ، مثل قوله تعالى : (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ )(يوسف: الآية 45) أي بعد زمن
2- وتأتي بمعنى الملة مثل قوله تعالى : (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً )(المؤمنون: الآية 52)
3- وتأتي بمعنى الإمامة كقوله تعالى : (إن إبراهيم كان أمة )(النحل :120) أي إماما.
4- وتأتي بمعنى الطريقة مثل قوله تعالى : (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ )(الزخرف: الآية 23).
5- وتأتي بمعنى الطائفة كما في كلام المؤلف .
فقوله : ( بان ذي الأمة ) يعني الطائفة ، وهي أمة الإجابة (سوف تفترق بضعا وسبعين اعتقادا ) البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة ،والمراد به هنا الثلاثة ، كما جاء في الحديث : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة )) فهذه بضع وسبعون ، وإنما افترقت على ثلاث وسبعين ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن هذه الأمة : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم ، قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟!)).
والمتبع لسنة من كان قبله مخالف لشريعته ، فإذا كان اليهود إحدى وسبعين ، والنصارى ثنتين وسبعين ، وارتكب أحد من هذه الأمة طريقة النصارى ، صار الضلال في اثنتين وسبعين فرقة واحدة هي التي خرجت عن مشابهة اليهود والنصارى ، وصارت على ملة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى :
.......................... .............................. والمحق
ما كان في نهج النبي المصطفى وصحبه من غير زيغ وجفـــــا
ولذلك ذكر المؤلف في أول المقدمة أنه جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بان هذه الأمة ستفترق ، على ثلاث وسبعين فرقة ، وهذه الفرق كلها في النار ألا واحدة ،قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : (( ما أنا عليه وأصحابي )).
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كلها في النار )) ليس معنى هذا إنها من أصحاب النار لكن ما خرجت به عن السنة فهو من عمل أهل النار ؛ لان أهل النار مخالفون لأهل الجنة ، وكل من خرج عن عمل أهل الجنة فقد دخل في عمل أهل النار ، ولا يلزم أن يكون من أصحاب النار ، وفرق بين قوله : ( في النار ) وقوله : ( من أصحاب النار ) لان أصحاب النار هم أصحابها الذين هم أهلها وأما ( في النار ) فقد يكون المراد أنه يعذب بحسب ما خرج به عن أهل الحق ، ولكن لا يخلد فيها .
والغريب أن هذه الفرق كلها تدعي إنها على الحق ، فالذي على الحق منها أمره واضح ، والذي على غير الحق ويدعي أنه على الحق ، نقول : هذا لا تخلو حاله من أحد أمرين : إما شبهة عرضت له فظن أن ما هو عليه هو الحق ، وإما شهوة عرضت له ، أراد بذلك الرئاسة والجاه ، فبقي على الضلال مدعيا أنه على الحق.
فالعوام المتبعون لأئمة البدع الذي حملهم على الخروج عن الحق شبهة لان العامي لا يدري ، فظن أن هذا هو الحق ، وأئمة البدع الضالون هؤلاء عرض لهم شهوة ؛ لان الغالب عليهم أنهم يعرفون الحق ، لكن أصروا على ما هم عليه من أجل البقاء على رئاستهم وعلى قيادتهم والعياذ بالله ؛ مثل ما صنع أئمة الكفر في الجاهلية كأبي جهل وغيره ، حين بقوا على الضلال مع علمهم بالحق ، وكما فعل فرعون ، حيث كان يعلم أنه على باطل ، وأن الحق فيما جاء به موسى ، ومع ذلك بقي على باطله .
إذا نقول : إن هذه الفرق الثلاث والسبعين كل واحدة منها تعتقد إنها على صواب وعلى الحق ، فالذين أصابوا ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه هؤلاء على الحق ولا شك ، والذين خالفوه عرضت لهم إما شبهة وإما شهوة .
قوله : ( والمحق ) يعني الذي على الحق ( ما كان في نهج النبي المصطفى ) في للظرفية ، يعني ما كان في الدائرة التي كان فيها الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقوله : ( المصطفى يعني المختار ، الذي اختاره الله عز وجل واصطفاه من خلقه حتى جعله رسولا للعالمين إلى يوم القيامة .
وقوله : ( وصحبه ) يعني الصحابة رضي الله عنهم ، ( من غير زيغ وجفا ) من غير زيغ : أي من غير ميل عن الحق بالغلو ، ومن غير جفا : أي تقصير ، والحقيقة أن التقصير زيغ ، لكن لما ذكر المؤلف رحمه الله الزيغ ثم ذكر الجفا ، وجب أن نحمل الزيغ على الغلو والجفا على التقصير ، يعني : فالذين على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من غير غلو ولا تقصير هؤلاء هم المحقون .
فإذا قال قائل : بأي شيء ندرك أن هذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟
فالجواب : بالرجوع إلى كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم .
وفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن قول الصحابة رضي الله عنهم حجة ، لقوله : ( في نهج النبي المصطفى وصحبه ) وهذا أحد احتمالين :
الأول : أن يكون مراده بذلك أن قول الصحابي حجة .
الثاني : أن يكون مراده أن نهج الصحابة الرجوع إلى الكتاب والسنة ، فمن كان على نهجهم ورجع إلى الكتاب والسنة فهو على صواب ، ولا يلزم على هذا الاحتمال أن يكون قول الصحابي حجة ؛ لأنه - أي الصحابي - قد يرجع إلى الكتاب والسنة ويكون لديه خطأ في الفهم ، أو خطأ في الدليل ، لخفاء الدليل عليه أو لخفاء الدلالة .
وعلى كل حال كلام المؤلف يحتمل وجهين :
الوجه الأول : أن يكون قول الصحابي مرجعا يرجع إليه .
والوجه الثاني : أن تكون طريقة الصحابي في استخراج الأحكام والعقائد مرجعا يرجع إليه .
والوجه الأخير اسلم للمرء ، يعني إذا قال : أنا لا أريد ألا أن اتبع الكتاب والسنة لان هذا هو نهج الصحابة رضي الله عنهم ، فهو خير من أن يقول : اتبع الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة ، ولكن اعلم أن ما اجمع عليه الصحابة فهو حق ؛ لان الإجماع دليل مستقل بنفسه ، وكلامنا في الاحتمالين - اللذين ذكرناهما - إنما هو في قول الواحد من الصحابة ، وأما إذا اجمعوا فلا شك أن إجماعهم حجة وانه دليل مستقل .

الزاهدة
08-14-2011, 02:47 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
22- وليس هذا النص جزما يعتبر في فرقة ألا على أهل الأثر
23- فأثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه

الشرح

قوله : ( وليس هذا النص جزما ) ، جزما : عائد على النفي ، وليس متعلقا بقوله ( يعتبر ) ، يعني : بحيث أنه يعتبر ظنا ، والمعنى أن هذا النص جزماً لا يعتبر في فرقة ألا على أهل الأثر . والنص ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كلها في النار ألا واحدة )) فهذه الواحدة نجزم جزما بأنها هي فرقة أهل الأثر ، والأثر يعني الكتاب والسنة ، لان الدليل أما اثر وإما نظر ، فإن كان الدليل عقليا فهو نظر ، وإن كان الدليل شرعيا فهو اثر .
وأهل الأثر هم الذين اتبعوا الآثار ، فاتبعوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا لا يتأتى في أي فرقة من الفرق ألا على السلفية وأهل السلف ، أي : الذين التزموا طريق السلف .
وقوله : ( فأثبتوا النصوص بالتنزيه ) : ( أثبتوا ) : الضمير هنا يعود على أهل الأثر ، أثبتوها لفظا ، وأثبتوها عقيدة ، وأثبتوها عملا بمقتضاها ، فالإثبات يتناول ثلاثة أشياء : إثباتها لفظا ، وإثباتها عقيدة ، وإثباتها عملا بمقتضاها ، ثم إثباتها اللفظي يتفرع عليه الإثبات المعنوي فيحسن أن نقول إثباتها لفظها ومعنى ، وإثباتها اعتقادا ، وإثباتها عملا بمقتضاها .
مثال ذلك : من أسماء الله تعالى : السميع
أثبتوا هذا الاسم لفظا ، وأثبتوه معنى أي أنه دال على السمع ، واعتقدوا لله السمع ، واعتقدوا أن الله تعالى متصف بالسمع ، وعملوا بمقتضى ذلك ، وهو أنهم إذا اعتقدوا أن الله يسمع نزهوا ألسنتهم عن قول ما لا يرضاه الله عز وجل ، كما انك - ولله المثل الأعلى - لو كنت تعلم أن عندك رجلا ينقل كلامك إلى الملك فلن تتكلم بما لا يرضاه الملك ، كذلك إذا علمت أن الله يسمع كل قول تقوله فانك إذا كنت مؤمنا بذلك فلن تتكلم بما لا يرضاه الله عز وجل.
ومن أسماء الله تعالى البصير : أثبتوا هذا الاسم لفظا ، وأثبتوه معنى أي : أنه دال على البصر ، وباعتقاد ذلك وليس مجرد العلم ، فليس مجرد العلم كافيا ، بل لابد من عقيدة ، والرابع : العمل بمقتضاه ، ومقتضاه : الإيمان بان الله يرى ، لا افعل شيئا لا يرضاه الله ، ولا أتحرك بأي حركة لا يرضاها الله عز وجل ، لأني أؤمن أن من أسماء الله عز وجل البصير ، وأن البصير متضمن البصر ، واعتقد ذلك بقلبي ، إذا جوارحي لابد أن تعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد .
وسبق أن العلم لا يستلزم العقيدة ، فأبو طالب كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله ، لكن لم ينفعه ؛ لأنه ما اعتقد ولا انقاد .
فقول المؤلف رحمه الله : ( أثبتوا النصوص ) ، نقول أثبتوها لفظا ومعنى واعتقادا وعملا بمقتضاها .
وقوله : ( النصوص ) جمع نص ، والمراد به : الكتاب والسنة ، وقوله : ( بالتنزيه) ، الباء للمصاحبة ؛ يعني أثبتوها إثباتا مصاحبا للتنزيه ، والمراد بالتنزيه : تنزيه الله عز وجل عن كل نقص .
فمثلا يثبتون أن الله قدير ، وأن هذا الاسم متضمن لمعناه وهي القدرة ، ويعتقدون أن الله تعالى قادر بقدرة لا يلحقها نقص ولا يلحقه بها عجز ، ويعملون بمقتضى ذلك ، والعمل بمقتضى ذلك بان يعلموا أنه لو شاء الله عز وجل لأخذهم أخذ عزيز مقتدر إذا خالفوا أمره ، فالإنسان له قدرة ، لك هذه القدرة فيها نقص ؛ لان الإنسان لا يقدر على كل شيء ، أما قدرة الله فليس فيها نقص ،فإن الله على كل شيء قدير .
وهكذا جميع النصوص يثبتونها مع عدم النقص في إثباتها ؛ سمع لا يعتريه صمم ، وبصر لا يعتريه عمى ، وكلام لا يعتريه خرس ولا عي ؛ فكل النقص ينزهون الله سبحانه وتعالى عنه .
قال : ( من غير تعطيل ) يعني أنهم ينزهون الله تعالى تنزيها خاليا عن التعطيل .
والتعطيل : هو تخلية الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الأسماء والصفات ؛ لان أصل التعطيل التخلية ، والشاهد على أن التعطيل بمعنى التخلية قوله تعالى : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)(الحج: الآية 45) أي مخلاة متروكة ، فالتعطيل معناه تخلية الله عما يجب له من الأسماء والصفات .
ويجوز أن نقول إن التعطيل يعود على النصوص ، فيكون المعنى : تعطيل النصوص عما دلت عليه ، وحينئذ فيكون للتعطيل وجهان : إما تعطيل الخالق أو النصوص ، فإن كان الخالق ؛ فمعنى تعطي الخالق : أن الله تعالى لا يوصف بما وصف به نفسه ، وإن كان من النصوص فتعطيلها أن لا يعمل بها ، ويكون تعطيلها بإنكار دلالتها على الشيء ، فلا يعمل بها ، فيكون مثلا سميعا بلا سمع ، كمن يقول في قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23) أي منتظرة لثواب ربها ، فيعطل النص عما أريد به .
وفي قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) ، أي : وجاء أمر ربك فهو بهذا قد عطل النص وعطل الله . عطل الله عن مجيئه الحقيقي وعطل النص بان حرفه فعطل معناه المراد به لان المراد بالنص (وجاء ربك) ، أي : جاء الله عز وجل نفسه . فإذا قال : جاء أمر ربك فقد عطل النص عن معناه المراد به .
والذين يحرفون النصوص قالوا على الله بلا علم ، في الإثبات وفي النفي ، فقالوا : إن الله أراد كذا ، وهو لم يرد ، وقالوا : لم يرده ، وهو قد أراده .
ولو قال قائل : كيف تجزمون بأنه أراده ؟ أليس يحتمل أن يكون مراده ما حرفوه إليه ؟
فالجواب : أن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا بما تقتضيه عقولنا ، وكلام الله سبحانه وتعالى موجه إلينا ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا ألا وبينه ، فلو كان المراد غير ظاهره لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا نحن نجزم أن ظاهره مراد ، لأنه لم يرد خلافه عن النبي عليه الصلاة والسلام ، ولو كان المراد خلفه لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولهذا يصح أن نقول : اجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن الله يجيء بنفسه .
فإذا قال قائل : هاتوا لنا حرفا واحدا عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو ابن عباس أو غيرهم أن الله يجيء بنفسه ؟ فنقول : لو كان المراد خلاف ذلك لنقل عنهم ، فلما كانوا يقرؤون هذا صباحا ومساء ولم يرد عنهم ما يخالفه دل على أنهم يقولون به .
فلا حاجة إلى أن نأتي عن الصحابة في كل صفة من الصفات بقول من أقوالهم ، فهذا ليس بلازم ؛ لان الصحابة يقرؤون القرآن ويعرفون معناه ، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلافه ، فكان سكوتهم عن قول خلافه ، أو كان عدم النقل عنهم عن قول خلافه ، دليلا على أنهم قالوا به ، ولهذا يصح أن تقول اجمع الصحابة على أن الله استوى على عرشه حقيقة وانه ينزل إلى السماء الدنيا حقيقة وهكذا ، وليس المراد استوى على عرشه ولا المراد ينزل أمره .
فإذا قال قائل : أين الإجماع ؟
فنقول : إن عدم نقل ما يخالف الظاهر عنهم دليل على أنهم أجروه على ظاهره .
وهذه فائدة تنفعك عند المناظرة لأهل التحريف لان أهل التحريف قد يطالبونك ويقولون : إئت لنا بخبر واحد يدل على أن الصحابة قالوا : إن الله يجيء بنفسه ، أو إن الله ينزل بنفسه ، أو إن الله استوى على العرش بنفسه ، أين الدليل ؟ ، فلو أنك رجعت إلى المسانيد والكتب المؤلفة في هذه الأمور بالإسناد قد لا تجد ، لكن نقول : إن عدم نقل ما يخالف ظاهر القرآن عنهم يدل على أنهم قالوا بظاهر القرآن ، لان القرآن عربي ، وهم يتلونه صباحا ومساء ، ويعتقدونه بمقتضى دلالة ذلك اللسان العربي ، فلو نقل الإنسان إجماع الصحابة في ذلك لكان نقله للإجماع صحيحا .
فالحاصل أن كلا المعنيين متلازمان يعني أنه إذا عطل الله عما يجب له فقد عطل النصوص عما دلت عليه.
فأهل التعطيل يعطلون النصوص عن مدلولها ، ويخلون الله عز وجل عما يتصف به مما تقتضيه هذه النصوص ، وأهل السنة يتبرؤون من ذلك .
وإنما قال المؤلف رحمه الله : ( بالتنزيه من غير تعطيل ) لان المعطلة الذين أنكروا صفات الله ، أو أنكروا بعضها ، أو أنكروا الأسماء والصفات ، أيضا يقولون : أنهم ينزهون الله ، ويدعون أنهم منزهون لله ، فيقولون : إن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه ، والله منزه عن المشابهة ، فإذا يجب أن ننكر هذه الصفات ، والغالون قالوا : يجب أن ننكر حتى الأسماء ، لان إثبات الأسماء على زعمهم ينافي تنزيه الله سبحانه وتعالى ، حيث أنه يقتضي التشبيه عندهم .
أما أهل السنة فينزهون الله عن النقص ، ولا يعطلون النصوص الواردة في إثبات الصفات.
قال : ( ولا تشبيه ) يعني أنهم لا يشبهون الله بخلقه ، ومراد المؤلف رحمه الله بالتشبيه : التمثيل ، ولهذا لو عبر به لكان أولى ، فلو عبر بدلا عن قوله : ( ولا تشبيه ) بقوله : ولا تمثيل ، لكان أولى من وجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أن الذي جاء به القرآن والسنة نفي التمثيل لا نفي التشبيه ، فليس في القرآن ولا في السنة نفي التشبيه وإنما الوارد نفي التمثيل ، كما قال الله تعالى : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم: الآية 65) وقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية 11)
وقال تعالى :(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)(النحل: الآية 74) ومعلوم أن المحافظة على لفظ النص لا سيما في هذه الأمور الدقيقة أولى من الإتيان بلفظ آخر ، ولو ادعى من أتى به أنه مرادف للفظ الذي جاء به النص .
الوجه الثاني : أن نفي التشبيه فيه إجمال ، لأنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه فهذا غلط ، وإن أراد نفي التشبيه في كل الصفات فهذا هو نفي التمثيل ، ومع ذلك أنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه ؛ أي أنه لا يشابه الخلق في أي شيء ، وفي أي وجه من الوجوه فهذا خطأ ، وإن أراد نفي التشبيه ، يعني نفي أنه مشابه للخلق من كل وجه وفي كل معنى فهذا يكفي عنه التمثيل ، لان هذا هو نفي التمثيل ، وهو كاف عنه .
أما الأول : وهو إن أراد نفي المشابهة من كل وجه ، يعني أنه لا يشبههم بأي وجه من الوجوه فهذا باطل ؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه ، واشتراك في بعض المعاني ، فمثلا الحياة يتصف بها الخالق ويتصف بها المخلوق ، فبينهما تشابه من حيث أصل الصفة وهي الحياة ، ولولا هذا التشابه المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق ما عرفنا معاني صفات الله فلابد أن يكون هناك اشتراك وتشابه من بعض الوجوه.
كذلك لله علم وللمخلوق علم ، وبين علم الله وعلم المخلوق تشابه من حيث أصل المعنى فالمخلوق يدرك ما يعلمه والخالق عز وجل كذلك ، فهناك اشتراك في أصل المعنى .
كذلك للمخلوق بصر وللخالق بصر ، فالبصر للخالق والمخلوق مشتركان في أصل الرؤية ، فبينهما تشابه من هذا الوجه لكنهما لا يتماثلان ؛لان المماثلة هي التساوي في كل وجه، والمشابهة : الاشتراك ولو في بعض الوجوه .
الوجه الثالث : أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس يعني نفي الصفات مطلقا ، وذلك عند من يقول : إن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فإذا قلنا : من غير تشبيه ، صار معنى هذا الكلام عندهم أي من غير إثبات صفة ، فيوهم هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أهل التعطيل ؛ لأنهم يرون أن معنى نفي التشبيه هو نفي الصفات ، حيث يزعمون أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فيصير قولنا من غير تشبيه مساويا لقولنا من غير إثبات صفة ، وهذه المسألة تحتاج إلى الانتباه لأهميتها ، فإن أكثر ما يقرأ في الكتب في هذا الباب : من غير تشبيه ، وهذا التعبير كما علم فيه نقص ، والأولى أن يعبر عنه من غير تمثيل للوجوه الثلاثة التي ذكرناها:
الأول : أن نفي التمثيل هو الذي ورد به النص ، بخلاف لفظ نفي التشبيه ، فإنه لا في القرآن ولا في السنة .
قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) ولم يقل ليس كشبهه شيء .
الثاني : (( من غير تشبيه ) فيه إجمال ، فإن أراد من غير مشاركة في أي نوع من المشاركة فهذا خطأ ، وإن أراد من غير مشابهة يعني من غير مساواة في كل شيء فهذا صحيح ، لكن يغني عنه لفظ نفي التمثيل ، وهو أوضح منه .
الثالث : أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقا عند من يرى أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه .
فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تابع في قوله ولا تشبيه عبارة كثير ممن كتبوا أو تكلموا في هذا الباب ، والصواب أن نقول من غير تمثيل ، ولهذا عبر شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية بذلك ، فقال : (( من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ) ، وعند المناظرة على العقيدة عندما جلس له مناظره عند الوالي ، فقال له : لماذا لم تقل : ولا تشبيه ؟ ، قال : (( لان التمثيل هو الذي ورد به القرآن ، فعبرت باللفظ الذي جاء به القرآن ) ، ولم يذكر الوجهين الآخرين ، لكن ذكر احدهما في العقيدة التدمرية -وهو أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقاً

الزاهدة
08-14-2011, 02:50 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
24- فكل ما جاء من الآيات أو صح في الأخبار عن ثقات
25- من الأحاديث نمره كما قد جاء فاسمع من نظامي واعلما

الشرح

قوله : ( فكل ما جاء من الآيات ) ، ( فكل ما ) ليست ( كلما ) التي هي أداة تكرار ، بل (كل ) هنا مضافة إلى ( ما) الموصولة ؛ يعني كل الذي جاء من الآيات .
وهنا قال المؤلف : ( فكل ما جاء من الآيات ) ولم يقل : وكل ما جاء في الأخبار، وذلك لان القرآن كله صحيح فهو محفوظ ، أما السنة ففيها الموضوع وفيها الضعيف ، ولهذا قيد فقال : ( أو صح في الأخبار ).
هذه قاعدة ذكرها المؤلف رحمه الله ، أن كل ما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث فإننا نمره كما قد جاء ، وهذا هو المروي عن السلف ، أنهم يقولون في آيات الصفات وأحاديثها : (( أمروها كما جاءت بلا كيف ).
فالواجب علينا أن نمرها كما جاءت وهذا الإمرار ليس إمرارا لفظيا فقط بل هو إمرار لفظي معنوي ، أما إمرارها لفا فقط فإنه مذهب باطل ، ويسمى مذهب أهل التفويض أو المفوضة ، وهو كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( من شر أقوال أهل البدع والإلحاد ) ؛ لأنهم بهذا المذهب ارتكبوا خطأ عظيما ، حيث جعلوا المسلمين يجهلون معاني آيات الصفات وأحاديثها ، وهذا خطر عظيم ، إذا كنا متعبدين بألفاظ الأحكام الشرعية كالصلاة والوضوء والتيمم والزكاة والحج ، فكيف لا نتعبد بآيات الصفات حتى نفهم معناها ؟!
فالمهم إننا نمره كما جاء ، ومن المعلوم أنه لفظ جاء لمعنى ، فالواجب إثبات هذا اللفظ ومعناه المراد به .
فإذا قال قائل : هل المعنى المراد هو الظاهر أو الاحتمال المرجوح ؟
فالجواب : أنه هو الظاهر ؛ لان صرف اللفظ عن ظاهره إلى احتمال مرجوح يحتاج إلى دليل ، وهذا الدليل إذا لم يكن معلوما لنا كان ادعاؤه من أتباع الهوى والتحكم على الله عز وجل .
وعلى هذا فنمر آيات الصفات الفعلية ، وآيات الصفات الخبرية ، وآيات الصفات الذاتية ،- نمرها - على ما هي عليه ، فالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والقوة وما أشبه ذلك من الصفات الذاتية ، نمرها كما جاءت ، ونقول : إن لله حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا وقوة وعزة : إلى آخره ، ولا يجوز أن نصرفها عن ظاهرها ؛ لان صرفها عن ظاهرها خروج بها عما يراد بها .
كذلك الصفات الفعلية نمرها كما جاءت ، مثل المجيء والإتيان ، والغضب ، والسخط ، والرضا ، والفرح ، والعجب ، وغير ذلك من الصفات الفعلية ، فنقول : المراد بالرضا المعنى الحقيقي ، وبالسخط المعنى الحقيقي ، وبالفرح المعنى الحقيقي ، وبالكراهة المعنى الحقيقي ، وهكذا لأنها ألفاظ جاءت لمعناها ، فإذا صرفناها عن معناها الظاهر صار ذلك من باب أتباع الهوى لا الهدى .
والصفات الخبرية : هي التي تدل على مسمى هو أبعاص لنا وأجزاء ، مثل : الوجه ، واليد ، والقدم ، والأصابع ، والعين ، فكل هذه ألفاظ تدل على مسميات هي بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء ، أما بالنسبة لله فلا نقول إنها أبعاض وأجزاء ؛ لان البعض والجزء ما يمكن انفصال بعضه عن بعض ، وهذا بالنسبة لله عز وجل مستحيل ، ولهذا لم نر أحداً يقول : إن يد الله بعض منه أو جزء منه ، أو إن وجهه جزء منه أو بعض منه ، فلا يقال هذا في حق الله عز وجل ؛ لان البعض والجزء ما صح انفصاله عن الأصل ، وهذا بالنسبة لله أمر مستحيل ، إذا نسميها يدا ووجها وعينا وأصبعا وقدما ، وما أشبه ذلك ، لكننا لا نسميها بعضا أو جزءا .
وعكس طريق السلف في هذا الباب : الذين أجروها على خلاف ظاهرها ، أو أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين ، أو لم يجروها على ظاهرها ولا على غير ظاهرها ، فسكتوا .
فمثلا : الذين أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء الممثلة ، وحقيقة الأمر أنهم لم يجروها على ظاهرها ، وإن ادعوا أن هذا هو الظاهر فهم كاذبون .
ولنضرب لذلك مثلا باليد ، فإذا قالوا إن ظاهر اليد أن تكون مثل أيدي المخلوقين ، قلنا : كذبتم ليس هذا ظاهرها ؛ لان هذه اليد أضيفت إلى الله ، فلا يمكن أن يكون المضاف إلى الله كالمضاف للمخلوقين ، بل المضاف إلى الله يكون لائقا بالله عز وجل ، ووصف كل موصوف يناسبه .
أرأيت يد الإنسان ، هل تفهم من هذه اليد المضافة إلى الإنسان إنها مثل اليد المضافة إلى الذرة ؟! أبدا ، ولا يمكن أن يفهم هذا إلا من فيه هوس ، فكذلك اليد المضافة إلى الله لا يمكن أن يكون مدلولها كاليد المضافة إلى الإنسان ؛ لأنها يد أضيفت إلى موصوف بها ، وصفة كل موصوف تليق به وتناسبه بحسبه ، فقولكم : إن ظاهر النصوص هو التمثيل ، وأننا اسعد بإتباع ظواهر النصوص ممن نفي التمثيل ، فنقول إن قولكم هذا ليس بصواب .
والذين نفوا هذا الظاهر ، وقالوا : إن المراد باليد القوة أو النعمة ، وقالوا : نحن أسعد بتنزيه الله منكم ، نقول لهم : كذبتم ، لستم أسعد بتنزيه الله منا ، بل انتم وصفتم الله تعالى وكلامه بالنقائص ، حيث زعمتم أن الكتاب لا يراد به ظاهره ، بل يراد به معنى يخالف الظاهر تتصرفون فيه انتم بعقولكم كما تشاءون ، ولذلك نجدكم متفرقين في المعنى المراد بهذا اللفظ ؛ منكم من يقول : المراد كذا ؛ ومنكم من يقول : المراد كذا ، وكل إنسان يأتي بما أراد مما يراه عقليات وهي وهميات وليست عقليات .
إذا نقول : إن هؤلاء الذين قالوا : إن المراد بها خلاف الظاهر ، هم أيضا لم يتبعوا ما يلزمهم من إجرائها على ظاهرها .
أما ظاهرها فهو المعنى اللائق بالله حقيقة دون المجاز ، فالمراد باليد يد حقيقية تأخذ وتتصرف وتقبض وتبسط ، وكذلك أيضا المراد بالأصابع أصابع حقيقية يأخذ الله بها ما أراد من خلقه ، وكذلك المراد بالعين ، وهكذا بقية الصفات .
فنحن نمرها كما جاء لفظا ومعنى ، لأنها ألفاظ جاءت لمعان ، فمن نفي اللفظ فإنه لم يمره ، ومن نفى المعنى فإنه لم يمره ، بل الواجب أن نمرها كما جاءت ، ولا نتعرض بقولنا : كيف ؟ ولم ؟ لان هذا التعرض من سبيل أهل البدع بدليل قول الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء كيف استوى ؟ قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، ولا أراك إلا رجل سوء ، فأمر به فأخرج .
فقال : (( والسؤال عنه بدعة )) ، فلا يجوز أبداً أن نسأل عن صفة من صفات الله فنقول : كيف ؟ ، ولا يجوز أيضا أن نقول : إذا صح هذا لزم منه هذا مما يمتنع على الله ، يعني مثل الذين يقولون : إذا صح نزوله إلى السماء الدنيا لزم أن تكون السماء الثانية فوقه ، فهذا حرام ولا يجوز ، ولا يمكن أن يقدر هذا التقدير من عرف الله وقدره قدره ، بل نحن موقفنا في هذه الأمور هو التسليم ، وعدم التعرض لأي سؤال مثل هذه الأسئلة .
أما لو قال : ما معنى النزول ؟ أو ما معنى المجيء ؟ أو ما معنى الضحك ؟ فهذا لا باس أن يسأل عن المعنى حتى يبين له معنى الاستواء مثلا ، لكن كيف استوى ؟ كيف ينزل ؟ كيف يجيء ؟ كيف عينه ؟ كيف يده ؟ كيف قدمه ؟ فهذا لا يجوز .
فالحاصل أن موقف أهل السنة والجماعة من الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله عز وجل أن يمروها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، فهي ألفاظ جاءت لمعنى وهم يمرون اللفظ والمعنى ، وقلنا هذا احترازا من مذهب المفوضة الذين يقولون : نمر لفظها ، دون أن يتعرضوا لمعناها .
فمثلا (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) : نثبت أن الله عز وجل مستو على العرش بدون كيف ، ولا نتعرض لمعناها ، بل المعنى معلوم ولكن بدون التكييف ، والذين يقرؤون اللفظ ولا يتعرضون للمعنى هم أهل التفويض . أما نحن فنقول : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) نمره كما جاء وهو لفظ جاء لمعنى ، والمعنى هو أنه عز وجل علا على عرشه علوا يليق بجلاله وعظمته ، ولا نكيفه ولا نمثله .
وكذلك أثبت الله عز وجل عن نفسه أنه يجيء ، فقال : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) نثبتها ونقول : إن الله عز وجل يجيء حقا مجيئا يليق بجلاله سبحانه وتعالى ، ولا نقول كيف ؟ بل نثبت المعنى .
وأما أهل التفويض فيقولون : نقرأ (وَجَاءَ رَبُّكَ) ولا نتعرض للمعنى .

الزاهدة
08-14-2011, 02:57 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
26- ولا نرد ذاك بالعقول لقول مفتر به جهول
27- فعقدنا الإثبات يا خليلي من غير تعطيل ولا تمثيل

الشرح

قوله : ( ولا نرد ذاك بالعقول) ، ولا نرد ذاك : أي ما جاءت به النصوص من الآيات والأحاديث لا نرده بالعقول ، وإنما قال ذلك إشارة إلى قول من يقول : إن المرجع في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل ، فما اقتضى العقل ثبوته أثبتناه وما اقتضى العقل نفيه نفيناه ، سواء كان موجودا في القرآن والسنة أم غير موجود ، وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فأما أن نتوقف فيه ، وإما أن ننفيه ، وأكثرهم نفى ذلك .
الأول : ما اقتضى العقل ثبوته فيثبتونه ، سواء كان ثابتا في الكتاب والسنة أم لا .
الثاني : ما اقتضى العقل نفيه فينفونه ، سواء كان ذلك موجودا في الكتاب والسنة أم لا .
الثالث : ما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه . فانقسموا فيه إلى قسمين : قسم نفاه وهم الأكثر ، وقسم توقف فيه ، وقال : لا نثبت ولا ننفي ؛ لان العقل لا يقتضي إثباته ولا نفيه ، فالذين نفوه وهم الأكثر قالوا : لان العقل لم يدل عليه ، وما لم يدل عليه الدليل فالواجب نفيه ، والذين توقفوا فيه قالوا : إن العقل لم يدل على نفيه ولم يدل على إثباته ، فالواجب التوقف .
لكن كل هذه القاعدة قاعدة مبنية على شفا جرف هار ؛ لأنها قاعدة تقتضي تقديم المعقول على المنقول ، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول .
وهذا من العجب ؛ أن يقولوا : نحن نبع العقل ، وهم يهدمون العقل بما يدعونه عقلا ؛ لان العقل يقتضي أن هذه الأمور الغيبية نقتصر فيها على الخبر المجرد ، لان العقل لا يمكن أن يتحكم فيها أو يدركها ، فكان مقتضى العقل الصريح أن يرجع فيها إلى النقل فالخبر المحض الذي لا تدركه بعقلك كيف ترجع إلى عقلك فيه ؟!
فمثلا : لو رجعت إلى عقلك بالنسبة إلى حال شخص من البشر ، فلا يمكن أن تحكم بعقلك على أحواله ، ولكن تعتمد في الحكم على أحواله على ما نقله عن نفسه أو ما نقل عنه بخبر الصادق ، أما أن تحكم عليه بعقلك فهذا غير صحيح ؛ فكل له تصرف يختص به ، فأنت ربما في بيتك تقوم وتفطر وتروح لعملك ، وربما هو يقوم ولا يفطر بل يروح إلى العمل قبل أن يفطر ، وبذلك يختلف عنك ، هذا وهو بشر ، حاله قريبة من حالك ، كيف بالله عز وجل ؟! كيف تحكم على الله بعقلك والعقل يقتضي أن تعتمد في ذلك على النقل ، لان هذا لا يثبت إلا بالخبر المحض .
ولهذا نقول : انتم يا أصحاب العقول هدمتم العقول ؛ لأنكم تقولون : العقل يقتضي أن لا يوصف الله بذلك ، وهو قد وصف به نفسه ، وهو خبر عن أمر لا يدرك بالعقل فالواجب فيه الاعتماد على النقل ، وتقولون هذا ثابت لله ، والله لم يثبته لنفسه ، وهذا أيضا إثبات للعقل بما ينافي العقل ، لان الذي يقتضيه العقل أن ما لم يبلغك خبره في أمر غائب عنك أن تتوقف فيه ، وأما أن تثبته مع نفي الله له ، فهذا زيادة في العدوان .
فالحاصل أن قول المؤلف رحمه الله ( لا نرد ذاك بالعقول ) يشير به إلى رد قول من يقول : إن المرجع في صفات الله إلى العقل ، ونقول هلم :
أولا : أن هذه القاعدة باطلة من أساسها لأنها تقتضي تقديم المعقول على المنقول ، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول .
ثانيا : أن هذه القاعدة تبطل الاعتماد على العقل ؛ لان العقل يقتضي أن ما طريقه الخبر المجرد يعتمد فيه على النقل وعلى الخبر ما دامت العقول لا تدركه ، فالواجب أن يعتمد على ما اخبر الله به عن نفسه أو أخبرت به عنه رسله .
ثالثا : أن نقول : تحكيم العقل في هذا الباب تحكيم من لا يحيط بالحكم علما ؛ وذلك لان ما يصف الله به نفسه لا يمكن للعقل أن يدركه ، فإذا كان الله يقول : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ )(الأنعام: الآية 103) ، والإدراك بالبصر إدراك بمحسوس ، فكيف تدركه العقول ؟ ! العقول لا تدركه كنه حقيقة صفات الله عز وجل أبداً ، قال تعالى :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية 11) .
رابعا أن هذه العقول التي زعمتم إنها مرجع ومحكم في صفات الله عقول متناقضة ؛ لان هؤلاء العقلاء - كما يدعون - يتناقضون ، فنجد بعضهم يقرر وجوب ذلك عقلا ، والآخر يقرر امتناع ذلك عقلا ، وفرق واسع شاسع بين الواجب والممتنع ، وكل منهم يدعي أنه من ذوي العقول ، هذا يقول : هذا ممتنع على الله ولا يجوز وصفه به ، وهذا يقول : هذا واجب لله فيجب وصفه به ، فأين العقل ؟! وبأي شيء يوزن ما يجب لله تعالى وما يمتنع ؟!وبأي عقل يوزن إن قلنا بعقل زيد ، قال عمرو : ما لكم تتركون عقلي ؟ وإن قلنا بعقل عمرو ، قال زيد : ما لكم تتركون عقلي ؟ فبأي عقل يوزن ؟ فهم متناقضون.
بل إنه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم إن الواحد من هؤلاء الذين يحكمون العقل يكون متناقضا ، فيكتب في بعض مصنفاته أن هذا واجب لله ، ويكتب في المصنفات الأخرى أنه ممتنع على الله .
خامسا : أن في الاعتماد على العقل ارتكاب محظورين عظيمين :
الأول : أن نقول على الله ما لا نعلم .
الثاني : أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه.
وهذا محظور عظيم لا يمكن لمؤمن أن يرتكبه بل ولا يمكن لعاقل أن يرتكبه فضلا عن مؤمن .
وهؤلاء ارتكبوا ذلك بحجة أن العقل يمنع هذا على الله ، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء .
إذا الرجوع إلى العقل باطل من هذه الوجوه الخمسة .
والواجب أن نرجع إلى النقل ، فإذا وجب الرجوع إلى النقل فهناك مرحلة أخرى واجبة ، وهي أن نأخذ بظاهر هذا النقل ولا نحرفه ، فلا نقول المراد به كذا وكذا مما يخالف الظاهر ، بل الواجب أن نأخذ بظاهره.
فإذا قال قائل : إذا أخذت بظاهره فقد مثلت الله بخلقه ، ولنفرض انك أخذت بظاهر اليد وأن لله يدين ، فانك إذا قلت : إن المراد باليدين هما ما يؤخذ بهما ويقبض فقد مثلت الله بخلقه ، وحينئذ وقعت فيما هو كفر ؟.
وجوابنا على ذلك أن نقول : من قال إن ظاهر اليدين حقيقة يقتضي المماثلة ؟ ؛ بل لنا أن نقول إن ظاهر اليدين المضافتين إلى الله حقيقة يقتضي امتناع المماثلة ؛ وذلك لأنها يد أضيفت إلى متصف بها ، ومن المعلوم أن ما أضيف إلى الشيء فإنه يكون لائقا به ، فاليدان اللتان أضافهما الله إلى نفسه يدان لائقتان بالله عز وجل ، لا يمكن أن تماثل أيدي المخلوقين ، الست تقول : يد إنسان ، وتقول : يد حمار ، وتقول : يد جمل ، وتقول : يد هر ، وتقول : يد أسد ، وتقول : يد ذرة ؟! فهل أحد من الناس يعتقد التماثل في هذه الأيدي ؟! أبداً ؛ لأنها أيد مضافة إلى متصف بها ، فتكون هذه الأيدي لائقة بالموصوف بها ، لكن لو قلت : يد أسد ، ويد أسد آخر ، صارت مماثلة . إذا علم التباين بين المخلوقات بعضها مع بعض فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى .
ومن اعتقد أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة التمثيل فقد كفر ، لان تمثيل الله بخلقه كفر ، ومن زعم أن ظاهر الكتاب والسنة ما يقتضي الكفر فهو كافر ؛ لان الكتاب والسنة يقرران الإيمان وينكران الكفر ، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمه الله : من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها
فالحاصل أن نقول : إننا إذا أخذنا بظاهر النصوص لم نكن ممثلين بل نحن أبعد الناس عن التمثيل ، والممثل حقيقة هو الذي صرف النصوص عن ظاهرها ، فهذا الذي جعل النصوص دالة على التمثيل هو الذي صرفها عن ظاهرها ؛ لأنه لم يصرفها عن ظاهرها إلا حيث اعتقد أن ظاهرها يقتضي التمثيل ، فلما اعتقد هذه العقيدة الباطلة ذهب يصرفها عن ظاهرها ، ولهذا نقول : كل معطل فهو ممثل ؛ لأنه لم يعطل إلا حيث اعتقد أن ظاهرها التمثيل فذهب يصرفها عن ظاهرها ويعطل مدلولها عما أراده الله .
أما القائلون بتحكيم العقل فهم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ، وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل في هذا الباب ، وسيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف رحمه الله أن الأشاعرة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا ؛ ادعوا أن العقل يقتضيها ، وأنكروا بقية الصفات بحجة أن العقل لا يقتضيها ، ولكننا نقول بان العقل يؤيد ما جاءت به النصوص من هذه الصفات الكمالية ، التي اتصف الله سبحانه وتعالى بها .
قال : ( ولا نرد ذاك بالعقول ) أما الذين رجعوا إلى العقول فقد ردوها ؛ لأنهم أنكروا دلالتها على المراد بها . فمثلا قالوا في قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي وجاء أمر ربك ، فردوها ، إذ قالوا : نحن لم نردها ولم نكذب بمجيء الله ، ولكن المراد بمجيئه مجيء أمره ، وما هذا في الحقيقة إلا رد ؛ إذ ما معنى الرد إذا لم يكن هذا ردا ؟ فربنا عز وجل يقول : (وَجَاءَ رَبُّكَ) وانتم تقولون : لم يجئ ربك ، بل الذي جاء أمره - سبحان الله !- هل الله يبين لعباده خشية أن يضلوا ، أو يعمي على عباده ليضلوا ؟!
الجواب : الأول بلا شك قال تعالى : ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)(النساء: الآية 176) ، فلو كان الله يريد بقول : (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك لكان هذا ابلغ ما يكون في التعمية ، ولكان هذا من عدم البيان ، بل من التلبيس على العباد ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى أوجب على عباده أن يعرفوه بصفاته فكيف يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ ) وهو يريد وجاء أمر ربك ؟!
فإذا قال قائل : إن الله يقول : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)(النحل: الآية 1) فيجب أن نحمل (وَجَاءَ رَبُّكَ) على هذه الآية ؟
فالجواب : أن هذه الآية التي استدللتم بها حجة عليكم وليست حجة لكم ، لان اختلاف التعبير في الموضعين يدل على أن احدهما غير الآخر ، فلو كان الله يريد بقوله : (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك ، لقالها ، كما قاله في الآية الثانية (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).
ثم إن الله قال : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) ، ومعلوم أن الذي جاءهم الملائكة أنفسهم وليس أمرهم ، ففي الآية أيضا قرينة لفظية تدل على امتناع تفسيرها بمجيء أمره .
ولا تعجب أن يكون كل دليل استدل به المبطل دليلا عليه ؛ لان استدلاله به يدل على أنه فيه إشارة إلى هذا المعنى لكنه إشارة على غير ما أراده . وقد التزم شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه : درء تعارض العقل والنقل بألا يأتي مبطل بحجة يحتج بها على باطله إلا جعلها دليلا عليه لا له
إذاً : نقول للذين يحكمون العقل : إنكم انتم الذين خرجتم بآيات الصفات وأحاديثها عن ظاهرها ، أما نحن فإننا أخذنا بظاهرها لان الله تعالى إنما انزل الكتاب تبيانا لكل شيء ، وأراد من عباده أن يهتدوا بهذا القرآن لا أن يضلوا فيه ، وإذا كنتم انتم تعملون بظاهر النصوص في العبادات والمعاملات وهي أيضا - اعني العبادات والمعاملات - فيها ما يرجع فيه إلى العقل كالمسائل القياسية ، فكيف لا ترجعون فيها إلى مجرد النقل وتمنعون القياس كما منعه أهل الظاهر ؟! مع أن هؤلاء الذين يرجعون إلى العقل في باب الصفات فيها ولا يأخذون بظاهر النصوص في باب الصفات ، وهذا من التناقض في الاستدلال .
فالحاصل أنه لا يجوز الاعتماد في باب الصفات على العقل لعلل منها :
الأولى : تناقض العقلاء فيما بينهم فيما يثبت وما ينفى .
والثانية أن نقول : لو حكمنا العقل في هذا لكان مقتضى ذلك أن نرجع إلى المنقول ؛ لان صفات الله عز وجل من باب الخبر المحض التي يعتمد فيها على النقل المحض .
والثالثة : أن العقول لا يمكنها إدراك ما يجب لله ويمتنع ويجوز على سبيل التفصيل .
أما على سبيل الإجمال فيمكن إدراكه وذلك بان الله موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص ، لكن على سبيل التفصيل لا يمكن .
والرابعة : أنه يمتنع عقلا أن تتحدث عن شخص تجهل حقيقة صفاته فكيف تتحدث عن الخالق الذي لا مثيل له ؟
والخامسة : أن الذين رجعوا إلى العقول في هذا ارتكبوا محذورين : أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون ، وينفون عن الله ما قاله عن نفسه ، وهؤلاء ارتكبوا محظورا عظيما بحجة أن العقل يمنع هذا على الله ، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء ، ولهذا قال المؤلف رحمه الله : ( ولا نرد ذاك بالعقول ).
وقوله :( لقول مفترٍ ) اللام هنا للتعليل أي من اجل قول مفتر ، والمفتري هو الكاذب .
وقوله : ( مفتر به جهول ) : أي كاذب به جهول ، ويجوز أن نجعل ( به ) متعلقا بجهول ، أي جهول به ، وإنما قال المؤلف : مفتر ، وجهول لان من خالف النص وقال إن المراد به كذا ، فهو إما كاذب وإما جاهل ؛ إما كاذب إن تعمد مخالفة النص وهو يعلم أن النص يدل على كذا ولكن قال نرجع إلى كذا ؛ وإما جهول إن كان لا يدري أنه خالف النص ، فالذين خالفوا النصوص في هذا الباب لا يخرجون عن أحد هذين الوصفين ؛ إما الكذب إن علموا أن النص يدل على خلاف قولهم ولكن ارتكبوا خلافه عن عمد ؛ وإما الجهل إن ارتكبوا خلاف النص عن غير عمد .
ثم قال رحمه الله : ( فعقدنا الإثبات يا خليلي ) عقدنا - يعني - اعتقادنا الإثبات من غير تعطيل ولا تمثيل .
وقوله : ( فقعدنا الإثبات ) : أي ما أثبته الله لنفسه ، ولا شك أن في العبارة قصورا ؛ لان عقدنا : الإثبات فيما أثبته الله لنفسه ، والنفي فيما نفاه الله عن نفسه ، والتوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا ، فإن تضمن نقصا محضا فهو مما ينفى عن الله عز وجل ، فصار اعتقادنا على النحو التالي :
الأول : إثبات ما أثبته الله لنفسه ، كالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والوجه ، والعين , واليد ، والقدم ،والأصبع ، وغير ذلك : فهذا نثبته لان الله أثبته لنفسه .
والثاني : نفي ما نفاه الله عن نفسه ، كالظلم ، والجهل ، والغفلة ، والنسيان والعور ، وغير ذلك ، فننفي ما نفاه الله عن نفسه .
والثالث : التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا محضا ، فإن تضمن نقصا محضا فإننا ننفيه عن الله وإن لم يرد نفيه ، وأما فيما لم يرد إثباته ولا نفيه فمثاله الجسم ، فلو قال لنا قائل : هل تقولون إن الله جسم ؟
فالجواب : لا نقول إنه جسم ، وتأمل العبارة : لا نقول إنه جسم ، وهذه العبارة غير أن نقول : أنه ليس بجسم : والصحيح قول : لا نقول إنه جسم . ونحن إذا قلنا : أنه ليس بجسم نفينا أنه جسم ، أما إذا قلنا : لا نقول أنه جسم فقد نفينا القول بأنه جسم .
وفرق بين النفيين ؛ لان الأول وهو قول : أنه ليس بجسم حكم بانتفاء الجسمية عن الله ، وهذا ليس عندنا علم فيه ، والثاني وهو قول : لا نقول أنه جسم نفي للقول بذلك ، ونحن ننفي أن نقول بذلك لأننا لا نعلم .
إذا الجسم : لا نثبته ولا ننفيه ؛ لان الله لم ينفه عن نفسه ولم يثبته ، فإذا لم ينفه عن نفسه ولم يثبته فليس لنا دخل في هذا ، فنقف حيث وقف النص ، ولكن نسأل عن المعنى المراد بالجسم ؛ فإن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يستحقه من الصفات ، فهذا المعنى صحيح ، فإن الله تعالى شيء قائم بنفسه متصف بما يليق به من الصفات : يستوي ، ويأتي ، وينزل ، ويضحك ، ويفرح ، ويغضب ، ويرضى ، ونحن نؤمن بذلك ، وإن أردت بالجسم الشيء المركب من أجزاء يفتقر بعضها إلى بعض ، ويجوز انفصال بعضها عن بعض كما في الأجسام المخلوقة فهذا باطل .
كذلك أيضا الجهة ، هل الله في جهة ؟ نقول : أما اللفظ فإننا نتوقف فيه ، وما لنا وله ! وأما المعنى فنستفصل : ماذا تريد بالجهة ؟ إن أردت أن الله تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا ممتنع وباطل ، وإن أردت بذلك جهة سفل ومخالطة للمخلوقات فهذا أيضا باطل وممتنع على الله ، فليس الله في جهة السفل وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وإن أردت أنه في جهة عليا عدمية لا تحيط به ، ما ثم إلا هو عز وجل فهذا حق ، والنبي عليه الصلاة والسلام اعلم الخلق بالله قال للجارية : (( أين الله ) ؟ قالت : في السماء . فاستفهم باين التي يستفهم بها عن المكان، والمرأة أجابت بفي الدالة على الظرفية، أي: الظرفية العدمية، يعني: لا شيء محيط بالله، فما ثم فوق المخلوقات إلا الله عز وجل .
وفي خطبة يوم عرفة التي لم يشهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون اجتماعا أعظم منها ولا اكبر منها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال وهو يخطب الناس : (( ألا هل بلغت ) ؟ قالوا : نعم ، فقال : (( اللهم اشهد ) يشير بالسبابة إلى السماء وينكث بها إلى الناس . (( ألا هل بلغت ) قالوا ، نعم . ففعلها مرة أخرى :(( ألا هل بلغت )؟ قالوا : نعم ففعلها ثلاث مرات . وهذه الإشارة تعني أن الله في جهة وهي جهة العلو .
فالحاصل انك إذا أردت بالجهة جهة علو عدمية ، أي ليس فوق إلا الله وحده فهذا صحيح ، ومع ذلك ونظرا لكون البسطاء من الناس يفهمون من الجهة أنه في كل مكان مثلا ، فنقول : لا تطلق أن الله في جهة أو في غير جهة ، بل لابد من التقييد على حسب التفصيل الذي ذكرنا .
وكذلك الحيز ، فاللفظ نتوقف فيه ، والمعنى نستفصل ، فإن أريد أن الله في حيز يحيط به ويحوزه فهذا باطل وممتنع ؛ لان الله عز وجل لا يحيط به شيء من مخلوقاته ، وإن أريد أنه منحاز عن المخلوقات بائن منها غير مختلط فيها ولا هي حالة فيه فهذا حق .
إذا قول المؤلف رحمه الله : ( فعقدنا الإثبات ) فيه قصور ؛ لان الواقع أن عقدنا إثبات ونفي وتوقف ، ولكن في باب النفي ؛ هل الله تعالى متصف بصفات هي نفي محض ؟ الجواب : لا ، بل صفات الله سبحانه وتعالى المنفية متضمنة لثبوت كمال ، ويجب أن نؤمن بأنها متضمنة لثبوت كمال ، لأنها يراد بها بيان كمال الصفة المضادة فلا يظلم الله الناس شيئا (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً )(يونس: الآية 44) وذلك لكمال عدله ، فهذا النفي إنما هو من أجل كمال الضد ، فقد يكون في الإنسان عدل لكن يكون فيه أيضا ظلم ، فيقال : فلان عدل ، لكن ظلم في القضية الفلانية ، فلا ينتفي عنه الظلم ، لكن الله عز وجل ينتفي عنه الظلم ، لان العدل لديه كامل لا يمكن أن يرد في حقه الظلم ؛ لا في قليل ولا في كثير ، فانتفى الظلم عنه لكمال العدل في حقه عز وجل .
ولو قلت : أنا أقول : لا يظلم ولا أقول لكمال العدل ، قلنا : هذا ليس بصحيح لان صفات الله عز وجل كلها عليا ، وظلم لا يتضمن كمال العدل ليس من الصفات العليا ؛ لان نفي الظلم إذا لم يكن لكمال العدل فقد يكون نقصا ، وقد يكون لعدم القابلية ، فلا يمدح بنقص ولا كمال ، فإذا قلت فلان رجل طيب لا يظلم ، الناس يضربونه فيقول : اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وأعني على الصبر ، يأخذون ماله فيقول : الله اغنني ؛ لأنه غير قادر ، فهو ضعيف جدا ، بل يخاف إن تكلم أن يضرب زيادة ، فهل هذا يعتبر مدحا إذا قلنا : إنه لا يظلم ؟ لا ، ولهذا قال الشاعر :
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
لو سمعت قوله : لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل ، قلت : ما شاء الله هؤلاء ناس أهل وفاء ، وأهل عدل ، لا يغدرون ، ولا يظلمون ، لكن الواقع أنه يسبهم بأنهم لا يقدرون على الغدر ولا على الظلم ، ويقول الشاعر أيضا :
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يحزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فهذا الرجل يذم قومه وليس يمدحهم ، ولهذا قال : فليت لي بهم قوما : أي بدلهم .
إذا نفي النقص لعدم القدرة عليه يعتبر نقصا ، وقد يكون نفي النقص لان المحل غير قابل له ، لا لكمال المحل ، كما لو قلت : جدارنا لا يظلم الناس ، وسيارتي لا تظلم أحداً ، فهذا لا يعتبر مدحا ؛ لأنه لا يقبل الظلم ولا العدل .
قال المؤلف رحمه الله : ( من غير تعطيل ولا تمثيل ) يعني يجب علينا أن نثبت بلا تعطيل والتعطيل نوعان : تعطي للنص ، وتعطيل للصفة ؛ فأما تعطي النص : فتعطيله عن دلالته ، وأما تعطيل الصفة فنفيها عن الله عز وجل .
مثلا : اليد تعطيلها باعتبار تعطيل الصفة بان يقول : ليس لله يد حقيقية ، وتعطيل النص بان يقول في قوله تعالى :(لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ)(ص: الآية 75) أي بقدرتي أو بنعمتي .
فالتعطيل إذا إما تعطيل للنصوص بمنع دلالاتها على ما أريد بها ، وإما تعطيل للصفات بنفيها عن الله سبحانه وتعالى مع ثبوتها له .
فأهل السنة والجماعة يتبرؤون من التعطيلين ؛ لأنهم يجرون النصوص على ظاهرها ، ولأنهم يثبتون لله ما أثبته الله لنفسه .
ثم اعلم أن التعطيل الذي ينفيه أهل السنة والجماعة ينقسم إلى أقسام :
الأول : تعطيل جزئي : يكون بإثبات الأسماء ، وإثبات سبع من الصفات ، وإنكار الباقي ، وهذا مذهب الأشاعرة ، فالأشاعرة يثبتون الأسماء لله عز وجل ، ويثبتون سبعا م الصفات ، وينكرون الباقي ، فإذا جاءت النصوص بدلالة على الباقي حرفوها ، فيكون هؤلاء عطلوا النصوص وعطلوا الصفات فيما نفوه ، فمثلا يقولون : في قول الله تعالى : ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه)(التوبة: الآية 100) يقولون : معنى رضي الله عنهم : أي أثابهم ، فيفسرون الرضى بالمفعول المنفصل عن الله وهو الثواب ، فهؤلاء عطلوا الصفة وهي الرضا ، وعطلوا النص فصرفوا دلالته عن الرضا إلى الثواب ، فعطلوه عن مدلوله .
الثاني : تعطيل هو فوق ذلك . وهو تعطيل الصفات كلها دون الأسماء فينفون الصفات عن الله ويثبتون له الأسماء ومنهم من يقر بالحياة والعلم والقدرة لأنه لابد للرب منها ، وما عدا ذلك يحرفونه ، وهؤلاء هم المعتزلة ،وهذا هو المشهور عنهم ؛ أنهم يقرون بالأسماء ، وينكرون الصفات أو يقرون بثلاث صفات وينكرون الباقي .
الثالث : تعطيل فوق ذلك ، وهو إنكار الأسماء والصفات . فيقولون : إن الله لا يسمى سميعا ولا يثبت له سمع ، وكل ما سمى الله به نفسه يجعلونه اسما للمخلوقات ، فليس الله هو السميع بل السميع خلقه ، وأضيف السمع إليه لأنه هو الذي خلقه في هذا ، فيجعلون الأسماء والصفات كلها للمخلوقات لا للخالق عز وجل ، وهؤلاء غلاة الجهمية ، يقولون : لا نؤمن بان الله له أسماء ولا بان الله له صفات.
الرابع : تعطيل قوم فوق ذلك وهم الذين لا يثبتون لله أي صفة ثبوتية . فكل شيء ثبوتي لا يثبتونه لله ، وإنما يثبتون لله السلبيات فقط ، فيقولون مثلا : ليس بمعدوم ، ليس بجاهل ، ليس بأعمى ، ليس بأصم ، وأما إثبات الصفة فهي ممنوعة ، لا الأسماء ولا الصفات ،وهؤلاء هم القرامطة وأشباههم .
الخامس : تعطيل فوق ذلك وهم الذين يعطلون النفي والإثبات ، فلا يصفون الله بصفة ثبوتية ولا بصفة سلبية ، فلا يثبتون الإثبات ولا النفي ، فيقولون : لا نقول أنه يرضى ولا نقول أنه لا يرضى ولا نقول حي ولا ميت ، لا سميع ولا أصم ، لا بصير ولا أعمى . فينفون عنه النفي والإثبات .
قالوا : لأنك لو اثبت لشبهته بالمثبتات ، ولا نفيت لشبهته بالمنفيات . فأنت واقع في التشبيه سواء أثبت أم نفيت ، فنقول لهم : هل تقولون أنه موجود ؟ فيقولون : لا . هل تقولون معدوم ؟ فسيقولون : لا . إذا لا موجود ولا معدوم ! وهل هذا ممكن أن يكون الشيء لا موجودا ولا معدوما ؛ أو موجودا معدوما ؟! لا يمكن.
إذا انتم الآن فررتم من تشبيهه بالمنفيات أو بالمثبتات وشبهتموه بالممتنعات . والممتنع طبعا لا وجود له أصلا .
وانظر كيف يلعب الشيطان ببني ادم إلى هذا الحد ؛ فيقول : إن قلت : حي فقد شبهت ، وإن قلت : ليس بحي ، فقد شبهت . وإن قلت : سميع فقد شبهت ؛ وإن قلت : ليس بسميع فقد شبهت . فماذا نصنع ؟ ! قل : لا سميع ولا غير سميع ، وإن قلت : موجود شبهت ، وإن قلت : لا موجود شبهت ، إذا ماذا أقول ؟! قل : لا موجود ، ولا لا موجود . وهذا غاية ما يكون من الامتناع .
وقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما معناه : أنتم إذا فررتم من تشبيهه بالمثبتات والمنفيات - مع أن المثبتات والمنفيات أمر ممكن - فقد شبهتموه بالممتنعات ؛ لان تقابل النفي والإثبات بإجماع العقلاء من باب تقابل النقيضين ، يعني لو سلمنا جدلا بان الحياة والموت من باب تقابل العدم والملكة ، وأنه يصح أن نقول لا حي ولا ميت فيما لا يقبل الحياة ولا الموت ، كالجماد مثلا ، فالجدار نقول : لا حي ولا ميت لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت ، فلو سلمنا جدلا بأننا نوافقكم على أن تقابل الحياة والموت والسمع والصمم من باب تقابل العدم والملكة التي جوز أن تنفى عمن لا يكون محلا قابلا لها - لكن لا يمكن أن تخرجوا عن الإثبات والنفي ، لان تقابل الإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين ، يعني ليس هناك شيء إلا موجود أو معدوم ؛ إلا ثابت أو منفي .
فإذا نفيتم الإثبات والنفي ، أو الوجود والعدم فقد أتيتم بما أجمع العقلاء على امتناعه ؛ وذلك لان تقابل الوجود والعدم ، والإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين اللذين اجمع العقلاء على إنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فانتم لابد أن تصفوه أما بالوجود وإما بالعدم ، فإما أن تقولوا : ليس بموجود أو ليس بمعدوم ، أما أن تقولوا : لا موجود ولا معدوم فهذا شيء ممتنع ، وقال بذلك غلاة القرامطة والباطنية ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
والحاصل أن التعطيل خمسة أنواع ، وأهل السنة والجماعة يتبرؤون من جميع هذه الأنواع ، ويثبتون لله كل ما أثبته لنفسه .
وأقول لهؤلاء : إنكم ما فررتم من شيء إلا ووقعتم في شر منه ، لا في مثله فحسب بل في شر منه ، لان هؤلاء إذا فروا مما يعتقدون في تشبيهه وأثبتوا صفة أخرى ، نقول لهم : هذه الصفة موجودة في المخلوق فقد وقعتم فيما فررتم منه من حيث التشبيه بالمخلوق ، وشر منه تحريف النص .
ونضرب مثلا : الذين يقولون إن الله ليس له يد حقيقية وإنما له قوة .لماذا لم يثبتوا اليد الحقيقية ؟ قالوا : لان هذا يقتضي التشبيه بالمخلوق الذي له يد وجارحة . فنقول : والقوة كذلك : أليس للمخلوق قوة ؟ فلن يستطيع أن يقول : لا ، والله يقول :(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً )(الروم: من الآية 54) فأنتم كان لكم ضعف ثم قوة ثم ضعف ، فإذا قلتم : له قوة وقعتم في التشبيه على قاعدتكم ؛ لان للمخلوق قوة ، فيلزم على قاعدتكم أن تكونوا مشبهين لله تعالى بخلقه .
وقلنا : أنهم وقعوا في شر مما يفرون منه وهو تحريف النص ، حيث حرفوا معنى النص إلى معنى خلاف الظاهر ، وهكذا كل الذين يتكلمون بالتعطيل نقول : هم فروا من شيء ووقعوا في شر منه .
قوله : ( ولا تمثيل ) يعني : نثبت بلا تمثيل ، وهذا من المؤلف جيد جدا حيث أتى بنفي التمثيل دون نفي التشبيه ، فإن هذا أولى لوجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أن نفي التمثيل هو الذي جاء به النص ، كما قال الله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(الشورى: الآية 11) ، وقال تعالى :(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ )(النحل: الآية 74).
ولا شك أن استعمال الألفاظ التي جاءت بها النصوص أولى بكثير من استعمال ألفاظ جديدة لأمور :
أولا : انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص ربطت الناس بالنصوص ، وربط الناس بالنصوص له اثر جيد محبوب .
وثانيا : أنك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص سلمت من أي اعتراض ، لان النصوص محكمة وليس فيها تناقض ولا اختلاف .
وثالثا : انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص فإن ذلك أدق وأبين مما إذا استعملت عبارات أخرى ، وإن كانت فيما يبدو للسامع مرادفة لما جاءت به النصوص .
الوجه الثاني : أن نفي التشبيه من كل وجه لا يصح ؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه في الجملة ، ولولا هذا التشابه ما استطعنا أن نعرف المعنى أبداً ، فلله حياة وللإنسان حياة ، فهناك نوع من التشابه ، لكن هل هناك تشابه فيما يختص فيه كل واحد ؟ الجواب : لا . لان للمخلوق حياة تتميز عن حياة الخالق ، وللخالق حياة تتميز عن حياة المخلوق ، كما أن للخالق ذاتا تتميز عن ذات المخلوق وكذلك للمخلوق ذات تتميز عن ذات الخالق .
الوجه الثالث : أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات ؛ لان من الناس من يقول إن كل من أثبت لله صفة فهو مشبه ، فإذا قلت : من غير تشبيه صار معناها عند هذا القائل من غير إثبات صفات ، وهذا معنى باطل .
وعلى هذا فما نقرؤه من كلمة : ( من غير تشبيه ) في كثير من الكتب المؤلفة في هذا الباب إنما يريدون به من غير تمثيل ؛ لان نفي التشبيه من كل وجه لا يصح ، ولان بعض الناس يعتقد أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فيكون المعنى على هذا الاعتقاد : من غير إثبات صفات .

الزاهدة
08-14-2011, 04:04 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
28 - فكل من أول في الصفات كذاته من غير ما إثبات
29- فقد تعدى واستطال واجترى وخاض في يبحر الهلاك وافترى

الشرح

( كل ) : مبتدأ ، والخبر : ( فقد تعدى ) وقرن المؤلف رحمه الله الخبر بالفاء لان المبتدأ يشبه الشرط في العموم، قال العلماء رحمهم الله : وإذا كان المبتدأ يشبه الشرط في العموم حسن اقتران خبره بالفاء ، ومثلوا ذلك بقولهم : الذي يأتيني فله درهم . وهذا مثله ( كل من أول فقد تعدى ) .
وقوله : ( فكل من أول في الصفات ) من : اسم موصول يشمل كل مؤول ، يعني سواء كان تأويله عاما أو خاصا ، فإذا أول أي نص من غير ما إثبات ، فإنه يكون متعديا ، وسواء أول في الصفات الخبرية أو في الصفات الفعلية أو في الصفات الذاتية ، فإنه يعتبر متعديا .
فمن قال مثلا : إن المراد باليدين النعمة فهو مؤول ، ومن قال : إن المراد بالوجه الثواب فهو مؤول ، ومن قال : إن المراد بالاستواء الاستيلاء فهو مؤول ، وتسميتنا إياه تأويلا من باب التسامح ، وإلا فالحقيقة أن هذا تحريف ، فكل تأويل ليس له أصل فإنه ينبغي أن نسميه تحريفا ، كما نطق به القرآن : ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )(النساء: الآية 46) ، فكل من أول الكلم عن موضعه وحمله على معنى آخر فقد حرف .
وقوله : ( كذاته ) يعني كما أن من أول في ذات الله من غير إثبات فهو معتد ، فكذلك من أول في الصفات ، وهذا إشارة من المؤلف رحمه الله بأن القول في الصفات كالقول في الذات ، فكما إننا نثبت لله عز وجل ذاتا لا تشبه ذات المخلوقين ، فإننا نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقين .
وقوله : ( من غير ما إثبات ) يعني من غير ما دليل على تأويله ، فإنه يكون متعديا ، فإن وجد دليل للتأويل فإن ذلك لا باس به ، ولا يعد هذا تعديا ، مثاله قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي : (( ولا يزال عبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )
فلو قال قائل : ظاهر الحديث أن الله يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله ،فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون : إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه ؟
فالجواب أن نقول : لان عندنا دليلا يدل على ذلك ، وهو قول الله عز وجل في الحديث القدسي : (( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ).
فهنا يوجد عابد ومعبود لقوله : (( ما تقرب إلى عبدي ) ، ويوجد متقرب ومتقرب إليه (( ما تقرب إلي عبدي ) ، ويوجد فارض ومفروض عليه (( مما افترضت عليه ) وفيه أيضا سائل ومسئول ، ومعطي ومعطى ، ومستعيذ ومستعاذ به ، في قوله : (( ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) . وكل هذا يدل على التباين بين هذا وبين هذا ، فإذا كان هذا دالا على التباين فكيف يكون هذا الشيء المباين بعضا من الشيء المباين ؟! وكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله ؟! فهذا مستحيل .
وأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق ، فهذا شيء مستحيل .
إذا فعندنا دليل على هذا التأويل ، وإذا قام الدليل على التأويل فإننا نقول : ليس ظاهر الحديث مقصودا ، بل لنا أن نقول : أن هذا الظاهر الذي ادعي ليس هو ظاهر الحديث ؛ لان ظاهر الحديث يناقض سياقه × ومعلوم أن ظاهر الكلام ما يقتضيه سياقه ، وليس كل لفظ من الألفاظ له معنى منفرد ، بل الألفاظ يكون معناها بضم بعضها إلى بعض . فنحن لم نخرج عن ظاهر الحديث ولم نؤول ، وإذا تنزلنا جدلا وقلنا : إن هذا تأويل ، فإننا نقول : إن هذا التأويل قد دل عليه الدليل ، وإذا دل عليه الدليل من كلام من تأولنا كلامه لم نكن خرجنا بكلامه عن ظاهره ، لان المتكلم اعلم بمراده ؛ ومثل ذلك أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول : (( عبدي جعت فلم تطعمني ، ومرضت فلم تعدني ) فإنا لو أخذنا بظاهر هذا اللفظ لقلنا إن الله يمرض وإن الله يجوع ، وهذا شيء مستحيل على الله ، لكن هذا قد فسر في نفس الحديث حيث قال : (( إن عبدي فلانا جاءك فلم تطعمه ، ومرض فلم تعده ))، فهذا يدل على أن هذا اللفظ الذي يدعى أنه ظاهر غير مراد ؛ لان الله تعالى بينه بنفسه .
فالحاصل أن المؤلف رحمه الله أعطانا قاعدة وهي أن جميع من أول في الصفات من غير إثبات ولا دليل يدل على تأويله فإنه معتد.
وأيضا كما أننا لا نؤول في الذات يجب أن لا نؤول في الصفات ، لان الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات .
ثم قال رحمه الله :
فقد تعدى واستطال واجترى وخاض في بحر الهلاك وافترى
هذه خمس صفات - والعياذ بالله من ذلك -: تعدى ، واستطال ، واجترى ، وخاض في بحر الهلاك ، وافترى . كل هذه أوصاف لمن أول في الصفات من غير دليل .
قوله : ( فقد تعدى ) تعدى على النصوص وعلى المتكلم بالنصوص ؛ لان هذا التأويل تعد على اللفظ وإخراج له عن ظاهره ، وتعد على قائل النص حيث كلم الناس بما لا يريد ، وهذا نوع من التعمية ، وهو خلاف قوله تعالى :( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(النحل: الآية 44) وخلاف قوله تعالى :( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا )(النساء: الآية 176) وخلاف قوله تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )(النساء: من الآية 26) ، فكل إنسان يؤول فقد تعدى على النص وعلى المتكلم بالنص وهو الله ورسوله .
وقوله : ( واستطال ) استطال من الطول وهو الغنى ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ )(النساء: الآية 25) أو من الاستطالة وهي العلو والترفع ، والثاني انسب يعني أنه استطال واستعلى وترفع والعياذ بالله ، واعتد برأيه ،وأنكر رأي الآخرين .
وقوله : ( واجترى ) من الجرأة ، وهي الإقدام ، أي : إقدام الإنسان على ما ليس له بحق ، وقد تجرأ فلان على كذا : يعني أقدم على شيء ليس له فيه حق ،وكذلك الذي يؤول في الصفات ؛ فإنه قد أقدم على شيء ليس له بحق .
وقوله :( وخاض في بحر الهلاك ) الخوض في الأصل يطلق على العمل الذي ليس بمركز ولا منظم ، ومنه الخوض في الوحل ، والخوض في الماء ، والخوض في الطين ، قال تعالى : ( فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ)(الطور: الآية 12) .
وقوله : ( في بحر الهلاك ) الهلاك هنا معنوي ، يعني يبقى حيا لكن هو في الحقيقة حي ميت ، بل الميت على الحق خير من هذا الذي بقي على الباطل .
وقوله : ( وافترى يعني كذب ووجه كذبه أنه قال : إن الله لم يرد كذا وأراد كذا ، فكذب في النفي وكذب في الإثبات :
مثلا : في قوله تعالى : ( بِيَدَيَّ )(صّ: الآية 75) قال : إن الله لم يرد اليدين وأراد النعمة فكذب في النفي وكذب في الإثبات ، وقوله :( اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش)(الأعراف: الآية 54) قال : إن الله لم يستو على العرش ولكن استولى أو لم يرد العلو وإنما أراد الاستيلاء . فنقول : كذبت في الأول وفي الثاني .

الزاهدة
08-14-2011, 04:11 AM
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
30- ألم تر اختلاف أصحاب النظر فيه وحسن ما نحاه ذو الأثر
31- فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى وصحبه فاقنع بهذا وكفى

الشرح

لما ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يجوز الرد إلى العقول في باب الصفات ، وذكر تحريم التأويل وانه استطالة وجرأة وافتراء ، ذكر دليلا حسيا ملموسا ، فقال :
( ألم تر اختلاف أصحاب النظر فيه ) يعني الم تعلم أن أصحاب النظر والمراد بأصحاب النظر أصحاب الكلام ، الذين يرجعون في إثبات الصفات أو نفيها إلى العقل ، فهؤلاء اختلفوا واضطربوا اضطرابا كثيرا عظيما ، حتى إن بعضهم يوجب ما يرى الآخر أنه مستحيل . احدهم يقول : هذا واجب لله ، والثاني يقول : هذا مستحيل على الله ، والأخر يقول : هذا جائز ، وهذا من التناقض فاضطربوا اضطرابا كثيرا فيما هم عليه .
ولا ريب أن اختلاف الأقوال واضطرابها يدل على ضعفها وأنه ليس لها أساس ؛ لان الأقوال كلما قويت أساساتها تقاربت ، ولهذا تجد المسائل المنصوصة في القرآن أو السنة الخلاف فيها قليل ، وأضرب لك مثلا بالمواريث فإن الخلاف بين العلماء رحمهم الله في المواريث قليل بالنسبة للخلاف في غيره ، وذلك لان غالب أحكامه منصوص عليها ، والمنصوص عليه لا يختلف الناس فيه . كذلك أهل الزكاة مثلا ، فأهل الزكاة الثمانية لا تكاد تجد خلافا بين العلماء رحمهم الله فيهم إلا قليلا بالنسبة للخلاف في المسائل الأخرى ، لان أصحاب الزكاة منصوص عليهم ، فكلما كانت الأقوال مؤيدة بالنصوص كان الخلاف فيها أقل ، لان النص يجمع أطراف الخلاف .
أما إذا كانت المسائل ليست مبنية على نص ولا على أصل فانك ترى فيها الخلاف العجيب ، ولو شئت لقلت ، إن الخلاف أكثر من أصحابه ، فإذا كانوا عشرة اختلفوا على خمسة عشر قولا .
فإذا قال قائل : كيف يكون الخلاف أكثر من أصحابه ؟!
فنقول : يكون للواحد عدة أقوال . فإذا كانوا عشرة وكل واحد له خمسة أقوال صار الخلاف خمسين وجها .
فأصحاب النظر ، الذين يدعون أنهم أصحاب عقول وأن غيرهم عامة وحشوية وبلهاء وما أشبه ذلك ، هم أكثر الناس اختلافا في هذا الباب ، ومن طالع ما ينقل عنهم رأى العجب العجاب ، حتى إنك لا تكاد تتصور القول من شدة فساده .
فإذا كان هذا حال أصحاب النظر فكيف يعتمد على هؤلاء فيما هو أساس الرسالات ، وهو معرفة الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته ؟! وكيف نعتمد على هذه الأقوال المتناقضة التي لا تنبني على أصل ؟! ولهذا فإن المؤلف رحمه الله جاء باختلاف أهل النظر دليلا على فساد أقوالهم ، لان الاختلاف والاضطراب يدل على الفساد .
فإن قيل : من هم أصحاب النظر ؟
فالجواب : هم أصحاب الكلام كما يسميهم أهل العلم ، وعلمهم علم الكلام ، وسموا أصحاب النظر لأنهم قدموا النظر على الأثر . وأصحاب النظر - هؤلاء المتكلمون - هم أكثر الناس فسادا واضطرابا في الأقوال ؛ لأنهم لم يبنوا على أسس صحيحة ، وإنما بنوا على وهميات ظنوها عقليات ، فبنوا عليها عقيدتهم .
ولعله قد مر بك أن أساطينهم ورؤساءهم أقروا بأنهم على ضلال ، فمن جملتهم الرازي الذي يقول : لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفي عليلا ، ووجدت اقرب الطرق طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات قول الله تعالى :(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) ، وقوله : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(فاطر: الآية 10) ، وأقرأ في النفي : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) ، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه: الآية 110) ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .
هذا هو الرازي أحد أساطينهم وكبرائهم وعلمائهم يقول : هذه المناهج والطرق ما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً ، أي ، لا تسمن ولا تغني من جوع ، ويقول : رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، يعني : طريقة تحكيم النصوص في هذا الباب ، ثم ضرب مثلا : اقرأ في الإثبات : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) فأؤمن بأنه استوى على العرش ، واقرأ : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(فاطر: الآية 10) فأؤمن بأنه في العلو ، واقرأ في النفي : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) وهي نفي للتمثيل ، واقرأ : (َلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه: الآية 110) وهي نفي التكييف ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .
ويقول :
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
والقيل والقال محصول ليس بجيد ، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال . هؤلاء بحثوا طول عمرهم وما استفادوا إلا قيل وقالوا ، وغاية دنياهم أذى ووبال والعياذ بالله ؛ لان غاية دنياهم - نسأل الله العافية -الشك والحيرة ، فأكثر الناس شكا عند الموت هم أهل الكلام ، لأنهم ليس عندهم عقيدة يبنون عليها معبودهم عز وجل ، بل لا يعرفونه إلا بوهمياتهم التي يدعون إنها عقليات ، فلذلك إذا جاءت الساعة وجاء وقت الامتحان والمحك ضاعوا وما وجدوا حصيلة.
فكانوا أكثر الناس شكا عند الموت نسأل الله العافية ، حتى إن بعضهم يقول : ها أنا أموت على عقيدة أمي ، أمه الأمية التي لا تعرف ، والثاني يقول : أموت على عقيدة عجائز نيسابور . فرجعوا إلى عقيدة العجائز لأنها فطرية ، وهم عقيدتهم نظرية وهمية في الواقع .
فإذا نظرنا إلى هؤلاء والى مآلهم والى أحوالهم - فهل يمكن لنا أن نقول أنهم على حق وندع الأثر لنظرهم ؟! لا يمكن أبداً فكل إنسان عاقل لا يمكن أي يتولى مثل هؤلاء ويأخذ من أقوالهم ؛ لأنها أقوال فاسدة متناقضة ليس لها أساس لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من أقوال السلف .
والعجيب أن الرازي يقول : أرواحنا في وحشة من جسومنا ، إلى هذا الحد : روحه مستوحشة من جسده ، لا تود أن تقر فيه ، كأنما يتمنون الموت الآن ومفارقة الروح الجسد الذي هي في وحشة منه ؛ لان الإنسان - نسأل الله العافية والسلامة والثبات - إذا لم يكن له عقيدة ضاع ، اللهم إلا أن يكون قلبه ميتا ، لان الذي قلبه ميت يكون حيوانيا لا يهتم بشيء أبداً ، لكن الإنسان الذي عنده شيء من الحياة في القلب إذا لم يكن له عقيدة فإنه يضيع ويهلك ، ويكون في قلق دائم لا نهاية له ، فتكون روحه في وحشة من جسمه وقوله: ( وحسن ما نحاه ذو الأثر) نحاه بمعني اتبعه ، يعني: وألم تر حسن ما اتبعه ذوي الأثر ، والجواب: أننا نرى ذلك، فنحن نطالع كتب هؤلاء وأقوالهم ، ونطالع كتب أولئك وأقوالهم، فنجد أن هؤلاء الأثريين، إذا قالوا قولاً فإنما يقولون بقول الله ورسوله، مطمئنين منشرحة صدورهم. أما أولئك فهم على العكس من هذا، دائماً في صراع قيل وقال، وجدل لا نهاية له، وفرضيات وهمية ليس لها أصل، فتجدهم في حيرة وقلق.
لكن ما نحاه أهل الأثر واتبعوه يقرأ احدهم كلام الله عز وجل : (وَجَاءَ رَبُّكَ)(الفجر:22) ( فيقول : سبحانه وتعالى يجيء كما يليق بجلاله ، ويقرأ : ( استوى على العرش) ( فيقول : استوى سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله ، ويقرأ :(بل يداه مبسوطتان) ( يقول : له يدان لكنها ليست كأيدي المخلوقين ؛ لان الله ليس كمثله شيء وهكذا يقرأ في القرآن والسنة نصوصا واضحة بينة.
ووالله لو خلوا من التقديرات التي يقدرونها ما وجدوا إلا خيرا ، أي شيء يضير الإنسان إذا قال : أنا أؤمن بان لله يدين ؛ لأن الله أثبتهما لنفسه ، ولكني أؤمن بأنه لا مثيل لهاتين اليدين ، هل عليه ضير ؟ أبداً ، بل ينشرح صدره ، ويستريح من التقديرات التي لا أساس لها ، ولذلك تجد أهل السنة والجماعة في هذا الباب هم أريح الناس بالا ، وأشرحهم صدرا ،وأكثرهم اطمئنانا وأبعدهم إشكالا . أما أن نذهب نقدر ونقول : اليد جارحة ، والجارحة ممتنعة ، والجارحة بعض من كل ، وما أشبه ذلك . وهذا جسم وهذا عرض ، فإننا سوف نتعب في هذا .
والأولى لنا أن نؤمن بأن لله يدا ونقول : سبحان الله العظيم ، وبأن له وجها وبأن له عينا ، وبأنه مستو على العرش ، وبأنه يجيء يوم القيامة ، وبأنه ينزل إلى السماء الدنيا ، إلى غير ذلك بدون أن نقدر تقديرات ، فلسنا نحن الذين نحكم على الله ، بل الله هو الذي يحكم علينا ولنفسه بما شاء ، أما نحن فليس لنا إلا التسليم في هذه الأمور ، ولهذا قال : ( حسن ما نحاه ذو الأثر ).
وأنا أجزم جزما أنك لو تلوت على أحد من العامة حديثا في صفات الله عز وجل ، تجده يسبح بلسانه ، ويعظم الله بقلبه ، ويقشعر من ذلك جلده ، لكن لو تلوته على واحد من أهل الكلام ما أحس بهذا أبداً ، بل ذهب يتصور أن الله مناف للمخلوق ، ثم يحاول أن يصرف هذا النص إلى معنى يدعي أنه معقول ،وتجده يتعب نفسه ، وذاك العامي يسبح ويهلل ويمجد الله ، ولا يتعب نفسه . وذاك يذهب يبحث عن القرائن ، ولا يكون في قلبه من تعظيم الله مثل ما يكون في قلب العامي ، وهذا أمر محسوس ،ولهذا ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا .
فأنت إذا أخذت النصوص على ظاهرها سلمت من كل شيء ، وعظمت الله حق تعظيمه ، ولن تحتاج إلى أن تتكلم في ذات الله كأنما تشرح جسما من أجسام الآدميين ، كما يوجد عند بعض الناس الآن ، حتى إني رأيت كتابا لبعض الناس يسال : هل يقال أن الله ذكر أو أنثى ؟ أعوذ الله إلى هذا الحد - نسأل الله العافية ؟!
والله إن هذا الإنسان ليس في قلبه تعظيم لله عز وجل وهو يفرض هذا الفرض ، فتجد من يقول : أقم دليلا على أن الله ذكر ؟! وتجد من يفرض ويقول : هل الله واحد أو متعدد ؟ والله يقول : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ )(الحجر: الآية 9) فنحن هنا جماعة ؟! فإذا أراد الإنسان السلام فليدع هذه الأشياء ، فماذا أنت يا ابن ادم بالنسبة للسماء وبالنسبة للأرض وبالنسبة للأشجار ؟! لست بشيء فكيف تتكلم في خالق السموات والأرض بأشياء ما تكلم بها عن نفسه ، ولا تحدث بها رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولا قالها من هم احرص منك على الخير وأشد منك تعظيما لله ؛ وهم الصحابة رضي الله عنهم .
ولما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له .. إلى آخره ) لم يفكر الصحابة رضي الله عنهم كيف ينزل الله تعالى وكيف يصعد ، بل فكروا كيف يستغلون هذا الوقت بالاستغفار والدعاء والسؤال ، وهذا هو الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما أراد منهم أن يفكروا كيف نزل ومتى يصعد وكيف صعد بل أراد منهم أن ينتهزوا هذه الفرصة في هذا الجزء من الليل الذي يقول الله فيه : من يدعوني ؟ من يسألني ؟ من يستغفرني ؟
فالمهم أن الواجب علينا أن نعرض عما قاله أهل الكلام في هذا كله ، ونحن نحاجهم بكلمة بسيطة وهم أهل جدل ، فنقول : أأنتم أعلم باله أم الله ؟ إن قالوا : نحن أعلم بالله من الله فهم كرة بذلك . وإن قالوا : الله أعلم ، فنقول : ألم يقل عن نفسه كذا وكذا . فلماذا لا تقبلون ؟! ولماذا تحاولون الزيغ يمينا ويسارا ؟! والله عز وجل وضح وبين وكلامه أبين الكلام (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ )(النساء: الآية 26)( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)(النساء: الآية 176)( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )(النحل: الآية 44).
فالقرآن مبين ، والرسول عليه الصلاة والسلام مبين ، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن يبين الله لنا كيف نبول ، وكيف نتغوط ، وكيف نلبس ، وكيف ندخل ، وكيف نخرج ، وكيف نأكل ، وكيف نشرب ، وكيف ننام ، وكيف نستيقظ ، ثم يدع البيان فيما يتعلق بأسمائه وصفاته التي هي زبدة الرسالة ، ونحن إذا لم نعرف الله ما عبدناه ، وإذا عرفناه فيجب أن نعرفه كما وصف نفسه ، بعيدا عما أشار المؤلف إليه من اختلاف أصحاب النظر ، فإن هذا يصدنا عن سبيل الله ويبعدنا كثيرا .
إذا بأي شيء يكون : ( حسن ما نحاه ذو الأثر ) ؟ يكون بإتباع الآثار ، وهذا الحسن يتمثل في طمأنينة القلب ، وانشراح الصدر ، وركود النفس ، والانبساط ، وعدم القلق ، وعدم الحيرة . وكل هذا موجود ولله الحمد فيما نحاه أهل الأثر ، حيث يقولون : سمعنا وأطعنا .
قوله :( فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى وصحبه ) : ( فإنهم ) أي أهل الأثر ، (قد اقتدوا بالمصطفى ) وهو محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، فاتبعوه ظاهراً وباطناً ، ومن اتبع المصطفى عليه الصلاة والسلام فقد هدى إلى صراط مستقيم، كما قال الله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الشورى: الآية 52) ، ومن وفق لذلك فقد وفق لمحبة الله له ، قال تعالى : ( كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه)(آل عمران: الآية 31) ، ومن وفق لذلك فقد شرح صدره ، قال تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)(الزمر: الآية 22) .
فإذا وفق المسلم لإتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في العقيدة ، والقول والعمل ،والفعل والترك ، فقد وفق لكل خير . وقد قال بعض السلف : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن في لجالدونا عليه بالسيوف . الله اكبر ! فانك لو سالت أهل الدنيا : من انعم الناس ؟ لقالوا : الملوك وأبناء الملوك .
لكن أهل العبادة انعم من هؤلاء ، انعم ، واسر بالا ، وأشرح صدرا وأهدأ نفسا ، لأنهم متصلون بالله عز وجل في قيامهم وقعوهم ومنامهم ويقظتهم ، دائما مع الله ، والله تعالى معهم ، فهم انعم الناس في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف .
لكن الملوك إذا اخذوا بما اخذ به هؤلاء صاروا انعم منهم ،ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إما عادل ، وشاب نشأ في طاعة الله ...) فبدأ هؤلاء السبعة بالإمام العادل ؛ العادل في معاملة الله وفي معاملة عبد الله .
فالمهم إننا نقول : إن الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام فيه كل الخير ، فاحرص على أتباعه ظاهرا وباطنا ، في العقيدة ، والأقوال ، والأعمال ، والأفعال والتروك ، لكن ما فعله على سبيل التعبد فانك تفعله عبادة وتقربا إلى الله هه ، وما فعله لا على سبيل التعبد فإن من الناس من يفعله لمحبته للرسول عليه الصلاة والسلام ، لا للتقرب إلى الله به ، بل يفعله لان الرسول صلى الله عليه وسلم فعله فيحب ما عله الرسول صلى الله عليه وسلم فقط لا تعبدا لله . كما أن الإنسان إذا أحب شخصا تجده يقلده وإن كان لا يعتقد أن في ذلك عبادة وتقربا إلى الله عز وجل .
ومن ثم كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يتتبع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في غير الأمور العبادية ، حتى أنه كان يتحرى المكان الذي نزل فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ليبول فيه في الطريق فينزل ويبول ، لكن هذه القاعدة خالفه فيها أكثر الصحابة رضي الله عنهم ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .
ثم قال : ( وصحبه ) صحب الرسول صلى الله عليه وسلم هم كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك ،ولكن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم طبقات وليسوا طبقة واحدة ، كما قال تعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)(الحديد: الآية 10) حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد لما نازع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما : (( لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه ) ، ففرق بين خالد الذي تأخر إسلامه وبين عبد الرحمن بن عوف الذي يعتبر من السابقين إلى الإسلام .
والمهم أن الصحب طبقات ؛ طبقات في الصحبة ، وطبقات في الهجرة ،وطبقات في العلم وطبقات في كل شيء ولا يوجد أحد من الصحابة أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ؛ لان الله تعالى نص على صحبته في القرآن الذي يتلى إلى يوم القيامة ، قال تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: الآية 40) ، فاثبت الصحبة له ، وأثبت المعية الخاصة له مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: الآية 40) .
ثم يليه بلا شك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي اختاره أبوبكر ، ونحن نشهد الله عز وجل أن أبا بكر اشد الناس أمانة وأصدقهم فراسة فأشد الناس أمانة لأننا نعلم لو كان الرجل يريد الخيانة ما ولى عمر رضي الله عنه ولولى أحد أبنائه أو أحد قومه ، لكنه أمين على هذه الأمة ، فأدى الأمانة رضي الله عنه حيا وميتاً.
ونعلم أنه أصدق الناس فراسة لأنه ولى عليهم من هو خير الناس بعده ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان دائما يقول : ذهبت أنا وأبوبكر وعمر ، وجئت أنا وأبوبكر وعمر ، ودائما يقترن اسم هذين الرجلين باسم الرسول عليه الصلاة والسلام .
ولهذا شاء الله سبحانه وتعالى بحكمته أن يكون هؤلاء الثلاثة قرناء في الحياة وفي الممات ، فقبورهم في مكان واحد ، ويوم القيامة يقومون من قبورهم قيام رجل واحد ، وهذه هي الميزة والفضيلة .
والمهم أن الصحب يختلفون ، لكن على كل حال لا أحد يساوي الصحابة رضي الله عنهم في فضل الصحبة أبداً أما في العلم فربما يوجد من التابعين من هو اعلم من بعض الصحابة رضي الله عنهم ، فإن الرجل الأعرابي لو جاء للرسول صلى الله عليه وسلم ، وآمن به وأخذ منه ما أخذ من الشريعة وانصرف إلى قومه ولم يأت إلى المدينة للتعلم لا شك أن من التابعين من هو اعلم منه ، ولكن الصحبة التي هي رؤية النبي عليه الصلاة والسلام مع الإيمان به لا توجد في غير الصحابة رضي الله عنهم.
قال : ( فاقنع بهذا وكفى ) ، ونقول للمؤلف رحمه الله : سمعا وطاعة ، نقنع بهذا إن شاء الله تعال ، ونسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ، ( اقنع بهذا ) أي : بإتباع آثار المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وصحبه ، ( وكفى ) أي : كفى عن كل شيء ، كفى عن أهل النظر ، وعن مجادلاتهم ، وعن معقولاتهم التي هي وهميات ، ففي هذين البيتين اكبر دليل على بطلان ما عليه أهل النظر ، وأكبر دليل على صحة ما عليه أهل الأثر . والله اعلم .

------------------------------------


2- رواه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ... ، رقم 2640 ، وابن ماجه ، كتاب الفتن ، باب افتراق الأمم ، رقم (3991).

3- رواه البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من كان قبلكم ، رقم (7320) ، ومسلم ، كتاب العلم ، باب أتباع سنن اليهود والنصارى ، رقم (2669).

4- انظر العقيدة الواسطية (ص5).

5- انظر العقيدة التدمرية (ص 104).

6- انظر درء تعارض العقل والنقل (1/205).

7- انظر مجموع الفتاوى 5/110

8- انظر درء تعارض العقل والنقل .

9- رواه مسلم ، كتاب المساجد ، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ، رقم (537).

10- رواه مسلم ، كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم (1218).

11- انظر مجموع الفتاوى (12/356-357)

12- رواه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، رقم (6502).

13- رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب فضل عيادة المريض ، رقم (2569).

14- رواه البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب ما يكره من كثرة السؤال ، رقم (7292) ومسلم ، كتاب الاقضية ، باب لنهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ، رقم (1715).

15- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل ، رقم (1145)، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ، رقم (857).

16- رواه البخاري ، كتاب ، الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد ، رقم (629) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب إخفاء الصدقة ، رقم (1031).

17- رواه البخاري ، كتاب المناقب ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا ... ، رقم (3673) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب تحريم سب الصحابة ، رقم (2540).

سجده السحر
08-14-2011, 03:07 PM
مجهود رائع يحسب لكى
اشكرك والى الامام دائما
ننتظر جديدك

:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17:2006-09-29-04_22_17

الزاهدة
08-15-2011, 02:12 AM
الكتاب الخامس

: التوحيد :

فتاوى أركان الإسلام


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد،
فقد رغب بعض الإخوة - جزاهم الله خيراً- في طبع بعض المسائل المتعلقة بأركان الإسلام من فتاوى شيخنا العلامة، الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله تعالى- لنشرها باللغة العربية ومن ثم ترجمتها بعدة لغات ليعم نفعها، لما تتميز به من الاعتماد على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال أهل العلم المشهود لهم بالتحقيق، فعرضت الأمر على شيخنا -حفظه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- فرحب بذلك وشجع عليه؛ لما فيه من التعاون على البر والتقوى، ونشر العلم الشرعي .
وبعد موافقة فضيلته وتوجيهه، شرعت في جمع هذه الفتاوى وانتقائها من مجموع الفتاوى حتى اكتمل عقدها .
أسأل الله – عز وجل- بمنه وكرمه، أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجزي فضيلة شيخنا خير الجزاء، وأن يبارك في علمه وعمله وعمره، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

الزاهدة
08-15-2011, 02:21 AM
التوحيد :

فتاوى أركان الإسلام


فتاوى العقيدة


س1: ما تعريف التوحيد وأنواعه؟
الجواب: التوحيد لغة: ((مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحداً)) وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له، فمثلاً نقول: إنه لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فينفي الألوهية عما سوى الله عز وجل ويثبتها لله وحده، وذلك أن النفي المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغير في الحكم، فلو قلت مثلاً((فلان قائم)) فهنا أثبت له القيام لكنك لم توحده به، لأنه من الجائز أن يشاركه غيره في هذا القيام، ولو قلت ((لا قائم)) فقد نفيت نفياً محضاً ولم تثبت القيام لأحد، فإذا قلت: ((لا قائم إلا زيد)) فحينئذٍ تكون وحدت زيداً بالقيام حيث نفيت القيام عمن سواه، وهذا هو تحقيق التوحيد في الواقع، أي أن التوحيد لا يكون توحيداً حتى يتضمن نفياً وإثباتاً .
وأنواع التوحيد بالنسبة لله-عز وجل- تدخل كلها في تعريف عام وهو ((إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به)) .
وهي حسب ما ذكره أهل العلم ثلاثة:
الأول: توحيد الربوبية .
الثاني: توحيد الألوهية .
الثالث: توحيد الأسماء والصفات .
وعلموا ذلك بالتتبع والاستقراء، والنظر في الآيات والأحاديث، فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة فنوعوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع:
الأول: توحيد الربوبية: وهو ((إفراد الله - سبحانه وتعالى- بالخلق، والملك، والتدبير)) وتفصيل ذلك
أولاً: بالنسبة لإفراد الله –تعالى- بالخلق: فالله تعالى وحده هو الخالق لا خالق سواه، قال الله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) (فاطر:3) وقال تعالى مبيناً بطلان آلهة الكفار: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) .(النحل:17). فالله تعالى وحده هو الخالق خلق كل شيء فقدره تقديراً، وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته، وما يقع من مفعولات خلقه أيضاً، ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالقاً لأفعال العباد كما قال الله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) .(الصافات الآية:96ا). ووجه ذلك أن فعل العبد من صفاته، والعبد مخلوق لله، وخالق الشيء خالق لصفاته، ووجه آخر أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله –عز وجل- وخالق السبب التام خالق للمسبب .
فإن قيل: كيف نجمع بين إفراد الله –عز وجل- بالخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير الله كما يدل عليه قول الله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون: الآية14) وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين: ((يقال لهم: أحيوا ما خلقتم))1 ؟
فالجواب على ذلك: أن غير الله تعالى لا يخلق كخلق الله فلا يمكنه إيجاد معدوم، ولا إحياء ميت، وإنما خلق غير الله تعالى يكون بالتغيير وتحويل الشيء من صفة إلى صفة أخرى وهو مخلوق لله –عز وجل- فالمصور مثلاً، إذا صور صورة فإنه لم يحدث شيئاً، غاية ما هنالك أنه حول شيئاً إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير، أو صورة جمل، وكما يحول بالتلوين الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة فالمداد من خلق الله –عز وجل- والورقة البيضاء من خلق الله –عز وجل- هذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة إلى الله-عز وجل- وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق . وعلى هذا يكون الله –سبحانه وتعالى- منفرداً بالخلق الذي يختص به .
ثانياً: إفراد الله –تعالى- بالملك فالله تعالى وحده هو المالك كما قال الله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (سورة الملك،الآية:1) وقال تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَار عَليهِ)(سورة المؤمنون الآية:88) فالمالك الملك المطلق العام الشامل هو الله –سبحانه وتعالى- وحده، ونسبة الملك إلى غيره نسبة إضافية فقد أثبت الله –عز وجل- لغيره الملك كما في قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ)(النور: من الآية61) وقوله:(إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم)(المؤمنون: من الآية6) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن لغير الله تعالى ملكاً، لكن هذا الملك ليس كملك الله –عز وجل- فهو ملك قاصر، وملك مقيد، ملك قاصر لا يشمل، فالبيت الذي لزيد لا يملكه عمرو، والبيت الذي لعمرو لا يملكه زيد، ثم هذا الملك مقيد بحيث لا يتصرف الإنسان فيما بملك إلا على الوجه الذي أذن الله فيه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقال الله –تبارك وتعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)(سورة النساء، الآية:5) وهذا دليل على أن ملك الإنسان قاصر وملك مقيد، بخلاف ملك الله –سبحانه وتعالى- فهو ملك عام شامل وملك مطلق يفعل الله –سبحانه وتعالى- ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ثالثاً: التدبير، فالله –عز وجل- منفرد بالتدبير فهو الذي يدبر الخلق ويدبر السماوات والأرض كما قال الله –سبحانه وتعالى-: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(سورة الأعراف، الآية:54) وهذا التدبير شامل لا يحول دونه شيء ولا يعارضه شيء . والتدبير الذي يكون لبعض المخلوقات كتدبير الإنسان أمواله وغلمانه وخدمه وما أشبه ذلك هو تدبير ضيق محدود، ومقيد غير مطلق، فظهر بذلك صدق صحة قولنا إن توحيد الربوبية هو ((إفراد الله بالخلق، والملك، والتدبير)) .
النوع الثاني: توحيد الألوهية، وهو ((إفراد الله –سبحانه وتعالى- بالعبادة)) بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله –تعالى- ويتقرب إليه، وهذا النوع من التوحيد هو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، واستباح دماءهم، وأموالهم، وأرضهم، وديارهم، وسبى نساءهم وذريتهم، وهو الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب مع أخويه توحيدي الربوبية، والأسماء والصفات، لكن أكثر ما يعالج الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد –وهو توحيد الألوهية- بحيث لا يصرف الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله –سبحانه وتعالى- لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي صالح، ولا لأي أحد من المخلوقين، لأن العبادة لا تصح إلا لله –عز وجل- ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر، وإن أقر بتوحيد الربوبية، وبتوحيد الأسماء والصفات . فلو أن رجلاً من الناس يؤمن بأن الله –سبحانه وتعالى- هو الخالق، المالك، المدبر لجميع الأمور، وأنه –سبحانه وتعالى- المستحق لما يستحقه من الأسماء والصفات لكن يعبد مع الله غيره لم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات . فلو فرض أن رجلاً يقر إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات لكن يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه، أو ينذر له قرباناً يتقرب به هل إليه فإن هذا مشرك كافر خالد في النار، قال الله –تبارك وتعالى-: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: الآية72) ومن المعلوم لكل من قرأ كتاب الله –عز وجل- أن المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، واستحل دماءهم، وأموالهم، وسبى نساءهم وذريتهم، وغنم أرضهم كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق لا يشكون في ذلك، ولكن لما كانوا يعبدون معه غيره صاروا بذلك مشركين مباحي الدم والمال .
النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو ((إفراد الله - سبحانه وتعالى- بما سمى الله به نفسه ، ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإثبات ما أثبته من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل)) . فلا بد من الإيمان بما سمى الله به نفسه ووصف به نفسه على وجه الحقيقة لا المجاز، ولكن من غير تكييف، ولا تمثيل، وهذا النوع من أنواع التوحيد ضل فيه طوائف من هذه الأمة من أهل القبلة الذين ينتسبون للإسلام على أوجه شتى:
منهم من غلا في النفي والتنزيه غلواً يخرج به من الإسلام، ومنهم متوسط، ومنهم قريب من أهل السنة . ولكن طريقة السلف في هذا النوع من التوحيد هو أن يسمى الله ويوصف بما سمى ووصف به نفسه على وجه الحقيقة، لا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل .
مثال ذلك: أن الله - سبحانه وتعالى- سمى نفسه بالحي القيوم فيجب علينا أن نؤمن بأن الحي اسم من أسماء الله تعالى ويجب علينا أن نؤمن بما تضمنه هذا الاسم من وصف وهي الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء . وسمى الله نفسه بالسميع فعلينا أن نؤمن بالسميع اسماً من أسماء الله –سبحانه وتعالى- وبالسمع صفة من صفاته، وبأنه يسمع وهو الحكم الذي اقتضاه ذلك الاسم وتلك الصفة، فإن سميعاً بلا سمع، أو سمعاً بلا إدراك مسموع هذا شيء محال وعلى هذا فقس .
مثال آخر: قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة: الآية64). فهنا قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(المائدة: الآية64) فأثبت لنفسه يدين موصوفتين بالبسط، وهو العطاء الواسع، فيجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين بالعطاء والنعم، ولكن يجب علينا أن لا نحاول بقلوبنا تصوراً، ولا بألسنتنا نطقاً أن نكيف تلك اليدين، ولا أن نمثلهما بأيدي المخلوقين، لأن الله –سبحانه وتعالى- يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية11) ويقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33). ويقول عز وجل: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36). فمن مثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين فقد كذب قول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌُ).(الشورى: الآية11) وقد عصى الله تعالى في قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ)(النحل: الآية74) ومن كيفهما وقال هما على كيفية معينة أياً كانت هذه الكيفية، فقد قال على الله ما لا يعلم، وقفى ما ليس له به علم .
ونضرب مثالاً ثانياً في الصفات: وهو استواء الله على عرشه فإن الله تعالى أثبت لنفسه أنه استوى على العرش في سبعة مواضع من كتابه كلها بلفظ (استوى) وبلفظ (على العرش) وإذا رجعنا إلى الاستواء في اللغة العربية وجدناه إذا عدي بعلى لا يقتضي إلا الارتفاع والعلو، فيكون معنى قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) .(طـه:5) .وأمثالها من الآيات . أنه علا على عرشه علواً خاصاً، غير العلو العام على جميع الأكوان، وهذا العلو ثابت لله تعالى على وجه الحقيقة، فهو عالٍ على عرشه علواً يليق به –عز وجل- لا يشبه علو الإنسان على السرير، ولا علوه على الأنعام ،ولا علوه على الفلك الذي ذكره الله في قوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ)(الزخرف: من الآية12) .(لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف:13). (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) .(الزخرف:14) . فاستواء المخلوق على شيء لا يمكن أن يماثله استواء الله على عرشه؛ لأن الله ليس كمثله شيء .
وقد أخطأ خطأ عظيماً من قال إن معنى استوى على العرش استولى على العرش، لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، ومخالف لما أجمع عليه الصحابة –رضوان الله عليهم- والتابعون لهم بإحسان، ومستلزم للوازم باطلة لا يمكن لمؤمن أن يتفوه بها بالنسبة لله –عز وجل- والقرآن الكريم نزل باللغة العربية بلا شك كما قال الله –سبحانه وتعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف:3) ومقتضى صيغة ((استوى على كذا)) في اللغة العربية العلو والاستقرار، بل هو معناها المطابق للفظ . فمعنى استوى على العرش أي: علا عليه علواً خاصاً يليق بجلاله وعظمته، فإذا فسر الاستواء بالاستيلاء فقد حرف الكلم عن مواضعه، حيث نفى المعنى الذي تدل عليه لغة القرآن وهو العلو وأثبت معنى آخر باطلاً .
ثم إن السلف والتابعين لهم بإحسان مجمعون على هذا المعنى إذ لم يأت عنهم حرف واحد في تفسيره بخلاف ذلك، وإذا جاء اللفظ في القرآن والسنة ولم يرد عن السلف تفسيره بما يخالف ظاهره فالأصل أنهم أبقوه على ظاهره واعتقدوا ما يدل عليه .
فإن قال قائل: هل ورد لفظ صريح عن السلف بأنهم فسروا استوى بـ (علا)؟
قلنا: نعم ورد ذلك عن السلف، وعلى فرض أن لا يكون ورد عنهم صريحاً فإن الأصل فيما دل عليه اللفظ في القرآن الكريم والسنة النبوية أنه باقٍ على ما تقتضيه اللغة العربية من المعنى، فيكون إثبات السلف له على هذا المعنى .
أما اللوازم الباطلة التي تلزم من فسر الاستواء بالاستيلاء فهي:
أولاً: أن العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس ملكاً لله –تعالى- لأن الله –تعالى- قال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش)(الأعراف: الآية54). وعلى هذا فلا يكون الله مستولياً على العرش قبل خلق السماوات ولا حين خلق السماوات والأرض .
ثانياً: أنه يصح التعبير بقولنا إن الله استوى على الأرض، واستوى على أي شيء من مخلوقاته، وهذا بلا شك ولا ريب معنى باطل لا يليق بالله –عز وجل- .
ثالثاً: أنه تحريف للكلم عن مواضعه .
رابعاً: أنه مخالف لإجماع السلف الصالح –رضوان الله عليهم- .
وخلاصة الكلام في هذا النوع –توحيد الأسماء والصفات- أنه يجب علينا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله من الأسماء والصفات على وجه الحقيقة من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل .

الزاهدة
08-15-2011, 02:25 AM
س2: ما شرك المشركين الذين بعث فيهم النبي، صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: بالنسبة لشرك المشركين الذين بعث فيهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس شركاً في الربوبية، لأن القرآن الكريم يدل على أنهم إنما كانوا يشركون في العبادة فقط .
أما في الربوبية فيؤمنون بأن الله وحده هو الرب، وأنه مجيب دعوة المضطرين، وأنه هو الذي يكشف السوء إلى غير ذلك مما ذكر الله عنهم من إقرارهم بربوبية الله –عز وجل- وحده .
ولكنهم كانوا مشركين بالعبادة يعبدون غير الله معه، وهذا شرك مخرج عن الملة، لأن التوحيد هو عبارة - حسب دلالة اللفظ- عن جعل الشيء واحداً، والله –تبارك وتعالى- له حقوق يجب أن يفرد بها وهذه الحقوق تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- حقوق ملك .
2- حقوق عبادة .
3- حقوق أسماء وصفات .
ولهذا قسم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة .
فالمشركون إنما أشركوا في هذا القسم، قسم العبادة حيث كانوا يعبدون مع الله غيره، وقد قال الله –تبارك وتعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً )(النساء:الآية36) .أي في عبادته .
وقال –تعالى-(إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: الآية72) .
وقال _تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(النساء: الآية48) .
وقال –تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) .
وقال تعالى في سورة الإخلاص: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (1) (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (2) (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) (:3) (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) (4) (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) (3) (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (6)(سورة الكافرون : 1، 6).
وقولي في سورة الإخلاص يعني إخلاص العمل فهي سورة إخلاص العمل، وإن كانت تسمى سورة الكافرون، لكنها في الحقيقة سورة إخلاص عملي كما أن سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1) سورة إخلاص علمي وعقيدة . والله الموفق .

* * *

س3: ما أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة وغيرها من أمور الدين؟
الجواب: قاعدة أهل السنة والجماعة في العقائد وغيرها من أمور الدين، هو التمسك التام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عليه الخلفاء الراشدون من هدي وسنة، ولقول الله - تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: الآية31). لقوله - تعالى-: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80) ولقول الله – تعالى -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر: الآية7) وهذا وإن كان في قسمة الغنائم فهو في الأمور الشرعية من باب أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب الناس يوم الجمعة، فيقول: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)1 .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)2 .
والنصوص في هذا كثيرة، فطريق أهل السنة والجماعة ومنهاجهم هو التمسك بالتام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ومن ذلك أنهم يقيمون الدين ولا يتفرقون فيه امتثالاً لقول الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).(الشورى: الآية13) . وهم وإن حصل بينهم من الخلاف ما يحصل مما للاجتهاد فيه مساغ، فإن هذا الخلاف لا يؤدي إلى اختلاف قلوبهم بل تجدهم متآلفين متحابين، وإن حصل منهم هذا الاختلاف الذي طريقه الاجتهاد .

الزاهدة
08-15-2011, 02:29 AM
س4: من هم أهل السنة والجماعة؟
الجواب: أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلمية العقدية، ولا في الأمور العملية الحكمية، ولهذا سموا أهل السنة، لأنهم متمسكون بها، وسموا أهل الجماعة، لأنهم مجتمعون عليها .
وإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة .

* * *

س5: أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، عن افتراق أمته بعد وفاته، نأمل من فضيلتكم بيان ذلك؟
الجواب: أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، فيما صح عنه3 أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان على مثل ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وهذه الفرقة هي الفرقة الناجية التي نجت في الدنيا من البدع، وتنجو في الآخرة من النار، وهي الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة التي لا تزال ظاهرة قائمة بأمر الله –عز وجل .
وهذه الفرق الثلاث والسبعون التي واحدة منها على الحق والباقي على الباطل، قد حاول بعض الناس أن يعددها، وشعب أهل البدع إلى خمس شعب، وجعل من كل شعبة فروعاً ليصلوا إلى هذا العدد الذي عينه النبي، صلى الله عليه وسلم، ورأى بعض الناس أن الأولى الكف عن التعداد، لأن هذه الفرق ليست وحدها هي التي ضلت بل قد ضل أناس ضلالاً أكثر مما كانت عليه من قبل، وحدثت بعد أن حصرت هذه الفرق باثنتين وسبعين فرقة، وقالوا إن هذا العدد لا ينتهي ولا يمكن العلم بانتهائه إلا في آخر الزمان عند قيام الساعة، فالأولى أن نجمل ما أجمله النبي، صلى الله عليه وسلم، ونقول إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم نقول: كل من خالف ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو داخل في هذه الفرق، وقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى أصول لم نعلم منها الآن إلا ما يبلغ العشرة، وقد يكون أشار إلى أصول تتضمن فروعاً كما ذهب إليه بعض الناس فالعلم عند الله –عز وجل .

* * *

س6: ما أبرز خصائص الفرقة الناجية: وهل النقص من هذه الخصائص يخرج الإنسان من الفرقة الناجية؟
الجواب: أبرز الخصائص للفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، في العقيدة،والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة تجد الفرقة الناجية بارزة فيها:
ففي العقيدة تجدها متمسكة بما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من التوحيد الخالص في ألوهية الله، وربوبيته، وأسمائه وصفاته .
وفي العبادات تجد هذه الفرقة متميزة في تمسكها التام وتطبيقها لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، في العبادات في أجناسها، وصفاتها، وأقدارها، وأزمنتها، وأمكنتها، وأسبابها، فلا تجد عندهم ابتداعاً في دين الله، بل هم متأدبون غاية الأدب مع الله ورسوله، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله في إدخال شيء من العبادات لم يأذن به الله.
وفي الأخلاق تجدهم كذلك متميزين عن غيرهم بحسن الأخلاق كمحبة الخير للمسلمين، وانشراح الصدر، وطلاقة الوجه، وحسن المنطق والكرم، والشجاعة إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها .
وفي المعاملات تجدهم يعاملون الناس بالصدق، والبيان اللذين أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما))(1).
والنقص من هذه الخصائص لا يخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية، لكن لكل درجات مما عملوا، والنقص في جانب التوحيد ربما يخرجه عن الفرقة الناجية مثل الإخلال بالإخلاص، وكذلك في البدع ربما يأتي ببدع تخرجه عن كونه من الفرقة الناجية .
أما في مسألة الأخلاق والمعاملات فلا يخرج الإخلال بهما من هذه الفرقة وإن كان ذلك ينقص مرتبته .
وقد نحتاج إلى تفصيل في مسألة الأخلاق فإن من أهم ما يكون من الأخلاق اجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق الذي أوصانا به الله –تعالى- في قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(الشورى: الآية13) وأخبر أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم برئ منهم، فقال الله - عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام: الآية159) .فاتفاق الكلمة وائتلاف القلوب من أبرز خصائص الفرقة الناجية –أهل السنة والجماعة- فهم إذا حصل بينهم خلاف ناشئ عن الاجتهاد في الأمور الاجتهادية لا يحمل بعضهم على بعض حقداً، ولا عداوة، ولا بغضاء، بل يعتقدون أنهم إخوة حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، حتى أن الواحد منهم ليصلي خلف من يرى أنه ليس على وضوء، ويرى الإمام أنه على وضوء، مثل أن الواحد منهم يصلي خلف شخص أكل لحم إبل، وهذا الإمام يرى أنه لا ينقض الوضوء، والمأموم يرى أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة، وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة، كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كل واحد من المختلفين قد تبع ما يجب عليه اتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما اتباعاً للدليل هو في الحقيقة قد وافقهم؛ لأنهم هم يدعون إلى اتباع الدليل أينما كان، فإذا خالفهم موافقة لدليل عنده، فهو في الحقيقة قد وافقهم، لأنه تمشى على ما يدعون إليه ويهدون إليه من تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى على كثير من أهل العلم ما حصل من الخلاف بين الصحابة في مثل هذه الأمور، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعنف أحداً منهم، فإنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من غزوة الأحزاب وجاءه جبريل وأشار إليه أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال:((لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة)) . فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة وأرهقتهم صلاة العصر فمنهم من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة)) . ومهم من صلى الصلاة في وقتها، وقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد منا المبادرة إلى الخروج ولم يرد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها –وهؤلاء هم المصيبون- ولكن مع ذلك لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الطائفتين، ولم يحمل كل واحد على الآخر عداوة، أو بغضاء بسبب اختلافهم في فهم هذا النص، لذلك أرى أن الواجب على المسلمين الذين ينتسبون إلى السنة أن يكونوا أمة واحدة، وأن لا يحصل بينهم تحزب، هذا ينتمي إلى طائفة، والآخر إلى طائفة أخرى، والثالث إلى طائفة ثالثة، وهكذا، بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن، ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد، ولا حاجة إلى أن أخص كل طائفة بعينها، ولكن العاقل يفهم ويتبين له الأمر .
فأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا حتى وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه فيما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب واتحاد الكلمة ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة، أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين، أو للإسلام وهم ليسوا كذلك، فالواجب أن نتميز بهذه الميزة التي هي ميزة للطائفة الناجية وهي الاتفاق على كلمة واحدة .

الزاهدة
08-15-2011, 02:37 AM
س7: ما المراد بالوسط في الدين؟
الجواب: الوسط في الدين أن لا يغلو الإنسان فيه فيتجاوز ما حد الله - عز وجل - ولا يقصر فيه فينقص عما حد الله - سبحانه وتعالى - .
الوسط في الدين أن يتمسك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والغلو في الدين أن يتجاوزها، والتقصير أن لا يبلغها
مثال ذلك: رجل قال أنا أريد أن أقوم الليل ولا أنام كل الدهر، لأن الصلاة من أفضل العبادات فأحب أن أحيي الليل كله صلاة فنقول: هذا غالٍ في دين الله وليس على حق، وقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا، اجتمع نفر فقال بعضهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))(7). فهؤلاء غلوا في الدين وتبرأ منهم الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنهم رغبوا عن سنته صلى الله عليه وسلم، التي فيها صوم وإفطار وقيام ونوم، وتزوج نساء .
أما المقصر: فهو الذي يقول لا حاجة لي بالتطوع فأنا لا أتطوع وآتي بالفريضة فقط، وربما أيضاً يقصر في الفرائض فهذا مقصر .
والمعتدل: هو الذي يتمشى على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون .
مثال آخر: ثلاثة رجال أمامهم رجل فاسق، أحدهم قال: أنا لا أسلم على هذا الفاسق وأهجره وأبتعد عنه ولا أكلمه .
والثاني يقول: أنا أمشي مع هذا الفاسق وأسلم عليه وأبش في وجهه وأدعوه عندي وأجيب دعوته وليس عندي إلا كرجل صالح .
والثالث يقول: هذا الفاسق أكرهه لفسقه وأحبه لإيمانه، ولا أهجره إلا حيث يكون الهجر سبباً لإصلاحه، فإن لم يكن الهجر سبباً لإصلاحه بل كان سبباً لازدياده في فسقه فأنا لا أهجره .
فنقول الأول مفرط غالٍ - من الغلو- والثاني مفرط مقصر، والثالث متوسط .
وهكذا نقول في سائر العبادات ومعاملات الخلق، الناس فيها بين مقصر، وغالٍ، ومتوسط.
ومثال ثالث: رجل كان أسيراً لامرأته توجهه حيث شاءت لا يردها عن إثم ولا يحثها على فضيلة، قد ملكت عقله وصارت هي القوامة عليه .
ورجل آخر عنده تعسف وتكبر وترفع على امرأته لا يبالي بها وكأنها عنده أقل من الخادم .
ورجل ثالث وسط يعاملها كما أمر الله ورسوله: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة: الآية228) ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر))(8). فهذا الأخير متوسط، والأول غالٍ في معاملة زوجته، والثالث مقصر . وقس على هذه بقية الأعمال والعبادات .

* * *

س8: ما تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة وهل يزيد وينقص؟
الجواب: الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو ((الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح)) . فهو يتضمن الأمور الثلاثة:
1- إقرار بالقلب .
2- نطق باللسان .
3- عمل بالجوارح .
وإذا كان كذلك فإنه سوف يزيد وينقص، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين وهكذا، ولهذا قال إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة:الآية260) فالإيمان يزيد من حيث إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه، فعندما يحضر مجلس ذكر فيه موعظة، وذكر للجنة والنار يزداد الإيمان حتى كأنه يشاهد ذلك رأي العين، وعندما توجد الغفلة ويقوم من هذا المجلس يخف هذا اليقين في قلبه .
كذلك يزداد الإيمان من حيث القول فإن من ذكر الله عشر مرات ليس كمن ذكر الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير .
وكذلك أيضاً من أتى بالعبادة على وجه كامل يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص.
وكذلك العمل فإن الإنسان إذا عمل عملاً بجوارحه أكثر من الآخر صار الأكثر أزيد إيماناً من الناقص، وقد جاء ذلك في القرآن والسنة –أعني إثبات الزيادة والنقصان- قال- تعالى-: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً )(المدثر: الآية31) وقال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (سورة التوبة - الآيتان :124، 125)
وفي الحديث الصحيح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن))4. فالإيمان إذن يزيد وينقص .
ولكن ما سبب زيادة الإيمان؟
للزيادة أسباب:
السبب الأول: معرفة الله –تعالى- بأسمائه وصفاته، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله، وبأسمائه، وصفاته ازداد إيماناً بلا شك، ولهذا تجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيماناً من الآخرين من هذا الوجه .
السبب الثاني: النظر في آيات الله الكونية، والشرعية، فإن الإنسان كلما نظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات ازداد إيماناً، قال تعالى: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (سورة الذاريات الآيتان :20، 21) والآيات الدالة على هذا كثيرة، أعني الآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيمانه .
السبب الثالث: كثرة الطاعات، فإن الإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيماناً سواء كانت هذه الطاعات قولية، أم فعلية، فالذكر يزيد الإيمان كمية وكيفية، والصلاة والصوم، والحج، كل ذلك يزيد الإيمان أيضاً كمية وكيفية .
أما أسباب النقصان فهي على العكس من ذلك:
فالسبب الأول: الجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان؛ لأن الإنسان إذا نقصت معرفته بأسماء اله وصفاته نقص إيمانه .
السبب الثاني: الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية، فإن هذا يسبب نقص الإيمان، أو على الأقل ركوده وعدم نموه .
السبب الثالث: فعل المعصية، فإن للمعصية آثاراً عظيمة على القلب وعلى الإيمان ولذلك قال النبي، صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))5 الحديث .
السبب الرابع: ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر، فهو نقص يلام عليه ويعاقب، وإن كانت الطاعة غير واجبة، أو واجبة لكن تركها بعذر، فإنه نقص لا يلام عليه، ولهذا جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، النساء ناقصات عقل ودين وعلل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض، بل هي مأمورة بذلك، لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل صارت ناقصة عنه من هذا الوجه .

الزاهدة
08-15-2011, 02:44 AM
س9: كيف نجمع بين حديث جبريل الذي فسر فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، الإيمان ((بأن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))6 ، وحديث وفد عبد القيس الذي فسر فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، الإيمان "بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس من الغنيمة7 ؟

الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أقول إن الكتاب والسنة ليس بينهما تعارض أبداً، فليس في القرآن ما يناقض بعضه بعضاً، وليس في السنة الصحيحة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يناقض بعضه بعضاً، وليس في القرآن ولا في السنة ما يناقض الواقع أبداً، لأن الواقع واقع حق، والكتاب والسنة حق، ولا يمكن التناقض في الحق، وإذا فهمت هذه القاعدة انحلت عنك إشكالات كثيرة . قال الله –تعالى-: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً). (النساء:82). فإذا كان الأمر كذلك فأحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن تتناقض، فإذا فسر النبي، صلى الله عليه وسلم، الإيمان بتفسير، وفسره في موضع آخر بتفسير آخر يعارض في نظرك التفسير الأول، فإنك إذا تأملت لم تجد معارضة: ففي حديث جبريل، عليه الصلاة والسلام، قسم النبي، صلى الله عليه وسلم، الدين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الإسلام .
القسم الثاني: الإيمان .
القسم الثالث: الإحسان .
وفي حديث وفد عبد القيس لم يذكر إلا قسماً واحداً وهو الإسلام . فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان، لأنه لا يمكن أن يقوم بشعائر الإسلام إلا من كان مؤمناً، فإذا ذكر الإسلام وحده شمل الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده شمل الإسلام، وإذا ذكرا جميعاً صار الإيمان يتعلق بالقلوب، والإسلام يتعلق بالجوارح، وهذه فائدة مهمة لطالب العلم . فالإسلام إذا ذكر وحده دخل فيه الإيمان، قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام)(آل عمران: الآية19). ومن المعلوم أن دين الإسلام عقيدة وإيمان وشرائع، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا ذكرا جميعاً صار الإيمان ما يتعلق بالقلوب، والإسلام ما يتعلق بالجوارح، ولهذا قال بعض السلف ((الإسلام علانية، والإيمان سر)) . لأنه في القلب، ولذلك ربما تجد منافقاً يصلي ويتصدق ويصوم فهذا مسلم ظاهراً غير مؤمن، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:8).

* * *

س10: كيف نجمع بين أن الإيمان هو ((الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره" . وقول النبي، صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وسبعون شعبة… ))8 إلخ؟

الجواب: الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة، وهي المذكورة في حديث جبريل، عليه الصلاة والسلام، حينما سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان فقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))9 متفق عليه.
أما الإيمان الذي يشمل الأعمال، وأنواعها، وأجناسها، فهو بضع وسبعون شعبة، ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيماناً في قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيم)(البقرة: الآية143) قال المفسرون: (إيمانكم) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى المسجد الأقصى .

* * *

س11: هل يشهد للرجل بالإيمان بمجرد اعتياده المساجد كما جاء في الحديث؟
الجواب: نعم لا شك أن الذي يحضر الصلوات في المساجد، حضوره لذلك، دليل على إيمانه، لأنه ما حمله على أن يخرج من بيته ويتكلف المشي إلى المسجد إلا الإيمان بالله –عز وجل .
وأما قول السائل ((كما جاء في الحديث)) فهو يشير إلى ما يروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان))10 ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم .

* * *

س12: رجل يوسوس له الشيطان بوساوس عظيمة فيما يتعلق بالله –عز وجل- وهو خائف من ذلك جداً، فما توجيه سماحتكم؟
الجواب: ما ذكر من جهة مشكلة السائل التي يخاف من نتائجها، أقول له: أبشر بأنه لن يكون لها نتائج إلا النتائج الطيبة، لأن هذه وساوس يصول بها الشيطان على المؤمنين، ليزعزع العقيدة السليمة في قلوبهم، ويوقعهم في القلق النفسي والفكري ليكدر عليه صفو الإيمان، بل صفو الحياة إن كانوا مؤمنين .
وليست حاله بأول حال تعرض لأهل الإيمان، ولا هي آخر حال، بل ستبقى ما دام في الدنيا مؤمن . ولقد كانت هذه الحال تعرض للصحابة –رضي الله عنهم- فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، فقال: "أو قد وجدتموه؟"، قالوا: نعم، قال: ((ذاك صريح الإيمان)) . رواه مسلم11، وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته))12 .
وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- أن النبي، صلى ا لله عليه وسلم، جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ((الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة))13 رواه أبو داود .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في كتاب الإيمان: والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان بوساوس الكفر التي يضيق بها صدره . كما قالت الصحابة يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به . فقال عليه الصلاة والسلام ((ذاك صريح الإيمان)) . وفي رواية ما يتعاظم أن يتكلم به . قال: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)) . أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه، فهذا عظيم الجهاد، إلى أن قال: "ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم، لأن (أي الغير) لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه، وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة، فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله تعالى" . أ.هـ. المقصود منه ذكره في صلى الله عليه وسلم 147 من الطبعة الهندية .
فأقول لهذا السائل: إذا تبين لك أن هذه الوساوس من الشيطان فجاهدها وكابدها، واعلم أنها لن تضرك أبداً مع قيامك بواجب المجاهدة والإعراض عنها، والانتهاء عن الانسياب وراءها، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم)) . متفق عليه14 .
وأنت لو قيل لك: هل تعتقد ما توسوس به؟ وهل تراه حقاً؟ وهل يمكن أن تصف الله سبحانه به؟ لقلت: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولأنكرت ذلك بقلبك ولسانك، وكنت أبعد الناس نفوراً عنه، إذن فهو مجرد وساوس وخطرات تعرض لقلبك، وشباك شرك من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ليرديك ويلبس عليك دينك .
ولذلك تجد الأشياء التافهة لا يلقي الشيطان في قلبك الشك فيها أو الطعن، فأنت تسمع مثلاً بوجود مدن مهمة كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب ولم يخطر ببالك يوماً من الأيام الشك في وجودها أو عيبها بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكنى، وليس فليها ساكن ونحو ذلك، إذ لا غرض للشيطان في تشكيك الإنسان فيها، ولكن الشيطان له غرض كبير في إفساد إيمان المؤمن، فهو يسعى بخيله ورجله ليطفئ نور العلم والهداية في قلبه، ويوقعه في ظلمة الشك والحيرة، والنبي، صلى الله عليه وسلم، بين لنا الدواء الناجع الذي فيه الشفاء، وهو قوله: ((فليستعذ بالله ولينته)) . فإذا انتهى الإنسان عن ذلك واستمر في عبادة الله طلباً ورغبة فيما عند الله زال ذلك عنه، بحول الله، فأعرض عن جميع التقديرات التي ترد على قلبك في هذا الباب، وها أنت تعبد الله وتدعوه وتعظمه، ولو سمعت أحداً يصفه بما توسوس به لقتلته إن أمكنك، إذن فما توسوس به ليس حقيقة واقعة بل هو خواطر ووساوس لا أصل لها، كما لو انفتح على شخص طاهر الثوب قد غسل ثوبه لحينه ثم أخذ الوهم يساوره لعله تنجس لعله لا تجوز الصلاة به، فإنه لا يلتفت إلى هذا .
ونصيحتي تتلخص فيما يأتي:
1- الاستعاذة بالله، والانتهاء بالكلية عن هذه التقديرات كما أمر بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم .
2- ذكر الله تعالى، وضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس .
3- الانهماك الجدي في العبادة والعمل امتثالاً لأمر الله، وابتغاءً لمرضاته، فمتى التفت إلى العبادة التفاتاً كلياً بجدٍ وواقعيةٍ نسيت الاشتغال بهذه الوساوس –إن شاء الله .
4- كثرة اللجوء إلى الله والدعاء بمعافاتك من هذا الأمر .
واسأل الله تعالى لك العافية والسلامة من كل سوء ومكروه .

الزاهدة
08-15-2011, 03:02 AM
س13: هل يجب على الكافر أن يعتنق الإسلام؟
الجواب: يجب على كل كافر أن يعتنق دين الإسلام ولو كان نصرانياً أو يهودياً، لأن الله تعالى، يقول في الكتاب العزيز: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). (الأعراف:158) فواجب على جميع الناس أن يؤمنوا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذا الدين الإسلامي من رحمة الله –عز وجل- وحكمته أنه أباح لغير المسلمين أن يبقوا على ديانتهم بشرط أن يخضعوا لأحكام المسلمين، فقال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) وفي صحيح مسلم من حديث بريدة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أمره بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: ((ادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم))15 ومن هذه الخصال أن يبذلوا الجزية .
ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الجزية تقبل من غير اليهود والنصارى .
فالحاصل أن غير المسلمين يجب عليهم إما الدخول في الإسلام، , وإما الخضوع لأحكام الإسلام، والله الموفق .

* * *
س14: ما حكم من يدعي علم الغيب؟
الجواب: الحكم فيمن يدعي علم الغيب أنه كافر؛ لأنه مكذب لله –عز وجل- قال الله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) .(النمل:65) .وإذا كان الله –عز وجل- يأمر نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله –عز وجل- في هذا الخبر . ونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي صلى الله عليه وسيلم لا يعلم الغيب؟! هل أنتم أشرف أم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ فإن قالوا نحن أشرف من الرسول كفروا بهذا القول، وإن قالوا هو أشرف فنقول لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم لا تعلمونه؟! وقد قال الله - عز وجل- عن نفسه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً) (26). (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (سورة الجن الآيتان: 26، 27) وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله - تعالى- نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يعلن للملأ بقوله: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ).(الأنعام: الآية50) .

* * *
س15: كيف نوفق بين علم الأطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ) (لقمان: الآية34) وما جاء في تفسير ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية . وما جاء عن قتادة - رحمه الله- ؟ وما المخصص لعموم قوله تعالى: (مَا فِي الأَرْحَامِ)؟
الجواب: قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته، لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً .
فإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكراً فإن كان ما قيل باطلاً فلا كلام، وإن كان صدقاً فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه، وحياته، وعمله، ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكراً أم أنثى، قبل أن يخلق، أما بعد أن يخلق، فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب، لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة، التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكراً أم أنثى . وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة، وكذلك لم تأت السنة بذلك .
وأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية . فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهداً –رحمه الله- من التابعين .
وأما تفسير قتادة –رحمه الله- فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله تعالى بعلمه ذلك إذا كان لم يخلق، أما بعد أن يخلق فقد يعلمه غيره . قال ابن كثير –رحمه الله- في تفسير آية لقمان: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه . أهـ .
وأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله –تعالى- (مَا فِي الْأَرْحَامِ) . فنقول: إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع، وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص، أو الإجماع، أو القياس، أو الحس، أو العقل، وكلامهم في ذلك معروف .
وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله، فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته .
والحمد لله أنه لم يوجد ولن يوجد في الواقع ما يخالف صريح القرآن الكريم، وما طعن فيه أعداء المسلمين على القرآن الكريم من حدوث أمور ظاهرها معارضة القرآن الكريم فإنما ذلك لقصور فهمهم لكتاب الله تعالى، أو تقصيرهم في ذلك لسوء نيتهم، ولكن عند أهل الدين والعلم من البحث والوصول إلى الحقيقة ما يدحض شبهة هؤلاء ولله الحمد والمنة .
والناس في هذه المسألة طرفان ووسط:
فطرف تمسك بظاهر القرآن الكريم الذي ليس بصريح، وأنكر خلافه من كل أمر واقع متيقن، فجلب بذلك الطعن إلى نفسه في قصوره أو تقصيره، أو الطعن في القرآن الكريم حيث كان في نظره مخالفاً للواقع المتيقن .
وطرف أعرض عما دل عليه القرآن الكريم وأحذ بالأمور المادية المحضة، فكان بذلك من الملحدين .
وأما الوسط فأخذوا بدلالة القرآن الكريم وصدقوا بالواقع، وعلموا أن كلا منهما حق، ولا يمكن أن يناقض صريح القرآن الكريم أمراً معلوماً بالعيان، فجمعوا بين العمل بالمنقول والمعقول، وسلمت بذلك أديانهم وعقولهم، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وفقنا الله وإخواننا المؤمنين لذلك، وجلعنا هداةً مهتدين، وقادة مصلحين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.

الزاهدة
08-15-2011, 03:13 AM
س16: هل الشمس تدور حول الأرض؟
فأجاب بقوله: ظاهر الأدلة الشرعية تثبت أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وبدورتها يحصل تعاقب الليل والنهار على سطح الأرض، وليس لنا أن نتجاوز ظاهر هذه الأدلة إلا بدليل أقوى من ذلك يسوغ لنا تأويلها عن ظاهرها . ومن الأدلة على أن الشمس تدور على الأرض دوراناً يحصل به تعاقب الليل والنهار ما يلي:
1- قال الله - تعالى- عن إبراهيم في محاجته لمن حاجه في ربه: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)(البقرة: الآية258) فكون الشمس يؤتى بها من المشرق دليل ظاهر على أنها التي تدور على الأرض .
2- وقال - أيضاً- عن إبراهيم: (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:78) فجعل الأفول من الشمس لا عنها ولو كانت الأرض التي تدور لقال ((فلما أفل عنها)) .
3- قال - تعالى- (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)(الكهف: الآية17) فجعل الإزورار والقرض من الشمس وهو دليل على أن الحركة منها، ولو كانت من الأرض لقال يزاور كهفهم عنها، كما أن إضافة الطلوع والغروب إلى الشمس يدل على أنها هي التي تدور وإن كانت دلالتها أقل من دلالة قوله (تزاور)، (تقرضهم) .
4- وقال - تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (الأنبياء:33) قال ابن عباس –رضي الله عنهما-: يدورون في فلكة كفلكة المغزل . اشتهر ذلك عنه .
5- وقال - تعالى-: ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً )(الأعراف:الآية54) فجعل الليل طالباً للنهار، والطالب مندفع لاحق، ومن المعلوم أن الليل والنهار تابعان للشمس .
6- وقال –تعالى-: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (الزمر:5) فقوله: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ) أي يديره عليه ككور العمامة دليل على أن الدوران من الليل والنهار على الأرض ولو كانت الأرض التي تدور عليهما لقال ((يكور الأرض على الليل والنهار)) . وفي قوله :(الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي )(الرعد: من الآية2) المبين لما سبقه دليل على أن الشمس والقمر يجريان جرياً حسياً مكانياً، لأن تسخير المتحرك بحركته أظهر من تسخير الثابت الذي لا يتحرك .
7- وقال - تعالى-: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) (1) (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (سورة الشمس الآيتان:1، 2) ومعنى (تلاها) أتى بعدها وهو دليل على سيرهما ودورانهما على الأرض ولو كانت الأرض التي تدور عليهما لم يكن القمر تالياً للشمس بل كان تالياً لها أحياناً وتالية له أحياناً؛ لأن الشمس أرفع منه، والاستدلال بهذه الآية يحتاج إلى تأمل .
8- وقال - تعالى-: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (38) (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّـس:39) (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس الآيات:38، 40) .فإضافة الجريان إلى الشمس وجعله تقديراً من ذي عزة وعلم يدل على أنه جريان حقيقي بتقدير بالغ، بحيث يترتب عليه اختلاف الليل والنهار والفصول . وتقدير القمر منازل يدل على تنقله فيها ولو كانت الأرض التي تدور لكان تقدير المنازل لها من القمر لا للقمر . ونفي إدراك الشمس للقمر وسبق الليل للنهار يدل على حركة اندفاع من الشمس والقمر والليل والنهار .
9- وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر –رضي الله عنه- وقد غربت الشمس: ((أتدري أين تذهب؟)) قال: الله ورسوله أعلم . قال: ((فإنها تذهب فتسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، فيوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها)) . أو كما قال صلى الله عليه وسلم . متفق عليه16 . فقوله: ((ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها)) ظاهر جداً في أنها تدور على الأرض وبدورانها يحصل الطلوع والغروب .
10- الأحاديث الكثيرة في إضافة الطلوع والغروب والزوال إلى الشمس فإنها ظاهرة في وقوع ذلك منها لا من الأرض عليها .
ولعل هناك أدلة أخرى لم تحضرني الآن ولكن فيما ذكرت فتح باب وهو كاف فيما أقصد . والله الموفق .

* * *

س17: سئل فضيلة الشيخ: عن الشهادتين؟
الجواب: الشهادتان ((شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)) هما مفتاح الإسلام ولا يمكن الدخول إلى الإسلام إلا بهما، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل –رضي الله عنه- حين بعثه إلى اليمن أن يكون أول ما يدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله17 .
فأما الكلمة الأولى:((شهادة أن لا إله إلا الله)) فأن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله –عز وجل- لأن إله بمعنى مألوه والتأله التعبد . والمعنى أنه لا معبود حق إلا الله وحده، وهذه الجملة مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو ((لا إله)) وأما الإثبات ففي (( لا إله)) والله ((لفظ الجلالة)) بدل من خبر ((لا)) المحذوف، والتقدير ((لا إله حق إلا الله)) فهو إقرار باللسان بعد أن آمن به القلب بأنه لا معبود حق إلا الله –عز وجل- وهذا يتضمن إخلاص العبادة لله وحده ونفي العبادة عما سواه .
وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة ((حق)) يتبين الجواب عن الإشكال الذي يورده كثير من الناس وهو: كيف تقولون لا إله إلا الله مع أنه آلهة تعبد من دون الله وقد سماها الله –تعالى- آلهة وسماها عابدها آلهة قال الله - تبارك وتعالى-: ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ )(هود: الآية101) وقال - تعالى-: ( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر)(الإسراء: من الآية39) وقال –تعالى-: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر)(القصص: من الآية88) وقوله: ( لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً)(الكهف: الآية14) فكيف يمكن أن نقول لا إله إلا الله مع ثبوت الألوهية لغير الله –عز وجل-؟ وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله –عز وجل- والرسل يقولون لأقوامهم: ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )(الأعراف: الآية59) .
والجواب على هذا الإشكال يتبين بتقدير الخبر في لا إله إلا الله فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة، لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة، وليس لها من حق الألوهية شيء، ويدل لذلك قوله –تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (لقمان:30) ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى-: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى) (19) [COLOR="Red"](وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى) (لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى) (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) (22) )إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (النجم الايات:19، 23) وقوله –تعالى- عن يوسف عليه الصلاة والسلام: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)(يوسف:الآية40) إذن فمعنى "لا إله إلا الله" لا معبود حق إلا الله –عز وجل- .
أما معنى شهادة "أن محمداً رسول الله" فهو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله –عز وجل- إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله –تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158) وقال –تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً). (الفرقان:1) .ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه الشهادة أيضاً أن لا تعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حقاً في الربوبية وتصريف الكون، أو حقاً في العبادة، بل هو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله –تعالى-: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ )(الأنعام: الآية50). فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله –تعالى-: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (الجن:21) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجـن:22) وقال –سبحانه-: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:188). فهذا معنى شهادة (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) .
وبهذا المعنى تعلم أن هلا يستحق العبادة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من دونه من المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله –تعالى- وحده . (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162) )لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام، الآيتان 162، 163) وأن حقه صلى الله عليه وسلم، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله - تعالى- إياها وهو أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه .

الزاهدة
08-15-2011, 03:19 AM
س18: كيف كانت "لا إله إلا الله" مشتملة على جميع أنواع التوحيد؟
الجواب: هي تشمل جميع أنواع التوحيد كلها، إما بالتضمن، وإما بالالتزام، وذلك أن قول القائل "أشهد أن لا إله إلا الله" يتبادر إلى الذهن أن المراد بها توحيد العبادة –الذي يسمى توحيد الألوهية- وهو متضمن لتوحيد الربوبية، لأن كل من عبد الله وحده، فإنه لن يعبده حتى يكون مقراً له بالربوبية، وكذلك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، لأن الإنسان لا يعبد إلا من علم أنه مستحق للعبادة، لما له من الأسماء والصفات، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)(مريم: الآية42) . فتوحيد العبادة متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات .

* * *
س19: ما الحكمة من خلق الجن والإنس؟
الجواب: قبل أن أتكلم عن هذا السؤال أحب أن أنبه على قاعدة عامة فيما يخلقه الله –عز وجل- وفيما يشرعه .
وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تعالى: ( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(التحريم: الآية2) وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)(النساء: الآية42) وغيرهما من الآيات الكثيرة الدالة على إثبات الحكمة لله –عز وجل- فيما يخلقه وفيما يشرعه أي في أحكامه الكونية، وأحكامه الشرعية، فإنه ما من شيء يخلقه الله –عز وجل- إلا وله حكمة، سواء كان ذلك في إيجاده، أو في إعدامه، وما من شيء يشرعه الله –تعالى- إلا لحكمة سواء كان ذلك في إيجابه، أو تحريمه، أو إباحته، لكن هذه الحكم التي يتضمنها حكمه الكوني والشرعي قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة، وقد تكون معلومة لبعض الناس دون بعض حسب ما يؤتيهم الله –سبحانه وتعالى- من العلم والفهم، إذا تقرر هذا فإننا نقول إن الله - سبحانه وتعالى- خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهي عبادته - تبارك وتعالى- كما قال –سبحانه وتعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) .(المؤمنون:115) وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله تعالى حكمة بالغة من خلق الجن والإنس وهي عبادته والعبادة هي: "التذلل لله –عز وجل- محبة وتعظيماً بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه" قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )(البينة: الآية5) فهذه الحكمة من خلق الجن والإنس، وعلى هذا فمن تمرد على ربه واستكبر عن عبادته فإنه يكون نابذاً لهذه الحكمة التي خلق الله العباد من أجلها، وفعله يشهد أن الله خلق الخلق عبثاً وسدى، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن هذا هو مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه.

* * *
س20: كيف يدعو الإنسان ولا يستجاب له؟ والله –عز وجل- يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر: من الآية60)؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله –تعالى- لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة، وقولاً، وعملاً، يقول الله –عز وجل-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) ويقول السائل: إنه دعا الله - عز وجل- ولم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله –تعالى- فيها من دعاه بأن يستجيب له والله –سبحانه وتعالى- لا يخلف الميعاد . والجواب على ذلك بأن للإجابة شروطاً لا ببد أن تتحقق وهي:

الشرط الأول: الإخلاص لله –عز وجل- بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله –سبحانه وتعالى- بقلب حاضر، صادق في اللجوء إليه، عالم بأنه –عز وجل- قادر على إجابة الدعوة، مؤمل الإجابة من الله –سبحانه وتعالى-.

الشرط الثاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمس الحاجة، بل في أمس الضرورة إلى الله –سبحانه وتعالى- وأن الله –تعالى- وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما أن يدعو الله –عز وجل- وهو يشعر بأنه مستغن عن الله –سبحانه وتعالى وليس في ضرورة إليه، وإنما يسأل هكذا عادة فقط فإن هذا يس بحري بالإجابة .
الشرط الثالث: أن يكون متجنباً لأكل الحرام، فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) فقال - تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة:172) وقال - تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً).(المؤمنون: الآية51).
ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام . قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأنى يستجاب له))18 . فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة وهي:

أولاً: رفع اليدين إلى السماء أي إلى الله –عز وجل- لأنه –تعالى- في السماء فوق العرش، ومد اليد على الله –عز وجل- من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: ((إن الله حييٌ كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً))19

ثانياً: هذا الرجل دعا الله –تعالى- باسم الرب ((يا رب، يا رب)) والتوسل إلى الله –تعالى- بهذا الاسم من أسباب الإجابة، لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فبيده مقاليد السماوات والأرض، ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم بهذا الاسم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) (:193) (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (194) (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)(آل عمران: الآيات 193-195) فالتوسل إلى الله - تعالى- بهذا الاسم من أسباب الإجابة .

ثالثاً: هذا الرجل كان مسافراً والسفر غالباً من أسباب الإجابة، لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله –عز وجل- والضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيماً في أهله، وأشعث أغبر كأنه غير معني بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله ويدعوه على أي حال كن هو، سواء كان أشعث أغبر، أم مترفاً، والشعث والغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله –تعالى- ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول: ((أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق))20 .
هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم تجد شيئاً، لكون مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأنى يستجاب له)) . فهذه الشروط لإجابة الدعاء إذا لم تتوافر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توافرت ولم يستجب الله للداعي، فإنما ذلك لحكمة يعملها الله –عز وجل- ولا يعلمها هذا الداعي، فعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله –عز وجل- فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر، لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له، ولم يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين، مرة على دعائه، ومرة على مصيبته بعدم الإجابة، فيدخر له عند الله –عز وجل- ما هو أعظم وأكمل .
ثم إن المهم أيضاً أن لا يستبطئ الإنسان الإجابة، فإن هذا من أسباب منع الإجابة أيضاً كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل)) . قالوا كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: ((يقول دعوت ودعت ودعوت فلم يستجب لي))21 . فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة فيستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء، بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله –عز وجل- فإنها عبادة تقربك إلى الله –عز وجل- وتزيدك أجراً، فعليك يا أخي بدعاء الله –عز وجل- في كل أمورك العامة والخاصة، الشديدة واليسيرة، ولو لم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة لله –سبحانه وتعالى- لكان جديراً بالمرء أن يحرص عليه . والله الموفق .

الزاهدة
08-15-2011, 03:24 AM
س21: ما معنى الإخلاص؟ وإذا أراد العبد بعبادته شيئاً آخر فما الحكم؟
الجواب: الإخلاص لله تعالى معناه: ((أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله –سبحانه وتعالى- والتوصل إلى دار كرامته)) .
وإذا أراد العبد بعبادته شيئاً آخر ففيه تفصيل حسب الأقسام التالية:

القسم الأول: أن يريد التقرب إلى غير الله تعالى بهذه العبادة ونيل الثناء عليها من المخلوقين، فهذا يحبط العمل، وهو من الشرك . وفي الصحيح من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))22 .

القسم الثاني: أن يقصد بها الوصول إلى غرض دنيوي كالرئاسة، والجاه، والمال دون التقرب بها إلى –فهذا عمله صابط لا يتقربه إلي الله تعالى . لقول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (هود:15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:16) .
والفرق بين هذا والذي قبله أن الأول قصد أن يثنى عليه من قبل أنه عابد لله تعالى، وأما هذا الثاني فلم يقصد أن يثنى عليه من قبل أنه عابد لله ولا يهمه أن يثني الناس عليه بذلك .
القسم الثالث: أن يقصد بها التقرب إلى الله تعالى والغرض الدنيوي الحاصل بها، مثل أن يقصد مع نية التعبد لله تعالى بالطهارة تنشيط الجسم وتنظيفه، وبالصلاة تمرين الجسم وتحريكه، وبالصيام تخفيف الجسم وإزالة فضلاته، وبالحج مشاهدة المشاعر والحجاج فهذا ينقص أجر الإخلاص، ولكن إن كان الأغلب عليه نية التعبد فقد فاته كمال الأجر، ولكن لا يضره ذلك باقتراف إثم أو زور لقوله تعالى في الحجاج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ).(البقرة: من الآية198) .
وإن كان الأغلب عليه نية غير التعبد فليس له ثواب في الآخرة وإنما ثوابه ما حصله في الدنيا، وأخشى أن يأثم بذلك لأنه جعل العبادة التي هي أعلى الغايات وسيلة للدنيا الحقيرة، فهو كمن قال الله فيهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (التوبة:58) وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضاً من عرض الدنيا . فق النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا أجر له))23. فأعاد ثلاثاً والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا أجر له)) . وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه))24 .
وإن تساوى عنده الأمران فلم تغلب نية التعبد ولا نية غير التعبد فمحل نظر، والأقرب أنه لا ثواب له كمن عمل لله تعالى ولغيره .
والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن غرض غير التعبد في القسم السابق حاصل بالضرورة فإرادته إرادة حاصلة بعمله بالضرورة وكأنه أراد ما يقتضيه العمل من أمر الدنيا .
فإن قيل: ما هو الميزان لكون مقصوده في هذا القسم أغلبه التعبد أو غير التعبد؟
قلنا: الميزان أنه إذا كان لا يهتم بما سوى العبادة حصل أم لم يحصل فقد دل على أن الأغلب نية التعبد والعكس بالعكس .
وعلى كل حال فإن النية التي هي قول القلب أمرها عظيم وشأنها خطير فقد ترتقي بالعبد إلى درجة الصديقين، وقد ترده إلى أسفل السافلين، قال بعض السلف: ((ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص)) . فنسأل الله لنا ولكم الإخلاص في النية، والصلاح في العمل .

* * *
س22: ما مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف؟
الجواب: اختلف العلماء هل يقدم الإنسان الرجاء أو يقدم الخوف على أقوال:
فقال الإمام أحمد –رحمه الله-: "ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحداً، فلا يغلب الخوف ولا يغلب الرجاء" . قال –رحمه الله-: "فأيهما غلب هلك صاحبه" . لأنه إن غلب الرجاء وقع الإنسان في الأمن من مكر الله، وإن غلب الخوف وقع في القنوط من رحمة الله .
وقال بعض العلماء: ((ينبغي تغليب الرجاء عند فعل الطاعة وتغليب الخوف عند إرادة المعصية))، لأنه إذا فعل الطاعة فقد أتى بموجب حسن الظن، فينبغي أن يغلب الرجاء وهو القبول، وإذا هم بالمعصية أن يغلب الخوف لئلا يقع في المعصية .
وقال آخرون: ((ينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف وللمريض أن يغلب جانب الرجاء)) لأن الصحيح إذا غلب جانب الخوف تجنب المعصية، والمريض إذا غلب جانب الرجاء لقي الله وهو يحسن الظن به .
والذي عندي في هذه المسألة أن هذا يختلف باختلاف الأحوال، وأنه إذا خاف إذا غلب جانب الخوف أن يقنط من رحمة الله وجب عليه أن يرد ويقابل ذلك بجانب الرجاء، وإذا خاف إذا غلب جانب الرجاء أن يأمن مكر الله فليرد ويغلب جانب الخوف، والإنسان في الحقيقة طبيب نفسه إذا كان قلبه حيا، أما صاحب القلب الميت الذي لا يعالج قلبه ولا ينظر أحوال قلبه فهذا لا يهمه الأمر .

* * *
س23: هل اتخاذ الأسباب ينافي التوكل؟ فبعض الناس إبان حرب الخليج اتخذ الأسباب وبعضهم تركها وقال: إنه متوكل على الله؟
الجواب: الواجب على المؤمن أن يعلق قلبه بالله –عز وجل- وأن يصدق الاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار فإن الله وحده هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله كما قال الله - تعالى-: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (هود:123) وقال موسى لقومه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) (يونس:84) (فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (85) (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (يونس الآيات 83،86) وقال الله - تعالى-: ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران: الآية160) وقال - تعالى-: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً).(الطلاق: الآية3) فالواجب على المؤمن أن يعتمد على ربه رب السماوات والأرض ويحسن الظن به .
ولكن يفعل الأسباب الشرعية والقدرية الحسية التي أمر الله تعالى بها، لأن أخذ الأسباب الجالبة للخير المانعة من الشر من الإيمان بالله تعالى وحكمته، ولا تنافي التوكل، فها هو سيد المتوكلين محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يتخذ الأسباب الشرعية والقدرية، فكان يعوذ نفسه عند النوم بالإخلاص والمعوذتين، وكان يلبس الدروع في الحرب، وخندق على المدينة حين اجتمع أحزاب الشرك حولها حماية لها، وقد جعل الله - تعالى- ما يتقي به العبد شرور الحروب من نعمه التي يستحق الشكر عليها، فقال عن نبيه داود: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء:80) وأمر الله داود أن يجيد صنعها ويجعلها سابغة لأنها تكون أقوى في التحصين .
وعلى هذا فإن أهل البلاد القريبة من مواقع الحرب التي يخشى أن يصيبها من آثاره ليس عليهم حرج في الاحتياط باستعمال الكمامات المانعة من تسرب الغازات المهلكة إلى أبدانهم، والتحصينات المانعة من تسربه إلى بيوتهم، لأن هذا من الأسباب الواقية من الشر، المحصنة من البأس، ولا حرج عليهم أن يدخروا لأنفسهم من الأطعمة وغيرها ما يخافون أن يحتاجوا إليه فلا يجدوه، وكلما قويت الخشية من ذلك كان طلب الاحتياط أقوى . ولكن يجب أن يكون اعتمادهم على الله –عز وجل- فيستعملوا هذه الأسباب بمقتضى شرع الله وحكمته على أنها أسباب أذن الله لهم فيها، لا على أنها الأصل في جلب المنافع ودفع المضار، وأن يشكروا الله تعالى حيث يسر لهم مثل هذه الأسباب وأذن لهم بها .
والله اسأل أن يقينا جميعاً أسباب الفتن والهلاك، وأن يحقق لنا ولإخواننا قوة الإيمان به والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب التي أذن بها على الوجه الذي يرضى به عنا، إنه جواد كريم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .

الزاهدة
08-15-2011, 03:38 AM
س24: ما حكم التعلق بالأسباب؟
الجواب: التعلق بالأسباب أقسام:

القسم الأول: ما ينافي التوحيد في أصله، وهو أن يتعلق الإنسان بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتماداً كاملاً معرضاً عن الله، مثل تعلق عبد القبور بمن فيها عند حلول المصائب . وهذا شرك أكبر مخرج عن الملة، وحكم الفاعل ما ذكره الله –تعالى- بقوله: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).(المائدة: الآية72)
القسم الثاني: أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع غفلته عن المسبب وهو الله –تعالى- فهذا نوع من الشرك، ولكن لا يخرج من الملة، لأنه اعتمد على السبب ونسي المسبب وهو الله –تعالى- .
القسم الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقاً مجرداً لكونه سبباً فقط، مع اعتماده الأصلي على الله، فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء قطعه، ولو شاء لأبقاه ، وأنه لا أثر للسبب في مشيئة الله –عز وجل- فهذا لا ينافي التوحيد لا أصلاً ولا كمالاً .
ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقاً كاملاً مع الغفلة عن المسبب وهو الله فهذا نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله –سبحانه وتعالى- فهذا لا ينافي التوكل، والرسول صلى الله عليه وسلم، كان يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب وهو الله –عز وجل- .

* * *
س25: ما حكم الرقية؟وما حكم كتابة الآيات وتعليقها في عنق المريض؟
الجواب: الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم، أو من الأدعية المباحة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرقي أصحابه، ومن جملة ما يرقاهم به: ((ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع))25 فيبرأ . ومن الأدعية المشروعة: ((بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين كل حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك))26 ومنها أن يضع الإنسان يده على الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول: ((أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر))27 إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأما كتابة الآيات والأذكار وتعليقها فقد اختلف أهل ا لعلم في ذلك: فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، والأقرب المنع من ذلك، لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد أن يقرأ على المريض، أما أن تعلق الآيات أو الأدعية على المريض في عنقه، أو في يده، أو تحت وسادته وما أشبه ذلك، فإن ذلك من الأمور الممنوعة على القول الراجح لعدم ورودها، وكل إنسان يجعل من الأمور سبباً لأمر آخر بغير إذن من الشرع، فإن عمله هذا يعد نوعاً من الشرك، لأنه إثبات سبب لم يجعله الله سبباً .

* * *
س26: هل الرقية تنافي التوكل؟
الجواب: التوكل هو صدق الاعتماد على الله –عز وجل- في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها، وليس التوكل أن تعتمد على الله بدون فعل الأسباب، فإن الاعتماد على الله بدون فعل الأسباب طعن في الله –عز وجل- وفي حكمته- تبارك وتعالى- لأن الله –تعالى- ربط المسببات بأسبابها، وهنا سؤال: من أعظم الناس توكلاً على الله؟
الجواب: هو الرسول، عليه الصلاة والسلام، وهل كان يعمل الأسباب التي يتقي بها الضرر؟
الجواب: نعم كان إذا خرج إلى الحرب يلبس الدروع ليتوقى السهام، وفي غزوة أحد ظاهر بين درعين، أي لبس درعين كل ذلك استعداداً لما قد يحدث، ففعل الأسباب لا ينافي التوكل، إذا اعتقد الإنسان أن هذه الأسباب مجرد أسباب فقط لا تأثير لها إلا بإذن الله –تعالى- وعلى هذا فالقراءة قراءة الإنسان على نفسه، وقراءته على إخوانه المرضى لا تنافي التوكل وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم،( أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات، وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا) 28 . والله أعلم .

* * *
س27: ما حكم تعليق التمائم والحجب؟
الجواب: هذه المسألة أعني تعليق الحجب والتمائم تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون المعلق من القرآن وقد اختلف في ذلك أهل العلم سلفاً وخلفاً . فمنهم من أجاز ذلك ورأى أنه داخل في قوله –تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )(الإسراء: الآية82) وقوله - تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ)(صّ: الآية29)، وأن من بركته أن يعلق ليدفع به السوء .
ومنهم من منع ذلك، وقال: إن تعليقها لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سبب شرعي يدفع به السوء أو يرفع به، والأصل في مثل هذه الأشياء التوقيف، وهذا القول هو الراجح وأنه لا يجوز تعليق التمائم ولو من القرآن الكريم، ولا يجوز أيضاًِ أن تجعل تحت وسادة المريض، أو تعلق في الجدار وما أشبه ذلك، وإنما يدعى للمريض ويقرأ عليه مباشرة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يفعل .
القسم الثاني: أن يكون المعلق من غير القرآن الكريم مما لا يفهم معناه فإنه لا يجوز بكل حال، لأنه لا يدرى ماذا يكتب، فإن بعض الناس يكتبون طلاسم وأشياء معقدة، حروف متداخلة ما تكاد تعرفها ولا تقرأها فهذا من البدع وهو محرم، ولا يجوز بكل حال . والله أعلم .

* * *
س28: هل تجوز كتابة بعض آيات القرآن الكريم ((مثل آية الكرسي)) على أواني الطعام والشراب لغرض التداوي بها؟
الجواب: يجب أن نعمل أن كتاب الله - عز وجل- أعز وأجل من أن يمتهن إلى هذا الحد ويبتذل إلى هذا الحد، كيف تطيب نفس مؤمن أن يجعل كتاب الله - عز وجل- وأعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي أن يجعلها في إناء يشرب فيه، ويمتهن ويرمي في البيت ويلعب به الصبيان؟! هذا العمل لا شك أنه حرام، وأنه يجب على من عنده شيء من هذه الأواني أن يطمس هذه الآيات التي فيها، بأن يذهب بها إلى الصانع فيطمسها، فإن لم يتمكن من ذلك فالواجب عليه أن يحفر لها في مكان طاهر ويدفنها، وأما أن يبقيها مبتذلة ممتهنة يشرب بها الصبيان ويلعبون بها فإن الاستشفاء بالقرآن على هذا الوجه لم يرد عن السلف الصالح - رضي الله عنهم- .

الزاهدة
08-15-2011, 03:55 AM
س29: يتعلم طلبة المدارس في بعض البلاد الإسلامية أن مذهب أهل السنة هو: ((الإيمان بأسماء الله تعالى، وصفاته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل)) . وهل تقسيم أهل السنة إلى قسمين: مدرسة ابن تيمية وتلاميذه، ومدرسة الأشاعرة والماتريدية تقسيم صحيح؟ وما موقف المسلم من العلماء المؤولين؟

الجواب: لا شك أن ما يتعلمه الطلبة في المدارس من أن مذهب أهل السنة هو: (الإيمان أسماء الله - تعالى- وصفاته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل) . هو المطابق للواقع بالنسبة لمذهب أهل السنة، كما تشهد بذلك كتبهم المطولة والمختصرة، وهو الحق الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، وأقوال السلف، وهو مقتضى النظر الصحيح، والعقل الصريح، ولسنا بصدد سرد أفراد الأدلة في ذلك، لعدم طلبه في السؤال، وإنما نجيب على ما طلب وهو تقسيم أهل السنة إلى طائفتين في مدرستين:
إحداهما: مدرسة ابن تيمية وتلاميذه، المانعين لصرف النصوص عن ظواهرها .
الثانية: مدرسة الأشاعرة والماتريدية، الموجبين لصرفها عن ظواهرها في أسماء الله وصفاته .
فنقول: من المعلوم أن بين هاتين المدرستين اختلافاً بيناً في المنهاج فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، فالمدرسة الأولى يقرر معلموها وجوب إبقاء النصوص على ظواهرها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، مع نفي ما يجب نفيه عن الله –تعالى- من التمثيل أو التكييف، والمدرسة الثانية يقرر معلموها وجوب صرف النصوص عن ظواهرها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، مع نفي ما يجب نفيه عن الله –تعالى- من التمثيل أو التكييف، والمدرسة الثانية يقرر معلموها وجوب صرف النصوص عن ظواهرها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته .
وهذان المنهجان متغايران تماماً، ويظهر تغايرهما بالمثال التالي:
قال الله –تعالى-: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة: الآية64) وقال فيما حكاه عن معاتبة إبليس حين أبى أن يسجد لآدم بأمر الله: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ).(صّ: الآية75). فقد اختلف معلمو المدرستين في المراد باليدين اللتين أثبتهما الله –تعالى- لنفسه .
فقال أهل المدرسة الأولى: يجب إبقاء معناهما على ظاهره، وإثبات يدين حقيقيتين لله –تعالى- على وجه يليق به .
وقال أهل المدرسة الثانية: يجب صرف معناهما عن ظاهره، ويحرم إثبات يدين حقيقيتين لله –تعالى- ثم اختلفوا في المراد بهما هل هو القوة، أو النعمة .
وبهذا المثال يتبين أن منهاجي أهل المدرستين مختلفان متغايران، ولا يمكن بعد هذا التغاير أن يجتمعا في وصف واحد، هو ((أهل السنة)) .
إذن فلا بد أن يختص وصف أهل السنة بأحدهما دون الآخر، فلنحكم بينهما بالعدل، ولنعرضهما على ميزان القسط وهو كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان من سلف الأمة وأئمتها . وليس في هذا الميزان ما يدل بأي وجه من وجوه الدلالة، المطابقة، أو التضمن، أو الالتزام صريحاً أو إشارة على ما ذهب إليه أهل المدرسة الثانية، بل في هذا الميزان ما يدل دلالة صريحة، أو ظاهرة، أو إشارية على ما ذهب إليه أهل المدرسة الأولى، وعلى هذا فيتعين أن يكون وصف أهل السنة خاصاً بهم لا يشاركهم فيه أهل المدرسة الثانية، لأن الحكم بمشاركتهم إياهم جور، وجمع بين الضدين، والجور، ممتنع شرعاً، والجمع بين الضدين ممتنع عقلاً .
وأما قول أهل المدرسة الثانية: (المؤولين) لا مانع من تأويل أسماء الله وصفاته إذا لم يتعارض هذا مع نص شرعي .
فنقول: مجرد صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل شرعي، مخالف للدليل، وقول على الله –تعالى- بلا علم، وقد حرم الله تعالى ذلك ف ي قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) وقوله: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً). (الإسراء:36). وهؤلاء المؤولون لأسماء الله - تعالى- وصفاته ليس لهم علم مأثور فيما أولوها إليه، ولا نظر معقول، سوى شبه يحتجون بما يناقض بعضها بعضاً، ويلزم عليها من النقص في ذات الله –تعالى- وصفاته، ووحيه أكثر مما زعموه من النقص في إثباتها على ظاهرها، وليس هذا موضع البسط في ذلك .
وإنما المقصود بيان أن وصف (أهل السنة) لا يمكن أن يعطى لطائفتين يتغاير منهاجهما غاية التغاير، وإنما يستحقه من كان قوله موافقاً للسنة فقط، ولا ريب أن أهل المدرسة الأولى (غير المؤولين) أحق بالوصف المذكور من أهل المدرسة الثانية (المؤولين)، لمن نظر في منهاجيهما بعلم وإنصاف، فلا يصح تقسيم أهل السنة إلى الطائفتين بل هم طائفة واحدة .
وأما احتجاجهم بقول ابن الجوزي في هذا الباب فنقول: أقوال أهل العلم يحتج لها ولا يحتج بها، فليس قول واحد من أهل العلم بحجة على الآخرين .
وأما قولهم إن الإمام أحمد أول في حديث: ((قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)) . وحديث: ((لحجر الأسود يمين الله في الأرض)) . وقوله –تعالى-: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم).(الحديد:الآية4) .
فنقول: لا يصح عن الإمام أحمد - رحمه الله- أنه تأول الحديثين المذكورين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في الفتاوى ص398 جـ5 من مجموع ابن قاسم: ((وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي من أن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) و((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)) . و((إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن))، فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه)) .أ.هـ.
وأما قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) فإن الإمام أحمد لم يتأولها، وإنما فسرها ببعض لوازمها، وهو العلم رداً على الجهمية، الذين فسروها بخلاف المراد بها، حيث زعموا أنها تقتضي كون الله –تعالى في كل مكان بذاته – تعالي الله عن قولهم- فبين رحمة الله- تعالي- أن المعية هنا بمعنى الإحاطة بالخلق التي من جملتها العلم بهم . وذلك أن المعية لا تقتضي الحلول الاختلاط بل هي في كل موضع بحسبه، ولهذا يقال: سقاني لبناً معه ماء .ويقال: صليت مع الجماعة . ويقال فلان معه زوجته .
ففي المثال الأول: اقتضت المزج والاختلاط، وفي المثاني اقتضت المشاركة في المكان والعمل بدون اختلاط، وفي الثالث اقتضت المصاحبة وإن لم يكن اشتراك في مكان أو عمل، وإذا تبين أن معنى المعية يختلف بحسب ما تضاف إليه، فإن معية الله –تعالى- لخلقه تختلف عن معية المخلوقين لمثلهم، ولا يمكن أن تقتضي المزج والاختلاط، أو المشاركة في المكان، لأن ذلك ممتنع على الله –عز وجل- لثبوت مباينته لخلقه وعلوه عليهم . وعلى هذا يكون معنا وهو على العرش فوق السماوات، لأنه محيط بنا علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وتدبيراً، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته، فإذا فسرها مفسر بالعلم لم يخرج بها عن مقتضاها، ولم يكن متأولاً إلا عند من يفهم من المعية المشاركة في المكان أو المزج والاختلاط على كل حال . وقد سبق أن هذا ليس بمتعين في كل حال .
هذا بالنسبة لما نقل عن الإمام أحمد في تأويل هذه النصوص الثلاثة .
أما بالنظر لها من حيث هي فقد تقدم قريباً أنه لا تأويل في الآية الكريمة إذا فسرها مفسر بالعلم، لأنه تفسير لها ببعض مقتضياتها، لا نقل لها عن المعنى الذي تقتضيه .
وأما حديث: ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء)) . فقد رواه مسلم في صحيحه في كتاب القدر في الباب الثالث منه رقم 17 ص2045، وليس فيه تأويل عند أهل السنة والجماعة حيث يؤمنون بما دل عليه من إثبات الأصابع لله –تعالى- على الوجه اللائق به، ولا يلزم من كون قلوبنا بين أصبعين منها أن تماس القلب، فإن السحاب مسخر بين السماء والأرض، ولا يمس السماء ولا الأرض، فكذلك قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ولا يستلزم ذلك المماسة .
وأما حديث: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) . فقد قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص397 جـ6 من مجموع ابن قاسم: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس . قال: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)) . وفي صلى الله عليه وسلم44 جـ3 من المجموع المذكور: ((صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة الله ولا نفس يمينه، لأنه قال: ((يمين الله في الأرض)) فقيده في الأرض ولم يطلق، فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق)) . وقال: ((فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه))، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به .أ.هـ .
قلت: وعلى هذا فلا يكون الحديث من صفات الله –تعالى- التي أولت إلى معنى يخالف الظاهر فلا تأويل فيه أصلاً .
وأما قولهم إن هناك مدرستين: إحداهما مدرسة ابن تيمية فيقال نسبة هذه المدرسة إلى ابن تيمية توهم أنه لم يسبق إليها، وهذا خطأ فإن ما ذهب إليه ابن تيمية هو ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الأمة، فليس هو الذي أحدث هذه المدرسة كما يوهمه قول القائل الذي يريد أن يقلل من شأنها، والله المستعان .
وأما موقفنا من العلماء المؤولين فنقول: من عرف منهم بحسن النية وكان لهم قدم صدق في الدين، واتباع السنة فهو معذور بتأويله السائغ، ولكن عذره في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر من غير تكييف، ولا تمثيل، فإنه يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادراً عن اجتهاد وحسن قصد لا يذم عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر))29 . متفق عليه، وأما وصفه بالضلال فإن أريد بالضلال الضلال المطلق الذي يذم به الموصوف، ويمقت عليه، فهذا لا يتوجه في مثل هذا المجتهد الذي علم منه حسن النية، وكان له قدم صدق في الدين وإتباع السنة، وإن أريد بالضلال مخالفة قوله للصواب من غير إشعار بذم القائل فلا بأس بذلك، لأن مثل هذا ليس ضلالاً مطلقاً، لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بذل جهده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال حيث كان خلاف الحق .
وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان .

* * *
س30: ما عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته؟ وما الفرق بين الاسم والصفة؟ وهل يلزم من ثبوت الاسم ثبوت الصفة؟ ومن ثبوت الصفة ثبوت الاسم؟
الجواب: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل .
والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم: ما سمى الله به، والصفة: ما وصف الله به . وبينهما فرق ظاهر .
فالاسم يعتبر علماً على الله –عز وجل- متضمناً للصفة .
ويلزم من إثبات الاسم إثبات الصفة . مثال: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، (غفور) اسم يلزم منه المغفرة و(رحيم) يلزم منه إثبات الرحمة .
ولا يلزم من إثبات الصفة إثبات الاسم، مثل الكلام لا يلزم أن نثبت لله اسما المتكلم، بناء على ذلك تكون الصفات أوسع، لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة متضمنة لاسم .

* * *
س31: هل أسماء الله تعالى محصورة؟
الجواب: أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح: (( اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمت)) . إلى أن قال: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك))30 . وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يعلم به، وما ليس معلوماً ليس محصوراً .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة))31 . فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة فقوله: ((من أحصاها)) تكميل للجملة الأولى وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول العرب: عندي مئة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المئة، بل هذه المئة معدة لهذا الشيء .
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- اتفاق أهل المعرفة في الحديث على أن عدها وسردها لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أ.هـ. وصدق –رحمه الله- بدليل الاختلاف الكبير فيها فمن حاول تصحيح هذا الحديث قال إن هذا أمر عظيم لأنها توصل إلى الجنة فلا يفوت على الصحابة أن يسألوه، صلى الله عليه وسلم، عن تعيينها فدل هذا على أنها قد عينت من قبله صلى الله عليه وسلم . لكن يجاب عن ذلك بأنه لا يلزم ولو كان كذلك لكانت هذه الأسماء التسعة والتسعين معلومة أشد من علم الشمس ولنقلت في الصحيحين وغيرهما، لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه وتلح بحفظه فكيف لا يأتي إلا عن طريق واهية وعلى صور مختلفة . فالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يبينها لحكمة بالغة وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يتبين الحريص من غير الحريص .
وليس معنى إحصاءها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك:
أولاً: الإحاطة بها لفظاً .
ثانياً: فهمها معنا .
ثالثاً: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله - تعالى-: (فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: من الآية180) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي، وليس من المناسب أن تقول يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء بل تقول أجرني من عقابك .
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالباً لرحمة الله، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمناً لدخول الجنة .

الزاهدة
08-15-2011, 04:05 AM
س32: ما مذهب السلف في علو الله تعالى؟ وما حكم من يقول إنه عن الجهات الست خالٍ وأنه في قلب العبد المؤمن؟
الجواب: مذهب السلف –رضوان الله عليهم- أن الله تعالى بذاته فوق عباده، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء: من الآية59) وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(الشورى: من الآية10) وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51) (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور:52). وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). (النساء:65) فإذا تبين أن طريقة المؤمنين عند التنازع هي الرجوع إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسمع والطاعة لهما، وعدم الخيار فيما سواهما، وأن الإيمان لا يكون إلا بذلك، مع انتفاء الحرج وتمام التسليم، فإن الخروج عن هذا الطريق موجب لما قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) .
وعلى هذا فإن المتأمل في هذه المسألة –مسألة علو الله- تعالى بذاته على خلقه بعد ردها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يتبين له أن الكتاب والسنة قد دلا دلالة صريحة بجميع وجوه الدلالة على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، بعبارات مختلفة منها:
1- التصريح بأن الله تعالى في السماء، كقوله تعالى: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (الملك:17). وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض: ((ربنا الله الذي في السماء)) إلى آخر الحديث، رواه أبو داود32 ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)) . رواه مسلم33 .
2- التصريح بفوقيته تعالى، كقوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (الأنعام: من الآية18) (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم)(النحل: من الآية50) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي)) رواه البخاري34 .
3-التصريح بصعود الأشياء إليه، ونزولها منه، والصعود لا يكون إلا إلى أعلى، والنزول لا يكون إلا من أعلى، كقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(فاطر:الآية10) وقوله: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ)(المعارج: الآية4) وقوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه)(السجدة: الآية5) وقوله تعالى في القرآن الكريم: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42) والقرآن كلام الله تعالى، كما قال سبحانه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)(التوبة: الآية6) وإذا كان القرآن الكريم كلامه وهو تنزيل منه دل ذلك على علوه بذاته تعالى . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني)) . إلى آخر الحديث، وهو صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما35 . وفي حديث البراء بن عازب –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، علمه ما يقول إذا آوى إلى فراشه، ومنه: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت)) . وهو في صحيح البخاري وغيره36 .
4- التصريح بوصفه تعالى بالعلو، كما في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى:1) وقوله: ( وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(البقرة: الآية255) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سبحان ربي الأعلى))37 .
5- إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء حين يشهد الله تعالى في موقف عرفة ذلك الموقف العظيم، الذي شهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أكبر جمع من أمته، حين قال لهم: ((ألا هل بلغت))؟ قالوا: نعم . فقال: "اللهم اشهد" . يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس . وذلك ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر38، وهو ظاهر في أن الله تعالى في السماء وإلا لكان رفعه إياها عبثاً .
6- سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية حين قال لها: ((أين الله))؟ قالت: في السماء، قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)).رواه مسلم39 من حديث طويل عن معاوية بن الحكم السلمي –رضي الله عنه- وهو صريح في إثبات العلو الذاتي لله تعالى، لأن ((أين)) إنما يستفهم بها عن المكان وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة حين سألها أين الله؟ فأقرها على أنه تعالى في السماء، وبين أن هذا مقتضى الإيمان حين قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) . فلا يؤمن العبد حتى يقر ويعتقد أن الله تعالى في السماء، فهذه أنواع الأدلة السمعية الخبرية من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تدل على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، أما أفراد الأدلة فكثيرة لا يمكن حصرها في هذا الموضع، وقد أجمع السلف الصالح -رضوان الله عليهم- على القول بمقتضى هذه النصوص، وأثبتوا لله تعالى العلو الذاتي، وهو أنه سبحانه عال بذاته فوق خلقه، كما أنهم مجمعون على إثبات العلو المعنوي له وعلو الصفات، قال الله تعالى: ( وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الروم: الآية27) وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(الأعراف: الآية180) قال تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(النحل:الآية74) وقال: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة:الآية22) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله .
وكما أن علو الله تعالى الذاتي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، فقد دل عليه العقل، والفطرة .
أما دلالة العقل:فيقال لا ريب أن العلو صفة كمال، وأن ضده نقص، والله تعالى قد ثبت له صفات الكمال فوجب ثبوت العلو له تعالى، ولا يلزم على إثباته له شيء من النقص، فإنا نقول إن علوه تعالى ليس متضمناً لكون شيء من مخلوقاته محيطاً به، ومن ظن أن إثبات العلو لم يستلزم ذلك فقد وهم في ظنه، وضل في عقله .
وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى بذاته: فإن كل داع لله تعالى دعاء عبادة، أو دعاء مسألة لا يتجه قلبه حين دعائه إلا إلى السماء، ولذلك تجده يرفع يديه إلى السماء بمقتضى فطرته، كما قال ذلك الهمداني لأبي المعالي الجويني: (( ما قال عارف قط يا رب إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو)) . فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول: ((حيرني الهمداني، حيرني الهمداني)) . هكذا نقل عنه، سواء صحت عنه أم لم تصح، فإن كل أحد يدرك ذلك، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، إلى آخر الحديث40 ثم إنك تجد الرجل يصلي وقلبه نحو السماء لا سيما حين يسجد . ويقول: ((سبحان ربي الأعلى))41 . لأنه يعلم أن معبوده في السماء سبحنه وتعالى.
وأما قولهم: ((إن الله –تعالى- عن الجهات الست خالٍ))، فهذا القول على عمومه باطل، لأنه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له أعلم خلقه به، وأشدهم تعظيماً له، وهو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، من أنه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلو، بل إن ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم، لأن الجهات الست هي الفوق، والتحت، واليمين، والشمال، والخلف، والأمام، وما من شيء موجود إلا تتعلق به نسبة إحدى هذه الجهات، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول، فإذا نفيت هذه الجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوماً، والذهن وإن كان قد يفرض موجوداً خالياً من تعلق هذه النسب به لكن هذا شيء يفرضه الذهن، ولا يوجد في الخارج، ونحن نؤمن ونرى لزاماً على كل مؤمن بالله أن يؤمن بعلوه تعالى فوق خلقه، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، كما قررناه من قبل . ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه سبحانه غني عن خلقه فلا يحتاج لشيء من مخلوقاته . ونحن نرى أيضاً أنه لا يجوز لمؤمن أن يخرج عما يدل عليه الكتاب والسنة، لقول أحد من الناس كائناً من كان، كما أسلفنا الأدلة على ذلك. في أول جوابنا هذا .
وأما قولهم: ((إن الله تعالى في قلب المؤمن)) . فهذا لا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا كلام أحد من السلف الصالح فيما نعمل، وهو أيضاً على إطلاقه باطل فإنه إن أريد به أن الله تعالى حالٌ في قلب العبد فهو باطل قطعاً، فإن الله تعالى أعظم وأجل من ذلك، ومن العجائب –والعجائب جمة- أن ينفر شخص مما دل عليه الكتاب والسنة من كون الله تعالى في السماء، ثم يطمئن بما لم يدل عليه الكتاب والسنة من زعمه أن الله تعالى في قلب المؤمن، إذ ليس في الكتاب والسنة حرف واحد يدل على ذلك .
وإن أريد بكون الله تعالى في قلب العبد المؤمن أنه دائماً يذكر ربه في قلبه، فهذا حق، ولكن يجب أن يعبر عنه بعبارة تدل على حقيقته وينتفي عنها المدلول الباطل، فيقال مثلاً: إن ذكر الله تعالى دائماً في قلب العبد المؤمن .
ولكن الذي يظهر من كلام من يتكلم بها أنه يريد أن يستبدلها عن كون الله تعالى في السماء، وهي بهذا المعنى باطلة كما سبق .
فليحذر المؤمن من إنكار ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه السلف إلى عبارات مجملة غامضة تحتمل من المعاني الحق والباطل، وليلتزم سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، حتى يدخل في قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100) .
جعلنا الله وإياكم منهم، ووهب لنا جميعاً منه رحمة، إنه هو الوهاب .

الزاهدة
08-15-2011, 04:14 AM
س33: هل تفسير استواء الله –عز وجل- على عرشه بأنه علوه – تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح؟

الجواب: تفسير استواء الله –تعالى- على عرشه بأنه علوه –تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح . قال ابن جرير إمام المفسرين في تفسيره ((من معاني الاستواء: العلو والارتفاع كقول القائل: (استوى فلان على سريره يعني علوه عليه)) . وقال في تفسير قوله –تعالى- (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) . ((يقول جل ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا)) .أ.هـ. ولم ينقل عن السلف ما يخالفه .
ووجهه: أن الاستواء في اللغة يستعمل على وجوه:
الأول: أن يكون مطلقاً غير مقيد فيكون معناه الكمال كقوله –تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى)(القصص: من الآية14) .
الثاني: أن يكون مقروناً بالواو فيكون بمعنى التساوي كقولهم: استوى الماء والعتبة .
الثالث: أن يكون مقروناً بإلى فيكون بمعنى القصد كقوله –تعالى-: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)(البقرة: 29) .
الرابع: أن يكون مقروناً بعلى فيكون بمعنى العلو والارتفاع كقوله –تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) .
وذهب بعض السلف إلى أن الاستواء المقرون بإلى كالمقرون بعلى فيكون معناه الارتفاع والعلو . كما ذهب بعضهم إلى أن الاستواء المقرون بعلى بمعنى الصعود والاستقرار إذا كان مقروناً بعلى .
وأما تفسيره بالجلوس فقد نقل ابن القيم في الصواعق 4/1303 عن خارجة بن مصعب في قوله –تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قوله: ((وهل يكون الاستواء إلى الجلوس)) .أ.هـ.
وقد ورد ذكر الجلوس في حديث أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس –رضي الله عنهما- مرفوعاً . والله أعلم .

* * *
س34: فضيلة الشيخ: قلتم –حفظكم الله- في استواء الله على عرشه"إنه علو خاص على العرش يليق بجلال الله –تعالى- وعظمته" فنأمل التكرم من فضيلتكم بإيضاح ذلك؟

الجواب بقوله: قولنا في استواء الله –تعالى- على عرشه ((إنه علو خاص على العرش يليق بجلال الله –تعالى- وعظمته)) نريد به أنه علو يختص به العرش، وليس هو العلو العام الشامل لجميع المخلوقات، ولهذا لا يصح أن نقول استوى على المخلوقات، أو على السماء، أو على الأرض مع أنه عال على ذلك، وإنما نقول هو عال على جميع المخلوقات عال على السماء، عال على الأرض ونحو ذلك، وأما العرش فنقول: إن الله –تعالى- عال على عرشه ومستو على عرشه، فالاستواء أخص من مطلق العلو . ولهذا كان استواء الله –تعالى- على عرشه من صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته، بخلاف علوه فإنه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها .
وقد صرح بمثل ما قلنا شيخ الإسلام ابن تيمية 0رحمه الله تعالى- في شرح حديث النزول ص522 ج5 مجموع الفتاوى جمع ابن قاسم: ((فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام فقبل ذلك لم يكن على العرش، قيل الاستواء علو خاص فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستوياً عليه، ولهذا لا يقال لكل ما كان عالياً على غيره إنه مستو عليه واستوى عليه، ولكن كل ما قيل فيه استوى على غيره فإنه عال عليه)) . أ.هـ. المقصود منه وتمامه فيه .
وأما قولنا: ((يليق بجلاله وعظمته)) فالمراد به أن استواءه على عرشه كسائر صفاته يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل استواء المخلوقين، فهو عائد إلى الكيفية التي عليها هذا الاستواء، لأن الصفات تابعة للموصوف، فكما أن لله –تعالى- ذاتاً لا تماثل الذوات، فإن صفاته لا تماثل الصفات ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفاته . ولهذا قال الإمام مالك –رحمه الله- في الاستواء حين سئل كيف استوى؟ قال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) . وهذا ميزان لجميع الصفات فإنها ثابته لله –تعالى- كما أثبتها لنفسه على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل .
وبهذا تبين فائدة القول بأن الاستواء على العرش علو خاص على العرش مختص به، لأن العلو العام ثابت لله –عز وجل- قبل خلق السماوات والأرض، وحين خلقهما، وبعد خلقهما، لأنه من صفاته الذاتية اللازمة كالسمع، والبصر، والقدرة، والقوة ونحو ذلك بخلاف الاستواء .

* * *
س35: ما الأمور التي يجب تعليقها بالمشيئة والأمور التي لا ينبغي تعليقها بالمشيئة؟

الجواب: كل شيء مستقبل فإن الأفضل أن تعلقه بالمشيئة لقول الله –تعالى-: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) (الكهف:23) (إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)(الكهف الآيتان :23، 24) أما الشيء الماضي فلا يعلق بالمشيئة إلا إذا قصد بذلك التعليل .
فمثلاً لو قال لك شخص دخل شهر رمضان هذا العام ليلة الأحد إن شاء الله . فلا يحتاج أن نقول إن شاء الله لأنه مضى وعلم . ولو قال لك قائل: لبست ثوبي إن شاء الله، وهو لابسه فلا يحسن أن يعلق بالمشيئة لأنه شيء مضى وانتهى، إلا إذا قصد التعليل أي قصد أن البس كان بمشيئة الله . فهذا لا بأس به .
فلو قال قائل حين صلى صليت إن شاء الله إن قصد فعل الصلاة فإن الاستثناء هنا لا ينبغي، لأنه صلى، وإن قصد إن شاء الله الصلاة المقبولة فهنا يصح أن يقول إن شاء الله، لأنه لا يعلم أقبلت أم لم تقبل .

* * *
س36: ما أقسام الإرادة؟

الجواب: الإرادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية .
القسم الثاني: إرادة شرعية .
فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية، وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية، مثال الإرداة الشرعية قوله –تعالى-:( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)(النساء: من الآية27) لأنه (يريد) هنا بمعنى يحب ولا تكون بمعنى المشيئة لأنه لو كان المعنى: ((والله يشاء أن يتوب عليكم)) لتاب على جميع العباد وهذا أمر لم يكن فإن أكثر بني آدم من الكفار، إذن (يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) يعني يحب أن يتوب عليكم، ولا يلزم من محبة الله للشيء أن يقع لأن الحكمة الإلهية البالغة قد تقتضي عدم وقوعه .
ومثال الإرادة الكونية قوله –تعالى-: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)(هود: من الآية34) لأن الله لا يحب أن يغوي العباد، إذن لا يصح أن يكون المعنى إن كان يحب أن يغويكم، بل المعنى إن كان الله يشاء أن يغويكم .
ولكن بقي لنا أن نقول: ما الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية من حيث وقوع المراد؟
فنقول: الكونية لا بد فيها من وقوع المراد إذا أراد الله شيئاً كوناً فلا بد أن يقع (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) .
أما الإرادة الشرعية فقد يقع المراد وقد لا يقع، قد يريد الله –عز وجل- هذا الشيء شرعاً ويحبه، ولكن لا يقع لأن المحبوب قد يقع وقد لا يقع .
فإذا قال قائل: هل الله يريد المعاصي؟
فنقول: يريدها كوناً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والله لا يحب المعاصي، ولكن يريدها كوناً أي مشيئة، فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله .

الزاهدة
08-15-2011, 04:23 AM
س37: ما الإلحاد في أسماء الله - تعالى- وأنواعه؟
الجواب: الإلحاد في اللغة: هو الميل، ومنه قوله الله –تعالى-: ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)(النحل: من الآية103) ومنه اللحد في القبر فإنه سمي لحداً لميله إلى جانب منه، ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله –عز وجل- من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، على القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب، إذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله –تعالى- أنواعاً يجمعها أن نقول: هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها . وهو على أنواع:

النوع الأول: إنكار شيء من الأسماء، أو ما دلت عليه من الصفات، ومثاله: من ينكر أن اسم الرحمن من أسماء الله –تعالى- كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء، ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات كما يقول بعض المبتدعة: أن الله –تعالى- رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع .

النوع الثاني: أن يسمى الله –سبحانه وتعالى- بما لم يسم به نفسه .
ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله –سبحانه وتعالى- توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله –تعالى- باسم لم يسم به نفسه، لأن هذا من القول على الله بلا علم، ومن العدوان في حق الله –عز وجل- وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما صنع النصارى فسموا الله –تعالى- باسم الأب ونحو ذلك .
النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين، فيجعلها دالة على التمثيل .
ووجه كونه إلحاداً: أن من اعتقد أن أسماء الله –سبحانه وتعالى- دالة على تمثيل الله بخلقه فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامة، وجعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، دالاً على الكفر، لأن تمثيل الله بخلقه كفر لكونه تكذيباً لقوله –تعالى-:(لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) ولقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم: من الآية65) قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري –رحمهما الله-: ((من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه)) .
النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله –تعالى أسماء ، للأصنام ، كاشتقاق اللات من الإله والعز من من العزيز،ومنان من المنان، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله تعالي - خاصة به، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد من المخلوقين ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله –عز وجل- . هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله –تعالى- .

* * *
س38: ما أقسام ما أضافه الله إلى نفسه مثل وجه الله، ويد الله ونحو ذلك؟
الجواب: أقسام ما أضافه الله إلى نفسه ثلاثة:

القسم الأول: العين القائمة بنفسها، فإضافتها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل العموم كقوله –تعالى-: ( إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ)(العنكبوت: من الآية56) .وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفيته كقوله –تعالى-: ( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)(الحج: من الآية26) وقوله: ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) (الشمس: من الآية13) وهذا القسم مخلوق .

القسم الثاني: العين التي يقوم بها غيرها مثل قوله –تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ).(النساء: من الآية171) فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءً من الله، إذ أن هذه الروح حلت في عيسى، عليه السلام، وهو عين منفصلة عن الله وهذا القسم مخلوق أيضاً .
القسم الثالث: أن يكون وصفاً محضا يكون فيه المضاف صفة لله وهذا القسم غير مخلوق، لأن جميع صفات الله غير مخلوقة، ومثاله قدرة الله وعزة الله وهو في القرآن كثير .

* * *
س39: ما حكم إنكار شيء من أسماء الله - تعالى- أو صفاته؟
الجواب: الإنكار نوعان:
النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحداً أنكر اسماً من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين، لأنه تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة .
النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها وهذا نوعان:
الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر .
الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيباً، مثل أن يقول ليس لله يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر، لأنه نفاها نفياً مطلقاً فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله –تعالى- (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(المائدة: من الآية64) المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب .
لكن إن قال المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر، لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ تحدث أن المانوية تكذب
من "يد" أي: من نعمة، لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تحدث الخير وإنما تحدث الشر .

الزاهدة
08-15-2011, 04:31 AM
س40: ما حكم من يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوق؟
الجواب: الذي يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوق ضال، ذلك أن صفات الخالق لا تماثل صفات المخلوقين بنص القرآن الكريم قال الله –تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) ولا يلزم من تماثل الشيئين في الاسم أو الصفة أن يتماثلا في الحقيقية هذه قاعدة معلومة .
أليس للآدمي وجه . وللبعير وجه؟ اتفقا في الاسم لكن لم يتفقا في الحقيقة . وللجمل يد، وللذرة يد، فهل اليدان متماثلتان؟
الجواب لا . إذا لماذا لا تقول لله –عز وجل- وجه ولا يماثل أوجه المخلوقين، ولله يد ولا تماثل أيدي المخلوقين؟! قال الله –تعالى-: )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)(الزمر: من الآية67) وقال:(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب)(الأنبياء: من الآية104) هل هناك يد من أيدي المخلوقين تكون كهذه اليد؟ لا . إذن يجب أن نعلم أن الخالق لا يماثل المخلوق، لا في ذاته، ولا في صفاته (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) ولذلك لا يجوز أبداً أن تتخيل كيفية صفة من صفات الله، أو أن تظن أن صفات الله كمثل صفات المخلوقين .

* * *
س41: من المعلوم أن الليل يدور على الكرة الأرضية والله –عز وجل- ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فمقتضى ذلك أن يكون كل الليل في السماء الدنيا فما الجواب عن ذلك؟
الجواب: الواجب علينا أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة أيضاً إلا أنه أخص من التكييف، لأنه تكييف مقيد بمماثلة، فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه المحاذير الأربعة . ويجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ ((لم))؟ وكيف؟ فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه عن التفكير في الكيفية، وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيراً، وهذه حال السلف –رحمهم الله- ولهذا جاء رجل إلى مالك بن أنس –رحمه الله- قال: يا أبا عبد الله ((الرحمن على العرش استوى)) كيف استوى؟
فأطرق برأسه وعلته الرحضاء، وقال: (( غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً)) .
وهذا الذي يقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين بقي ثلث الليل الآخر كل ليلة فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا، لأن الليل يدور على جميع الأرض، فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر .
جوابنا عليه أن نقول: هذا سؤال لم يسأله الصحابة –رضوان الله عليهم- ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن المستسلم لبينه الله ورسوله صلى ا لله عليه وسلم، ونقول ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقياً فالنزول فيها محقق، ومتى انتهى الليل انتفى النزول، ونحن لا ندرك كيفية نزول الله، ولا نحيط به عليماً، ونعمل أنه –سبحانه- ليس كمثله شيء، وعلينا أن نستسلم وأن نقول سمعنا، وآمنا، واتبعنا، وأطعنا، هذه وظيفتنا .

* * *
س42: ما مذهب السلف في رؤية الله –عز وجل-؟ وما حكم من يزعم ((أن الله لا يرى بالعين وأن الرؤية عبارة عن كمال اليقين))؟
الجواب: يقول الله –عز وجل- في القرآن الكريم حين ذكر القيامة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (القيامة:22) (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23) فأضاف النظر إلى الوجوه والذي يمكن به النظر في الوجوه العين، ففي الآية دليل على أن الله –سبحانه وتعالى- يرى بالعين، ولكن رؤيتنا لله –عز وجل- لا تقتضي الإحاطة به لأن الله –تعالى- يقول: ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طـه: من الآية110) فإذا كنا لا يمكن أن نحيط بالله علماً –والإحاطة العلمية أوسع وأشمل من الإحاطة البصرية- دل ذلك على أنه لا يمكن أن نحيط به إحاطة بصرية ويدل لذلك قوله - تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار) (الأنعام: من الآية103) فالأبصار وإن رأته لا يمكن أن تدركه، فالله –عزل وجل-فالله يري بالعين رؤية حقيقة، ولكنه لا يدرك بهذه الرؤية ؛ لأنه عز وجل أعظم من أن يحاط به، وهذا هو الذي ذهب إليه السلف ويرون أن أكمل نعيم ينعم به الإنسان أن ينظر إلى وجه الله –عز وجل- ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسألك لذة النظر إلى وجهك))42 قال: ((لذة النظر))، لأن لهذا النظر لذة عظيمة لا يدركها إلا من أدركها بنعمة من الله وفضل منه، وأرجو الله –تعالى- أن يجعلني وإياكم منهم . هذه هي حقيقة الرؤية التي أجمع عليها السلف .
أما من زعم أن الله لا يرى بالعين وأن الرؤية عبارة عن كمال اليقين، فإن قوله هذا باطل مخالف للأدلة ويكذبه الواقع، لأن كمال اليقين فإن قوله هذا باطل مخالف للأدلة ويكذبه الواقع، لأن كمال اليقين موجود في الدنيا أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم، في تفسير الإحسان: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)) 43.
وعبادتك لله كأنك تراه هذا هو كمال اليقين، فدعوى أن النصوص الواردة في الرؤية تعني كمال اليقين، لأن المتيقن يقيناً كاملاً كالذي يشاهد بالعين دعوى باطلة وتحريف للنصوص، وليس بتأويل بل هو تحريف باطل يجب رده على من قال به، والله المستعان .

الزاهدة
08-15-2011, 04:36 AM
س43: هل للجن تأثير على الإنس؟ وما طريق الوقاية منهم؟
الجواب: لا شك أن الجن لهم تأثير على الإنس بالأذية التي قد تصل إلى القتل، وربما يؤذونه برمي الحجارة، وربما يروعون الإنسان إلى غير ذلك من الأشياء التي ثبتت بها السنة ودل عليها الواقع، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لبعض أصحابه أن يذهب إلى أهله في إحدى الغزوات –وأظنها غزوة الخندق- وكان شاباً حديث عهد بعرس، فلما وصل إلى بيته وإذا امرأته على الباب فأنكر عليها ذلك، فقالت له: ادخل فدخل فإذا حية ملتوية على الفراش وكان معه رمح فوخزها بالرمح حتى ماتت وفي الحال –أي الزمن الذي ماتت فيه الحية- مات الرجل فلا يدري أيهما أسبق موتاً الحية أم الرجل، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفتين44 .
وهذا دليل على أن الجن قد يعتدون على الإنس وأنهم يؤذونهم كما أن الواقع شاهد بذلك فإنه قد تواترت الأخبار واستفاضت بأن الإنسان قد يأتي إلى الخربة فيرمى بالحجارة وهو لا يرى أحداً من الإنس في هذه الخربة، وقد يسمع أصواتاً وقد يسمع حفيفاً كحفيف الأشجار وما أشبه ذلك مما يستوحش به ويتأذى به، وكذلك أيضاً قد يدخل الجني إلى جسد الآدمي، إما بعشق، أو لقصد الإيذاء، أو لسبب آخر من الأسباب ويشير إلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ)(البقرة: من الآية275) وفي هذا النوع قد يتحدث الجني من باطن الإنسي نفسه ويخاطب من يقرأ عليه آيات من القرآن الكريم، وربما يأخذ القارئ عليه عهداً ألا يعود إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي استفاضت بها الأخبار وانتشرت بين الناس، وعلى هذا فإن الوقاية المانعة من شر الجن أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم مثل آية الكرسي، فإن آية الكرسي إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح . والله الحافظ .

* * *
س44: هل الجن يعلمون الغيب؟
الجواب: الجن لا يعلمون الغيب ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله واقرأ قوله –تعالى-: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ). (سـبأ:14) ومن ادعى علم الغيب فهو كافر . ومن صدق من يدعي علم الغيب فإنه كافراً أيضاً لقوله –تعالى-: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ)(النمل: من الآية65) فلا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله وحده، وهؤلاء الذي يدعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل كل هذا من الكهانة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً))45 فإن صدقه فإنه يكون كافراً لأنه إذا صدقه بعلم الغيب فقد كذب قوله –تعالى-: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) .

* * *
س45: ما حكم وصف النبي صلى الله عليه وسلم، بحبيب الله؟
الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم، حبيب الله لا شك فهو حاب لله ومحبوب لله، ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل الله، فالرسول –عليه الصلاة والسلام- خليل الله كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً))46 ولهذا من وصفه بالمحبة فقط فإنه نزله عن مرتبته، فالخلة أعظم من المحبة وأعلى، فكل المؤمنين أحباء لله، ولكن الرسول –عليه الصلاة والسلام- في مقام أعلى من ذلك وهي الخلة فقد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، لذلك نقول إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، خليل الله، وهذا أعلى من قولنا حبيب الله لأنه متضمن للمحبة، وزيادة لأنه غاية المحبة .

* * *
س46: ما حكم جعل مدح النبي صلى الله عليه وسلم تجارة؟
الجواب: حكم هذا محرم، ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي صلى الله عليه وسلم، ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون مدحاً فيما يستحقه صلى الله عليه وسلم، بدون أن يصل إلى درجة الغلو فهذا لا بأس به، أي لا بأس أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه صلى الله عليه وسلم .
والقسم الثاني: من مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))47 فمن مدح النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه غياث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم، بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول –عليه الصلاة والسلام- بما يصل إلى درجة الغلو لنهي ا لنبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك .
ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضاً إن هذا حرام ولا يجوز، لأن مدح الرسول –عليه الصلاة والسلام- بما يستحق وبما هو أهل له صلى الله عليه وسلم، من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، والهدي المستقيم مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله –تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15، 16)
والله الهادي إلى سواء الصراط .

الزاهدة
08-15-2011, 04:48 AM
س43: هل للجن تأثير على الإنس؟ وما طريق الوقاية منهم؟
الجواب: لا شك أن الجن لهم تأثير على الإنس بالأذية التي قد تصل إلى القتل، وربما يؤذونه برمي الحجارة، وربما يروعون الإنسان إلى غير ذلك من الأشياء التي ثبتت بها السنة ودل عليها الواقع، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لبعض أصحابه أن يذهب إلى أهله في إحدى الغزوات –وأظنها غزوة الخندق- وكان شاباً حديث عهد بعرس، فلما وصل إلى بيته وإذا امرأته على الباب فأنكر عليها ذلك، فقالت له: ادخل فدخل فإذا حية ملتوية على الفراش وكان معه رمح فوخزها بالرمح حتى ماتت وفي الحال –أي الزمن الذي ماتت فيه الحية- مات الرجل فلا يدري أيهما أسبق موتاً الحية أم الرجل، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفتين44 .
وهذا دليل على أن الجن قد يعتدون على الإنس وأنهم يؤذونهم كما أن الواقع شاهد بذلك فإنه قد تواترت الأخبار واستفاضت بأن الإنسان قد يأتي إلى الخربة فيرمى بالحجارة وهو لا يرى أحداً من الإنس في هذه الخربة، وقد يسمع أصواتاً وقد يسمع حفيفاً كحفيف الأشجار وما أشبه ذلك مما يستوحش به ويتأذى به، وكذلك أيضاً قد يدخل الجني إلى جسد الآدمي، إما بعشق، أو لقصد الإيذاء، أو لسبب آخر من الأسباب ويشير إلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ)(البقرة: من الآية275) وفي هذا النوع قد يتحدث الجني من باطن الإنسي نفسه ويخاطب من يقرأ عليه آيات من القرآن الكريم، وربما يأخذ القارئ عليه عهداً ألا يعود إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي استفاضت بها الأخبار وانتشرت بين الناس، وعلى هذا فإن الوقاية المانعة من شر الجن أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم مثل آية الكرسي، فإن آية الكرسي إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح . والله الحافظ .

* * *
س44: هل الجن يعلمون الغيب؟
الجواب: الجن لا يعلمون الغيب ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله واقرأ قوله –تعالى-: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ). (سـبأ:14) ومن ادعى علم الغيب فهو كافر . ومن صدق من يدعي علم الغيب فإنه كافراً أيضاً لقوله –تعالى-: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ)(النمل: من الآية65) فلا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله وحده، وهؤلاء الذي يدعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل كل هذا من الكهانة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً))45 فإن صدقه فإنه يكون كافراً لأنه إذا صدقه بعلم الغيب فقد كذب قوله –تعالى-: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) .
* * *
س45: ما حكم وصف النبي صلى الله عليه وسلم، بحبيب الله؟
الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم، حبيب الله لا شك فهو حاب لله ومحبوب لله، ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل الله، فالرسول –عليه الصلاة والسلام- خليل الله كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً))46 ولهذا من وصفه بالمحبة فقط فإنه نزله عن مرتبته، فالخلة أعظم من المحبة وأعلى، فكل المؤمنين أحباء لله، ولكن الرسول –عليه الصلاة والسلام- في مقام أعلى من ذلك وهي الخلة فقد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، لذلك نقول إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، خليل الله، وهذا أعلى من قولنا حبيب الله لأنه متضمن للمحبة، وزيادة لأنه غاية المحبة .

* * *
س46: ما حكم جعل مدح النبي صلى الله عليه وسلم تجارة؟
الجواب: حكم هذا محرم، ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي صلى الله عليه وسلم، ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون مدحاً فيما يستحقه صلى الله عليه وسلم، بدون أن يصل إلى درجة الغلو فهذا لا بأس به، أي لا بأس أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه صلى الله عليه وسلم .
والقسم الثاني: من مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))47 فمن مدح النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه غياث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم، بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول –عليه الصلاة والسلام- بما يصل إلى درجة الغلو لنهي ا لنبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك .
ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضاً إن هذا حرام ولا يجوز، لأن مدح الرسول –عليه الصلاة والسلام- بما يستحق وبما هو أهل له صلى الله عليه وسلم، من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، والهدي المستقيم مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله –تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) )أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15، 16)
والله الهادي إلى سواء الصراط .

الزاهدة
08-15-2011, 04:53 AM
س47: من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم، نورٌ من نور الله وليس ببشر وأنه يعلم الغيب ثم هو يستغيث به صلى الله عليه وسلم، معتقداً أنه يملك النفع والضر، فما حكم ذلك؟ وهل تجوز الصلاة خلف هذا الرجل أو من كان على شاكلته؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب: من اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم، نور من الله وليس ببشر، وأنه يعلم الغيب فهو كافر بالله ورسوله، وهو من أعداء الله ورسوله، وليس من أولياء الله ورسوله، لأن قوله هذا تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فهو كافر، والدليل على أن قوله هذا تكذيب لله ورسوله قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)(الكهف: من الآية110) وقوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ)(النمل: من الآية65) وقوله تعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ )(الأنعام: من الآية50) وقوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:118) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني))48 .
ومن استغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم، معتقداً أنه يملك النفع والضر فهو كافر مكذب لله تعالى مشرك به لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) وقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (21)(قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) .(الجـن:22) وقوله صلى الله عليه وسلم، لأقاربه: ((لا أغني عنكم من الله شيئاً))49 كما قال ذلك لفاطمة وصفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا تجوز الصلاة خلف هذا الرجل ومن كان على شاكلته، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا يحل أن يجعل إماماً للمسلمين .

* * *
س48: هل أحاديث خروج المهدي صحيحة أم لا؟
الجواب: أحاديث المهدي تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: أحاديث مكذوبة .
القسم الثاني: أحاديث ضعيفة .
القسم الثالث: أحاديث حسنة لكنها بمجموعها تصل إلى درجة الصحة، على أنها صحيح لغيره .
وقال بعض العلماء إن فيها ما هو صحيح لذاته وهذا هو القسم الرابع .
ولكنه ليس المهدي المزعوم الذي يقال إنه في سرداب في العراق، فإن هذا لا أصل له، وهو خرافة ولا حقيقة له، ولكن المهدي الذي جاءت الأحاديث بإثباته رجل كغيره من بني آدم يخلق ويولد في وقته، ويخرج إلى الناس في وقته، فهذه هي قصة المهدي، وإنكاره مطلقاً خطأ، وإثباته مطلقاً خطأ، لأن إثباته عل وجه يشمل المهدي المنتظر الذي يقال إنه في السرداب هذا خطأ، لأن اعتقاد هذا المهدي المختفي خلل في العقل، وضلال في الشرع وليس له أصل، وإثبات المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وتكاثرت فيه الأحاديث والذي سيولد في وقته ويخرج في وقته هذا حق .

* * *
س49: من هم يأجوج ومأجوج؟
الجواب: يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم موجودتان، قال الله –تعالى في قصة ذي القرنين: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (93) (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً) (94) (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (95) (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) (96) (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً) (97) (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً) (الكهف الآيات: 93-98) .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله يوم القيامة يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك)) إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبشروا فإن منكم واحداً، ومن يأجوج ومأجوج ألفاً))50 وخروجهم الذي هو من أشراط الساعة وجدت بوادره في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أم حبيبة –رضي الله عنها- قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً فزعاً محمراً وجهه يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من رجم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها))51 .

* * *
س50: لماذا حذر الأنبياء أقوامهم من الدجال مع أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان؟
الجواب: أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة هي فتنة الدجال كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ما من نبي من نوح إلى محمد – صلوات الله عليهم وسلامه- إلا أنذر قومه به52 تنويهاً بشأنه، وتعظيماً له، وتحذيراً منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان ولكن أمر الرسل أن ينذروا قومهم إياه من أجل أن تتبين عظمته وفداحته، وقد صح ذلك عن النبي –عليه الصلاة والسلام- وقال: ((إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم –صلوات الله وسلامه عليه يعني أكفيكم إياه- وإلا فالمرء حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم))53 نعم الخليفة ربنا جلا وعلا- .
فهذا الدجال شأنه عظيم بل هو أعظم فتنة كما جاء الحديث منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، فكان حرياً بأن يخص من بين فتن المحيا في التعوذ من فتنته في الصلاة ((أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) .
وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه، لأن هذا مموه بل أعظم مموه، وأشد الناس دجلاً .

الزاهدة
08-15-2011, 04:58 AM
س51: ما حكم من أنكر حياة الآخرة وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى؟ وكيف يمكن إقناع هؤلاء المنكرين؟
الجواب: من أنكر حياة الآخرة، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى فهو كافر، لقول الله –تعالى-: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (29) (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (سورة الأنعام، الآيات 29-30) وقال –تعالى-: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (10) (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (11) (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (12) )إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (13) (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:14) (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (15) (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ) (16) (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (المطففين:الآيات 11-17) وقال –تعالى-: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) (الفرقان:11) وقال –تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (العنكبوت:23)
وأما إقناع هؤلاء المنكرين فيما يأتي:
أولاً: أن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية، والشرائع السماوية، وتلقته أممهم بالقبول، فكيف تنكرونه وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف، أو صاحب مبدأ أو فكرة، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث لا في وسيلة النقل، ولا في شهادة الواقع؟!
ثانياً: أن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه، وذلك من وجوه:

1- كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقاً بعد العدم، وأنه حادث بعد أن لم يكن، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن، قادر على إعادته بالأولى، كما قال الله –تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(الروم: من الآية27) وقال –تعالى-: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)(الأنبياء: من الآية104).

2- كل أحد لا ينكر عظمة خلق السماوات والأرض لكبرهما وبديع صنعتهما، فالذي خلقهما قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى، قال الله –تعالى-: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)(غافر: من الآية57) وقال –تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الاحقاف:33) وقال –تعالى-: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ) (يّـس:81) (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82).

3- كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات، فإذا نزل المطر عليها أخصبت وحيي نباتها بعد الموت، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم، قال الله –تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت:39) .

ثالثاً: أن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه فيما أخبرنا الله –تعالى- به من وقائع إحياء الموتى، وقد ذكر الله –تعالى- من ذلك في سورة البقرة خمس حوادث منها قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:259) .

رابعاً: أن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت لتجازى كل نفس بما كسبت، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثاً لا قيمة له، ولا حكمة منه، ولم يكن بين الإنسان وبين البهائم فرق في هذه الحياة . قال الله –تعالى-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون:116) وقال الله - تعالى-: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (طـه:15) وقال - تعالى-: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (38) (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) (النحل:39) )إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (النحل:38، 40) وقال –تعالى-: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (التغابن:7)
فإذا بينت هذه البراهين لمنكري البعث وأصروا على إنكارهم، فهم مكابرون معاندون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

* * *
س52: هل عذاب القبر ثابت؟
الجواب: عذاب القبر ثابت بصريح السنة وظاهر القرآن وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة .
أما صريح السنة فقد قال النبي –عليه الصلاة والسلام-: ((تعوذوا بالله من عذب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر))54 .
وأما إجماع المسلمين، فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: ((أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر)) حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء .
وأما ظاهر القرآن فمثل قوله –تعالى- في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) لا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال –تعالى-: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم ما يريدون أن تخرج. وقال تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)(الأنعام: من الآية93) فقال (اليوم) و((ال)) هنا للعهد الحضوري اليوم يعني اليوم الحاضر الذي هو يوم وفاتهم (تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) .
إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك .

* * *
س53: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟
الجواب: نعم ويكون العذاب على الروح، لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمراً غيبياً لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق، لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا .

الزاهدة
08-15-2011, 05:04 AM
س54: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير ويم يضق ولم يتسع؟
الجواب: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها:
أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) وقوله صلى ا لله عليه وسلم: ((فلولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ثم أقبل بوجه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر))55 وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن ((يفسح له في قبره مد بصره))56 إلى غير ذلك من النصوص فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول، بل الواجب التصديق والإذعان .
ثانياً:أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن، فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب، ولم يكن للإيمان به فائدة، لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا .
ثالثاً: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به .
والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا .

* * *
س55: هل يخفف عذاب ا لقبر عن المؤمن العاصي؟
فأجاب قائلاً: نعم قد يخفف لأن النبي صلى الله عليه وسلم، مر بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ)) أو قال: ((لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة وقال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا))57 وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟
1- قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرعوا على هذا العلة المستنبطة –التي قد تكون مستبعدة- أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبح عنها من أجل أن يخفف عنها .
2- وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين لقوله –تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: من الآية44) وقد سمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟
العلة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، ترجى من الله –عز وجل- أن يخفف عنهما العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني أن المدة ليست طويلة، وذلك من أجل التحذير عن فعلهما، لأن فعلهما كبير كما جاء في الرواية ((بلى إنه كبير)) أحدهما لا يستبرئ من البول، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة، والآخر يمشي بالنميمة يفسد بين عباد الله –والعياذ بالله- ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة تحذيراً للأمة لا بخلاً من الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفاعة الدائمة .
ونقول استطراداً: إن بعض العلماء –عفا الله عنهم- قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جداً ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم .
ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب، وما يدرينا فلعله ينعم، ولعل هذا الميت ممن من الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العبادة عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً .
ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة –رضي الله عنهم- فما بالنا نحن نفعله .
رابعاً: أن الله –تعالى- قد فتح لنا ما هو خير منه فكان النبي –عليه الصلاة والسلام- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل58

* * *
س56: ما هي الشفاعة؟ وما أقسامها؟
الجواب: الشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وهو جعل الوتر شفعاً مثل أن تجعل الواحد اثنين، والثلاثة أربعة، وهكذا من حيث اللغة .
أما في الاصطلاح: فهي ((التوسط للغير بجلب منفعة ، أو دف مضرة)) يعني أن يكون الشافع بين المشفوع إليه، والمشفوع له واسطة لجلب منفعة إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرة .
والشفاعة نوعان:
النوع الأول: شفاعة ثابتة صحيحة، وهي التي أثبتها الله –تعالى- في كتابه، أو أثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، لأن أبا هريرة –رضي الله عنه- قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: ((من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه))59.
وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة:
الشرط الأول: رضي الله عن الشافع .
الشرط الثاني: رضي الله عن المشفوع له .
الشرط الثالث: إذن الله –تعالى- للشافع أن يشفع .
وهذه الشروط مجملة في قوله –تعالى-: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم:26) ومفصلة في قوله: ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ).(البقرة: من الآية255) وقوله: (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109) وقوله: ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) (الأنبياء: من الآية28) فلا بد من هذه الشروط الثلاثة حتى تتحقق الشفاعة .
ثم إن الشفاعة الثابتة ذكر العلماء –رحمهم الله تعالى- أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الشفاعة العامة، ومعنى العموم أن الله –سبحانه وتعالى- يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم، وهذه الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولغيره من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهي أن يشفع في أهل النار من عصاة المؤمنين أن يخرجوا من النار .
القسم الثاني: الشفاعة الخاصة: التي تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعظمها الشافعة العظمى التي تكون يوم القيامة، حين يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله –عز وجل- أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى وكلهم لا يشفع حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم ويشفع عند الله –عز وجل- أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم، فيجيب الله - تعالى- دعاءه، ويقبل شفاعته، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله - تعالى- به في قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء:79) .
ومن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يهذبوا وينقوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .
النوع الثاني: الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله –عز وجل- فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم كما قال الله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(المدثر:48) وذلك لأن الله –تعالى- لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم، لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله –عز وجل- والله لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها ويقولون: ( هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)(يونس: من الآية18) تعلق باطل غير نافع، بل هذا لا يزيدهم من الله - تعالى- إلا بعداً على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة وهي عبادة هذه الأصنام، وهذا من سفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله –تعالى- بما لا يزيدهم منه إلا بعداً .

* * *
س57: ما مصير أطفال المؤمنين، وأطفال المشركين الذين ماتوا صغاراً؟
فأجاب فضيلته قائلاً: مصير أطفال المؤمنين الجنة، لأنهم تبع لآبائهم قال –تعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور:21) .
وأما أطفال غير المؤمنين يعين الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين فأصح الأقوال فيهم أن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم، أما في أحكام الآخرة فإن الله –تعالى- أعلم بما كانوا عاملين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم60 ، والله أعلم بمصيرهم هذا ما نقوله، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيراً، إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا، وأحكامهم في الدنيا –أعني أولاد المشركين- أحكامهم في الدنيا أنهم كالمشركين لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين . والله أعلم .

* * *
س58: ذكر للرجال الحور العين في الجنة فما النساء؟
الجواب: يقول الله –تبارك وتعالى- في نعيم أهل الجنة: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)(فصلت: من الآية31) (نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت:32) ويقول -تعالى-: ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(الزخرف: من الآية71) .
ومن المعلوم أن الزواج من أبلغ ما تشتهيه النفوس فهو حاصل في الجنة لأهل الجنة ذكوراً كانوا أم إناثاً، فالمرأة يزوجها الله –تبارك وتعالى- في الجنة بزوجها الذي كان زوجاً لها في الدنيا كما قال الله –تبارك وتعالى-: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (غافر:8) وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله –تعالى- يزوجها ما تقر به عينها في الجنة .

* * *
س59: هل ما يذكر من أن أكثر أهل النار النساء صحيح؟ ولماذا؟
الجواب هذا صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهن وهو يخطب فيهن: ((يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) وقد أورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الإشكال الذي أورده السائل قلن: وبم يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير))61 فبين النبي صلى الله عليه وسلم، أسباب كثرتهن في النار، لأنهن يكثرن السب، واللعن، والشتم، ويكفرن العشير الذي هو الزوج فصرن بذلك أكثر أهل النار .

الزاهدة
08-15-2011, 05:19 AM
س60: ما توجيه فضيلتكم لمن لا يحب دراسة العقيدة خصوصاً مسألة القدر خوفاً من الزلل؟
الجواب: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة التي لا بد للإنسان منها في دينه ودنياه، لا بد أن يخوض غمارها وأن يستعين بالله –تبارك وتعالى- على تحقيقها ومعرفتها حتى يتبين له الأمر، لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة، أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها ويخشى أن تكون سبباً لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها ما دام غيرها أهم منها، ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تماماً حتى يصل فيها إلى اليقين، وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال –ولله الحمد- والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس هو أنهم مع الأسف الشديد يرجحون جانب ((كيف)) على جانب ((لم)) والإنسان مسئول عن عمله بأداتين من أدوات الاستفهام ((لم)) و ((كيف))فلم عملت كذا؟ هذا الإخلاص . كيف عملت كذا؟ هذا المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب ((كيف)) غافلون عن تحقيق جواب ((لم)) ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيراً، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور، فالناس الآن مهتمون كثيراً بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم وهو جانب العقيدة، وجانب الإخلاص، وجانب التوحيد، لهذا تجد بعض الناس في مسائل الدنيا يسأل عن مسألة يسيرة جداً جداً وقلبه منكب على الدنيا غافل عن الله مطلقاً في بيعه وشرائه، ومركوبه، ومسكنه، وملبسه، فقد يكون بعض الناس الآن عابداً للدنيا وهو لا يشعر، وقد يكون مشركاً بالله في الدنيا وهو لا يشعر،لأنه مع الأسف أن جانب التوحيد وجانب العقيدة لا يهتم بهما ليس من العامة فقط، ولكن حتى من بعض طلاب العلم، وهذا أمر له خطورته، كما أن التركيز على العقيدة فقط بدون العمل الذي جعله الشارع كالحامي والسور لها خطأ أيضاً، لأننا نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف التركيز على أن الدين هو العقيدة السمحاء وماشبه ذلك العبارات، وفي الحقيقية أن هذا يخشى أن يكون باباً يلج منه من يلج في استحلال بعض المحرمات بحجة أن العقيدة سليمة، ولكن لا بد من ملاحظة الأمرين جميعاً ليستقيم الجواب على ((لم)) وعلى (كيف)) .
وخلاصة الجواب: أنه يجب على المرء دراسة علم التوحيد والعقيدة، ليكون على بصيرة في إلهه ومعبوده -جل وعلا- على بصيرة في أسماء الله وصفاته وأفعاله، على بصيرة في أحكامه الكونية، والشرعية، على بصيرة في حكمته، وأسرار شرعه وخلقه، حتى لا يضل بنفسه أو يضل غيره . وعلم التوحيد هو أشرف العلوم لشرف متعلقه ولهذا أسماه أهل العلم (الفقه الأكبر) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))62 . وأول ما يدخل في ذلك وأولاه علم التوحيد والعقيدة، لكن يجب على المرء أيضاً أن يتحرى كيف يأخذ هذا العلم، ومن أي مصدر يتلقاه، فليأخذ من هذا العلم أولاً ما صفا منه وسلم من الشبهات، ثم ينتقل ثانياً إلى النظر فيما أورد عليه من البدع والشبهات، ليقوم بردها وبيانها مما أخذه من قبل من العقيدة الصافية، وليكن المصدر الذي يتلقاه منه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم كلام الصحابة –رضي الله عنهم- ثم ما قاله الأئمة بعدهم من التابعين وأتباعهم، ثم ما قاله العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم، خصوصاً شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عليهما وعلى سائر المسلمين وأئمتهم سابغ الرحمة والرضوان .

* * *
س61: نأمل من فضيلتكم بيان مسألة القدر؟ وهل أصل الفعل مقدر والكيفية يخير فيها الإنسان؟ مثال ذلك إذا قدر الله-تعالى- للعبد أن يبني مسجداً فإنه سيبني لا محالة لكنه ترك لعقله الخيار في كيفية البناء، وكذلك المعصية إذا قدرها الله فإن الإنسان سيفعلها لا محالة، لكن ترك لعقه كيفية تنفيذها، وخلاصة هذا الرأي أن الإنسان مخير في الكيفية التي ينفذ بها ما قدر عليه فهل هذا صحيح؟
الجواب: هذه المسألة - أي مسألة القدر- محل جدل بين البشر من قديم الزمان، ولذلك انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام طرفين ووسط . أما الطرفان:
فأحدهما: نظر إلى عموم قدر الله فعمي عن اختيار العبد . وقال: إنه مجبر على أفعاله، وليس له فيها أي اختيار، فسقوط الإنسان من السقف بالريح ونحوها كنزوله منه مختاراً من الدرج .
وأما الطرف الثاني: فنظر إلى أن العبد فاعل تارك باختياره، فعمي عن قدر الله . وقال: إن العبد مستقل بأفعاله، ولا تعلق لقدر الله - تعالى- فيها .
وأما الوسط فأبصروا السببين، فنظروا إلى عموم قدر الله –تعالى- وإلى اختيار العبد، فقالوا: إن فعل العبد كائن بقدر الله –تعالى- وباختيار العبد، وأنه يعلم بالضرورة الفرق بين سقوط الإنسان من السقف بالريح ونحوها، ونزوله منه مختاراً من الدرج، فالأول من فعله بغير اختياره، والثاني باختياره، والكل منهما واقع بقضاء الله وقدره، لا يقع في ملكه ما لا يريد، لكن ما وقع باختيار العبد فهو مناط التكليف، ولا حجة له بالقدر في مخالفة ما كلف به من أوامر أو نواه، وذلك لأنه يقدم على المخالفة حين يقدم عليها وهو لا يعلم ما قدر الله عليه، فيكون إقدامه الاختياري على المخالفة هو سبب العقوبة سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة، ولذلك لو أجبره مجبر على المخالفة، لم يثبت عليه حكم المخالفة ولا يعاقب عليها لثبوت عذره حينئذ . وإذا كان الإنسان يدرك أن هروبه من النار إلى موضع يأمن فيه منها يكون باختياره، وأن تقدمه إلى بيت جميل واسع طيب المسكن ليسكنه يكون باختياره أيضاً، مع إيمانه أن هروبه وتقدمه المذكورين واقعان بقضاء الله وقدره، وأن بقاءه لتدركه النار، وتأخره عن سكنى البيت يعد تفريطاً منه وإضاعة للفرصة يستحق اللوم عليه، فلماذا لا يدرك هذا بالنسبة لتفريطه بترك الأسباب المنجية له من نار الآخرة، الموجبة لدخوله الجنة؟!
وأما التمثيل بأن الله إذا قدر للعبد أن يبني مسجداً فإنه سيبني هذا المسجد لا محالة، لكنه ترك لعقله الخيار في كيفية البناء، فهذا تمثيل غير صحيح، لأنه يوحي بأن كيفية البناء يستقل بها العقل ولا تدخل في قد الله –تعالى- وأن أصل فكرة البناء يستقل بها القدر ولا مدخل للاختيار فيها . والحقيقة أن أصل فكرة البناء تدخل في اختيار العبد لأنه لم يجبر عليها، كما لا يجبر على فكرة إعادة بناء بيته الخاص أو ترميمه مثلاً، ولكن هذه الفكرة قد قدرها الله –تعالى- للعبد من حيث لا يشعر، لأنه لا يعلم بأن الله قدر شيئاً ما حتى يقع ذلك الشيء، إذ القدر سر مكتوم لا يعلم إلا باطلاع الله - تعالى- عليه بالوحي، أو بالوقوع الحسي . وكذلك كيفية البناء هي بقدر الله –تعالى- فإن الله –تعالى- قد قدر الأشياء كلها جملة وتفصيلاً، ولا يمكن أن يختار العبد ما لم يرده أو يقدره، بل إذا اختار العبد شيئاً وفعله علم يقيناً أن الله –تعالى- قد قضاه وقدره، فالعبد مختار بحسب الأسباب الحسية الظاهرة التي قدرها الله –تعالى- أسباباً لوقوع فعله، ولا يشعر العبد حين يفعل الفعل بأن أحداً أجبره عليه، لكنه إذا فعل ذلك بحسب الأسباب التي جعلها الله –تعالى- أسباباً، علمنا يقيناً بأن الله تعالى، قد قدرها جملة وتفصيلاً .
وهكذا نقول في التمثيل بفعل الإنسان المعصية حيث قلتم: إن الله قدر عليه فعل المعصية فهو سيفعلها لا محالة، ولكن ترك لعقله كيفية تنفيذها والسعي إليها .
فنقول فيه ما قلناه في بناء المسجد: إن تقدير الله –تعالى- عليه فعل المعصية لا ينافي اختياره لها، لأنه حين اختياره لها لا يعلم بما قدر الله –تعالى- عليه، فهو يقدم عليها مختاراً لا يشعر بأن أحداً يجبره، لكنه إذا أقدم وفعل علمنا أن الله قد قدر فعله لها، وكذلك كيفية تنفيذ المعصية والسعي إليها الواقعة باختيار العبد، لا تنافي قدر الله - تعالى- فالله –تعالى- قد قدر الأشياء كلها جملة وتفصيلاً، وقدر أسبابها الموصلة إليها، ولا يشذ عن ذلك شيء من أفعاله، ولا من أفعال العباد الاختيارية منها والاضطرارية، كما قال الله –تعالى-: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج:70) وقال - تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112) وقال: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:137) وقال: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(البقرة: من الآية253) .
وبعد فإن الجدير بالمرء ألا يبحث في نفسه ولا مع غيره في مثل هذه الأمور التي توجب له التشوش، وتوهم معارضة الشرع بالقدر، فإن ذلك ليس من دأب الصحابة –رضي الله عنهم- وهم أحرص الناس على معرفة الحقائق وأقربهم من معين إرواء الغلة، وكشف الغمة، وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار)) . فقلنا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ (وفي رواية أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) قال: ((لا اعملوا فكل ميسر))63 وفي رواية: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة))64 ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (الليل5) )(وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (6) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل:7) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (8) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى). (الليل:الآيات 5،10). فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاتكال على الكتاب وترك العمل، لأنه لا سبيل إلى العلم به، وأمر بما يستطيعه العبد ويمكنه، وهو العمل واستدل بالآية التي تدل على أن من عمل صالحاً وآمن فسييسر لليسرى، وهذا هو الدواء الناجع المثمر، الذي يجد فيه العبد بلوغ عافيته وسعادته، حيث يشمر للعمل الصالح المبني على الإيمان، ويستبشر بذلك حين يقارنه التوفيق لليسرى في الدنيا والآخرة . أسأل الله –تعالى- أن يوفقنا جميعاً للعمل الصالح، وأن ييسرنا لليسرى، ويجنبنا العسرى، ويغفر لنا في الآخرة والأولى، إنه جواد كريم.

الزاهدة
08-15-2011, 05:23 AM
س62: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟
الجواب: لا شك أن للدعاء تأثيراً في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضاً بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب وما يحصل به مكتوب، ولهذا نجد القارئ يقرأ على المريض فيشفى، وقصة السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلوا ضيوفاً على قوم ولكنهم لم يضيفوهم، وقدر أن لدغت حية سيدهم فطلبوا من يقرأ عليه، فاشترط الصحابة أجرة على ذلك، فأعطوهم قطيعاً من الغنم، فذهب أحدهم فقرأ عليه الفاتحة، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، أي كأنه بعير فك عقاله، فقد أثرت القراءة في شفاء المريض .
فللدعاء تأثير لكنه ليس تغييراً للقدر، بل هو مكتوب بسببه، وكل شيء عند الله بقدر، وكذلك جميع الأسباب لها تأثير في مسبباتها بإذن الله، فالأسباب مكتوبة والمسببات مكتوبة .

* * *
س63: هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ؟
الجواب: كل شيء منذ خلق الله القلم إلى يوم القيامة فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ لأن الله –سبحانه وتعالى- أول ما خلق القلم قال له: ((اكتب: قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة))65 .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكاً نفخ فيه الروح، ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد . والرزق أيضاً مكتوب مقدر بأسباب لا يزيد ولا ينقص، فمن الأسباب أن يعمل الإنسان لطلب الرزق كما قال الله –تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15) ومن الأسباب أيضاً صلة الرحمن من بر الوالدين، وصلة القرابات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه))66 ومن الأسباب تقوى الله –عز وجل- كما قال –تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)(الطلاق: من الآية2) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)(الطلاق: من الآية3) ولا تقل إن الرزق مكتوب ومحدد ولن أفعل الأسباب التي توصل إليه فإن هذا من العجز . والكياسة والحزم أن تسعى لرزقك، ولما ينفعك في دينك ودنياك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)) 67 وكما أن الرزق مكتوب مقدر بأسبابه فكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله –تعالى- لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

* * *
س64: ما حكم من يتسخط إذا نزلت به مصيبة؟
الجواب: الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب كأن يسخط على ربه فيغتاظ مما قدره الله عليه فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)(الحج: من الآية11) .
النوع الثاني: أن يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام .
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب .
المرتبة الثانية: الصبر وهو كما قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله، وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده وهذا واجب، لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال: ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).(الأنفال: من الآية46) .
المرتبة الثالثة: الرضا بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً، وهذه مستحبة، وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر، لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليه.
المرتبة الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها))69 .

* * *
س65: فضيلة الشيخ: نأمل من فضيلتكم توضيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر))70 متفق عليه . وما نوع النفي في الحديث؟ وكيف نجمع بينه وبين حديث: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))71 ؟
الجواب: ((العدوى)) انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية (( المهملة)) يكون في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر النبي –عليه الصلاة والسلام- أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة فقوله صلى الله عليه وسلم: ((عدوى)) يشمل العدوى الحسية والمعنوية .
و((الطيرة)) هي التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم .
و((الهامة)) فسرت بتفسيرين:
الأول: داء يصيب المريض وينتقل إلى غيره، وعلى هذا التفسير يكون عطفها على العدوى من باب عطف الخاص على العام .
الثاني: طير معروف تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، فإن هذه الهامة تأتي إلى أهله وتنعق على رؤوسهم حتى يأخذوا بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحة تكون بصورة الهامة، وهي نوع من الطيور تشبه البومة أو هي البومة، تؤذي أهل القتيل بالصراخ حتى يأخذوا بثأره، وهم يتشاءمون بها فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت قالوا إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون قرب أجله وهذا باطل .
و((صفر)) فسر بتفاسير:
الأول: أنه شهر صفر المعروف، والعرب يتشاءمون به .
الثاني: أنه داء في البطن يصيب البعير، وينتقل من بعير إلى آخر، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام .
الثالث: صفر شهر صفر، والمراد به النسيء الذي يضل به الذين كفروا، فيؤخرون تحريم شهر المحرم إلى صفر يحلونه عاماً، ويحرمونه عاماً .
وأرجحها أن المراد شهر صفر حيث كانوا يتشاءمون به في الجاهلية، والأزمنة لا دخل فيها في التأثير، وفي تقدير الله –عز وجل- فهو كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر .
وبعض الناس إذا انتهى من عمل معين في اليوم الخامس والعشرين مثلاً في شهر صفر أرخ ذلك وقال: انتهى في الخامس والعشرين من شهر صفر الخير . فهذا من باب مداواة البدعة بالبدعة، والجهل بالجهل . فهو ليس شهر خير، ولا شر . ولهذا أنكر بعض السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: ((خيراً إن شاء الله فلا يقال خير ولا شر بل هي تنعق كبقية الطيور .
فهذه الأربعة التي نفاها الرسول صلى الله عليه وسلم، تدل على وجوب التوكل على الله، وصدق العزيمة، وألا يضعف المسلم أمام هذه الأمور .
وإذا ألقى المسلم باله لهذه الأمور فلا يخلو من حالين:
الأولى: إما أن يستجيب لها بأن يقدم أو يحجم، فيكون حينئذ قد علق أفعاله بما لا حقيقة له.
الثانية: أن لا يستجيب بأن يقدم ولا يبالي، لكن يبقى في نفسه نوع من الهم أو الغم، وهذا وإن كان أهون من الأول لكن يجب أن لا يستجيب لداعي هذه الأمور مطلقاً، وأن يكون معتمداً على الله –عز وجل- .
وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل فإذا نظر ذكر النار قال هذا فأل غير جميل، وإذا نظر ذكر الجنة قال هذا فأل طيب، وهذا في الحقيقة مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام .
والنفي في هذه الأمور الأربعة ليس نفياً للوجود، لأنها موجودة ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سبباً معلوماً فهو سبب صحيح، وما كان منها سبباً موهوماً فهو سبب باطل، ويكون نفياً لتأثيره بنفسه ولسببيته، فالعدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يورد ممرض على مصح))72 أي لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، لئلا تنتقل العدوى .
وقوله صلى ا لله عليه وسلم: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))73 .
"الجذام": مرض خبيث معد بسرعة ويتلف صاحبه، حتى قيل إنه الطاعون، فالأمر بالفرار لكي لا تقع العدوى، وفيه إثبات العدوى لتأثيرها، لكن تأثيرها ليس أمر حتمي بحيث تكون علة فاعلة، ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالفرار من المجذوم، وأن لا يورد ممرض على مصح، من باب تجنب الأسباب، لا من باب تأثير الأسباب بنفسها قال الله –تعالى- ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)(البقرة: من الآية195) ولا يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم، ينكر تأثير العدوى، لأن هذا أمر يبطله الواقع والأحاديث الأخرى .
فإن قيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم،لما قال((لا عدوى)) قال رجل: يا رسول الله أرأيت الإبل تكون في الرمال مثل الضبا فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فمن أعدى الأول))74 ؟!
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بقوله: ((فمن أعدى الأول)) إلى أن المرض انتقل من المريضة إلى هذه الصحيحات بتدبير الله –عز وجل- فالمرض نزل على الأول بدون عدوى بل نزل من عند الله –عز وجل- والشيء قد يكون له سبب معلوم، وقد لا يكون له سبب معلوم، وجرب الأول ليس معلوماً إلا أنه بتقدير الله –تعالى- وجرب الذي بعده له سبب معلوم ولو شاء الله –تعالى- ما جرب، ولهذا أحياناً تصاب الإبل بالجرب ثم يرتفع ولا تموت، وكذلك الطاعون والكوليرا أمراض معدية قد تدخل البيت فتصيب البعض فيموتون، ويسلم آخرون ولا يصابون، فالإنسان يعتمد على الله ويتوكل عليه وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم، قدم عليه رجل مجذوم فأخذ بيده وقال له: ((كل))75 أي من الطعام الذي كان يأكل منه الرسول صلى الله عليه وسلم، لقوة توكله صلى الله عليه وسلم، فهذا التوكل مقاوم لهذا السبب المعدي .
وهذا الجمع الذي ذكرنا أحسن ما قيل في الجمع بين الأحاديث، وادعى بعضهم النسخ، وهذه الدعوى غير صحيحة، لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع وجب لأن فيه إعمال الدليلين، وفي النسخ إبطال أحدهما، وإعمالهما أولى من إبطال أحدهما لأننا اعتبرناهما وجعلناهما حجة . والله الموفق .

الزاهدة
08-15-2011, 05:28 AM
س66: هل العين تصيب الإنسان؟ وكيف تعالج؟ وهل التحرز منها ينافي التوكل؟
الجواب: رأينا في العين أنها حق ثابت شرعاً وحساً قال الله تعالى:(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ)(القلم: من الآية51) قال ابن عباس وغيره في تفسيرها أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا))76 رواه مسلم . ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: ((لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة)) فما لبث أن لبط به فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أدرك سهلاً صريعاً فقال: ((من تتهمون؟" قالوا عامر بن ربيعة، فقال النبي صلى ا لله عليه وسلم: "علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة))77 ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه، وفي لفظ: يكفأ الإناء من خلفه .و الواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره .
وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي:
1- القراءة: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا رقية إلا من عين أو حمة))78 . وقد كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ((باسم الله أرقيك، من كل شيء يوذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك))79.
2- الاستغسال: كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب .
أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل، وكذلك الأخذ من أثره، وإنما الوارد ما سبق من غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطاقيته وثوبه، والله أعلم .
والتحرز من العين مقدماً لا بأس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل، لأن التوكل الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة))80 ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام . رواه البخاري .

***
س67: هل يعذر الإنسان بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة؟
الجواب: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافاً لفظياً في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين أي أن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع، أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع . وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن ديناً يخالف ما هو عليه فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله –تعالى- والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله –عز وجل- والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله –تعالى-: ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف: من الآية49) .
وإنما قلنا تجرى عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر، لأنه يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه: ((طريق الهجرتين)) عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة .
النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجرى عليه أحكام الإسلام ظاهراً، أما في ا لآخرة فأمره إلى الله –عز وجل- . وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم .
فمن أدلة الكتاب: قوله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(الإسراء: من الآية15) وقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص:59) وقوله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )(النساء: من الآية165) وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(إبراهيم: من الآية4) وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)(التوبة: من الآية115) وقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام:155) (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (156) (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ) (الأنعام الآيات: 156، 157) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان .
وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1/134 عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة –يعني أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) .
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8/131: ((فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره)) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 3/229 مجموع ابن قاسم: ((إني دائماً –ومن جالسني يعلم ذلك مني- من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وأني أقرر أن الله –تعالى- قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمي الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية –إلى أن قال- وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين –إلى أن قال- والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً)) أ.هـ. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1/56 من الدرر السنية: ((وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره)) . ((وأما الكذب والبهتان فقولهم إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل)) أ.هـ.
وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله - تعالى- ولطفه، ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله - تعالى- من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل .
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء اسمه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله –تعالى- في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به .
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله –تعالى- فهو كمن حرم ما أحل الله، لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه .
وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه برئ من ذلك، وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا فكر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما))81 وفي رواية: "إن كان كما قال وإلا رجعت عليه82 وله من حديث أبي ذر –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه))83 يعني رجع عليه وقوله في حديث ابن عمر: ((إن كان كما قال" يعني في حكم الله –تعالى- وكذلك قوله في حديث أبي ذر: ((وليس كذلك))يعني حكم الله –تعالى- .
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئاً منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به، لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجباً بعمله محتقراً لغيره فيكون جامعاً بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله –تعالى- في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((قال الله عز وجل الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار))84 .
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول: دلالة الكتاب، والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب .
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله –تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له .
ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره، أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟
الجواب: الظاهر الثاني، أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما تقتضيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة، ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالماً ما زنى .
ومن الموانع أن يكره على المكفر لقوله - تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106) ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف، ونحو ذلك . لقوله - تعالى-: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(الأحزاب: من الآية5) وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح))85 .
ومن الموانع أيضاً أن يكون له شبهة تأويل في المكفر بحيث يظن أنه على حق، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في قوله –تعالى-: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)(الأحزاب: من الآية5) ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله –تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)(البقرة: من الآية286) قال في المغني 8/131: "وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك –يعني يكون كافراً- وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين إلى الله –تعالى- إلى أن قال: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا)) . وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/30 مجموع ابن القاسم: ((وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب)) وفي ص210 منه ((فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم .. وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن)) . وقال أيضاً 28/518 من المجموع المذكور: "فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين" . لكنه ذكر في 7/217 ((أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع)) . وفي 28/518 ((أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره)) . وفي 3/282 قال: (( والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار . ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟! فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه)) . إلى أن قال: ((وإذا كان المسلم متأولاً في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" . إلى أن قال :((وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره . والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله –تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: من الآية15) وقوله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء: من الآية165) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين منذرين)) .
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم .

الزاهدة
08-15-2011, 05:35 AM
س68: ما حكم من حكم بغير ما أنزل الله؟
الجواب: أقول وبالله –تعالى- التوفيق، أقول وأسأله الهداية والصواب: إن الحكم بما أنزل الله –تعالى- من توحيد الربوبية، لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله –تعالى- المتبوعين في ما أنزل الله –تعالى- أرباباً لمتبعيهم فقال –سبحانه-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). (التوبة:31) فسمى الله - تعالى- المتبوعين أرباباً حيث جعلوا مشرعين مع الله - تعالى- وسمى المتبعين عباداً حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله - سبحانه وتعالى- .
وقد قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يعبدوهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم))86 .
إذا فهمت ذلك فاعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت فيه آيات بنفي الإيمان عنه، وآيات بكفره وظلمه، وفسقه .
فأما القسم الأول:
فمثل قوله –تعالى-: ( تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (60) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (61) (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) (62) (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (63) (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (64)(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:60، 65) .
فوصف الله –تعالى- هؤلاء المدعين للإيمان وهم منافقون بصفات:
الأولى: أنهم يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت، وه وكل ما خالف حكم الله –تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن ما خالف حكم الله ورسوله فهو طغيان واعتداء على حكم من له الحكم وإليه يرجع الأمر كله وهو الله قال الله –تعالى-: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: من الآية54) .
الثانية: أنهم إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا .
الثالثة: أنهم إذا أصيبوا بمصيبة بما قدمت أيديهم، ومنها أن يعثر على صنيعهم جاءوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق، كحال من يرفض اليوم أحكام الإسلام ويحكم بالقوانين المخالفة لها زعماً منه أن ذلك هو الإحسان الموافق لأحوال العصر .
ثم حذر –سبحانه- هؤلاء المدعين للإيمان المتصفين بتلك الصفات بأنه –سبحانه- يعلم ما في قلوبهم وما يكنونه من أمور تخالف ما يقولون، وأمر نبيه أن يعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، ثم بين أن الحكمة من إرسال الرسول أن يكون هو المطاع المتبوع لا غيره من الناس مهما قويت أفكارهم واتسعت مداركهم، ثم أقسم –تعالى- بربوبيته لرسوله التي هي أخص أنواع الربوبية والتي تتضمن الإشارة إلى صحة رسالته، صلى الله عليه وسلم، أقسم بها قسماً مؤكداً أنه لا يصلح الإيمان إلا بثلاثة أمور:
الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه، ولا يكون في النفوس حرج وضيق منه .
الثالث: أن يحصل التسليم التام بقبول ما حكم به وتنفيذه بدون توان أو انحراف .
وأما القسم الثاني: فمثل قوله –تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(44) وقوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(45) وقوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(المائدة: 45، 47) وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ظالم، فاسق، لأن الله –تعالى- وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال –تعالى-: ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: من الآية254) وقال –تعالى-: ( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)(التوبة: من الآية84) فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي والله أعلم .
فنقول: من لم يحكم بما أنزل اله استخفافاً به، أو احتقاراً له، أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وه ويعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه .
ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به، ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره تسلطاً على المحكوم عليه، أو انتقاماً منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم .
ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم الله، ولا احتقاراً، ولا اعتقاداً أن غيره أصلح، وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عرض الدنيا فهذا فاسق، وليس بكافر وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم ه ووسائل الحكم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ويعتقدون تحليل ما حرم، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً .
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام، وتحريم الحلال –كذا العبارة المنقولة عنه- ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب .

***
س69: ما حكم الذبح تقرباً لغير الله؟ وهل يجوز الأكل من تلك الذبيحة؟
الجواب: الذبح لغير الله شرك أكبر لأن الذبح عبادة كما أمر به في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2) وقوله سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:163) فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركاً مخرجاً عن الملة –والعياذ بالله- سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة، أو لرسول من الرسل، أو لنبي من الأنبياء، أو لخليفة من الخلفاء، أو لولي من الأولياء، أو لعالم من العلماء فكل ذلك شرك بالله –عز وجل- ومخرج عن الملة والواجب على المرء أن يتقي الله في نفسه، وأن لا يوقع نفسه في ذلك الشرك الذي قال الله فيه: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: من الآية72) .
وأما الأكل من لحوم هذه الذبائح فإنه محرم لأنها أهل لغير الله بها وكل شيء أهل لغير الله به، أو ذبح على النصب فإنه محرم كما ذكر الله ذلك في سورة المائدة في قوله –تعالى-: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)(المائدة: من الآية3) فهذه الذبائح التي ذبحت لغير الله من قسم المحرمات لا يحل أكلها .

***
س70: ما حكم من يمزح بكلام فيه استهزاء بالله أو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الدين؟
الجواب: هذا العمل وهو الاستهزاء بالله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزح، ولو كان على سبيل إضحاك القوم كفر ونفاق، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم،في الذين قالوا: ((ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء)) . يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه القراء فنزلت فيهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)(التوبة: من الآية65) لأنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون إنما كنا نتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لهم ما أمره الله به: ( أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون)(65) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )(التوبة: 65، 66) فجانب الربوبية، والرسالة والوحي، والدين جانب محترم، لا يجوز لأحد أن يعبث فيه لا باستهزاء بإضحاك، ولا بسخرية فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله –عز وجل- ورسله وكتبه، وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله –عز وجل- مما صنع، لأن هذا من النفاق فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر، ويصلح عمله، ويجعل في قلبه خشية الله –عز وجل- وتعظيمه وخوفه ومحبته . والله ولي التوفيق .

***
س71: ما حكم دعاء أصحاب القبور؟
الجواب: الدعاء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: دعاء عبادة، ومثاله الصلاة، والصوم وغير ذلك من العبادات، فإذا صلى الإنسان، أو صام فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، ويدل لهذا قوله –تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) فجعل الدعاء عبادة، فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فقد كفر كفراً مخرجاً عن الملة، فلو ركع الإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود لكان مشركاً خارجاً عن الإسلام، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم، من الانحناء عند الملاقاة سداً لذريعة الشرك فسئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: ((لا)) . وما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك خطأ ويجب عليك أن تبين له ذلك وتنهاه عنه .
القسم الثاني: دعاء المسألة، وهذا ليس كله شركاً بل فيه تفصيل:
أولاً: إن كان المدعو حياً قادراً على ذلك فليس بشرك، كقولك اسقني ماء لمن يستطيع ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((من دعاكم فأجيبوه))87 قال –تعالى-: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ)(النساء: من الآية8) فإن مد الفقير يده وقال ارزقني أي: أعطني فهو جائز كما قال –تعالى-: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) .
ثانياً: إن كان المدعو ميتاً فإن دعاءه شرك مخرج عن الملة .
ومع الأسف أن في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلاناً لمقبور الذي بقي جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد له، وهذا –والعياذ بالله- شرك أكبر مخرج عن الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر، والزنا، واللواط، لأنه إقرار على كفر، وليس إقراراً على فسوق فقط فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين .

***
س:72: رجل يستغيث بغير الله ويزعم أنه ولي الله فما علامات الولاية؟
الجواب: علامات الولاية بينها الله –عز وجل- في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (62) (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:62، 63) فهذه علامات الولاية: الإيمان بالله، وتقوى الله –عز وجل- "فمن كان مؤمناً تقياً، كان لله ولياً" . أما من أشرك به فليس بولي لله بل هو عدو لله كما قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:98) فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله –عز وجل- فإنه مشرك كافر، وليس بواي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية .
ونصيحتي لإخواني المسلمين في هذه الأمور أن لا يغتروا بهؤلاء، وأن يكون مرجعهم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون رجاؤهم، وتوكلهم، واعتمادهم على الله وحده، وحتى يؤمنوا بذلك لأنفسهم استقراراً وطمأنينة، وحتى يحفظوا بذلك أموالهم أن يبتزها هؤلاء المخرفون، كما أن في لزوم ما دل عليه الكتاب والسنة في مثل هذه الأمور في ذلك إبعاد لهؤلاء عن الاغترار بأنفسهم، هؤلاء الذين يدعون أنفسهم أحياناً أسياداً، وأحياناً أولياء، ولو فكرت أو تأملت ما هم عليه لوجدت فيهم بعداً عن الولاية والسيادة، ولكنك تجد الولي حقيقة أبعد الناس أن يدعو لنفسه وأن يحيطها بهالة من التعظيم والتبجيل وما أشبه ذلك، تجده مؤمناً، تقياً، خفياً لا يظهر نفسه، ولا يحب الإشهار، ولا يحب لأن يتجه الناس إليه، أو أن يتعلقوا به خوفاً أو رجاءً . فمجرد كون الإنسان يريد من الناس أن يعظموه، ويحترموه، ويبجلوه، ويكون مرجعاً لهم، ومتعلقاً لهم، هذا في الحقيقة ينافي التقوى وينافي الولاية، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيمن طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فعليه كذا وكذا من الوعيد، فالشاهد في قوله: (( ليصرف وجوه الناس إليه))88 فهؤلاء الذي يدعون الولاية ويحاولون أن يصرفوا وجوه الناس إليهم هم أبعد الناس عن الولاية .
فنصيحتي لإخواني المسلمين أن لا يغتروا بهؤلاء وأمثالهم وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يعلقوا آمالهم ورجاءهم بالله وحده .

الزاهدة
08-15-2011, 05:38 AM
س73: ما هو السحر وما حكم تعلمه؟
الجواب: السحر قال العلماء هو في اللغة ((عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه)) بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم، والكهانة، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إن من البيان لسحراً))89 فكل شيء له أثر بطريق خفي فهو من السحر .
وأما في الاصطلاح فعرفه بعضهم بأنه: ((عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب، والعقول، والأبدان، فتسلب العقل، وتوجد الحب والبغض فتفرق بين المرء وزوجه، وتمرض البدن، وتسلب تفكيره)) .
وتعلم السحر محرم بل هو كفر إذا كانت وسيلته الإشراك بالشياطين قال الله –تبارك وتعالى-: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (البقرة: من الآية102) فتعلم هذا النوع من السحر –وهو الذي يكون بواسطة الإشراك بالشياطين- كفر، واستعماله أيضاً كفر وظلم وعدوان على الخلق، ولهذا يقتل الساحر إما ردة وإما حداً، فإن كان سحره على وجه يكفر به فإنه يقتل ردة وكفراً، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حداً دفعاً لشره وأذاه على المسلمين .

***
س74: ما حكم التوفيق بين الزوجين بالسحر؟
الجواب: هذا محرم ولا يجوز، وهذا يسمى بالعطف، وما يحصل به التفريق يسمى بالصرف وهو أيضاً محرم، وقد يكون كفراً وشركاً، قال الله تعالى: ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ )(البقرة: من الآية102) .

***
س75: ما هي الكهانة؟ وما حكم إتيان الكهان؟
الجواب: الكهانة فعالة مأخوذة من التكهن، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء وتحدثهم به، ثم يأخذون الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون من القول، ثم يحدثون بها الناس، فإذا وقع الشيء مطابقاً لما قالوا اغتر بهم الناس واتخذوهم مرجعاً في الحكم بينهم، وفي استنتاج ما يكون في المستقبل، ولهذا نقول: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل .
والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، أو أربعين ليلة))90 .
القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله –عز وجل- لأنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشر في دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله –تعالى-: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) (النمل: من الآية 65) ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم))91 .
القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وأنها كهانة وتمويه وتضليل، فهذا لا بأس به، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابن صياد، فأضمر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في نفسه فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا خبأ له؟ فقال: الدخ –يريد الدخان- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اخسأ فلن تعدو قدرك))92 هذه أحوال من يأتي إلى الكاهن ثلاثة .
الأولى: أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه، وبدون أن يقصد بيان حاله فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين ليلة .
الثانية: أن يسأله فيصدقه وهذا كفر بالله –عز وجل- على الإنسان أن يتوب منه ويرجع إلى الله –عز وجل- وإلا مات على الكفر .
الثالثة: أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ويبين حاله للناس فهذا لا بأس به .

***
س76: ما حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء؟
الجواب: حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء أن يقال اتصال الرياء على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي لله مراءاة الناس من أجل أن يمدحه الناس على صلاته فهذا مبطل للعبادة .
الوجه الثاني: أن يكون مشاركاً للعبادة في أثنائها: بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل .
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص .
الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:
الأمر الأول: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم))93 .
الأمر الثاني: أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة لأن أولها مرتبط بآخرها . مثال ذلك أن يبتدئ الصلاة مخلصاً بها لله –تعالى- ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها .
الوجه الثالث: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها لأنها تمت صحيحة فلا تفسد بحدوث الرياء بعد ذلك .
وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته، لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة، لأن ذلك دليل إيمانه قال النبي –عليه الصلاة والسلام-: ((من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك مؤمن))94 وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن95 .

الزاهدة
08-15-2011, 05:43 AM
س77: ما حكم الحلف بالمصحف؟
الجواب: هذا السؤال ينبغي أن نبسط الجواب فيه وذلك أن القسم بالشيء يدل على تعظيم ذلك المقسم به تعظيماً خاصاً لدى المقسم، ولهذا لا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله –تعالى- بأحد أسمائه، أو بصفة من صفاته، مثل أن يقول والله لأفعلن، ورب الكعبة لأفعلن، وعزة الله لأفعلن، وما أشبه ذلك من صفات الله –تعالى- .
والمصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله –تعالى- من صفاته وهو –أعني بكلام الله- صفة ذاتية فعلية، لأنه بالنظر إلى أصله وأن الله لم يزل ولا يزال موصوفاً به لأن الكلام كمال فهو من هذه الناحية من صفات الله الذاتية إذ لم يزل ولا يزال متكلماً فعالاً لما يريده، وبالنظر إلى آحاده يكون من الصفات الفعلية لأنه يتكلم متى شاء قال الله –تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) فقرن القول بالإرادة وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته –سبحانه وتعالى- والنصوص في هذا متضافرة كثيرة، وأن كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وبهذا نعرف بطلان قول من يقول إن كلام الله أزلي، ولا يمكن أن يكون تابعاً لمشيئته، وأنه هو المعنى القائم بنفسه، وليس هو الشيء المسموع الذي يسمعه من يكلمه الله –عز وجل- فإن هذا قول باطل، حقيقته أن قائله جعل كلام الله المسموع مخلوقاً .
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- كتاباً يعرف باسم "التسعينية" بين فيه بطلان هذا القول من تسعين وجهاً .
فإذا كان المصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله –تعالى- من صفاته فإنه يجوز الحلف بالمصحف، بأن يقول الإنسان والمصحف ويقصد ما فيه من كلام الله –عز وجل- وقد نص على ذلك كفقهاء الحنابلة –رحمهم الله- ومع هذا فإن الأولى للإنسان أن يحلف بما لا يشوش على السامعين بأن يحلف باسم الله –عز وجل- فيقول والله ورب الكعبة، أو والذي نفسي بيده وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تستنكرها العامة، ولا يحصل لديهم فيها تشويش، فإن تحديث الناس بما يعرفون وتطمئن إليه قلوبهم خير وأولى، وإذا كان الحلف إنما يكون بالله وأسمائه وصفاته فإنه لا يجوز أن يحلف أحد بغير الله لا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بجبريل، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك من المخلوقات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))96 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من خلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))97 . فإذا سمع الإنسان شخصاً يحلف بالنبي، أو بحياة النبي، أو بحياة شخص آخر فلينهه عن ذلك، وليبين له أن هذا حرام ولا يجوز، ولكن ليكن نهيه وبيانه على وفق الحكمة حيث يكون باللطف واللين والإقبال على الشخص وهو يريد نصحه وانتشاله من هذا المحرم، لأن بعض الناس تأخذه الغيرة عند الأمر والنهي فيغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، وربما يشعر في هذه الحال أنه ينهاه انتقاماً لنفسه فيلقي الشيطان في نفسه هذه العلة، ولو أن الإنسان أنزل الناس منازلهم ودعا إلى الله بالحكمة واللين والرفق لكان ذلك أقرب إلى القبول وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف))98 ولا يخفى على الكثير ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم، في قصة الأعرابي الذي جاء إلى المسجد فبال في طائفة منه فزجره الناس، وصاحوا به، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فلما قضى بوله دعاه النبي –عليه الصلاة والسلام- وقال: ((إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو الذر، وإنما هي للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن))99 أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أصحابه أن يصبوا على البول ذنوباً من ماء، فبهذا زالت المفسدة وطهر المكان، وحصل المقصود بالنسبة لنصيحة الأعرابي الجاهل، وهكذا ينبغي لنا نحن في دعوة عباد الله إلى دين الله أن نكون داعين إلى الله –سبحانه وتعالى- فنسلك الطريق التي تكون أقرب إلى إيصال الحق إلى قلوب الخلق وإصلاحهم، والله الموفق .

***
س78: ما حكم الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، والكعبة؟ والشرف والذمة؟ وقول الإنسان ((بذمتي))؟
الجواب: الحلف بالنبي –عليه الصلاة والسلام- لا يجوز بل هو نوع من الشرك، وكذلك الحلف بالكعبة لا يجوز بل نوع من الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، والكعبة كلاهما مخلوقان، والحلف بأي مخلوق نوع من الشرك .
وكذلك الحلف بالشرف لا يجوز، وكذلك الحلف بالذمة لا يجوز، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))100 وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))101 .
لكن يجب أن نعلم أن قول الإنسان ((بذمتي))لا يراد به الحلف ولا القسم بالذمة، وإنما يراد بالذمة العهد، يعني هذا على عهدي ومسئوليتي هذا هو المراد بها، أما إذا أراد بها القسم فهي قسم بغير الله فلا يجوز، لكن الذي يظهر لي أن الناس لا يريدون بها القسم إنما يريدون بالذمة العهد، والذمة بمعنى العهد .

***
س79: ما حكم من يعبد القبور بالطواف حولها ودعاء أصحابها والنذر لهم إلى غير ذلك من أنواع العبادة؟
الجواب: هذا السؤال سؤال عظيم، وجوابه يحتاج إلى بسط بعون الله –عز وجل- فنقول: إن أصحاب القبور ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: قسم توفي على الإسلام ويثني الناس عليه خيراً فهذا يرجى له الخير، ولكنه مفتقر إلى إخوانه المسلمين يدعون الله له بالمغفرة والرحمة، وهو داخل في عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10) وهو بنفسه لا ينفع أحداً إذ أنه ميت جثة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضر ولا عن غيره، ولا أن يجلب لنفسه النفع ولا لغيره فهو محتاج إلى نفع إخوانه غير نافع لهم .
القسم الثاني من أصحاب القبور: من أفعاله تؤدي إلى فسقه الفسق المخرج من الملة كأولئك الذين يدعون أنهم أولياء، ويعلمون الغيب ويشفون من المرض، ويجلبون الخير والنفع بأسباب غير معلومة حساً ولا شرعاً، فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر، لا يجوز الدعاء لهم ولا الترحم عليهم لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (113) (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:113، 114) وهم لا ينفعون أحداً ولا يضرونه ولا يجوز لأحد أن يتعلق بهم، وإن قدر أن أحداً رأى كرامات لهم مثل أن يتراءى له أن في قبورهم نوراً أو أنه يخرج منها رائحة طيبة، أو ما أشبه ذلك، وهم معروفون بأنهم ماتوا على الكفر فإن هذا من خداع إبليس وغروره، ليفتن هؤلاء بأصحاب هذه القبور .
وإنني أحذر إخواني المسلمين من أن يتعلقوا بأحد سوى الله –عز وجل- فإنه –سبحانه وتعالى- هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، ولا يجيب دعوة المضطر إلا الله، ولا يكشف السوء إلا الله، قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل:53) ونصيحتي لهم أيضاً أن لا يقلدوا في دينهم ولا يتبعوا أحداً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) ولقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ).(آل عمران: من الآية31) .
ويجب على جميع المسلمين أن يزنوا أعمال من يدعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة فإن وافق الكتاب والسنة فإنه يرجى أن يكون من أولياء الله، وإن خالف الكتاب والسنة فليس من أولياء الله وقد ذكر الله في كتابه ميزاناً قسطاً عدلاً في معرفة أولياء الله حيث قال: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) فمن كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً، ومن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيء من الولاية، ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيء، ولكننا نقول على سبيل العموم كل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً .
وليعلم أن الله –عز وجل- قد يفتن الإنسان بشيء من مثل هذه الأمور فقد يتعلق الإنسان بالقبر فيدعو صاحبه، أو يأخذ من ترابه يتبرك به فيحصل مطلوبه ويكون ذلك فتنة من الله –عز وجل- لهذا الرجل لأننا نعلم أن هذا القبر لا يجيب الدعاء وأن هذا التراب لا يكون سبباً لزوال ضرر أو جلب نفع، نعم ذلك لقول الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) (الاحقاف:5) (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الاحقاف:6) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) .(النحل:20) (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل:21) والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أن كل من دعي من دون الله فلن يستجيب الدعاء ولن ينفع الداعي، ولكن قد يحصل المطلوب المدعو به عند دعاء غير الله فتنة وامتحاناً ونقول: إنه حصل هذا الشيء عند الدعاء –أي عند دعاء هذا الذي دعي من دون الله –لا بدعائه وفرق بين حصول الشيء بالشيء، وبين حصول الشيء عند الشيء، فإننا نعلم علم اليقين أن دعاء غير الله ليس سبباً لجلب النفع، أو دفع الضرر، بالآيات الكثيرة التي ذكرها الله –عز وجل- في كتابه ولكن قد يحصل الشيء عند هذا الدعاء فتنة وامتحاناً، والله تعالى قد يبتلي الإنسان بأسباب المعصية ليعلم –سبحانه وتعالى- من كان عبداً لله، ومن كان عبداً لهواه، ألا ترى إلى أصحاب السبت من اليهود حيث حرم الله عليهم أن يصطادوا الحيتان في يوم السبت فابتلاهم الله –عز وجل- فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة عظيمة، وفي غير يوم السبت تختفي، فطال عليهم الأمد، وقالوا كيف نحرم أنفسنا هذه الحيتان، ثم فكروا وقدروا ونظروا فقالوا: نجعل شبكة ونضعها يوم الجمعة، ونأخذ الحيتان منها يوم الأحد، فأقدموا على هذا الفعل الذي هو حيلة على محارم الله فقلبهم الله قردة خاسئين قال الله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الأعراف:163) وقال -عز وجل-: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65) (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:66) فانظر كيف يسر الله لهم هذه الحيتان في اليوم الذي منعوا من صيدها فيه، ولكنهم –والعياذ بالله- لم يصبروا فقاموا بهذه الحيلة على محارم الله .
ثم انظر إلى ما حصل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ابتلاهم الله وهم محرمون بالصيود المحرمة على المحرم فكانت في متناول أيديهم ولكنهم –رضي الله عنهم- لم يجرؤوا على شيء منها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة:94) كانت الصيود في متناول أيديهم يمسكون الصيد العادي باليد، وينالون الصيد الطائر بالرماح فيسهل عليهم جداً، ولكنهم –رضي الله عنهم- خافوا الله –عز وجل- فلم يقدموا على أخذ شيء من الصيود .
وهكذا يجب على المرء إذا هيئت له أسباب الفعل المحرم أن يتقي الله –عز وجل- وأن لا يقدم على فعل هذا المحرم، وأن يعلم أن تيسير أسبابه من باب الابتلاء والامتحان فليحجم وليصبر فإن العاقبة للمتقين .

الزاهدة
08-15-2011, 05:47 AM
س80: كيف نجيب عباد القبور الذين يحتجون بدفن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي؟
الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بنبي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في المسجد حتى يقال إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن صلى الله عليه وسلم في بيته .
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام أربعة وتسعين هجرية تقريباً فليس مما أجازه الصحابة، بل إن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضاً سعيد بن المسيب .
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله، لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنياً عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة .

***
س81: ما حكم البناء على القبور؟
الجواب: البناء على القبور محرم وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيه من تعظيم أهل القبور، وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور وتتخذ آلهة مع الله، كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور، فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله تعالى، ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردة عن الإسلام . والله المستعان .

***
س82: ما حكم دفن الموتى في المساجد؟
الجواب: الدفن في المساجد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور، ولعن من اتخذ ذلك وهو في سياق الموت يحذر أمته ويذكر صلى الله عليه وسلم أن هذا من فعل اليهود والنصارى102 ، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله –عز وجل- لأن إقامة المساجد على القبور ودفن الموتى فيها وسيلة إلى الشرك بالله –عز وجل- في أصحاب هذه القبور فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون أو يضرون، أو أن لهم خاصية تستوجب أن يتقرب إليهم بالطاعات من دون الله –سبحانه وتعالى- فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة وأن تكون المساجد خالية من القبور مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة قال الله –تعالى-: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) (الجـن:18) فيجب أن تكون المساجد لله –سبحانه وتعالى- خالية من مظاهر الشرك تؤدى فيها عبادة الله وحده لا شريك له هذا هو واجب المسلمين . والله الموفق .

***
س83: ما حكم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: شد الرحال إلى زيارة القبور أياً كانت هذه القبور لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))103 والمقصود بهذا أنه لا تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض لقصد العبادة بهذا الشد، لأن الأمكنة التي تخصص بشد الرحال هي المساجد الثلاثة فقط، وما عداها من الأمكنة لا تشد إليها الرحال، فقبر النبي صلى الله عليه وسلم، لا تشد الرحال إليه وإنما تشد الرحال إلى مسجده فإذا وصل المسجد فإن الرجال يسن لهم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما النساء فلا يسن لهن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، والله الموفق .

***
س84: ما حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب وعن حكم الحلف بغير الله؟
الجواب: التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك، وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانأً، ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك، فيكون من هذه الناحية بدعة أيضاً، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيراً أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركاً أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة . وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود، أو ذبح تقرباً له وتعظيماً له، قال الله –تعالى-: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون:117) وقال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف: من الآية110) والمشرك شركاً أكبر كافر مخلد في النار، والجنة عليه حرام لقوله تعالى: ( مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: من الآية72) .
وأما الحلف بغير الله فإن كان الحالف يعتقد أن للمحلوف به منزلة مثل الله تعالى فهو مشرك شركاً أكبر، وإن كان لا يعتقد ذلك ولكن كان في قلبه من تعظيم المحلوف به ما حمله على أن يحلف به دون أن يعتقد أن له منزلة مثل منزلة الله فهو مشرك شركاً أصغر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))104 .
ويجب الإنكار على من تبرك بالقبور، أو دعا المقبور، أو حلف بغير الله، وأن يبين له أنه لن ينجيه من عذاب الله قوله:((هذا شيء أخذنا عليه)) فإن هذه الحجة هي حجة المشركين الذين كذبوا الرسل وقالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(الزخرف: من الآية23) فقال لهم الرسول: ( أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف: من الآية24) قال الله - تعالى-: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الزخرف:25) .
ولا يحل لأحد أن يحتج لباطله بكونه وجد عليه آباءه، أو بكونه عادة له ونحو ذلك، ولو احتج بهذا فحجته داحضة عند الله تعالى لا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً . وعلى الذين ابتلوا بمثل هذا أن يتوبوا إلى الله، وأن يتبعوا الحق أينما كان، وممن كان، ومتى كان، وأن لا يمنعهم من قبوله عادات قومهم، أو لوم عوامهم، فإن المؤمن حقاً هو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عن دين الله عائق .
وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وحمانا عما فيه سخطه وعقوبته .

***
س85: ما حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان؟
الجواب لا يجوز للإنسان أن يلبس ثياباً فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضاً أن يلبس غترة أو شماغاً أو ما أشبه ذلك وفيه صورة إنسان أو حيوان، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أن قال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة))105 .
ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها، سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك، لأن بقاءها يقضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم . وهذا الحديث الذي أشرت إليه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم .

الزاهدة
08-15-2011, 05:49 AM
س86: ما حكم تعليق الصور على الجدران؟
الجواب: تعليق الصور على الجدران ولا سيما الكبيرة منها حرام، حتى وإن لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر، وأصل الشرك هو هذا الغلو كما جاء ذلك عن ابن عباس –رضي الله عنه- أنه قال في أصنام قوم نوح التي يعبدونها إنها كانت أسماء رجال صالحين صوروا صورهم ليتذكروا العبادة، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم106 .

***
س87: ما حكم التصوير بالآلة الفوتوغرافية الفورية؟
الجواب: التقاط الصور بالآلة الفوتوغرافية الفورية التي لا تحتاج إلى عمل بيد فإن هذا لا بأس به، لأنه لا يدخل في التصوير، ولكن يبقى النظر، ما هو الغرض من هذا الالتقاط؟ إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حراماً، وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر أن ((الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة))107 وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت، وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم ولا يجوز والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة .

***
س88: كيف نرد على أهل البدع الذين يستدلون على بدعهم بحديث ((من سن في الإسلام سنة حسنة ...))108 إلخ؟
الجواب: نرد على هؤلاء فنقول إن الذي قال: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)) هو الذي قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))109 وعلى هذا يكون قوله: ((من سن في الإسلام سنة حسنة)) منزلاً على سبب هذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة للقوم الذين جاءوا من مضر في حاجة وفاقة، فجاء رجل بصرة من فضة فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) وإذا عرفنا سبب الحديث وتنزل المعنى عليه تبين أن المراد بسن السنة سن العمل بها، وليس سن التشريع، لأن التشريع لا يكون إلا لله ورسوله، وأن معنى الحديث من سن سنة أي ابتدأ العمل بها واقتدى الناس به فيها، كان له أجرها وأجر من عمل بها، هذا هو معنى الحديث المتعين، أو يحمل على أن المراد "من سن سنة حسنة" من فعل وسيلة يتوصل بها إلى العبادة واقتدى الناس به فيها، كتأليف الكتب، وتبويب العلم، وبناء المدارس، وما أشبه هذا مما يكون وسيلة لأمر مطلوب شرعاً . فإذا ابتدأ الإنسان هذه الوسيلة المؤدية للمطلوب الشرعي وهي لم ينه عنها بعينها، كان داخلاً في هذا الحديث .
ولو كان معنى الحديث أن الإنسان له أن يشرع ما شاء، لكان الدين الإسلامي لم يكمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكان لكل أمة شرعة ومنهاجاً، وإذا ظن هذا الذي فعل هذه البدعة أنها حسنة فظنه خاطئ، لأن هذا الظن يكذبه قول الرسول –عليه الصلاة والسلام- ((كل بدعة ضلالة)) .

***
س89: ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
الجواب: أولاً: ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول، وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية .
ثانياً: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضاً لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، أو بلغه لأمته، ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظاً لأن الله تعالى يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) فلما لم يكن شيء من ذلك أن نتعبد به لله –عز وجل- ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى قد وضع للوصول إليه طريقاً معيناً وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله –عز وجل- أن نشرع فيدينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله –عز وجل-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)(المائدة: من الآية3) فنقول هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجوداً قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله تعالى يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(المائدة: من الآية3) ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي صلى الله عليه وسلم، وكل هذا من العبادات، محبة الرسول عليه الصلاة والسلام عبادة، بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي صلى الله عليه وسلم من الدين أيضاً، لما فيه من الميل إلى شريعته، إذن فالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التقرب على الله وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم عبادة، وإذا كن عبادة فإنه لا يجوز أبداً أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع، ولا حس، ولا عقل، فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول عليه الصلة والسلام، حتى جعلوه أكبر من الله –والعياذ بالله- ومن ذلك أيضاً أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلى التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله ((ولد المصطفى)) قاموا جميعاً قيام رجل واحد يقولون إن روح الرسول صلى الله عليه وسلم حضرت فنقوم إجلالاً لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكره القيام له، وأصحابه وهم أشد الناس حباً له وأشد منا تعظيماً للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟
وهذه البدعة –أعني بدعة المولد- حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة، وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين، فضلاً عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات .

الزاهدة
08-15-2011, 05:54 AM
س90: ما حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم؟
الجواب: إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعيد بدع حادثة، لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح، وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضاً، فيكون فيها من البدعة مشابهة أعداء الله –سبحانه وتعالى-، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام، وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع ((يوم الجمعة)) وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله –سبحانه وتعالى- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ))110 أي مردود عليه غير مقبول عند الله، وفي لفظ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))111 وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد، كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله –تعالى- ورسوله، صلى الله عليه وسلم، في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله –تعالى- لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضاً ألا يكون إمعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله –تعالى- حتى يكون متبوعاً لا تابعاً، وحتى يكون أسوة لا متأسياً، لأن شريعة الله –والحمد لله- كاملة من جميع الوجوه كما قال الله –تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِينَا)(المائدة:الآية3) والأم أحق من أن يحتفى بها يومأً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله –عز وجل- في كل زمان ومكان .

***
س91: ما حكم إقامة أعياد الميلاد للأولاد أو بمناسبة الزواج؟
الجواب: ليس في الإسلام أعياد سوى يوم الجمعة عيد الأسبوع، وأول يوم من شوال عيد الفطر من رمضان، والعاشر من شهر ذي الحجة عيد الأضحى وقد يسمى يوم عرفة عيد لأهل عرفة وأيام التشريق أيام عيد تبعاً لعيد الأضحى .
وأما أعياد الميلاد للشخص أو أولاده، أو مناسبة زواج ونحوها فكلها غير مشروعة وهي للبدعة أقرب من الإباحة .

***
س92: شخص سكن في دار فأصابته الأمراض وكثير من المصائب مما جعله يتشاءم هو وأهله من هذه الدار فهل يجوز له تركها لهذا السبب؟
الجواب: ربما يكون بعض المنازل، أو بعض المركوبات، أو بعض الزوجات مشئوماً يجعل الله بحكمته مع مصاحبته، إما ضرراً، أو فوات منفعة، أو نحو ذلك، وعلى هذا فلا بأس ببيع هذا البيت والانتقال إلى بيت غيره، ولعل الله أن يجعل الخير فيما ينتقل إليه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((الشؤم في ثلاث: الدار، والمرأة، والفرس))112 ، فبعض المركوبات يكون فيها شؤم، وبعض الزوجات يكون فيهن شؤم، وبعض البيوت يكون فيها شؤم، فإذا رأى الإنسان ذلك فليعلم أنه بتقدير الله –عز وجل- وأن الله –سبحانه وتعالى- بحكمه قدر ذلك، لينتقل الإنسان إلى محل آخر . والله أعلم .

***
س93: ما حكم التوسل؟
الجواب: هذا سؤال مهم فنحب أن نبسط الجواب فيه فأقول:
التوسل: مصدر توسل يتوسل، أي اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله طلب الوصول إلى الغاية المقصودة
وينقسم التوسل إلى قسمين:
القسم الأول: قسم صحيح، وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب وهو على أنواع نذكر منها:
النوع الأول: التوسل بأسماء الله –تعالى- وذلك على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون ذلك على سبيل العموم ومثاله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- في دعاء الهم والغم قال: ((اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، مضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ...))113 الخ . فهنا توسل بأسماء الله –تعالى- على سبيل العموم ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك)) .
الوجه الثاني: أن يكون ذلك على سبيل الخصوص بأن يتوسل الإنسان باسم خاص لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر –رضي الله عنه- حيث طلب من النبي صلى الله عليه وسلم، دعاءً يدعو به في صلاته فقال: ((قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))114 فطلب المغفرة والرحمة وتوسل إلى الله –تعالى- باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب وهما ((الغفور)) و((الرحيم)) .
وهذا النوع من التوسل داخل في قوله –تعالى-: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(الأعراف: من الآية180) فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة .
النوع الثاني: التوسل إلى الله –تعالى- بصفاته، وهو أيضاً كالتوسل بأسمائه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون عاماً كأن تقول ((اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا)) ثم تذكر مطلوبك .
الوجه الثاني: أن يكون خاصاً كأن تتوسل إلى الله تعالى بصفة معينة خاصة، لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي))115 ، فهنا توسل لله –تعالى- بصفة ((العلم)) و((القدرة)) وهما مناسبان للمطلوب .
ومن ذلك أن يتوسل بصفة فعلية مثل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم .
النوع الثالث: أن يتوسل الإنسان إلى الله –عز وجل- بالإيمان به، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول: ((اللهم إني آمنت بك، وبرسولك فاغفر لي أو وفقني))، أو يقول: ((اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا)) ومنه قوله –تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) (190) (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)(191) إلى قوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (192) )رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) (آل عمران:190، 193) فتوسلوا إلى الله - تعالى- بالإيمان به أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات ويتوفاهم مع الأبرار .
النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله –سبحانه وتعالى- بالعمل الصالح، ومنه قصة النفر الثلاثة الذين أووا إلى غار ليبيتوا فيه فانطبق عليهم الغار بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله، فأحدهم توسل إلى الله –تعالى- ببره بوالديه، والثاني بعفته التامة، والثالث بوفاءه لأجيره، قال كل منهم: ((اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه)) فانفرجت الصخرة، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح .
النوع الخامس: أن يتوسل إلى الله –تعالى- بذكر حاله، يعني أن الداعي يتوسل إلى الله -تعالى- بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة، ومنه قول موسى –عليه الصلاة والسلام-: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)(القصص: من الآية24) يتوسل إلى الله - تعالى- بذكر حاله أن ينزل إليه الخير . ويقرب من ذلك قول زكريا - عليه الصلاة والسلام-: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً) (مريم:4) فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها .
النوع السادس: التوسل إلى الله –عز وجل- بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، فإن الصحابة - رضي الله عنهم- كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدعو الله لهم بدعاء عام، ودعاء خاص ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: ((اللهم أغثنا)) ثلاث مرات فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً . وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره والنبي صلى الله عليه وسلم، يخطب الناس فقال: يا رسول الله غرق الماء، وتهدم البناء فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: ((اللهم حوالينا لا علينا)) فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس116 . وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم على وجه الخصوص، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر أن في أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ،ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: ((أنت منهم))117 فهذا أيضاً من التوسل الجائز وهو أن يطلب الإنسان من شخص ترجى إجابته أن يدعو الله –تعالى- له، إلا أن الذي ينبغي أن يكون السائل يريد بذلك نفع نفسه، ونفع أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة، لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك صار في هذا إحسان إليه، فإن الإنسان إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: "آمين ولك بمثل" وهو كذلك يكون من المحسنين بهذا الدعاء والله يحب المحسنين .
القسم الثاني:- التوسل غير الصحيح وهو:
أن يتوسل الإنسان إلى الله –تعالى- بما ليس بوسيلة، أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة،لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو والباطل المخالف للمعقول، والمنقول، ومن ذلك أن يتوسل الإنسان إلى الله –تعالى- بدعاء ميت يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له، لأن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة، بل من سفه الإنسان أن يطلب من الميت أن يدعو الله له، لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن لأحد أن يدعو لأحد بعد موته، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته، ولهذا لم يتوسل الصحابة –رضي الله عنهم- إلى الله بطلب الدعاء من رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد موته، فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر –رضي الله عنه- قال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا))118 فقام العباس –رضي الله عنه- فدعا الله –تعالى- . ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغاً ووسيلة صحيحة لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن إجابة دعاءه صلى الله عليه وسلم، أقرب من إجابة دعاء العباس –رضي الله عنه- فالمهم أن التوسل إلى الله –تعالى- بطلب الدعاء من ميت توسل باطل لا يحل ولا يجوز .
ومن التوسل الذي ليس بصحيح: أن يتوسل الإنسان بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن جاه الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس مفيداً بالنسبة إلى الداعي، لأنه لا يفيد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، أما بالنسبة للداعي فليس بمفيد حتى يتوسل إلى الله به، وقد تقدم أن التوسل اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر . فما فائدتك أنت من كون الرسول صلى الله عليه وسلم، له جاه عند الله؟! وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح فقل اللهم بإيماني بك وبرسولك، أو بمحبتي لرسولك وما أشبه ذلك فإن هذا الوسيلة الصحيحة النافعة .

الزاهدة
08-15-2011, 05:57 AM
س94: ما هو الولاء والبراء؟
الجواب: البراء والولاء لله - سبحانه- أن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه كما قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُؤا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً) (الممتحنة: من الآية4) وهذا مع القوم المشركين كما قال - سبحانه-: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة: من الآية3) فيجب على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر . فهذا في الأشخاص .
وكذلك يجب على المسلم أن يتبرأ من كل عمل لا يرضي الله ورسوله وإن لم يكن كفراً، كالفسوق والعصيان، كما قال – سبحانه-: ( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)(الحجرات: من الآية7) .
وإذا كان مؤمن عنده إيمان وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه، وهذا يجري في حياتنا، فقد تأخذ الدواء كريه الطعم وأنت كاره لطعمه، وأنت مع ذلك راغب فيه لأن فيه شفاء من المرض .
وبعض الناس يكره المؤمن العاصي أكثر مما يكره الكافر، وهذا من العجب وهو قلب للحقائق، فالكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة:1) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) .
هؤلاء الكفار لن يرضوا منك إلا إتباع ملتهم وبيع دينك (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)(البقرة: من الآية120) (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً)(البقرة: من الآية109) وهذا في كل أنواع الكفر: الجحود، والإنكار، والتكذيب، والشرك، الإلحاد .
أما الأعمال فنتبرأ من كل عمل محرم، ولا يجوز لنا أن نألف الأعمال المحرمة ولا أن نأخذ بها، والمؤمن العاصي نتبرأ من عمله بالمعصية، ولكننا نواليه ونحبه على ما معه من الإيمان .

***
س95: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار؟ وحكم السفر للسياحة؟
الجواب: السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات .
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات .
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك .
فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة، وفيه إضاعة المال لأن الإنسان ينفق أموالاً كثيرة في هذه الأسفار .
أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج، أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.
وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن والحمد لله أصبحت بلاداً سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها .

***
س96: فضيلة الشيخ: شخص يعمل مع الكفار فبماذا تنصحونه؟
الجواب: ننصح هذا الأخ الذي يعمل مع الكفار، أن يطلب عملاً ليس فيه أحد من أعداء الله ورسوله ممن يدينون بغير الإسلام، فإذا تيسر فهذا هو الذي ينبغي، وإن لم يتيسر فلا حرج عليه لأنه في عمله وهم في عملهم، ولكن بشرط أن لا يكون في قلبه مودة لهم ومحبة وموالاة، وأن يلتزم ما جاء به الشرع فيما يتعلق بالسلام عليهم ورد السلام ونحو هذا، وكذلك أيضاً لا يشيع جنائزهم، ولا يحضرها،ولا يشهد أعيادهم، ولا يهنئهم بها مع بذل الاستطاعة في دعوتهم إلى الإسلام .

***
س97: كيف نستفيد مما عند الكفار دون الوقوع في المحظور؟ وهل للمصالح المرسلة دخل في ذلك؟
الجواب: الذي يفعله أعداء الله وأعداؤنا وهم الكفار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عبادات .
القسم الثاني: عادات .
القسم الثالث: صناعات وأعمال .
أما العبادات: فمن المعلوم أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتشبه بهم في عباداتهم، ومن تشبه بهم في عباداتهم فإنه على خطر عظيم فقد يكون ذلك مؤدياً إلى كفره وخروجه من الإسلام .
وأما العادات: كاللباس وغيره فإنه يحرم أن يتشبه بهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))119
وأما الصناعات والحرف: التي فيها مصالح عامة فلا حرج أن نتعلم مما صنعوه ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبهاً بهم .
وأما قول السائل: ((وهل للمصالح المرسلة دخل في ذلك؟))منقول إن المصالح المرسلة ، لا ينبغي أن تجعل دليلاً مستقلاً بل نقول هذه المصالح المرسلة إن تحققنا أنها مصلحة فقد شهد لها الشرع بالصحة والقبول وتكون من الشرع، وإن شهد لها بالبطلان فإنها ليست مصالح مرسلة ولو زعم فاعلها أنها مصالح مرسلة . وإن كان لا هذا ولا هذا فإنها ترجع إلى الأصل، إن كانت من العبادات فالأصل في العبادات الحظر، وإن كانت من غير العبادات فالأصل فيها الحل، وبذا يتبين أن المصالح المرسلة ليست دليلاً مستقلاً .

الزاهدة
08-15-2011, 06:00 AM
س98: ما حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية؟
الجواب: استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية أخشى أن يكون من المشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صح عنه كما في صحيح البخاري أنه قال في مرض موته: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))120 وفي صحيح مسلم أنه قال: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً))121 .
لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلماً يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يمنحوا إقامة مطلقة .
وحيث قلنا جائز فإنه إن ترتب على استقدامهم مفاسد دينية في العقيدة أو الأخلاق صار حراماً، لأن الجائز إذا ترتب عليه مفسدة صار محرماً تحريم الوسائل كما هو معلوم . ومن المفاسد المترتبة على ذلك ما يخشى من محبتهم والرضا بما هم عليه من الكفر، وذهاب الغيرة الدينية بمخالطتهم . وفي المسلمين –ولله الحمد- خير وكفاية، نسأل الله الهداية والتوفيق .

***
س99: فضيلة الشيخ: يدعي بعض الناس، أن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم بدينهم . وشبهتهم في ذلك، أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصولا إلى وصلوا إليه من التقدم الحضاري، وربما أيدوا شبهتهم بما عند الغرب من الأمطار الكثيرة والزروع فما رأي فضيلتكم؟
الجواب: هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان، أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لكما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي الحياة، بل إن بعض الناس يقول: إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوه من العلوم إلا ما نقوله عن المسلمين في صدر الإسلام، ولكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيراً عن دينها، وابتدعت في دين الله ما ليس منه، عقيدة، وقولاً، وفعلاً، وحصل بذلك التأخر الكبير، والتخلف الكبير، ونحن نعلم علم اليقين ونشهد الله –عز وجل- إننا لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا في ديننا، لكانت لنا العزة، والكرامة، والظهور على جميع الناس . ولهذا لما حدث ((أبو سفيان)) ((هرقل)) ملك الروم –والروم في ذلك الوقت تعتبر دولة عظمى- بما عليه الرسول –عليه الصلاة والسلام- وأصحابه .قال: ((إن كان ما تقول حقاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين)) . ولما اخرج أبو سفيان وأصحابه من عند ((هرقل))، قال: ((لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر)).
وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه، لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم، بل قال الله –تعالى-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: من الآية60) وقال - تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)(الملك: من الآية15) وقال - تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة: من الآية29) إلى غير ذلك من الآيات التي تعلم إعلاناً ظاهراً للإنسان أن يكتسب ويعمل وينتفع، لكن لا على حساب الدين، فهذه الأمم الكافرة هي كافرة من الأصل، دينها الذي كانت تدعيه دينٌ باطلٌ، فهو وإلحادها على حد سواء، لا فرق .فالله –سبحانه وتعالى- يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(آل عمران: من الآية85). وإن كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم بعض المزايا التي يخالفون غيرهم فيها، لكن بالنسبة للآخرة هم وغيرهم سواء، ولهذا أقسم النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لا يسمع به من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يتبع ما جاء به إلا كان من أصحاب النار، فهم في الأصل كافرون، سواء انتسبوا إلى اليهودية، أو النصرانية، أم لم ينتسبوا إليها .
وأما ما يحصل لهم من الأمطار وغيرها فهم يصابون بهذا ابتلاء من الله –تعالى- وامتحاناً، وتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، كما قال النبي –عليه الصلاة والسلام- لعمر بن الخطاب، وقد رآه قد أثر في جنبه حصير، فبكى عمر . فقال: يا رسول الله فارس والروم يعيشون فيما يعيشون فيه من النعيم، وأنت على هذه الحال . فقال: ((يا عمر هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة))122 . ثم إنهم يأتيهم من القحط، والبلايا، والزلازل، والعواصف المدمرة ما هو معلوم، وينشر دائماً في الإذاعات، وفي الصحف، وفي غيرها، ولكن من وقع السؤال عنه أعمى، أعمى الله بصيرته فلم يعرف الواقع، ولم يعرف حقيقة الأمر، ونصيحتي له أن يتوب إلى الله - عز وجل- عن هذه التصورات قبل أن يفاجئه الموت، وأن يرجع إلى ربه، وأن يعلم أنه لا عزة لنا، ولا كرامة، ولا ظهور، ولا سيادة إلا إذا رجعنا إلى دين الإسلام، رجوعاً حقيقياً يصدقه القول والفعل، وأن يعلم أن ما عليه هؤلاء الكفار باطل ليس بحق، وأن مأواهم النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الإمداد الذي أمدهم الله به من النعم ما هو إلا ابتلاء وامتحان وتعجيل طيبات، حتى إذا هلكوا وفارقوا هذا النعيم إلى الجحيم ازدادت عليهم الحسرة والألم والحزن، وهذا من حكمة الله –عز وجل- بتنعيم هؤلاء، على أنهم كما قلت لم يسلموا من الكوارث التي تصيبهم من الزلازل، والقحط، والعواصف، والفيضانات وغيرها، فأسأل الله لمن وقع عنه السؤال الهداية والتوفيق، وأن يرده إلى الحق وأن يبصرنا جميعاً في ديننا إنه جواد كريم .

***
س100 يقول بعض الناس إن تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب، فما توجيه فضيلتكم؟
الجواب: إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراءها على اللغة العربية فهذا صحيح فإنه لا يهم –من جهة سلامة العقيدة- أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهوماً وسليماً .
أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك فكلامه غير صحيح بل تصحيحها مهم ولا يمكن أن نقول للإنسان أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة، بل نقول الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية .

***
س101: ما حكم عبارة ((أدام الله أيامك)) ؟
الجواب: قول ((أدام الله أيامك)) من الاعتداء في الدعاء لأن دوام الأيام محال مناف لقوله –تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن:26) (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن:27) وقوله - تعالى-: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الأنبياء:34) .

***
س102: بعض الناس يسأل بوجه الله فيقول: أسألك بوجه الله كذا وكذا فما الحكم في هذا القول؟
الجواب: وجه الله أعظم من أن يسأل به الإنسان شيئاً من الدنيا ويجعل سؤاله بوجه الله –عز وجل- كالوسيلة التي يتوسل بها إلى حصول مقصوده من هذا الرجل الذي توسل إليه بذلك، فلا يقدمن أحد على مثل هذا السؤال، أي لا يقل وجه الله عليك، أو أسألك بوجه الله أو ما أشبه ذلك .

الزاهدة
08-15-2011, 06:03 AM
س103: ما حكم قول ((أطال الله بقاءك)) ((طال عمرك))؟
الجواب: لا ينبغي أن يطلق القول بطول البقاء، لأن طول البقاء قد يكون خيراً وقد يكون شراً، فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله، وعلى هذا فلو قال أطال الله بقاءك على طاعته ونحوه فلا بأس بذلك .

***
س104: كثيراً ما نرى على الجدران كتابة لفظ الجلالة ((الله)) . وبجانبها لفظة محمد، صلى الله عليه وسلم، أو نجد ذلك على الرقاع، أو على الكتب، أو على بعض المصاحف، فهل موضعها هذا صحيح؟
الجواب: موضعها ليس بصحيح، لأن هذا يجعل النبي صلى الله عليه وسلم، نداً لله مساوياً له، ولو أن أحداً رأى هذه الكتابة وهو لا يدري من المسمى بهما لأيقن يقيناً أنهما متساويان متماثلان، فيجب إزالة اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبقى النظر في كتابة: ((الله)) وحدها، فإنها كلمة يقولها الصوفية، ويجعلونها بدلاً عن الذكر، يقولون: ((الله الله الله))، وعلى هذا فتلغى أيضاً، فلا يكتب ((الله))، ولا ((محمد)) على الجدران، ولا في الرقاع ولا في غيره .

***
س105: ما حكم هذه العبارة ((الله يسأل عن حالك))؟
الجواب: هذه العبارة: ((الله يسأل عن حالك))، لا تجوز لأنها توهم أن الله –تعالى- يجهل الأمر فيحتاج إلى أن يسأل، وهذا من المعلوم أنه أمر منكر عظيم، والقائل لا يريد هذا في الواقع لا يريد أن الله يخفى عليه شيء، ويحتاج إلى سؤال، لكن هذه العبارة قد تقيد هذا المعنى، أو توهم هذا المعنى، فالواجب العدول عنها، واستبدالها بأن تقول: ((اسأل الله أن يحتفي بك))، و((أن يلطف بك))، وما أشبهها .

***
س106: ما حكم قول ((فلان المرحوم)) . و((تغمده الله برحمته)) و((انتقل إلى رحمه الله))؟
الجواب: قول ((فلان المرحوم))، أو ((تغمده الله برحمته)) لا بأس بها، لأن قولهم ((المرحوم)) من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فلا بأس به .
وأما ((انتقل إلى رحمه الله)) فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، لأن مثل هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال ((انتقل إلى الرفيق الأعلى)) .

***
س107: ما حكم هذه العبارات: ((بسم الوطن، بسم الشعب، بسم العروبة))؟
الجواب: هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب أو يعبر عن أهل البلد فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركاً أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به .

***
س108: ما حكم قول العامة ((تباركت علينا؟)) ((زارتنا البركة؟)) .
الجواب: قول العامة "تباركت علينا" لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله –عز وجل- وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان، قال أسيد بن حضير لما نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها قال: ((ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر))123 .
وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون طلب البركة بأمر شرعي معلوم مثل القرآن الكريم قال الله - تعالى-: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك) (الأنعام: من الآية92) فمن بركته أن من أخذ به وجاهد به حصل له الفتح، فأنقذ الله به أمماً كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات وهذا يوفر للإنسان الجهد والوقت .
الأمر الثاني: أن يكون طلب البركة بأمر حسي معلوم، مثل العلم فهذا الرجل يتبرك به بعلمه ودعوته إلى الخير، قال أسيد بن حضير ((ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر)) فإن الله قد يجري على أيدي بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر .
وهناك بركات موهومة باطلة مثل ما يزعمه الدجالون أن فلاناً الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك، فهذه بركة باطلة لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر لكنها لا تعدو أن تكون آثاراً حسية بحيث أن الشيطان يخدم هذا الشيخ فيكون في ذلك فتنة .
أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؟ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره، أما إن كان مخالفاً للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله .

***
س109: ما حكم قولهم: تدخل القدر؟ وتدخل عناية الله؟
الجواب: قولهم ((تدخل القدر)) لا تصلح لأنها تعني أن القدر اعتدى بالتدخل وأنه كالمتطفل على الأمر، مع أنه –أي القدر- هو الأصل فكيف يقال تدخل؟! والأصح أن يقال: ولكن نزل القضاء والقدر أو غلب القدر ونحو ذلك، ومثل ذلك "تدخلت عناية الله" الأولى إبدالها بكلمة حصلت عناية الله، أو اقتضت عناية الله .

***
س110: نسمع ونقرأ كلمة، ((حرية الفكر))، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد، فما تعليقكم على ذلك؟
الجواب: تعليقنا على ذلك أن الذي يجيز أن يكون الإنسان حر الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان فإنه كافر، لأن كل من اعتقد أن أحداً يسوغ له أن يتدين بغير دين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كافر بالله –عز وجل- يستتاب، فإن تاب وإلا وجب قتله .
والأديان ليست أفكاراً، ولكنها وحي من الله –عز وجل- ينزله على رسله، ليسير عباده عليه، وهذه الكلمة –أعني كلمة فكر- التي يقصد بها الدين . يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر –وأعني بالنصرانية التي يسميها أهلها بالمسيحية- فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس، والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله –عز وجل- يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها ((فكر)) .
وخلاصة الجواب: أن من اعتقد أنه يجوز لأحد أن يتدين بما شاء وأنه حر فيما يتدين به فإنه كافر بالله –عز وجل- لأن الله –تعالى- يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ )(آل عمران: من الآية85) ويقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: من الآية19) فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن ديناً سوى الإسلام جائز يجوز للإنسان أن يتعبد به، بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم بأنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة .

الزاهدة
08-15-2011, 06:07 AM
س111: هل يجوز أن يقول الإنسان للمفتي ما حكم الإسلام في كذا وكذا؟ أو ما رأي الإسلام؟
الجواب: لا ينبغي أن يقال (( ما حكم الإسلام في كذا))، أو ((ما رأي الإسلام في كذا)) فإنه يقد يخطئ فلا يكون ما قاله حكم الإسلام، لكن لو كان الحكم نصاً صريحاً فلا بأس مثل أن يقول: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فنقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنها حرام .

***
س112: ما حكم قول: ((شاءت الظروف أن يحصل كذا وكذا))، و((شاءت الأقدار كذا وكذا))؟
الجواب: قول: ((شاءت الأقدار))، و(شاءت الظروف)) ألفاظ منكرة، لأن الظروف جمع ظرف وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، وإنما الذي يشاء هو الله –عز وجل- ولو قال الإنسان: ((اقتضى قدر الله كذا وكذا)) . فلا بأس به . أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، إنما الإرادة للموصوف .

***
س113: ما حكم قول فلان شهيد؟
الجواب: الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون على وجهين:
أحدهما: أن تقيد بوصف مثل أن يقال كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد ونحو ذلك، فهذا جائز كما جاءت به النصوص، لأنك تشهد بما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعني بقولنا – جائز- أنه غير ممنوع، وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقاً لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني: أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل أن تقول لشخص بعينه إنه شهيد، فهذا لا يجوز إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك، وقد ترجم البخاري –رحمه الله- لهذا قوله "باب لا يقال فلا شهيد" قال في الفتح 90/6 ((أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي)) وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيداً ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((من مات في سبيل الله، أو قتل فهو شهيد)) وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر" أ.هـ. كلامه .
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيداً أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى ذلك: ((مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله))124 . وقال: ((والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك))125 رواهما البخاري من حديث أبي هريرة .
ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن . والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء فإذا كان مقتولاً في الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه .
ولأننا لو شهدن الأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، بالوصف أو بالشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- .
وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك كما سبق، وهذا كاف في منقبته، وعلمه عند خالقه –سبحانه وتعالى- .

***
س114: ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة ((صدفة))؟
الجواب: رأينا في هذا القول أنه لا بأس به وهذا أمر متعارف وأظن أن فيه أحاديث بهذا التعبير صادفنا رسول الله ((لكن لا يحضرني الآن حديث معين في هذا الخصوص))126 .
والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به، ومن غير مقدمات له ولا توقع له، لكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شيء عند الله معلوم، وكل شيء عنده بمقدار وهو - سبحانه وتعالى- لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبداً، لكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له صدفة، ولا حرج فيه، وأما بالنسبة لفعل الله فهذا أمر ممتنع ولا يجوز .

***
س115: ما رأي فضيلة الشيخ –جزاه الله خيراً في مصطلح_ ((فكر إسلامي)) و((مفكر إسلامي))؟
الجواب: كلمة ((فكر إسلامي)) من الألفاظ التي يحذر منها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر .
أما "مفكر إسلامي" فلا أعلم فيه بأساً لأنه وصف للرجل المسلم والرجل المسلم، يكون مفكراً .

***
س116: تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية)، هل هو صحيح؟
الجواب: تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ، وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله - عز وجل-وكله يثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المر، بزيادة إيمانه وإخباته لربه- عز وجل- حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات، وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقرباً إلى الله –عز وجل- واتباعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها، بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيراً جدياً، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، بقوله: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام))127 وفيه أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان ،بل يرميها ويطرحها .
وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر به، وكل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، بل إنها من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله –تعالى- عن هارون: أنه قال لموسى: ( يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)(طـه: من الآية94) .وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة، وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه .

***
س117: ما حكم قولهم ((دفن في مثواه الأخير))؟
الجواب: قول القائل ((دفن في مثواه الأخير)) حرام ولا يجوز، لأنك إذا قلت في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث، ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر، وقد سمع أعرابي رجلاً يقرأ قوله –تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (1) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر:1،2) فقال ((والله ما الزائر بمقيم)) لأن الذي يزور يمشي فلا بد من بعث وهذا صحيح .
لهذا يجب تجنب هذه العبارة فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة .

الزاهدة
08-15-2011, 06:10 AM
س118: إطلاق المسيحية على النصرانية، والمسيحي على النصراني، هل هو صحيح؟
الجواب: لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، انتساب غير صحيح، لأنه لو كان صحيحاً لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم –عليه الصلاة والسلام- لأن الله –تعالى- قال: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6) ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد صلى الله عليه وسلم، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به، لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلاً، فضلاً عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولو العزم عيسى ابن مريم –عليه الصلاة والسلام- وهذا الذي بشر به عيسى بن مريم بني إسرائيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء ولكنهم كفروا به وقالوا هذا سحرٌ مبين، فإذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ لا يصح أن ينتسبوا إليه فيقولوا إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشر به المسيح ابن مريم، لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله –تعالى- (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81) والذي جاء مصدقاً لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله - تعالى- (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ)(المائدة: من الآية48) .
وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع، لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم –عليه الصلاة والسلام- وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام- .

***
س119: ما رأيكم في هذه العبارة ((لا سمح الله))؟
الجواب: أكره أن يقول القائل ((لا سمح الله)) لأن قوله ((لا سمح الله)) ربما توهم أن أحداً يجبر الله على شيء فيقول (( لا سمح الله)) والله - عز وجل- كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا مكره له)) . قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يقول أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة فإن الله لا مكره له، ولايتعاظمه شيء أعطاه))128 والأولى أن يقول: ((لا قدر الله)) بدلاً من قوله: ((لا سمح الله)) لأنه أبعد عن توهم ما لا يجوز في حق الله –تعالى- .

***
س120: بعض الناس إذا مات شخص قال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر:27، 28) فما حكم ذلك؟
الجواب: هذا لا يجوز أن يطلق على شخص بعينه، لأن هذه شهادة بأنه من هذا الصنف .

-----------------

1 أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء (2105) ومسلم: كتاب اللباس، باب تحريم تصوير الحيوان (2106) (96) .
2 أخرجه، مسلم كتاب الجمعة، باب تخفي الصلاة والخطبة (867) (43) .
3 أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4607)
4 أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب شرح السنة (4596)، والترمذي، كتاب الإيمان باب افتراق هذه الأمة (2642)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمة (3991) .
(1) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا (2079)، ومسلم ، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان (1532).
(1) أخرجه البخاري، كتاب الخوف ، باب صلاة الطالب والمطلوب (946)، وأخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير ، باب المبادرة بالغزو (1770).
(7) أخرجه البخاري ، كتاب الأدب باب من لم يواجه الناس بالعتاب(6101)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (1401).
(8) أخرجه مسلم ، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء (1469).
5 أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (304) .
6 أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب الزنا وشرب الخمر (6772)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي (57) .
7 أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان (50)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان (9) .
8 أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (53)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (17) .
9 أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في استكمال الإيمان (2614)، وابن ماجه في المقدمة (57) .
10 تقدم تخريجه ..
11 أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة (2617) .
12 أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان (132) .
13 أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (3276) . وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان (134) .
14 أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في رد الوسوسة (5112)، والإمام أحمد في المسند 1/340 .
15 أخرجه البخاري، كتاب العتق ،باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق (2528)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب (127)
16 أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الأمراء ... (1730) .
17 أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر (3199)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (159) .
18 أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن (4347) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلأى الشهادتين وشرائع الإسلام (19)
19 أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة .
20 أخرجه أحمد في المسند (5/428)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب 105 (3556)، وابن ماجه باب رفع اليدين في الدعاء (3865) .
21 أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (436) .
22 أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (6340)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي (2735) .
23 أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (2985) .
24 أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا (2516) . والنسائي كتاب الجهاد باب من غزا يلتمس الأجر والذكر (3140) .
25 أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله (1)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب إنما الأعمال بالنية (1907) .
26 أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى (3892) .
27 أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى (2186) .
28 أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (2202) .
29 تقدم ذكره.
30 أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (7352)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد (1716) .
31 أخرجه أحمد (1/391) ,
32أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط ... (2736)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (2677)
33 سبق تخريجه .
34 أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين (3237)، ومسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها عن فراش زوجها (1436) واللفظ له .
35 أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) (3194)، ومسلم، كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2751) .
36 أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (1145)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل (758) .
37 أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام (6313)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (2710) .
38 أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (871)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود (262)، والنسائي، كتاب الصلاة، باب تعوذ القارئ ... (1007) .
39 أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218) .
40 أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (537) .
41 تقدم تخريجه .
42 تقدم تخريجه .
43 النسائي، كتاب السهو، باب 62ح (1304) . وأحمد (5/191) .
44 تقدم تخريجه .
45 أخرجه البخاري، بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع به شعف الجبال (3311) .
46 أخرجه مسلم، كتاب الإسلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (2203) .
47 أخرجه ابن ماجه في المقدمة (141) .
48 أخرجه البخاري،، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وقله الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) (3445) .
49 أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة (1401)، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (572) .
50 أخرجه البخاري في الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب (2753) معلقاً ومسلم في الإيمان باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (351) .
51 أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (3348) . وأخرجه مسلم في الإيمان باب قوله "يقول الله تعالى لآدم أخرج ..." (222)
52 أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب قوله النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للعرب..." (7095)، ومسلم في الفتن باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج (2880) .
53 أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (7127) .
54 أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدحال وصفته وما معه (2937) .
55 أخرجه مسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة (2867) .
56 تقدم تخريجه .
57 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (1374)، ومسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة (2870) .
58 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز باب عذاب القبر من الغيبة والبول (1378)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (292)
59رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف (3221) .
60رواه البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث (99) .
61 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين . (1384) .
62 أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (304)، ومسلم كتاب الإيمان، باب نقص الإيمان بنقص الطاعات... (79) .
63 أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً (71) . ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة (1037) .
64 أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدراً مقدوراً . ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (2647) .
65 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر (1362)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (2647) .
66 أخرجه الإمام أحمد (5/317) .
67 أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (2067) .
68 أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 20 (2459)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له (4260) .
69 أخرجه البخاري، كتاب المرض والطب، باب ما جاء في كفارة المرض (5640)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصبه من مرض... (2572)
70 أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الجذام (5707) . ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة... (2220) .
71 أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الجذام (5707) .
72 أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة (5771) . ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة... (2221) .
73 تقدم تخريجه .
74 تقدم تخريجه .ح (1) .
75 أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب في الطيرة (3925)، والترمذي، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل مع المجذوم (1817)
76 أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى (2188) .
77 أخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب العين (3509) .
78 أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره (5704) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة (216) .
79 تقدم تخريجه .
80 أخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب ما يعوذ به من الحمى (3527) .
81 أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه من غير تأويل (6104)، وأخرجه مسلم، كتابا الإيمان، باب بيان حال من قال لأخيه المسلم يا كافر (60)
82 أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال من قال لأخيه يا كافر (60) .
83 أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه (61) .
84 أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر (4090)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع (4174) .
85 أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها (2747) .
86 أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن من سورة التوبة، باب 10(3095)، وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان ص67
87 أخرجه البخاري بمعناه، كتاب النكاح، باب إجابة الوليمة والدعوة (5173)، ومسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة (1429) .
88 أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا (2654) .
89 أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الخطبة (5146) .
90 أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (2230) .
91 أخرجه الترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض (135)، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب النهي عن إتيان الحائض (639) . وصححه الألباني –رحمه الله- في الإرواء 6817 .
92 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه... (1354)، ومسلم، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد (2924).
93 أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب: والطلاق في الإغلاق والمكره والسكران ... ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس (127) .
94 أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (2195) .
95 أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب: إذا أثنى على الصالح (2034) .
96 أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف (2679) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله (1646)
97 أخرجه الترمذي، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (1535) .
98 أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق (2593) .
99 أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات (285) .
100 تقدم تخريجه .
101 أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً (6108)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى (1646)
102 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (408) . ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (376)
103 أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1189) ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1397) .
104 تقدم تخريجه .
105 أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصور (5958)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان (2106) .
106 أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب (وداً ولا سواعا) (4920) .
107 تقدم تخريجه .
108 أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (1017) .
109 تقدم تخريجه .
110 أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (1297)، ومسلم، كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة (1718) (17)
111 أخرجه مسلم، كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة (1718) (17) .
112 أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر في شؤم الفرس (2858)، ومسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم (2225) .
113 تقدم تخريجه .
114 أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام (834) ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (2704) .
115 أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب 62 (1304) .
116 أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع (1013)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (897) .
117 أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره ... (5705)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (220) .
118 أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا (1010) .
119 أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الأقبية (4031) .
120 أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ... (3053) .
121 أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (1767) .
122 أخرجه البخاري، كتاب المظالم، بالغرفة والعلية المشرفة ... (2428)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء (1479) .
123 أخرجه البخاري، كتاب التيمم (334)، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم (289) .
124 أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ... (2787) .
125 أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل (2803) .
126 البخاري كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها (5361) . مسلم، كتاب فضل الصحابة (4491) (4496) .
127 أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم (8)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (16)
128 أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له (6339)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت (2679)

الزاهدة
08-15-2011, 06:23 AM
فتاوى الصلاة

* يسبقها بعض الفتاوى المتعلقة بأحكام الطهارة
س121: ما الأصل في الطهارة من الحدث والخبث؟
الجواب: الأصل في الطهارة من الحدث الماء، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقياً، أم متغيراً بشيء طاهر، لأن القول الراجح: أن الماء إذا تغير بشيء طاهر، وهو باقٍ على اسم الماء، أنه لا تزول طهوريته، بل طهور طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فإن لم يوجد الماء، أو خيف الضرر باستعماله، فإنه يعدل عنه إلى التيمم، بضرب الأرض بالكفين، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض . هذا بالنسبة للطهارة من الحدث .
أما الطهارة من الخبث، فإن أي مزيل يزيل ذلك الخبث، من ماء أو غيره تحصل به الطهارة، وذلك لأن الطهارة من الخبث يقصد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، لكن لا بد من سبع غسلات إحداهن بالتراب في نجاسة الكلب، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث .

***
س122: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تغسل به الأكوات مطهر لها؟
الجواب: إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة، وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهراً لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون، فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يعتبر ذلك تطهيراً لها، حتى إنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لو زالت بالشمس والريح فإنه يطهر المحل، لأنها كما قلت: هي عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجساً بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها –إلا أنه يعفى عن اللون المعجوز عنه- فإنه يكون مطهراً لها، وبناء على ذلك نقول: إن البخار الذي تغسل به الأكوات إذا زالت به النجاسة فإنه يكون مطهراً .

***
س123: ما حكم الماء المتغير بطول مكثه؟
الجواب: هذا الماء طهور وإن تغير، لأنه لم يتغير بمازج خارج وإنما تغير بطول مكثه في هذا المكان، وهذا لا بأس به يتوضأ منه، والوضوء صحيح .

***
س124: ما الحكمة في تحريم لبس الذهب على الرجال؟
الجواب: إعلم أيها السائل، وليعلم كل من يطلع على هذا الجواب أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن ،هي قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: من الآية36) فأي واحد يسألنا عن إيجاب شيء أو تحريم شيء دل على حكمه الكتاب والسنة، فإننا نقول: العلة في ذلك قول الله تعالى، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه العلة كافية لكل مؤمن، ولهذا لما سئلت عائشة –رضي الله عنها- ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قال: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة))129 لأن النص من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علة موجبة لكل مؤمن، ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان العلة وأن يلتمس الحكمة في أحكام الله تعالى، لأن ذلك يزيده طمأنينة، ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية حيث تقرن الأحكام بعللها، ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه، فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث .
ونقول –بعد ذلك- في الجواب على السؤال: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم لباس الذهب على الذكور دون الإناث ووجه ذلك أن الذهب من أغلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية، والرجل ليس مقصوداً لهذا الأمر، أي ليس إنساناً يتكمل بغيره أو يكمل بغيره، بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة، ولأنه ليس بحاجة إلى أن يتزين لشخص آخر تتعلق به رغبته، بخلاف المرأة، فإن المرأة ناقصة تحتاج إلى تكميل بجمالها، ولأنها محتاجة إلى التجمل بأغلى أنواع الحلي، حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة بينها وبين زوجها، فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل، قال الله تعالى في وصف المرأة: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف:18) وبهذا يتبين حكم الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال .
وبهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى هؤلاء الذين ابتلوا من الرجال بالتحلي بالذهب، فإنهم بذلك قد عصوا الله ورسوله وألحقوا أنفسهم بمصاف الإناث، وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فعليهم ،أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك ، وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرف.

الزاهدة
08-15-2011, 06:25 AM
س125: ما حكم تركيب الأسنان الذهبية؟
الجواب: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة، لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به، وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء بأن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك فلها أن تكسو أسنانها ذهباً إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحل الذهب والحرير لإناث أمتي))130 وإذا ماتت المرأة في هذه الحالة أو مات الرجل وعليه سن ذهب قد لبسه للضرورة فإنه يخلع إلا إذا خشي المثلة، يعني خشي أن تتمزق اللثة فإنه يبقى، وذلك أن الذهب يعتبر من المال، والمال يرثه الورثة من بعد الميت فإبقائه في الميت ودفنه إضاعة للمال .

***
س126: ما حكم قضاء الحاجة (البول) في أماكن الوضوء مما يؤدي إلى كشف عورته؟
الجواب: لا يجوز للإنسان أن يكشف عورته بحيث يراها من لا يحل له النظر إليها، فإذا كشف الإنسان عورته للحمامات المعدة للوضوء، والتي يشاهدها الناس، فإنه يكون بذلك آثماً، وقد ذكر الفقهاء –رحمهم الله- أنه في هذه الحال يجب على المرء أن يستجمر بدل الاستنجاء . بمعنى أن يقضي حاجته بعيداً عن الناس، وأن يستجمر بالأحجار، أو بالمناديل، ونحوها مما يباح الاستجمار به، حتى ينقي محل الخارج بثلاثة مسحات فأكثر . قالوا: إنما يجب ذلك لأنه لو كشف عورته للاستنجاء، لظهرت للناس، وهذا أمر محرم، وما لا يمكن تلافي المحرم إلا به، فإنه يكون واجباً .
وعلى هذا فنقول في الجواب: لا يجوز للمرء أن يتكشف أمام الناظرين للاستنجاء، بل يحاول أن يكون في مكان لا يراه أحد .

***
س127: ما حكم البول قائماً؟
الجواب: البول قائماً يجوز بشرطين:
أحداهما: أن يأمن من التلوث بالبول .
الثاني: أن يأمن من أن ينظر أحد إلى عورته .

***
س128: ما حكم الدخول بالمصحف إلى الحمام؟
الجواب: المصحف، أهل العلم يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدخل به إلى الحمام، لأن المصحف كما هو معلوم له من الكرامة والتعظيم ما لا يليق أن يدخل به إلى هذا المكان، والله الموفق .

***
س129: ما حكم الدخول إلى الحمام بأوراق فيها اسم الله؟
الجواب: يجوز الدخول إلى حمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي خفيةً ومستورة .ولا تخلو الأسماء غالباً من ذكر اسم الله –عز وجل- كعبد الله وعبد العزيز وما أشبهها .

***
س130: إذا كان الإنسان في الحمام فكيف يسمي؟
الجواب: إذا كان الإنسان في الحمام فيسمي بقلبه لا بلسانه، لأن وجوب التسمية في الوضوء والغسل ليس بالقوي، حيث قال الإمام أحمد –رحمه الله-: ((لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسمية في الوضوء شيء)) .ولذلك ذهب الموفق صاحب المغني إلى غيره إلى أن التسمية في الوضوء سنة لا واجبة .

***
س131: ما حكم استقبال القبلة، أو استدبارها حال قضاء الحاجة؟
الجواب: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان، واستدلوا لذلك بحديث أبى أيوب –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا))131 . قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله، وحملوا ذلك على غير البنيان أما في البنيان: فيجوز الاستقبال والاستدبار، لحديث ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: ((رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة))132 .
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها بكل حال، سواء في البنيان أو غيره، واستدلوا بحديث أبي أيوب المتقدم، وأجابوا عن حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- بأجوبة منها:
أولاً: أن حديث ابن عمر يحمل على ما قبل النهي .
ثانياً: أن النهي يرجح، لأن النهي ناقل عن الأصل، وهو الجواز، والناقل عن الأصل أولى .
ثالثاً: إن حديث أبي أيوب قولٌ، وحديث ابن عمر فعلٌ، والفعل لا يمكن أن يعارض القول، لأن الفعل يحتمل الخصوصية ويحتمل النسيان، ويحتمل عذراً آخر . والقول الراجح عندي في هذه المسألة:
أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء ويجوز الاستدبار في البنيان دون الاستقبال، لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه تخصيص، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضاً الاستدبار أهون من الاستقبال ولهذا –والله أعلم- جاء التخفيف فيه فيما إذا كان الإنسان في البنيان، والأفضل أن لا يستدبرها إن أمكن .

الزاهدة
08-15-2011, 06:28 AM
س132: إذا خرج من الإنسان ريح، فهل يجب عليه الاستنجاء؟
الجواب: خروج الريح من الدبر ناقض للوضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))133 لكنه لا يوجب الاستنجاء، أي لا يوجب غسل الفرج لأنه لم يخرج شيء يستلزم الغسل، وعلى هذا فإذا خرجت الريح انتقض الوضوء، وكفى الإنسان أن يتوضأ، أي أن يغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويمسح أذنيه، ويغسل قدميه إلى الكعبين .
وهنا أنبه على مسألة تخفى على كثير من الناس وهي: أن بعض الناس يبول أو يتغوط قبل حضور وقت الصلاة، ثم يستنجي، فإذا جاء وقت الصلاة، وأراد الوضوء، فإن بعض الناس يظن أنه لا بد من إعادة الاستنجاء وغسل الفرج مرة ثانية, وهذا ليس بصواب, فإن الإنسان إذا غسل فرجه بعد خروج ما يخرج منه، فقد طهر المحل، وإذا طهر فلا حاجة إلى إعادة غسله، لأن المقصود من الاستنجاء أو الاستجمار الشرعي بشروطه المعروفة، المقصود به تطهير المحل، فإذا طهر فلن يعود إلى النجاسة إلا إذا تجدد الخارج مرة ثانية .

***
س133: متى يتأكد استعمال السواك؟ وما حكم السواك لمنتظر الصلاة حال الخطبة؟
الجواب: يتأكد السواك عند القيام من النوم، وأول ما يدخل البيت، وعند الوضوء في المضمضة، وإذا قام للصلاة .
ولا بأس به لمنتظر الصلاة، لكن في حال الخطبة لا يتسوك، لأنه يشغله، إلا أن يكون معه نعاس فيتسوك لطرد النعاس .

***
س134: هل التسمية في الوضوء واجبة؟
الجواب: التسمية في الوضوء ليست بواجبة ولكنها سنة، وذلك لأن في ثبوت حديثها نظراً . فقد قال الإمام أحمد –رحمه الله-: ((إنه لا يثبت في هذا الباب شيء)) والإمام أحمد –كما هو معلوم لدى الجميع- من أئمة هذا الشأن ومن حفاظ هذا الشأن، فإذا قال إنه لم يثبت في هذا الباب شيء، فإن حديثها يبقى في النفس منه شيء، وإذا كان في ثبوته نظر، فإن الإنسان لا يسوغ لنفسه أن يلزم عباد الله بما لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أرى أن التسمية في الوضوء سنة، لكن من ثبت عنده الحديث وجب عليه القول بموجبه، وهو أن التسمية واجبة، لأن قوله: (( لا وضوء)) الصحيح أنه نفيٌ للصحة وليس نفياً للكمال .

***
س135: ما حكم الختان في حق الرجال والنساء؟
الجواب: حكم الختان محل خلاف، وأقرب الأقوال أن الختان واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، ووجه التفريق بينهما أن الختان في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهو الطهارة، لأنه إذا بقيت القلفة، فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع في القلفة، وصار سبباً إما لاحتراق أو التهاب، أو لكونه كلما تحرك خرج منه شيء فيتنجس بذلك .
وأما المرأة فإنه غاية ما فيه من الفائدة أنه يقلل من غلمتها –أي شهوتها- وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى .
واشترط العلماء لوجوب الختان، ألا يخاف على نفسه فإن خاف على نفسه من الهلاك أو المرض، فإنه لا يجب، لأن الواجبات لا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر .
ودليل وجوب الختان في حق الرجال:
أولاً: أنه وردت أحاديث متعددة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أسلم أن يختتن134، والأصل في الأمر الوجوب .
ثانياً: أن الختان ميزة بين المسلمين والنصارى، حتى كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فقالوا: الختان ميزة، وإذا كان ميزة فهو واجب لوجوب التمييز بين الكافر والمسلم، ولهذا حرم التشبه بالكفار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))135 .
ثالثاً: أن الختان قطع شيء من البدن، وقطع شيء من البدن حرام، والحرام لا يستباح إلا لشيء واجب . فعلى هذا يكون الختان واجباً .
رابعاً: أن الختان يقوم به ولي اليتيم وهو اعتداء عليه واعتداء على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجره، فلولا أنه واجب لم يجز الاعتداء على ماله وبدنه . وهذه الأدلة الأثرية والنظرية تدل على وجوب الختان في حق الرجال .
أما المرأة ففي وجوبه عليها نظر، فأظهر الأقوال: أنه واجب على الرجال دون النساء، وهناك حديث ضعيف وهو: ((الختان سنة في حق الرجال، ومكرمة في حق النساء))136 . فلو صح هذا الحديث لكان فاصلاً .

***
س136: إذا كان للإنسان أسنان صناعية فهل يجب عليه نزعها عند المضمضة؟
الجواب: إذا كان على الإنسان أسنان مركبة، فالظاهر أنه لا يجب عليه أن يزيلها، وتشبه هذه بالخاتم، والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، بل الأفضل أن يحركه، لكن ليس على سبيل الوجوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسه، ولم ينقل أنه كان ينزعه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، لا سيما أن بعض الناس تكون هذه التركيبة شاقاً عليه نزعها ثم ردها .

الزاهدة
08-15-2011, 06:30 AM
س137: هل يلزم المتوضئ أن يأخذ ماءً جديداً لأذنيه؟
الجواب: لا يلزم أحذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب على القول الصحيح،لأن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكروا أنه كان يأخذ ماءً جديداً لأذنيه، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه .

***
س138: ما معنى الترتيب في الوضوء؟ وما المراد بالموالاة في الوضوء؟ وما حكمها؟
الجواب: الترتيب في الوضوء معناه أن تبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بذكر غسل الوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، ولم يذكر الله تعالى غسل الكفين قبل غسل الوجه، لأن غسل الكفين قبل غسل الوجه ليس واجباً بل هو سنة، هذا هو الترتيب أن تبدأ بأعضاء الوضوء مرتبة كما رتبها الله –عز وجل- لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج وخرج إلى المسعى بدأ بالصفا، فلما أقبل عليه قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) (البقرة: من الآية158) أبدأ بما بدأ الله به137، فتبين أنه إنما أتى إلى الصفا قبل المروة ابتداء بما بدأ الله به .
وأما الموالاة، فمعناها: أن لا يفرق بين أعضاء الوضوء بزمن يفصل بعضها عن بعض، مثال ذلك لو غسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه ولكن تأخر، فإن الموالاة قد فاتت، وحينئذ يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد توضأ، وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك))138 . وفي رواية أبي داود ((أمره أن يعيد الوضوء)) . وهذا يدل على اشتراط الموالاة، ولأن الوضوء عبادة واحدة، والعبادة الواحدة لا ينبني بعضها على بعض مع تفرق أجزائها .
فالصحيح: أن الترتيب والموالاة فرضان من فروض الوضوء .

***
س139: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء فما الحكم؟
الجواب: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء، فإن ذكر ذلك قريباً، فإنه يغسله وما بعده، مثال ذلك: شخص توضأ ونسي أن يغسل يده اليسرى فغسل يده اليمنى، ثم مسح رأسه وأذنيه، ثم غسل رجليه، ولما انتهى من غسل الرجلين، ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فنقول له: اغسل اليد اليسرى، وامسح الرأس والأذنين، واغسل الرجلين، وإنما أوجبنا عليه إعادة مسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين، لأجل الترتيب، فإن الوضوء يجب أن يكون مرتباً كما رتبه الله عز وجل فقال: ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن) (المائدة: من الآية6) .
أما إن كان لم يذكر إلا بعد مدة طويلة، فإنه يعيد الوضوء من أصله، مثل أن يتوضأ شخص وينسى غسل يده اليسرى ثم ينتهي من وضوئه ويذهب حتى يمضي مدة طويلة، ثم ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله لفوات الموالاة، لأن الموالاة بين أعضاء الوضوء، شرط لصحته، ولكن ليعلم أنه لو كان شكاً، يعني بعد أن انتهى من الوضوء شك هل غسل يده اليسرى أو اليمنى، أو هل تمضمض أو استنشق، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك بل يستمر ويصلي ولا حرج عليه، وذلك لأن الشك في العبادات بعد الفراغ منها لا يعتبر، لأننا لو قلنا باعتباره لانفتح على الناس باب الوساوس، وصار كل إنسان يشك في عبادته، فمن رحمة الله –عز وجل- أن ما كان ما الشك بعد الفراغ من العبادة فإنه لا يلتفت إليه ولا يهتم به الإنسان إلا إذا تيقن الخلل فإنه يجب عليه تداركه . والله أعلم .

***
س140: إذا انقطع الماء أثناء الوضوء، ثم عاد وقد جفت الأعضاء فهل يبني الإنسان على ما تقدم أم يعيد الوضوء؟
الجواب: هذا ينبني على معنى الموالاة وعلى كونها شرطاً لصحة الوضوء، وللعلماء في أصل المسألة قولان:
أحدهما: أن الموالاة شرط وأنه لا يصح الوضوء إلا متوالياً فلو فصل بعضه عن بعض لم يصح، وهذا هو القول الراجح، لأن الوضوء عبادة واحدة يجب أن يكون بعضها متصلاً ببعض، وإذا قلنا بوجوب الموالاة وأنها شرط لصحة الوضوء فبماذا تكون الموالاة؟ قال بعض العلماء: الموالاة أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله بزمن معتدل، إلا إذا أخرها لأمر يتعلق بالطهارة كما لو كان في أحد أعضائه بوية وحاول أن يزيلها وتأخر في إزالة هذه البوية حتى جفت أعضاؤه، فإنه يبني على ما مضى ويستمر ولو تأخر طويلاً، لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته، أما إذا تأخر لتحصيل ماء كماك في هذا السؤال فإن بعض أهل العلم يقول: إن الموالاة تفوت وعلى هذا فيجب عليه إعادة الوضوء من جديد، وبعضهم يقول: لا تفوت الموالاة لأنه أمر بغير اختياره وهو لا زال منتظراً لتكميل الوضوء، وعلى هذا إذا عاد الماء فإنه يبني على ما مضى ولو جفت أعضاؤه، على أن بعض العلماء الذين يقولون بوجوب الموالاة واشتراطها يقولون: إن الموالاة لا تتقيد بجفاف العضو وإنما تتقيد بالعرف، فما جرى العرف بأنه فصل، فهو فاصل يقطع الموالاة، وما جرى العرف بأنه ليس بفاصل، فليس بفاصل، مثل الذين ينتظرون وجود الماء إذا انقطع، هم الآن يشتغلون بجلب الماء، عند الناس لا يعد هذا تقاطعاً بين أول الوضوء وآخره، فيبنى على ما مضى ، وهذا هو الأفضل ، فإنه إذا جاء الماء يبنون على ما مضى اللهم إلا إذا طال الوقت مدة طويلة يخرجها عن العرف يبدؤون من جديد والأمر في هذا سهل .

الزاهدة
08-15-2011, 06:31 AM
س141: ما حكم وضوء من كان على أظافرها ما يسمى بـ ((المناكير))؟
الجواب: ما يسمى ((المناكير)) وهو شيء يوضع في الأظفار تستعمله المرأة وله قشرة، لا يجوز استعماله للمرأة إذا كانت تصلي لأنه يمنع وصول الماء في الطهارة، وكل شيء يمنع وصول الماء فإنه لا يجوز استعماله للمتوضئ ، أو المغتسل، لأن الله يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم) (المائدة: من الآية6) وهذه المرأة إذا كان على أظافرها مناكير فإنها تمنع وصول الماء فلا يصدق عليها أنها غسلت يدها فتكون قد تركت فريضة من فرائض الوضوء أو الغسل .
وأما من كانت لا تصلي كالحائض فلا حرج عليها إذا استعملته إلا أن يكون هذا الفعل من خصائص نساء الكفار فإنه لا يجوز لما فيه من التشبه بهن .
ولقد سمعت أن بعض الناس أفتى بأن هذا من جنس لبس الخفين، وأنه يجوز أن تستعمله المرأة لمدة يوم وليلة، إن كانت مقيمة ومدة ثلاثة أيام إن كانت مسافرة، ولكن هذه فتوى غلط، وليس كل ما ستر الناس به أبدانهم يلحق بالخفين، فإن الخفين جاءت الشريعة بالمسح عليهما للحاجة إلى ذلك غالباً، فإن القدم محتاجة إلى التدفئة ومحتاجة إلى الستر، لأنها تباشر الأرض، والحصى، والبرودة، وغير ذلك، فخصص الشارع المسح عليهما، وقد يقيسون أيضاً على العمامة، وليس بصحيح لأن العمامة محلها الرأس، والرأس فرضه مخفف من أصله، فإن فريضة الرأس هي المسح بخلاف اليد، فإن فرضيتها الغسل، ولهذا لم يبح النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تمسح القفازين مع أنهما يستران اليد، فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يقيس أي حائل يمنع وصول الماء على العمامة وعلى الخفين، والواجب على المسلم أن يبذل غاية جهده في معرفة الحق، وأن لا يقدم على فتوى إلا وهو يشعر أن الله تعالى سائلة عنها، لأنه يعبر عن شريعة الله –عز وجل- والله الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم .

***
س142: ما صفة الوضوء الشرعي؟
الجواب: صفة الوضوء الشرعي على وجهين:
صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (المائدة: من الآية6) وهي غسل الوجه مرة واحدة ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى الموافق مرة واحده، ويجب أن يلاحظ المتوضئ كفيه عند غسل ذراعيه فيغسلهما مع الذراعين، فإن بعض الناس يغفل عن ذلك ولا يغسل إلا ذراعيه وهو خطأ، ثم يمسح الرأس مرة واحدة ومنه –أي من الرأس- الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة هذه هي الصفة الواجبة التي لا بد منها .
أما الوجه الثاني من صفة الوضوء،فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بعون الله وهي: أن يسمي الإنسان عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبل يديه ثم يمرهما من مقدم رأسه إلى مؤخره ثم يعود إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه فيدخل سباحتيه في صماخيهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى، ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإنه إذا فعل ذلك، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، هكذا صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قاله عمر –رضي الله عنه-139 .

الزاهدة
08-15-2011, 06:35 AM
رسالة في كيفية طهارة المريض

قال فضيلة الشيخ –حفظه الله تعالى-:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فهذه رسالة مختصر فيما يجب على المرضى في طهارتهم وصلاتهم، فإن للمريض أحكاماً تخصه في ذلك لما هو عليه من الحال التي اقتضت الشريعة الإسلامية مراعاتها فإن الله تعالى بعث نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، بالحنيفية السمحة المبنية على اليسر والسهولة، قال الله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78) وقال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185) وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) (التغابن: من الآية16) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الدين يسر))140 وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 141 . وبناء على هذه القاعدة الأساسية خفف الله تعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم، ليتمكنوا من عبادة الله تعالى بدون حرج ولا مشقة، والحمد لله رب العالمين .

((كيف يتطهر المريض))؟
1- يجب على المريض أن يتطهر بالماء فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر .
2- فإن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه، أو خوف زيادة المرض، أو تأخر برئه فإنه يتيمم .
3- كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضرة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض .
4- فإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه فإنه يوضئه، أو ييممه شخص آخر ،فيضرب الشخص الأرض الطاهرة بيديه، ويمسح بها وجه المريض وكفيه، كما لو كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه شخص آخر .
5- إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح فإنه يغسله بالماء، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه مسحاً، فيبل يده بالماء ويمرها عليه، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضاً فإنه يتيمم عنه .
6- إذا كان في بعض أعضائه كسر مشدود عليه خرقة، أو جبس فإنه يمسح عليه بالماء بدلاً من غسله، ولا يحتاج للتيمم، لأن المسح بدل عن الغسل .
7- يجوز أن يتيمم على الجدار، أو على شيء آخر طاهر له غبار، فإن كان الجدار ممسوحاً بشيء من غير جنس الأرض كالبوية فلا يتيمم عليه إلا أن يكون له غبار .
8- إذا لم يمكن التيمم على الأرض، أو الجدار، أو شيء آخر له غبار فلا بأس أن يوضع تراب في إناء أو منديل يتيمم منه .
9- إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الأخرى فإنه يصليها بالتيمم الأول، ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية، لأنه لم يزل على طهارته، ولم يوجد ما يبطلها .
10- يجب على المريض أن يطهر بدنه من النجاسات، فإن كان لا يستطيع صلى على حاله، وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه .
11- يجب على المريض أن يصلي بثياب طاهرة، فإن تنجست ثيابه وجب غسلها أو إبدالها بثياب طاهرة، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه .
12- يجب على المريض أن يصلي على شيء طاهر، فإن تنجس مكانه وجب غسله أو إبداله بشيء طاهر، أو يفرش عليه شيئاً طاهراً، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه .
13- لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، بل يتطهر بقدر ما يمكنه، ثم يصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه وثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عنها .

***


س143: ما حكم خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطاً للطهارة؟
الجواب: هذا خلاف السنة، وفيه تشبه بالروافض الذين لا يجيزون المسح على الخفين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة حينما أراد نزع خفيه قال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين))142 . ومسح عليهما .
***
س144: تقدير الوقت في المسح على الخفين، متى يبتدئ؟
الجواب: هذه المسألة من أهم المسائل التي يحتاج الناس إلى بيانها، ولهذا سوف نجعل الجواب أوسع من السؤال، إن شاء الله .
فنقول: إن المسح على الخفين ثابت بدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب فهو من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية6) بكسر اللام –أرجلِكم- فتكون أرجلكم معطوفة على قوله (برؤوسكم) فتدخل في ضمن الممسوح، والقراءة التي يقرؤها الناس في المصاحف (وأرجلَكم) بفتح اللام، فهي معطوفة على قوله: (وجوهكم) . فتكون من ضمن المغسول، وحينئذٍ فالأرجل بناء على القراءتين إما أن تغسل، وإما أن تمسح، وقد بينت السنة متى يكون الغسل، ومتى يكون المسح، فيكون الغسل حين تكون القدم مكشوفة، ويكون المسح حين تكون مستورة بالخف ونحوه .
أما السنة، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين، وعده أهل العلم من المتواتر، كما قال من نظم ذلك:
مما تواتر حديث من كذب ومن بني الله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذه بعض
فمسح الخفين مما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمسح على الخفين إذا كان الإنسان قد لبسهما على طهارة أفضل من خلعهما وغسل الرجل، ولهذا لما أراد المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه- أن ينزع خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند وضوئه قال له: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين))، ثم مسح عليهما . متفق عليه .
وللمسح على الخفين شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة كاملة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فإن لبسهما على غير طهارة، فإنه لا يصح المسح عليهما .
الشرط الثاني: أن يكون المسح في مدة المسح، كما سيأتي بيان المدة إن شاء الله تعالى .
الشرط الثالث: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى، أي في الوضوء، أما إذا صار على الإنسان غسل، فإنه يجب عليه أن يخلع الخفين ليغسل جميع بدنه، ولهذا لا مسح على الخفين في الجنابة، كما في حديث صفوان بن عسال –رضي الله عنه- قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة)) . أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة143 . هذه الشروط الثلاثة من شروط جواز المسح على الخفين .
أما المدة: فإنها يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولا عبرة بعدد الصلوات بل العبرة بالزمن، فالرسول –عليه الصلاة والسلام- وقتها يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وثلاثة الأيام بلياليها اثنتان وسبعون ساعة .
لكن متى تبتدئ هذه المدة؟ تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح، وليس من لبس الخف ولا من الحدث بعد اللبس، لأن الشرع جاء بلفظ المسح، والمسح لا يتحقق إلا بوجوده فعلاً، ((يمسح المقيم يوماً وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام)) فلا بد من تحقق المسح، وهذا لا يكون إلا بابتداء المسح في أول مرة، فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح، انتهى وقت المسح بالنسبة للمقيم، وإذا تمت اثنتان وسبعون ساعة انتهى المسح بالنسبة للمسافر، ونضرب لذلك مثلاً يتبين به الأمر:
رجل تطهر لصلاة الفجر، ثم لبس الخفين ثم بقي على طهارته حتى صلى الظهر وهو على طهارته، وصلى العصر وهو على طهارته، وبعد صلاة العصر في الساعة الخامسة تطهر لصلاة المغرب ثم مسح، فهذا الرجل له أن يمسح إلى الساعة الخامسة من اليوم الثاني، فإذا قدر أنه مسح في اليوم الثاني في الساعة الخامسة إلا ربعاً، وبقي على طهارته حتى صلى المغرب وصلى العشاء، فإنه حينئذ يكون صلى في هذه المدة صلاة الظهر أول يوم، والعصر والمغرب والعشاء، والفجر في اليوم الثاني، والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه تسع صلوات صلاها، وبهذا علمنا أنه لا عبرة بعدد الصلوات كما هو مفهوم عند كثير من العامة، حيث يقولون: إن المسح خمسة فروض هذا لا أصل له، وإنما الشرع وقته بيوم وليلة تبتدئ هذه من أول مرة مسح . وفي هذا المثال الذي ذكرنا عرفت كم صلى من صلاة، وبهذا المثال الذي ذكرنا تبين أنه إذا تمت مدة المسح، فإنه لا يمسح بعد هذه المدة ولو مسح بعد تمام المدة، فمسحه باطل، لا يرتفع به الحدث . لكن لو مسح قبل أن تتم المدة ثم استمر على طهارته بعد تمام المدة، فإن وضوءه لا ينتقض، بل يبقى على طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء، وذلك لأن القول بأن الوضوء ينتقض بتمام المدة، قول لا دليل له، فإن تمام المدة معناه أنه لا مسح بعد تمامها، وليس معناه أنه لا طهارة بعد تمامها، فإذا كان المؤقت هو المسح دون الطهارة، فإنه لا دليل على انتقاضها بتمام المدة، وحينئذ نقول في تقرير دليل ما ذهبنا إليه: هذا الرجل توضأ وضوءاً صحيحاً بمقتضى دليل شرعي صحيح، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن نقول بانتقاض هذا الوضوء إلا بدليل شرعي صحيح، ولا دليل على أنه ينتقض بتمام المدة، وحينئذ تبقى طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء التي ثبتت بالكتاب أو السنة، أو الإجماع .
أما المسافر فله ثلاثة أيام بلياليها، أي اثنتان وسبعون ساعة، تبتدئ من أول مرة مسح، ولهذا ذكر فقهاء الحنابلة –رحمهم الله- أن الرجل لو لبس خفيه وهو مقيم في بلده، ثم أحدث في نفس البلد ثم سافر ولم يمسح إلا بعد أن سافر، قالوا فإنه يتم مسح مسافر في هذه الحالة، وهذا مما يدل على ضعف القول بأن ابتداء المدة من أول حدث بعد اللبس .
والذي يبطل المسح على الخف: انتهاء المدة، وخلع الخف، فإذا خلع الخف بطل المسح لكن الطهارة باقية . ودليل كون خلع الخف يبطل المسح، حديث صفوان بن عسال قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا))144 فدل هذا على أن النزع يبطل المسح فإذا نزع الإنسان خفه بعد مسحه بطل المسح عليه، بمعنى أنه لا يعيد لبسه فيمسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءاً كاملاً يغسل فيه الرجلين .
وأما طهارته إذا خلعه، فإنها باقية، فالطهارة لا تنتقض بخلع الممسوح، وذلك لأن الماسح إذا مسح تمت طهارته بمقتضى الدليل الشرعي، فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بمقتضى دليل شرعي وليس هناك دليل شرعي على أنه إذا خلع الممسوح بطل الوضوء ، وإنما الدليل على أنه إذا خلع الممسوح بطل المسح، أي لا يعاد المسح مرة أخرى إلا بعد غسل الرجل في وضوء كامل، وعليه فنقول: إن الأصل بقاء هذه الطهارة الثابتة بمقتضى الدليل الشرعي حتى يوجد الدليل، وإذا لم يكن دليل فإن الوضوء يبقى غير منتقض، وهذا هو القول الراجح عندنا . والله الموفق .

الزاهدة
08-15-2011, 06:37 AM
س145: ما حكم المسح على الجورب المخرف والخفيف؟
الجواب: القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي ترى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساتراً، فإن الرجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المكلف والتسهيل عليه، بحيث لا نلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شرع المسح على الخفين، وهذه العلة –كما ترى- يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل .

***
س146: ما حكم المسح على الجبيرة؟
الجواب: لا بد أولاً أن عرف ما هي الجبيرة؟
الجبيرة في الأصل ما يجبر به الكسر، والمراد بها في عرف الفقهاء "ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة"، مثل الجبس الذي يكون على الكسر، أو اللزقة التي تكون على الجرح، أو على ألم في الظهر أو ما أشبه ذلك، فالمسح عليها يجزئ عن الغسل . فإذا قدرنا أن على ذراع المتوضئ لزقة على جرح يحتاج إليها، فإنه يمسح عليها بدلاً عن الغسل وتكون هذه الطهارة كاملة، بمعنى أنه لو فرض أن هذا الرجل نزع هذه الجبيرة أو اللزقة، فإن طهارته تبقى ولا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي . ونزع اللزقة ليس هناك دليل على أنه ينقض الوضوء أو ينقض الطهارة، وليس في المسح على الجبيرة دليل خالٍ من معارضة، فيها أحاديث ضعيفة ذهب إليها بعض أهل العلم، وقال: إن مجموعها يرفعها إلى أن تكون حجة .
ومن أهل العلم من قال: إنه لضعفها لا يعتمد عليها، وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: يسقط تطهير محل الجبيرة، لأنه عاجز عنه . ومنهم من قال: بل يتيمم له ولا يمسح عليها .
لكن أقرب الأقوال إلى القواعد –بقطع النظر عن الأحاديث الواردة فيها- أنه يمسح، وهذا المسح يغنيه عن التيمم فلا حاجة إليه، وحينئذ نقول: إنه إذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:
المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، ففي هذه المرتبة يجب عليه غسله إذا كان في محل يغسل .
المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل دون المسح، ففي هذه المرتبة يجب عليه المسح دون الغسل .
المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح، فهنا يتيمم له .
المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بلزقة أو شبهها محتاج إليها، وفي هذه المرتبة يمسح على هذا الساتر، ويغنيه عن غسل العضو، ولا يتيمم .

***
س147: هل يجب الجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة أو لا؟
الجواب: لا يجب الجمع بين المسح والتيمم، لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشريعة، لأننا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما أن نوجب تطهيره بطهارتين، فهذا لا نظير له في الشريعة، ولا يكلف الله عبداً بعبادتين سببهما واحد .

***
س148: ما حكم من توضأ فغسل رجله اليمنى، ثم لبس الخف أو الجورب، ثم غسل اليسرى ولبس الجورب عليها أو الخف؟
الجواب: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: لا بد أن يكمل الطهارة قبل أن يلبس الخف أو الجورب، ومنهم من قال: إنه يجوز إذا غسل اليمنى أن يلبس الخف أو الجورب ثم يغسل اليسرى ويلبس الخف أو الجورب، فهو لم يدخل اليمنى إلا بعد أن طهرها واليسرى كذلك، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين . لكن هناك حديث أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه)) الحديث . فقوله: ((إذا توضأ)) قد يرجح القول الأول، لأن من لم يغسل اليسرى لا يصدق عليه أنه توضأ، فعليه فالقول به أولى .

***
س149: إذا مسح الإنسان وهو مقيم ثم سافر فهل يتم مسح مسافر؟
الجواب: إذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر على القول الراجح، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا مسح في الحضر ثم سافر، أتم مسح مقيم، ولكن الراجح ما قلناه، لأن هذا الرجل قد بقي في مدة مسحه شيء قبل أن يسافر وسافر، فيصدق عليه أنه من المسافرين الذين يمسحون ثلاثة أيام، وقد ذكر عن الإمام أحمد 0رحمه الله- أنه رجع إلى هذا القول بعد أن كان يقول بأنه يتم مسح مقيم .

***
س150:إذا شك الإنسان في ابتداء المسح وقته فماذا يفعل؟
الجواب: في هذه الحال يبني على اليقين، فإذا شك هل مسح لصلة الظهر أو لصلاة العصر، فإنه يجعل ابتداء المدة من صلاة العصر، لأن الأصل عدم المسح . ودليل هذه القاعدة هو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن الأصل العدم، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام، شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته فقال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))145 .

الزاهدة
08-15-2011, 06:39 AM
س151: إذا مسح الإنسان على الكنادر ثم خلعها ومسح على الشراب فهل يصح مسحه؟
الجواب: المعروف عند أهل العلم إنه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثانٍ، ومنهم من يرى أنه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دامت المدة باقية . وهذا هو القول الراجح . وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى، أو كنادر ومسح العليا، فلا بأس به على القول الراجح ما دامت المدة باقية، لكن تحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني .

***
س152: إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعادها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها؟
الجواب: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول، أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ .
الحال الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه، فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها، لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء، وهذه طهارة بالمسح، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم . ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح، له أن يمسح ما دامت المدة باقية، فإن هذا قول قوي، ولكنني لم أعلم أن أحداً قال به، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي، لأن طهارة المسح طهارة كاملة، فينبغي أن يقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل، فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح، لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا . والعلم عند الله .

***
س153: من مسح على خفيه بعد انتهاء المدة وصلى بهما فما الحكم؟
الجواب: إذا انتهت مدة مسح الخفين ثم صلى الإنسان بعد انتهاء المدة، فإن كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح، وجب عليه إعادة الوضوء كاملاً بغسل رجليه، ووجب عليه إعادة الصلاة، وذلك لأنه لم يغسل رجليه فقد صلى بوضوء غير تام . وأما إذا انتهت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته، وصلى بعد انتهاء المدة، فصلاته صحيحة لأن انتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء، وإن كان بعض العلماء يقولون: إن انتهاء مدة المسح ينقض الوضوء، لكنه قولٌ لا دليل عليه، وعلى هذا فإذا تمت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته بعد انتهاء المدة، ولو يوماً كاملاً، فله أن يصلي ولو بعد انتهاء المدة، لأن وضوءه قد ثبت بدليل شرعي فلا يرتفع إلا بدليل شرعي، ولا دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن انتهاء مدة المسح موجب للوضوء . والله أعلم .

***
س154: ما هي نواقض الوضوء؟
الجواب: نواقض الوضوء مما حصل فيه خلاف بين أهل العلم، لكن نذكر ما يكون ناقضاً بمقتضى الدليل:
الأول: الخارج من السبيلين، أي الخارج من القبل والدبر، فكل ما خرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء، سواء كان بولاً أم غائطاً، أم مذياً، أم منياً، أم ريحاً، فكل شيء يخرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء ولا تسأل عنه، لكن إذا كان منياً وخرج بشهوة، فمن المعلوم أنه يوجب الغسل، وإذا كان مذياً فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء أيضاً .
الثاني: النوم إذا كان كثيراً بحيث لا يشعر النائم لو أحدث، فأما إذا كان النوم يسيراً يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء، ولا فرق في ذلك أن يكون نائماً مضطجعاً، أو قاعداً معتمداً، أو قاعداً غير معتمد، فالمهم حالة حضور القلب، فإذا كان في حال لو أحدث لأحس بنفسه ، فإن وضوءه لا ينتقض، وإن كان في حال لو أحدث لم يحس بنفسه، فإنه يجب عليه الوضوء، وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما هو مظنة الحدث، فإذا كان الحدث منتفياً لكون الإنسان يشعر به لو حصل منه، فإنه لا ينتقض الوضوء . والدليل على أن النوم نفسه ليس بناقض، أن يسيره لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضاً لنقض يسيره وكثيره كما ينقض البول يسيره وكثيره .
الثالث: أكل لحم الجزور، فإذا أكل الإنسان من لحم الجزور، الناقة أو الجمل، فإنه ينتقض وضوؤه سواءً كان نيئاً أو مطبوخاً، لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سمرة، أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت)) . فقال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم))146 . فكونه صلى الله عليه وسلم يجعل الوضوء من لحم الغنم راجعاً إلى مشيئة الإنسان، دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس براجع إلى مشيئة الإنسان، وأنه لا بد منه، وعلى هذا فيجب الوضوء من لحم الإبل إذا أكله الإنسان نيئاً أو مطبوخاً، ولا فرق بين اللحم الأحمر واللحم غير الأحمر، فينقض الوضوء أكل الكرش، والأمعاء، والكبد، والقلب، والشحم وغير ذلك، وجميع أجزاء البعير ناقضٌ للوضوء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفصل وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا ومن هذا، ولو كان الحكم يختلف لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبينه للناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ثم إننا لا نعلم في الشريعة الإسلامية حيواناً يختلف حكمه بالنسبة لأجزائه، فالحيوان إما حلال أو حرام، وإما موجب للوضوء أو غير موجب، وأما أن يكون بعضه له حكم وبعضه له حكم فهذا لا يعرف في الشريعة الإسلامية، وإن كان معروفاً في شريعة اليهود كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) (الأنعام: من الآية146) ولهذا أجمع العلماء على أن شحم الخنزير محرم مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، فقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه) (المائدة: من الآية3) ولا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن شحم الخنزير محرم . وعلى هذا فنقول: اللحم المذكور في الحديث بالنسبة للإبل يدخل فيه الشحم والأمعاء والكرش وغيرها .

الزاهدة
08-15-2011, 06:44 AM
س155: هل مس المرأة ينقض الوضوء؟
الجواب: الصحيح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، إلا إذا خرج منه شيء، ودليل هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ . ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صريح صحيح على النقض، ولأن الرجل أتم طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي .
فإن قيل: قد قال الله عز وجل في كتابه: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) .
فالجواب: أن المراد بالملامسة في الآية الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس –رضي الله عنهما- ثم أن هناك دليلاً من تقسيم الآية الكريمة، تقسيم للطهارة إلى أصلية، وبدلية، وتقسيم للطهارة إلى كبرى، وصغرى . وتقسيم لأسباب الطهارة الكبرى، والصغرى . قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن) (المائدة: من الآية6) فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فهذه طهارة بالماء أصلية كبرى ثم قال: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (المائدة: من الآية6) فقوله (فتيمموا) هذا بدل وقوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) هذا بيان سبب الصغرى . وقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) هذا بيان سبب الكبرى . ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتم النساء، لتكون الآية مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الطهارة الصغرى والكبرى .
وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، سواء بشهوة أو بغير شهوة إلا أن يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء وجب عليه الغسل إن كان الخارج منياً، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء إن كان الخارج مذياً .

***
س156: مدرس يدرس للتلاميذ القرآن الكريم، ولا يوجد ماء في المدرسة أو بالقرب منها والقرآن لا يمسه إلا المطهرون، فماذا يفعل؟
الجواب: إذا لم يكن في المدرسة ماء ولا بقربها فإنه ينبه على الطلبة ألا يأتوا إلا وهم متطهرون وذلك لأن المصحف لا يمسه إلا طاهر في حديث عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم له: ((ألا يمس القرآن إلا طاهر))147 فالطاهر هنا من ارتفع حدثه بدليل قوله تعالى في آية الوضوء والغسل والتيمم: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: من الآية6) ففي قوله: (ليطهركم) دليل على أن الإنسان قبل أن يتطهر لم تحصل له الطهارة، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يمس القرآن إلا وهو طاهر متوضئ، إلا أن بعض أهل العلم رخص للصغار أن يمسوا القرآن لحاجتهم لذلك، وعدم إدراكهم للوضوء، ولكن الأولى أن يؤمر الطلاب بذلك أي بالوضوء حتى يمسوا المصحف وهم على طهارة .
وأما قول السائل: لأن القرآن لا يمسه إلا المطهرون، فكأني به يريد أن يستدل بهذه الآية على وجوب التطهر لمس المصحف، والآية ليس فيها دليل لهذا لأن المراد بقوله: (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة:79) الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ والمراد بالمطهرون الملائكة، ولو كان يراد بها المتطهرون لقال لا يمسه إلا المطهرون أو إلا المتطهرون ولم يقل إنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة لكن الحديث الذي أشرنا إليه آنفاً هو الذي يدل على ذلك .

***
س157: ما هي موجبات الغسل؟
الجواب: موجبات الغسل منها:
الأول: إنزال المني بشهوة يقظة أو مناماً، لكنه في المنام يجب عليه الغسل، وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال .
الثاني: الجماع، فإذا جامع الرجل زوجته، بأن أولج الحشفة في فرجها، أو ما زاد، فعليه الغسل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الأول: ((الماء من الماء))148 يعين أن الغسل يجب من الإنزال، وقوله عن الثاني: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل))149 وإن لم ينزل، وهذه المسألة –أعني الجماع بدون إنزال- يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعضهم تمضي عليه الأسابيع والشهور وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلاً منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب أن يعلم الإنسان حدود ما أنز الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل وجب عليه الغسل وعليها، للحديث الذي ذكرناه آنفاً .
الثالث: من موجبات الغسل خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت، وجب عليها الغسل لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:222) ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل، والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل .
وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض أن تغتسل بالدر، لأن ذلك أبلغ في نظافتها وتطهيرها .
وذكر بعض العلماء أيضاً من موجبات الغسل الموت، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: (( ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك))150 وبقوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم: (( بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه))151 فقالوا: إن الموت موجب للغسل، ولكن الوجوب هنا يتعلق بالحي، لأن الميت انقطع تكليفه بموته، ولكن على الأحياء أن يغسلوا موتاهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك .

***
س158: هل يجب الغسل بالمداعبة أو التقبيل؟
الجواب: لا يجب على الرجل ولا على المرأة غسل بمجرد الاستمتاع بالمداعبة أو التقبيل إلا إذا حصل إنزال المني فإنه يجب الغسل على الجميع إذا كان المني قد خرج من الجميع، فإن خرج من أحدهما فقط وجب عليه الغسل وحده، هذا إذا كان الأمر مجرد مداعبة أو تقبيل أو ضم، أما إذا كان جماعاً فإن الجماع يجب فيه الغسل على كل حال، على الرجل وعلى المرأة حتى وإن لم يحصل إنزال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة –رضي الله عنه-: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل))152 وفي لفظ لمسلم: ((وإن لم ينزل)) . وهذه المسألة قد تخفى على كثير من النساء، تظن المرأة بل وربما يظن الرجل أن الجماع إذا لم يكن إنزال فلا غسل فيه، وهذا جهل عظيم، فالجماع يجب فيه الغسل على كل حال، وما عدا الجماع من الاستمتاع لا يجب فيه الغسل إلا إذا حصل الإنزال .

الزاهدة
08-15-2011, 06:46 AM
س159: إذا استيقظ الإنسان فوجد في ملابسه بللاً فهل يجب عليه الغسل؟
الجواب: إذا استيقظ الإنسان فوجد بللاً، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يتيقن أنه مني، فيجب عليه حينئذ الاغتسال سواء ذكر احتلاماً أم لم يذكر.
الحال الثانية: أن يتيقن أنه لي بمني، فلا يجب عليه الغسل في هذه الحال، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه، لأن حكمه حكم البول .
الحال الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا ؟ ففيه تفصيل:
أولاً: إن ذكر أنه احتلم في منامه، فإنه يجعله منياً ويغتسل، لحديث أم سلمة –رضي الله عنها- حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها غسل؟ قال: ((نعم إذا هي رأت الماء))153 فدل هذا على وجوب الغسل على من احتلم ووجد الماء .
ثانياً: إذا لم ير شيئاً في منامه، فإن كان قد سبق نومه تفكير في الجماع جعله مذياً .
وإن لم يسبق نومه تفكير فهذا محل خلاف:
قيل: يجب عليه الغسل احتياطاً .
وقيل: لا يجب وهو الصحيح لأن الأصل براءة الذمة .

***
س160: ما هي الأحكام المتعلقة بالجنابة؟
الجواب: الأحكام المتعلقة بالجنابة هي:
أولاً: أن الجنب تحرم عليه الصلاة، فرضها ونفلها، حتى صلاة الجنازة . لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم)(6) إلى قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)(المائدة: 6،7) .
ثانياً: أن الجنب يحرم عليه الطواف بالبيت، لأن الطواف بالبيت مكث في المسجد، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء: من الآية43) .
ثالثاً: أنه يحرم عليه مس المصحف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يمس القرآن إلا طاهر))154 .
رابعاً: أنه يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء: من الآية43).
خامساً: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ الصحابة القرآن ما لم يكونوا جنباً .
هذه الأحكام الخمسة التي تتعلق بمن عليه جنابة .

***
س161: ما صفة الغسل؟
الجواب: صفة الغسل على وجهين:
الوجه الأول: صفة واجبة، وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه على أي وجه كان فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر وتمت طهارته، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) .
الوجه الثاني: صفة كاملة وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد أن يغتسل من الجنابة فإنه يغسل كفيه، ثم يغسل فرجه وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءً كاملاً –على صفة ما ذكرنا في الوضوء- ثم يغسل رأسه بالماء ثلاثاً ترويه ثم يغسل بقية بدنه . هذه صفة الغسل الكامل .

***
س162: إذا اغتسل الإنسان ولم يتمضمض ولم يستنشق فهل يصح غسله؟
الجواب: لا يصح الغسل بدون المضمضة والاستنشاق، لأن قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) يشمل البدن كله، وداخل الفم وداخل الأنف من البدن الذي يجب تطهيره، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، لدخولهما في قوله تعالى: ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) (المائدة: من الآية6) فإذا كانا داخلين في غسل الوجه –والوجه مما يجب تطهيره وغسله في الطهارة الكبرى- كان واجباً على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق .

***
س163: إذا تعذر استعمال الماء، فبماذا تحصل الطهارة؟
الجواب: إذا تعذر استعمال الماء، لعدمه أو التضرر باستعماله، فإنه يعدل عن ذلك إلى التيمم، بأن يضرب الإنسان بيديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجهه، ويمسح بعضهما ببعض، لكن هذا خاص بالطهارة من الحدث .
أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم، سواء كانت على البدن، أو على الثوب، أو على البقعة، ، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة، وليس التعبد فيها اشرطاً، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل، فلو نزل المطر على مكان نجس، أو على ثوب نجس وزالت النجاسة بما نزل من المطر، فإن المحل يطهر بذلك، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله –عز وجل- فلا بد فيها من النية والقصد .

الزاهدة
08-15-2011, 06:51 AM
س164: من أصبح جنباً في وقت بارد فهل يتيمم؟
الجواب: إذا كان الإنسان جنباً فإن عليه أن يغتسل، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: من الآية6) فإن كانت الليلة باردة ولا يستطيع أن يغتسل بالماء البارد، فإنه يجب عليه أن يسخنه إذا كان يمكنه ذلك، فإن كان لا يمكنه أن يسخنه لعدم وجود ما يسخن به الماء، فإنه في هذه الحال يتيمم عن الجنابة ويصلي، لقول الله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: من الآية6) وإذا تيمم عن الجنابة، فإنه يكون طاهراً بذلك ويبقى على طهارته حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، قال: ((ما منعك؟)) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك))155 ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماءً وقال: ((أفرغه على نفسك)) . فدل هذا على أن المتيمم إذا وجد الماء، وجب عليه أن يتطهر به، سواء كان ذلك عن جنابة أو عن حدث أصغر، والمتيمم إذا تيمم عن جنابة، فإنه يكون طاهراً منها حتى يحصل له جنابة أخرى، أو يجد الماء، وعلى هذا فلا يعيد تيممه عن الجنابة لكل وقت، وإنما يتيمم بعد تيممه من الجنابة يتيمم عن الحدث الأصغر إلا أن يجنب .

***
س165: هل يشترط في التراب المتيمم به أن يكون له غبار؟ وهل قوله تعالى: ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة: من الآية6) قول: (منه) دليل على اشتراط الغبار؟
الجواب: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون بتراب فيه غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواءً كان فيه غبار أم لا، وعلى هذا فإذا نزل المطر على الأرض، فيضرب الإنسان بيديه على الأرض ويمسح وجهه وكفيه، وإن لم يكن للأرض غبار في هذه الحال، لقول الله تعالى: ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)(المائدة: من الآية6) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون إلى جهات ليس فيها إلا رمال، وكانت الأمطار تصيبهم وكانوا يتيممون كما أمر الله –عز وجل- فالقول الراجح أن الإنسان إذا تيمم على الأرض فإن تيممه صحيح، سواء كان على الأرض غبار أم لم يكن .
أما قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) فإن ((من)) لابتداء الغاية وليست للتبعيض ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نفخ في يديه حين ضرب بهما الأرض156 .

***
س166: مريض لا يجد التراب فهل يتيمم على الجدار، وكذلك الفرش أم لا؟
الجواب: الجدار من الصعيد الطيب، فإذا كان الجدار مبنياً من الصعيد سواء كان حجراً أو كان مدراً –لبناً من الطين- فإنه يجوز التيمم عليه، أما إذا كان الجدار مكسواً بالأخشاب أو (بالبوية) فهذا إن كان عليه تراب –غبار- فإنه يتيمم به ولا حرج، ويكون كالذي يتيمم على الأرض، لأن التراب من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب، فإنه ليس من الصعيد في شيء، فلا يتيمم عليه .
وبالنسبة للفرش نقول: إن كان فيها غبار فليتيمم عليها، وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد .

***
س167: ما حكم بول الطفل الصغير إذا وقع على الثوب؟
الجواب: الصحيح في هذه المسألة أن بول الذكر الذي يتغذى بالبن خفيف النجاسة، وأنه يكفي في تطهيره النضح، وهو أن يغمره بالماء، يصب عليه الماء حتى يشمله بدون فرك، وبدون عصر، وذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جيء بابن صغير فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله157 ، أما بالنسبة للأنثى فلا بد من غسل بولها، لأن الأصل أن البول نجس ويجب غسله لكن يستثنى الغلام الصغير لدلالة السنة عليه .

***
س168: امرأة تجاوزت الخمسين يأتيها الدم على الصفة المعروفة، وأخرى تجاوزت الخمسين يأتيها الدم على غير الصفة المعروفة، وإنما صفرة أو كدرة؟
الجواب: التي يأتيها دم على صفته المعروفة يكون دمها دم حيض صحيح على القول الراجح، إذ لا حد لأكثر سن الحيض وعلى هذا فيثبت لدمها أحكام دم الحيض المعروفة من اجتناب الصلاة، والصيام، والجماع، ولزوم الغسل، وقضاء الصوم ونحو ذلك .
وأما التي يأتيها صفرة وكدرة فالصفرة والكدرة إن كانت في زمن العادة فحيض، وإن كانت في غير زمن العادة فليست بحيض ،وأما إن كان دمها دم الحيض المعروف لكن تقدم أو تأخر فهذا لا تأثير له، بل تجلس إذا أتاها الحيض وتغتسل إذا انقطع عنها . وهذا كله على القول الصحيح من أن سن الحيض لا حد له، أما على المذهب فلا حيض بعد خمسين سنة وإن كان دماً أسود عادياً، وعليه فتصوم وتصلي ولا تغتسل عند انقطاعه لكن هذا القول غير صحيح .

***
س169: الدم الذي يخرج من الحامل هل هو حيض؟
الجواب: الحامل لا تحيض، كما قال الإمام أحمد –رحمه الله- إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض . والحيض –كما قال أهل العلم- خلقه الله تبارك وتعالى لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذا نشأ الحمل انقطع الحيض، لكن بعض النساء قد يستمر بها الحيض على عادته كما كان قبل الحمل، فهذه يحكم بأن حيضها حيض صحيح، لأنه استمر بها الحيض ولم يتأثر بالحمل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، وموجباً لما يوجبه، ومسقطاً لما يسقطه، والحاصل أن الدم الذي يخرج من الحامل على نوعين:
النوع الأول: نوع يحكم بأنه حيض، وهو الذي استمر بها كما كان قبل الحمل، لأن ذلك دليل على أن الحمل لم يؤثر عليه فيكون حيضاً .
والنوع الثاني: دمٌ طرأ على الحامل طروءاً، إما بسبب حادث، أو حمل شيء، أو سقوط من شيء ونحوه، فهذا ليس بحيض وإنما هو دم عرق، وعلى هذا فلا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام فهي في حكم الطاهرات .

الزاهدة
08-15-2011, 06:55 AM
س170: هل لأقل الحيض وأكثره حدٌ معلوم بالأيام؟
الجواب: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام على الصحيح، لقول الله –عز وجل-: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) (البقرة: من الآية222) فلم يجعل الله غاية المنع أياماً معلومة، بل جعل غاية المنع هي الطهر، فدل هذا على أن علة الحكم هي الحيض وجوداً وعدماً، فمتى وجد الحيض ثبت الحكم، ومتى طهرت منه، زالت أحكامه، ثم إن التحديد لا دليل عليه، مع أن الضرورة داعية إلى بيانه، فلو كان التحديد بسن أو زمن ثابتأً شرعاً لكان مبيناً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبناء عليه فكل ما رأته المرأة من الدم المعروف عند النساء بأنه حيض فهو دم حيض من غير تقدير ذلك بزمن معين، إلا أن يكون الدم مستمراً مع المرأة لا ينقطع أبداً، أو ينقطع مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر، فإنه حينئذ يكون دم استحاضة .

***
س171: امرأة تسببت في نزول دم الحيض منها بالعلاج، وتركت الصلاة فهل تقضيها أم لا؟
الجواب: لا تقضي المرأة الصلاة إذا تسببت لنزول الحيض فنزل، لأن الحيض دم متى وجد وجد حكمه، كما أنها لو تناولت ما يمنع الحيض ولم ينزل الحيض، فإنها تصلي وتصوم ولا تقضي الصوم، لأنها ليست بحائض، فالحكم يدور مع علته، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى) (البقرة: من الآية222) فمتى وجد هذا الأذى ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت حكمه .

***
س172: هل يجوز للحائض أن تقرأ القرآن؟
الجواب: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن للحاجة، مثل أن تكون معلمة، فتقرأ القرآن للتعليم، أو أن تكون طالبة فتقرأ القرآن للتعلم، أو تكون تعلم أولادها الصغار أو الكبار، فترد عليهم وتقرأ الآية قبلهم . المهم إذا دعت الحاجة إلى قراءة القرآن للمرأة الحائض، فإنه يجوز ولا حرج عليها، وكذلك لو كانت تخشى أن تنساه فصارت تقرؤه تذكراً، فإنه لا حرج عليها ولو كانت حائضاً، على أن بعض أهل العلم قال: إنه يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن مطلقاً بلا حاجة .
وقال آخرون: إنه يحرم عليها أن تقرأ القرآن ولو كان لحاجة . فالأقوال ثلاثة، والذي ينبغي أن يقال هو: أنه إذا احتاجت إلى القراءة لتعليمه، أو تعلمه، أو خوف نسيانه، فإنه لا حرج عليها .

***
س173: إذا اشتبه الدم على المرأة فلم تميز هل هو دم حيض أم دم استحاضة أم غيره فبماذا تعتبره؟
الجواب: الأصل في الدم الخارج من المرأة أنه دم حيض حتى يتبين أنه دم استحاضة وعلى هذا فتعتبره دم حيض ما لم يتبين أنه دم استحاضة .

***
س174: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فما الحكم؟ وهل تقضي الصلاة عن وقت الحيض؟
الجواب: إذا حدث الحيض بعد دخول وقت الصلاة كأن حاضت بعد الزوال بنصف ساعة مثلاً فإنها بعد أن تتطهر من الحيض تقضي هذه الصلاة التي دخل وقتها وهي طاهرة لقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: من الآية103) . ولا تقضي الصلاة عن وقت الحيض لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: ((أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟))158 .وأجمع أهل العلم على أنها لا تقضي الصلاة التي فاتتها أثناء مدة الحيض .
أما إذا طهرت وكان باقياً من الوقت مقدار ركعة فأكثر فإنها تصلي ذلك الوقت الذي طهرت فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر))159 من وقت العصر، أو قبل طلوع الشمس، وكان باقياً على غروب الشمس، أو طلوعها مقدار ركعة فإنها تصلي العصر في المسألة الأولى، والفجر في المسألة الثانية .

***
س175: امرأة كانت عادة حيضها ستة أيام، ثم زادت أياد عادتها؟
الجواب: إذا كانت عادة هذه المرأة ستة أيام ثم طالت هذه المدة وصارت تسعة أو عشرة أو أحد عشر يوماً، فإنها تبقى لا تصلي حتى تطهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد حداً معيناً في الحيض، وقد قال الله تعالى :(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً)(البقرة: من الآية222) فمتى كان هذا الدم باقياً، فإن المرأة على حالها حتى تطهر وتغتسل ثم تصلي، فإذا كان جاءها في الشهر الثاني ناقصاً عن ذلك فإنها تغتسل إذا طهرت وإن كان لم يكن على المدة السابقة، والمهم أن المرأة متى كان الحيض معها موجوداً فإنها لا تصلي، سواء كان الحيض موافقاً للعادة السابقة، أو زائداً عنها، أو ناقصاً، وإذا طهرت تصلي .

***
س176: المرأة إذا أتتها العادة الشهرية ثم طهرت واغتسلت وبعد أن صلت تسعة أيام أتاها دم وجلست ثلاثة أيام لم تصل ثم طهرت وصلت أحد عشر يوماً وعادت إليها العادة الشهرية المعتادة، فهل تعيد ما صلته في تلك الأيام الثلاثة أم تعتبرها من الحيض؟
الجواب: الحيض متى جاء فهو حيض سواء طالت المدة بينه وبين الحيضة السابقة أم قصرت، فإذا حاضت وطهرت وبعد خمسة أيام، أو ستة، أو عشرة جاءتها العادة مرة ثانية فإنها تجلس لا تصلي، لأنه حيض وهكذا أبداً، كلما طهرت ثم جاء الحيض وجب عليها أن تجلس، أما إذا استمر عليها الدم دائماً، أو كان لا ينقطع إلا يسيراً فإنها تكون مستحاضة، وحينئذ لا تجلس غلا مدة عادتها فقط .

***
س177: ما حكم السائل الأصفر الذي ينزل من المرأة قبل الحيض بيومين؟
الجواب: إذا كان هذا السائل أصفر قبل أن يأتي الحيض فإنه ليس بشيء لقول أم عطية: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً))160 .أخرجه البخاري، وفي رواية لأبي داود: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً))161 . فإذا كانت هذه الصفرة قبل الحيض ثم تنفصل بالحيض فإنها ليست بشيء، أما إذا علمت المرأة أن هذه الصفرة هي مقدمة الحيض فإنها تجلس حتى تطهر.

***
س178: ما حكم الصفرة والكدرة التي تكون بعد الطهر؟
الجواب: مشاكل النساء في الحيض بحر لا ساحل له، ومن أسبابه استعمال هذه الحبوب المانعة للحمل والمانعة للحيض، وما كان الناس يعرفون مثل هذه الإشكالات الكثيرة من قبل، صحيح أن الإشكال ما زال موجوداً منذ وجد النساء، لكن كثرته على هذا الوجه الذي يقف الإنسان حيران في حل مشاكله أمر يؤسف له، ولكن القاعدة العامة: أن المرأة إذا طهرت ورأت الطهر المتيقن في الحيض، وأعني بالطهر في الحيض خروج القصة البيضاء، وهو ماء أبيض تعرفه النساء، فما بعد الطهر من كدرة أو صفرة أو نقطة أو رطوبة فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته، لأنه ليس بحيض . قالت أم عطية: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً)) . أخرجه البخاري وزاد أبو داود ((بعد الطهر))، وسنده صحيح .
وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة، ولا تمنعها من صلاتها وصيامها وجماع زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر، لأن بعض النساء إذا خف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- بالكرسف –يعني القطن- فيه الصفرة فتقول لهن: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء))162 .

***
س179: ما حكم استعمال حبوب منع الحيض؟
الجواب: استعمل المرأة حبوب منع الحيض إذا لم يكن عليها ضرر من الناحية الصحية، فإنه لا بأس به، بشرط أن يأذن الزوج بذلك، ولكن حسب ما علمته أن هذه الحبوب تضر المرأة، ومن المعلوم أن خروج دم الحيض خروج طبيعي، والشيء الطبيعي إذا منع في وقته، فإنه لا بد أن يحصل من منعه ضرر على الجسم، وكذلك أيضاً من المحذور في هذه الحبوب أنها تخلط على المرأة عاد